Indexed OCR Text
Pages 381-400
هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ، لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئاً غَيْرَ ذلِكَ، إِلَّ أَنْ
يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيَِّةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ، فَاهْجُرُوهُنَّ في المَضَاجِعِ،
وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ
سَبِيلاً؛ أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقّاً، وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقّاً،
فَحَقُّكُمْ عَلَيْهِنَّ: أَن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلا يَأْذَنَّ في
بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ: أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهُنَّ فِي
كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيحٌ.
قوله ◌َله: ((عَوانٍ))؛ أَيْ: أسِيِرَاتٌ، جَمْعُ عَانِيَةٍ - بِالعَيْنِ
المُهْمَلَةِ - وَهِيَ الأَسِيرَةُ، وَالعانِي: الأسِيرُ. شَبَّهَ رسولُ اللهِ وَه
المَرْأةَ في دُخُولِها تَحْتَ حُكْم الزَّوْجِ بالأسِيرِ، ((وَالضَّرْبُ المُبَرِّحُ)):
هُوَ الشَّاقُّ الشَّدِيدُ.
وقوله ◌َّهِ: ((فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً))؛ أَيْ: لا تَطْلُبُوا طَرِيقاً
تَحْتَجُونَ بِهِ عَلَيْهِنَّ، وَتُؤْذُونَهُنَّ بِهِ، والله أعلم.
٤
* قوله: ((وذكَّر ووعظ)»، هما بمعنَى، وجمع بينهما تأكيداً.
(الجوهريُّ): (الوعظ): النُّصحُ والتذكيرُ بالعَواقب(١).
سبق معنى الاستيصاء في هذا الباب، وإنما جعلهن عَوَانيَ لأنهن
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٣/ ١١٨١)، (مادة: وعظ).
٣٨١
تحت حكم الأزواج لا اختيار لهُنَّ في الخُروج من بيتهن لمصالح دُنياهن،
ولحفظ أموالهن، ولا لزيارة الأبوين والأقارب، ولا لعيادتهم، وكأنهن
مَسجوناتٌ وفي الأَسْيَارِ، ففيه: الإعلامُ بضَعفهِنَّ، وأن لا يميتوهُنَّ في
الأشغال والعمل.
* وقوله :﴿: ((غير ذلك))؛ أي: غيرَ كونهن عَوانيَ عندكم، وتحت
حُكمكم فيما يتعلق بالاستمتاع، لستم تملكون شيئاً غيره من الاستخدام
والضَّرْب ونحوِهِ، إلا أن يأتين بفاحشة مبيِّةٍ، فلكم الهَجْر والضَّرب، وفي
الفاحشة المُبيِّنّة قولان:
أحدهما: أنها الزِّنا، قاله ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن
المُسيِّب، والشَّعبيُّ، والحسن البصريُّ، ومُحمَّد بن سِيرينَ، وسعيد [بن]
جُبير، ومُجاهد، وعكرمة، وعطاء الخُراسانيُّ، وجماعة.
والثاني: أنها النُّشوز والعِصيان، وشَكاسةُ الخُلق، وإيذاءُ الزوج وأهله،
رُوي ذلك أيضاً عن ابن عباس، وعكرمة، والضَّخَّاك. واختار ابنُ جرير أنه
يَعُمُّ ذلك كلَّه: الزِّنا، والعِصيان، والنُّشوزَ، ويَذاءةَ الِّسان، وغير ذلك.
* قوله ◌َّفي: ((فاهجروهن في المضاجع)) قال ابن عباس: الهِجْرَان:
[أن لا] يُجامعَها ويُضاجِعَها على فراشها، ويُوليها ظهرَه، فيكون هِجرانُ
المُضطجَع كنايةً عن ترك المُباشرة، وقال ابن عباس في رواية، والسُّدِّيُّ
والضَّخَّاك: ولا يكلمها مع ذلك، وفي رواية عن ابن عباس: لا يُكلِّمها من
غير أن يذرَ نكاحها، وذلك عليها شديدٌ(١).
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤/ ٢٥).
٣٨٢
قال الشافعي: ولا يزيد في هِجْرةِ الكلام ثلاثاً، وقال: الضرب مباح،
وتركُه أفضل.
قوله ﴿: ((غير مبرح)):
(نه): أصل التبريح: المَشقَّة والشِّدَّة، يقال: بَرَّح به: إذا شَقَّ عليه،
ومنه: «ضