Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٠-با
بِرِّ الوالدينِ، وصلةِ الأرحام
قال الله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَلِدَ يْنِ
إِحْسَنًا وَبِذِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَ وَالْجَارِ
اُلْجُنُبِ وَالصَّاحِبٍ بِالْجَنَِّ وَأَبْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾
[النساء: ٣٦].
* وقال تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهُ الَّذِى تَسَآءَ لُونَعِهِ، وَاَلْأَرْحَمْ﴾ [النساء: ١].
* وقال تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ=أَنْ يُوصَلَ﴾ الآية
[الرعد: ٢١].
* وقال تعالى: ﴿ وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨].
وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَاْ إِلَّا إِنَّاهُ وَبِلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاً
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل ◌َُّمَآ أُفٍ وَلَا نَنْهُرْهُمَا
وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢) وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل
رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبَّيَانِ صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٤].
٤٦١

وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَلَتْهُ أُمُّهُ،وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ
وَفِصَلُهُ فِىِ عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِ وَلِوَلِدَيْكَ ﴾ [لقمان: ١٤].
(الباب الأربعون)
(في بر الوالدين وصلة الأرحام)
(ن): (بِرُّ الوالدين)): هو الإحسان إليهما، وفعل الجميل معهما، وفعل
ما يَسُّهما، ويدخل فيه الإحسانُ إلى صديقهما، كما في الصحيح: ((إِنَّ مِن
أَبِّ البِرِّ أَن يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبيِهِ»، يقال: بَرِرْتُ والدي بكسر الراء أبرّة
بضمها مع فتح الباء، بَرًّا، وأنا بَرّ به بفتح الباء، وبارٌّ، وجمع البَرِّ، الأبرار،
وجمع البارِّ: البرَرة(١).
(ك): ((صلة الرَّحِم)): هي تشريك ذوي القربات في الخيرات، وهي
تختلف باختلاف حال الواصل والمَوصول إليه، فتارة تكون بالمال، وتارة
بالخِدْمة، وتارة بالزِّيارة والسَّلام، وغير ذلك، واختلفوا، فقيل: هو عامٌّ
في المَحْرَم وغيره، وقيل: هو خاصٌّ بالمَحْرَم، وهو الذي لا يَحِلُّ
مُناكَحتُه أبداً، ثم إن لها مراتبَ من البرِّ، والإكرام، وأقلُّها السَّلام(٢).
(غب): (الرَّحِم)) رَحِم المرأة، ومنه استُعير الرحم للقرابة، لكونهم
خارجين من رَحِم واحدة(٣).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٧٦).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٩/ ١٩٦، ٢١ / ١٥٥).
(٣) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ١٩١).
٤٦٢

* قوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، سبق
تفسيره في باب قبله.
* قوله تعالى: ﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِى تَسَُّلُونَ بِهِ، وَآلْأَرْحَمْ﴾ [النساء: ١]، أي:
كما يقال أسألك بالله؟ وقوله: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾، أي: واتقوا الأرحام أن
تقطعوها، ولكن بِرُّوها وصِلُوها، قاله ابن عباس، ومُجاهد، والضَّخَّاك،
والرَّبيع، وعكرمة، والحسن، وقرأ بعضُهم و﴿وَآلْأَرْحَامَّ﴾ بالخفض على
العطف على الضمير في ﴿په،﴾، أي: تسألون به وبالأرحام، كما يقال:
أسألك بالله، وبالرَّحِم، قاله مجاهد، والحسن(١).
(الكشاف): قد آذن عَزَّ وعلا، إذ قرن الأرحامَ باسمه أن صلتَها منه
بمكان، كما قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاً﴾ [الإسراء:
٢٣]، وأوَّل صلة الولد: (٢) أن يختار له الموضعَ الحلال، ولا يضعَه موضعَ
سُوء، يتبع شهوتَه وهواه بغير هُدىّ من الله(٣).
* قوله تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ= أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرعد: ٢١]، أي:
من صلة الأرحام، والإحسان إليهم، وإلى الفقراء، والمَحاويج، وبذل
المعروف(٤).
(م): ويدخل في هذه الصلة عيادةُ المَرضى، وشُهود الجنائز، وإفشاء
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ٣٣٤).
(٢) في الأصل: ((الأولاد)).
(٣) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٤٩٣).
(٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٢ / ٥١١).
٤٦٣

السلام، والتبسُّم في وجوههم، وكفُّ الأذى عنهم، ويدخل فيه كل حيوان
حتى الهِرَّةُ والدَّجَاجة.
وعن الفُضَيل بن عياض: أن جماعة دخلوا عليه بمكة، فقال: مِن أين
أنتم؟ قالوا: من خُراسانَ، فقال: اتقوا الله وكونوا من حيث كنتم، واعلموا أن
العبد لو أحسن كلَّ الإحسان، وكانت له دَجاجةٌ، فأساء إليها، لم يكن من
المُحسنين(١).
(الثعلبي): عن كعب: والذي فلَق البحرَ لبني إسرائيل، إن في التوراة
لمَكتوباً: يا بنَ آدَمَ، اتق ربّك، وأَبِزَّ والديكَ، وصِل رَحِمَك، أَمُدُّ لك في
عُمرك، وأُيُسِّر لك يُسْرَك، وأصرف عنك عُسْرَك(٢).
، قوله تعالى: ﴿ وَوَضَّيْنَا اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حُسْنَّاً﴾ [العنكبوت: ٨]، أمر عبادَه،
بالإحسان إلى الوالدين بعد الحَثَّ على التمسُّك بتوحيده، فإنهما سبب
وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق، والوالدة
بالإشفاق، ومع هذه الوصية بالإحسان والرحمة قال: ﴿ وَإِنِ جَهَدَاكَ عَلَى
أَنْ تُشْرِكَ بِىِ﴾ [العنكبوت: ٨]، أي: وإن حَرِصا عليك أن تتابعَهما في الكُفر
فإياك وإيّاهما، لا تطعهما في ذلك فإن مرجعكم إليَّ يوم القيامة، فأجزيك
بإحسانك إليهما، وصبرك على دينك(٣).
روى الطبرانيُّ عن سعد بن مالك قال: نزلت فيَّ هذه الآيةُ، كنت رجلاً
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٩ / ٣٤).
(٢) انظر: ((تفسير الثعلبي) (٥/ ٢٨٥).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٠ / ٤٩٥).
٤٦٤

بَرًّا بِأُمِّي، فلما أسلمت، قالت: يا سَعدُ، ما هذا الذي أراك قد أحدثت،
لتدَعَنَّ ديَنك هذا، أو لا آكل، ولا أشرب حتى أموت فتُعَيَّر(١) بي، فيقال:
يا قاتل أُمُّه، فقلت: لا تفعلي يا أُمَّه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكَثَتْ
يوماً وليلة لم تأكل، فأصبحت قد جَهِدَت، فمكَثَتْ يوماً آخر وليلة لا تأكل،
فأصبحت وقد اشتدَّ جَهْدُها، فلما رأيت ذلك، قلت: يا أُقَّه، تعلمين والله،
لو كانت لك مائةُ نفس، فخرجت نفساً نفساً، ما تركت ديني هذا لشيء، فإن
شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي، فأكلت.
(م): الإحسان بالوالدين مأمورٌ به، لأنهما سبب وجود الولد بالولادة،
وسبب بقائه بالتربية المُعتادة، وهما سببٌ مجازاً، والله تعالى سببٌ له في
الحقيقة بالإرادة، وسبب بقائه بالإعادة وبالسَّعادة، فهو أولى بأن يُحسِنَ العبدُ
حاله معه(٢).
* قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، القضاء
ههنا بمعنى الأمر، قال مجاهد: قضی بمعنی وَصَّی.
وقوله: ﴿فَلَا تَقُل لَُّمَآ أُفٍ﴾، أي: لا تُسمِعْهما قولاً سيئاً، حتى
ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيِّئ *.
﴿وَلَا تَنْهُرْهُمَا﴾، أي: لا يصدر منك إليهما(٣) فعلٌ قبيح، قال عطاء:
أي: لا تنفُضَنَّ يَدك على والديك.
(١) في الأصل: ((متضر)).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٥/ ٣٢).
(٣) في الأصل: ((إليك منهما)).
٤٦٥

﴿قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي: ليناً بتأذُّب وتَعظيم وتَوْقِير.
﴿ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ ﴾ [الإسراء: ٢٤]، أي: تواضع، ﴿وَقُل رَبِّ
ارْحَمْهُمَا﴾، أي: في كِبَرهما، وعند وفاتهما، قال ابن عباس: ثم أنزل الله:
﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبىَ﴾
[التوبة: ١١٣](١).
وفي ((مسند الإمام أحمد)): أنه وَِّ قال: ((مَنْ ضَمَّ يتيماً مِن أَبَوینِ
مُسلِمَين إلى طعَامهِ وشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغني عنه، وَجَبَتْ لهُ الجَنَّةُ البَّةَ، ومن
أَدرَكَ وَالدَيْهِ، أو أَحدَهُما فدخلَ النارَ، فَأَبعدَهُ الله﴾(٢).
(م): المناسبة بين الأمر بعبادة الله، وبين الأمر بيِرٌّ الوالدين من وُجوه:
الأول: أن السَّببَ الحقيقيَّ لوجود الإنسان هو تخليقُ الله وإيجادُه،
والسبب الظاهريُّ هو الأبوان، فأمر بتعظيم السَّبب الحقيقيِّ، ثم أتبعه
بتعظيم السَّبب الظاهريِّ.
الوجه الثاني: المَوجود إما قديمٌ أو مُحدَث، ويجب أن يكون معاملةٌ
الإنسان مع الإله القديم المَعبودية، ومع المُحدَث بالشَّفَقة، فيكون إشارةً
إلى التعظيم لأمر الله، والشَّفَقة على خلق الله.
الثالث: أن الاشتغالَ بشُكر المُنعِم واجبٌ، ثم المُنعِم الحقيقيُّ هو الله
سبحانه، وقد يكون أحدُ المَخلوقين مُنِعِماً عليك، وشُكرهُ أيضاً واجبٌ، لما
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٨ / ٤٦٦).
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٢٩)، من حديث مالك بن الحارث ظ ته، بنحوه.
وهو حديث صحيح لغيره. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٨٩٥).
٤٦٦

في الحديث: ((مَن لَم يَشكُرِ الناسَ، لم يَشكُرِ الله)(١)، وليس لأحد من
الخلائق نعمةٌ على الإنسان مثلُ ما للأبوين، وتقریره من وجوه:
أحدها: أن الولد [قطعة من الوالدين، قال وَّه: ((فَاطمةُ بَضْعَةٌ مِنِّي))(٢).
وثانيهما: أن شفقة الأبوين على الولد](٣) عظيمة، وجَدُّهما في إيصال
الخير إليه [كالأمر الطبيعي، ومتى كانت الأواعي إلى اتصال الخير](٤) متوَفِّرةً،
والصَّوارف عنه زائلةً، لا جرم كَثُر إيصال الخير إليه، فوجبَ أن تكون نعمُ
الوالدين على [الولد] كثيرةً أكثرَ من نعمة كل أحد.
ثالثها: أن الإنسان أوَّلَ ما يولد يكون في غاية الضَّعْف، ونهاية العَجْز،
ونعمهما في ذلك الوقت واصلة إليه، ومن المعلوم أن موقعه يكون عظيماً.
رابعها: أن إيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه،
وقد يمتزج بهذا غرضٌ آخرُ، وإيصال الخير إلى الولد ليس لغرَضٍ،
فالإنعام فيه أتمُّ وأكملُ، فثبت أنه ليس لأحد من المخلوقين نعمةٌ على غيره
أكملُ من نعمة الوالدين على الولد، فبدأ الأمرَ بالشُّكر لنعمة الخالق، ثم
أَردَفه بشُكر نعمة الوالدين.
وقوله: ﴿وَبِالْوَ لِدَيْنِ إِحْسَنَا﴾ [الإسراء: ٢٣]، أي: وأحسنوا بالوالدين
إحساناً، قال في ((الكشاف)): لا يجوز أن يتعلق الباء بالإحسان، لأن المصدر
(١) رواه الترمذي (١٩٥٥)، من حديث أبي سعيد الخدري څه. وهو حديث صحيح.
انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٦٥٤١).
(٢) رواه البخاري (٣٥٢٣)، من حديث المسور بن مخرمة
(٣) ما بين معكوفتين من ((تفسير الرازي)) (٢٠ / ١٤٨).
(٤) ما بين معكوفتين من ((تفسير الرازي)) (٢٠/ ١٤٨).
٤٦٧

لا يتقدم عليه صِلتُه، وإنما قدّمه، ليفيد شِدَّةَ الاهتمام بالإحسان إليهما،
والتنكير فيه يدلُّ على التعظيم، أي: تُحسنوا إلى الوالدين إحساناً عظيماً
كاملاً؛ لأنه لمّا كان إحسانُهما إليكَ قد بلغ الغايةَ العظيمة، وجب أن يكون
إحسانُك إليهما كذلك، ثم على جميع التقديرات، فلا تحصل المُكافأة، لأن
إحسانَهما إليك كان على سبيل الابتداء.
وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَ عِندَكَ الْكِبَرَ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أي: يبلغان إلى
حالة الضَّعْف والعَجْز، فيصيران عندك في آخر العُمر، كما كنت عندهما
في أول العُمر.
واعلم أنه تعالى لمَّا ذكر هذه الجُملة، فعند هذا كَلَّف الإنسانَ في حق
الوالدين بخمسة أشياء :
الأول: قوله: ﴿فَلَ تَقُل لَُّمَا أُنٍِ﴾ مثلٌ يُضرب للمنع من كل مكروه،
وأَذِيَّة وإن خَفَّ وقَلَّ.
والثاني: ﴿وَلَا نَنْهُرْهُمَا﴾، أي: لا تستقبلهما بكلام يَزجُرهما.
الثالث: ﴿وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ المُراد منه: أن يُخاطبَهما بالكلام
المَقرون بأمارات التعظيم والاحترام.
الرابع : خفض الجناح، وتقريره من وجهين:
أحدهما: أن الطائر إذا أراد ضَمَّ فَرْخَه إليه للتربية، خفَض له جناحه،
فيكون كنايةً عن حُسن التدبير، أي: بضَمِّهما إلى نفسك، كما فعلا ذلك
بك في حال صغرك.
والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران، ينشر جناحَيه، وإذا ترك الطيرانَ
والارتفاع، خفَض جناحَيه، فصار خفضُ الجناح كنايةً عن فعل التواضع.
٤٦٨

وقوله: [من الرحمة]، أي: ليكن خفضُ جناحيك لهما بسبب فَرْط
رحمتك لهما، وعطفك عليهما .
الخامس: أن يدعوَ لهما بالرحمة، أي: افعل بهما هذا النوعَ من
الإحسان، كما أحسنا إليَّ في تربيتهما إيايّ.
سئل(١) سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه في اليوم؟ فقال: نرجو أن
يجزئه إذا دعا لهما في آخر التشهدات، كما أن الله تعالى قال: ﴿صَلُّواْعَلَيْهِ
وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] [فكانوا يرون أن التشهد يجزئ عن الصلاة
على النبي ◌َّي](٢) والشافعي ذهب إلى الوجوب في آخر التشهد(٣).
الكشاف: روي عن سعيد بن المُسيَّب أن البارَّ لا يموت مِيتةَ سُوء،
وقال رجل: يا رسول الله، إن أبوي بلغا من الكِبَر أني ألي منهما ما وَلِيَا مِنِّي
في الصِّغَر، فهل قضيتهما؟ قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك، وهما
يُحبِّان بقاءَك، وأنت تفعل ذلك، وأنت تريد مَوتَهما.
وعن ابن عمر: أنه رأى رجلاً في الطواف يحمل أُمَّه ويقول:
إذا الرِّكَابُ نفرَتْ لا تَنْفِرْ
إِنِّي لَهَا مَطِيَّةٌ لا تُذْعَرْ
اللهُ رَبِّي ذُو الجَلالِ الأَكْبَرْ
ما حَمَلتْ وأَرضَعَتْنِي أَكْثِرْ
تظنني جَزِيتُها يا بن عُمر
(١) في الأصل: ((قيل)).
(٢) ما بين معكوفتين من ((تفسير الرازي)) (١٥٣/٢٠).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٠ / ١٤٨ - ١٥٣).
٤٦٩

قال: لا، ولا زَفرةً واحدةً(١).
٣١٢ - عن أبي عبد الرحمنِ عبدِالله بن مسعودٍ ﴿ه، قال:
سَأَلْتُ النبيَّ ◌َّهِ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلى الله تَعَالَى؟ قال: ((الصَّلاةُ
عَلَى وَقْتِهَا))، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قال: ((بِرُّ الوَالِدَيْنِ)، قلتُ: ثُمَّ أَيُّ؟
قال: ((الچِهَادُ في سَبِيلِ الله)) متفقٌ عليه.
(الأَوْلُ)
* قوله: ((الصلاة على وقتها))، وفي بعض الروايات: ((لوقتها)).
(ك): الظاهر يقتضي (في)، لأن الوقت ظرف لها، لكن عند الكوفيين
حروفُ الجر يُقام بعضُها مُقامَ البعض، وأما عند البصرية: فاستعمال (على)
هو بالنظر إلى إرادة الاستعلاء على الوقت، والتمكُّن على أدائها في أيِّ جزء
من أجزائها، وأما اللام: فهي مثل اللام في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ
لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ [الطلاق: ١]، وقولهم: لقيته لثلاث ليال بقين من الشهر، وتسمَّى
بلام التأقيت والتاريخ(٢).
(ق): قد روى الدارقطنيُّ هذا الحديثَ من طريق صحيح، وقال:
((الصَّلاةُ لأوَّلٍ وَقتِها))، وهو ظاهرٌ في أن أوائل أوقات الصلاة أفضلُ، كما
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٢ / ٦١٦).
(٢) انظر ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٤ / ١٨١).
٤٧٠

ذهب [إليه] الشافعيُّ، وعند مالك فيه تفصيلٌ، انتهى(١).
وجه الجميع بين هذا الحديث، وبين حديث أبي ذَرٍّ، قلت: يا رسولَ
اللهُ، أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: ((الإِيمَانُ بالله، والجِهَادُ في سَبيلِهِ)) سبقَ في أول
(الباب الثالث عشر).
وفيه: أن أعمال البر يَفضُل بعضُها على بعض عند الله، وفيه: فضيلة بِّ
الوالدين، إذ هو مُقدَّم على الجهاد، مع ما فيه من الفضيلة، وقال ◌َّي للذي
استأذنه للجهاد: ((أَحَيُّ وَالِدَاكَ؟» قال: نعم، قال: ((فَفِيهمَا فجَاهِدْ»(٢).
٠٠٠
٣١٣ - وعن أبي هريرةَ ◌َ﴾، قال: قالَ رسولُ الله ◌ِّهِ:
(لا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِداً إلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكاً، فَيَشْتَرِيَهُ، فَيُعْتِقَهُ) رواه
ـسلم.
(الثَّانِى )
(ن): ((يجزي)) بفتح أوله، أي: لا يكافئه بإحسانه وقضاءِ حَقِّه، إلا
أن يُعْتِقَه (٣).
(خط): إنما هذا جزاء له، وأداء لحَقِّه، لأن العِتقَ أفضل ما يُنعِم به
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١/ ٢٧٩)، والحديث رواه الدارقطني في ((سننه))
(١/ ٢٤٧)، من حديث أم فروة رضي الله عنها. وهو حديث ضعيف. انظر:
((السلسلة الضعيفة)) (١٨٣٢).
(٢) رواه البخاري (٢٨٤٢)، من حديث عبدالله بن عمرو ﴾﴾.
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) النووي (١٠ / ١٥٢).
٤٧١

أحدٌ على أحد، لأنه يخلصه بذلك من الرِّقُ، ويجبر منه النقصَ الذي فيه
في الأملاك، والأنكحة، ونحوها من الأمور(١).
(ن): اختلفوا في عتق الأقارب إذا مُلِكوا، فقال أهل الظاهر: لا يَعتِقُ أحدٌ
منهم بمجرد الملك، سواء الوالد، والولد، وغيرُهما، بل لا بدَّ من إنشاء عتق،
واحتجُّوا بمفهوم هذا الحديث، وقال جماهير العلماء: يحصل العِثْقُ في الآباء،
والأُمَّهات، والأجداد، والجَدَّات، وإن علوا وعَلَوْنَ، وفي الأبناء، والبنات،
وأولادهم، الذُّكور، والإناث، وإن سَفْلوا بمجرَّد المُلك سواء المسلم،
والكافر، والوارث، وغيره، ومختَصرُه: أنه يَعتِقُ عمودُ النسب بكل حال.
وقال مالك: يَعْتِقُ الإخوة أيضاً، وعنه روايةٌ أنه يَعتِقُ جميع ذَوي
الأرحام المُحرَّمة، وفي رواية ثالثة كمذهب الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفة: يَعِقُ جميع ذوي الأرحام المُحرَّمة، ويتأوَّل الجمهور
الحديثَ على أنه لمَّا تسبَّب في شراء الذي يترتب عليه عتقُه، أُضيف العِثْقُ
إليه(٢).
(قض): مُتَمَسَّك الظاهرية: أنه لو لم يكن كذلك، لم يصِحَّ ترتُّبُ
الإعتاق على الشِّراء، والجمهورُ على أن معناه: فيعتقه بالشِّراء، لا بإنشاء
عتق، والترتُّب باعتبار الحُكم دون الإنشاء(٣).
(مظ): فعلى هذا: الفاء في قوله: ((فيعتقه)) للسببية، أي: فيعتقه بسبب
(١) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ١٥٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ١٥٣).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣).
٤٧٢

شرائه، والظاهرية يجعلونه للتعقيب(١).
(ق): مُتَعلَّق الظاهرية من الحديث ليس بصحيح، لأن الله تعالى قد
أوجب علينا الإحسانَ إلى الأبوين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّآ
إِيَّاهُ وَيَاَلْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاً﴾ [الإسراء: ٢٣]، فقد سَوَّى بين عبادته، وبين الإحسان في
الوجوب، وليس من الإحسان أن يبقى والدُه في مُلكه، فإذاً، يجب عِتقُه، إما
لأجل المُلك، عملاً بالحديث، أو لأجل الإحسان، عملاً بالآية، والظاهرية
تركوا العملَ بكل واحد منهما، للتمسُّك بظاهرٍ لم يُحيطوا بمعناه.
وأما الرواية الثانية عن مالك فمُتعلَّقُه الحديثُ الثابت في ذلك الذي
خَرَّجه أبو داود والترمذيُّ من طُرق متعدِّدة(٢)، وأحسن طرُقه ما خرَّجه النسائي
من حديث ضَمْرةَ، عن سفيان، عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال
رسولُ الله ◌َّ: ((مَن مَلَكَ ذا رَحِم مَحْرَمِ، فَقَد عَتَقَ))(٣)، هذا حديثٌ ثابت لم
يقدح فيه أحدٌ، غير أن بعضهم قال: تفرد به ضُمْرةُ، وهذا لا يلتفت إليه، لأن
ضَمْرةَ عدلٌ ثقة، وانفراده لا يضرُّ على ما مَهَّدنا في الأصول، فلا ينبغي أن
يعدل عن هذا الحديث، بل يجب العمل به، لصِخَّته سنداً، ولشهادة الكتاب
له معنىٌ، لقوله تعالى: ﴿وَأَعْبُدُ واْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا وَبِالْوَلِدَيْنِإِحْسَنَّا وَبِذِى
اُلْقُرْبَ﴾ [النساء: ٣٦]، وليس من الإحسان للأبوين، ولا للقرابة استرقاقهم،
فإن نفسَ الاسترقاق، وبقاءَ اليد على المُسترَقِّ إذلال [له] وإهانة، ولذلك
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٤ / ١٦٠).
(٢) رواه أبو داود (٣٩٤٩)، والترمذي (١٣٦٥)، من حديث سمرة ظه. وهو حديث
صحيح. انظر: ((إرواء الغليل)) (١٧٤٦).
(٣) رواه النسائي في ((الكبرى)) (٤٨٩٧).
٤٧٣

فسخنا على النصرانيِّ شراءَه للمسلم على رواية.
فإن قيل: فهذا يلزم في القرابات كلهم وإن بعُدوا؟
قلنا: هذا يلزم، لكن قد خَصَّص النبيُّ نَّهِ بعضَ القرابات بقوله: ((مَنْ
مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ))، فوصفه بالمَحْرَمِيَّة، فمَن ليس كذلك، لا تتضمَّنه الآيَةُ
ولا الحديث(١).
(ط): هذا وأمثاله لا يشفي الغليل، لأن الأُبوّة تقتضي المالكية، كما في
حديث عمرو بن شعيب: ((أنتَ ومَالُكَ لِوالدِكَ))(٢)، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَ اْمَلُودِ
لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، والشراء من مُقدِّمات المُلك، والعتق من مُقتضَیاته،
كما تقرَّر في علم الأُصول أن مَن قال: أعتق عبدَك عني، يقتضي تملیگه إياه،
ثم عِتقَه عنه، فالجمع بينهما جمعٌ بين المتنافيين، فالحديث من باب التعليق
بالمُحال، للمبالغة، المعنى: لا يجزي والدٌ ولدَه إلا أن يملكَه، فيُعتِقَه،
وهو مُحال، فالمُجازاة مُحال، كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَنْكِحُواْ مَانَكَحَ
ءَابَآؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢](٣).
(الكشاف): يعني: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف، فانكحوه،
فلا يحل لكم غيرُه، وذلك غير ممكن، فالغرض المُبالغة في تحريمه،
وسَدُّ الطريق إلى إباحته، كما تعلَّق بالمُحال وقوله تعالى: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ /٣٤٤ - ٣٤٦).
(٢) رواه أبو داود (٣٥٣٠). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(١٤٨٧).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٤٣٠).
٤٧٤

فَقُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: ٥٤]، إذا جُعلت التوبة نفسَ القتل(١).
وقوله: ((مملوكاً) نصب على الحال من الضمير المنصوب في «يجده)).
*
٣١٤ - وعنه أيضاً : أَنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((مَنْ كَانَ
يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْقَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله
واليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ،
فَلْيَقُلْ خَيْراً، أَوْ لِيَصْمُتْ)) متفقٌ عليه.
(الثَّالِثُ))
سبق في الباب قبله .
٣١٥ - وعنه، قال: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ الله تعالى خَلَقَ
الخَلْقَ، حَتَّى إذا فَرَغَ مِنْهُمْ، قَامَتِ الرَّحِمُ، فَقَالَتْ: هذا مُقَامُ
العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قال: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ
وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قالت: بَلَى، قال: فَذلِكَ لَكِ))، ثم
قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَيْتُمْ أَنْ
تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوْ أَرْحَامَكُمْ ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَصَمَّهُمْ
وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ ﴾ [محمد: ٢٢ -٢٣])، متفقٌ عليه.
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٥٢٥).
٤٧٥

وفي رواية للبخاري: فقال الله تعالى: ((مَنْ وَصَلَكِ، وَصَلْتُهُ،
وَمَنْ قَطَعَكِ، قَطَعْتُهُ».
(ق): معنى ((فرغ منهم)) كمَّل خلقَهم، لا أنه اشتغل بهم، ثم فرغ من
شُغله بهم، إذ ليس فعله بمُباشرة، ولا بمُناولة، ولا خلقُه بآلة، ولا مُحاولة،
تعالى عما يتوهّمه المُتوهِّمون، وسبحانه، ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
[آل عمران: ٤٧](١) .
(ن): قال القاضي: الرَّحِم التي تُوصل وتُقطع إنما هي معنىٌ من
المعاني لا يتأتىَّ منها القيام ولا الكلام، فيكون هذا ضربَ مثل، وحُسنَ
استعارة على عادة العرب في ذلك، والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصليها،
وعظم إثم قاطعيها بعُقوقهم، ولهذا سُمِّي العُقوق قطعاً، والعَقُّ الشَّقُّ، كأنه
قطع ذلك السببَ المُتَّصل، قال: ويجوز أن يكون المراد قيامَ ملكَ من
الملائكة تعلَّق بالعرش وتكلَّم على لسانها بهذا بأمر الله، هذا كلام القاضي.
و((العائذ)): المُستعيد، والمُعتَصِم بالشيء، المُلتَجِئ إليه، المُستجير به.
قال العلماء: وحقيقة الصِّلة العَطفُ والرَّحمة، فصِلة الله عبادَه: لُطفُه
بهم، ورحمته إياهم، وعطفه بإحسانه ونِعمَه، أو صلتهم بأهل مَلكُوته الأعلى،
وشرحُ صُدورهم بمعرفته وطاعته.
قال القاضي: ولا خلافَ أن صِلة الرَّحِم واجبةٌ في الجملة، وقطيعتها
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٢٤).
٤٧٦

معصية كبيرة، ولكن للصلة درجات، بعضُها أرفع من بعض، وأدناها تَركُ
المهاجرة، وصِلَتُها بالكلام، ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القُدرة
والحاجة، فمنها واجب، ومنها مُستحَبٌّ، ولو وصل بعض الصِّلَة، ولم
يصل غايتَها، لا يُسمَّى قاطعاً، ولو قَصَّر عَمَّا يقدِر عليه، ينبغي أن يسمَّى
واصلاً، قال: واختلفوا في حَدِّ الرَّحِم التي يجب صِلتُها، فقيل: هو كل
مَحْرَم، بحيث لو كان أحدُهما ذكراً والآخرُ أنثى، حَرُمت مُناكحتهما،
فعلى هذا: لا يدخل أولادُ الأعمام، ولا أولاد الأخوال.
وقيل: هو عامٌّ في كل رَحِمَ مِن ذوي الأرحام، هذا كلام القاضي،
وهذا القول الثاني هو الصواب، ومِمَّا يدل عليه الحديثُ الذي ورد في أهل
مصر، ((فإنَّ لَهُم ذِمَّةً ورَحِماً)) (١)، وحديث: ((إنَّ أبرَّ البرِّ أَن يصِلَ الرَّجُلُ
أهلَ وُدِّ أَبيهِ))(٢)، مع أنه لا محرمية (٣) .
(ق): مقصود الحديث: الإخبارُ بتأكيد أمر صِلة الرَّحِم، وأن الله
تعالى قد أنزلها بمنزلة مَن استجار به، فأجاره وأدخله في ذمته وخِفَارته،
وإذا كان كذلك، فجار الله غير مَخذُول، وعهده غير منقوض (٤).
* قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢]:
(ق): (عسى) من أفعال المُقاربة، قال الجوهري: (عسى) من الله
(١) رواه مسلم (٢٥٤٣/ ٢٢٦)، من حديث أبي ذر
(٢) رواه مسلم (٢٥٥٢/ ١١)، من حديث ابن عمر عليهما.
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١١٢).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٢٥).
٤٧٧

واجبةٌ في جميع القرآن، إلا قوله: ﴿عَسَى رَبّهُ: إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، الآية:
وظاهر الآية أنها خطاب لجميع الكفار، قال قتادة: فلعلکم، أو يخاف عليكم
إن أعرضتم عن الإيمان، أن تعودوا إلى الفساد في الأرض بسَفْك الدِّماء.
وعلى هذا: فتكون الرحم المذكورة ههنا رَحِمَ دين الإسلام والإيمان
التي قد سمَّاها أخوَّة بقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال
الفراء: نزلت هذه الآية في بني هاشم وبني أمية، فعلى هذا: فتكون رحمُهم
القرابةَ، فالرحم المُحرَّم قطعُها، المأمور بصلتها: على وجهين، عامّة وخاصَّة،
فالعامَّة: رحم الدِّين، ويجب مُواصلتُها بمُلازمة الإيمان والمَحبَّة لأهله،
ونُصرتهم، والنصيحة لهم، وترك مُضارَّتهم، والعدل بينهم والنَّصَفَة في
مُعاملتهم، والقيام بحُقوقهم الواجبة، كتمريض المرضى، وحقوق الموتى،
وغير ذلك من الحقوق الدِّينية.
وأما الرَّحِم الخاصَّة: فيجب لهم الحقوق العامة وزيادةٌ عليها،
كالشَّفقَة على القرابة القريبة، وتَفَقُّد أحوالهم، وترك التَّغافُل عن تعاهُدِهم
في أوقات ضروراتهم، وغير ذلك(١).
*
٣١٦ - وعنه ه، قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى رسولِ الله وَّهِ، فقال:
يا رسولَ الله! مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قال: ((أُمُّكَ))، قال:
ثُمَّ مَنْ؟ قال: ((أُمُّكَ))، قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: (أُمُّكَ))، قال: ثُمَّ مَنْ؟
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه .
٤٧٨

قال: ((أَبُوكَ))، متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ: يا رسولَ الله! مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قال:
(أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثُمَّ أَدْنَكَ أَدْنَكَ)).
((وَالصَّحَابَةُ)) بمعنى: الصُّحْبَةِ.
وقوله: (ثُمَّ أَبَاكَ)) هَكَذَا، هو منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ؛ أي:
ثم بِرَّأَبَاك. وفي رواية: (ثُمَّ أَبُوكَ))، وهذا واضح.
* قوله: ((بحسن صحابتي)) :
(ن): ((الصحابة)) ههنا بفتح الصاد، وبمعنى الصُّحْبة، وفيه: الحَثُّ
على برِّ الأقارب، وأن الأُمَّ أحقُّهم، ثم بعدها الأبُ، ثم الأقربُ فالأقرب،
وسببُ تقديم الأُمِّ كثرةُ تعبها عليه، وشفقَتها، وخِدمتها، ومُعاناة المَشاقِّ
في حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته، وخدمته، وتمریضه، وغیر
ذلك، ونقل الحارث المُحاسبيُّ إجماعَ العلماء على أن الأم تفضَّل في البِرِّ
على الأب.
وحكى القاضي عياض خلافاً في ذلك، فقال الجمهور بتفضيلها، وقال
بعضهم: يكون بِرُّهُما سواء، قال: ونسب بعضُهم هذا إلى مالك، والصواب
الأول، لصريح هذه الأحاديث في(١) المعنى المذكور.
قال القاضي: أجمعوا على أن الأُمَّ والأبَ أكثر حُرمةً من سواهما،
قال: وتردّد بعضُهم بين الأجداد والإخوة، لقوله وَّ: ((ثم أدناك أدناك».
(١) في الأصل: ((ثم)).
٤٧٩

قال أصحابنا ويُستحبُّ أن يُقدَّمَ في البرِّ الأُمَّ، ثم الأب، ثم الأولاد، ثم
الأجداد والجَدَّت، ثم الإخوة والأخوات، ثم سائر المَحارم من ذوي
الأرحام، كالأعمام والعَمَّات، والأخوال والخالات، ويُقدَّم الأقرب
فالأقرب، ويقدّم من أدلى بأبوين على من أدلى بأحدهما، ثم بذوي الرَّحِم
غير المَحرم، كابن العَمِّ وبنته، وأولاد الأخوال والخالات، وغيرهم، ثم
بالمُصاهرة، ثم بالمَولى من أعلى وأسفل، ثم بالجار، ويقدّم القريب البعيد
الدار، وكذا لو كان القريب في بلد آخر، فيقدَّم على الجار الأجنبي، وألحقوا
الزوج والزوجة بالمَحارم(١).
(ق): قوله: ((أمك)) ثلاث مرات وفي الرابعة: ((أبوك)) يدل على صِحَّة
قول مَن قال: إن للأُمِّ ثلاثةَ أرباع البِرِّ، وللأب رُبُّعه، ومعنى ذلك: أن حَقَّهما
وإن كان واجباً، فالأُمُّ تستحق الحَظَّ الأوفر من ذلك، وفائدة ذلك: المُبالغة
في القيام بحَقِّ الأُمِّ، وأن حقَّها مُقدَّم عند تزاحُم حَقِّها وحَقِّه.
وقوله: ((ثم أدناك ثم أدناك))، يعني: أنك إذا قمت بيِرِّ الأبوين، يتعين
عليك القيامُ بصلة رحمك، وابتدئ منهم الأقربَ، وهذا كله عند تزاحُم
الحقوق، وأما عند التمكُّن من القيام بحقوقهم، يتعيَّن القيام بجميع ذلك(٢).
٣١٧ - وعنه، عن النبي ◌ٍَّ، قال: ((رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) النووي (١٦ / ١٠٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٠٨).
٤٨٠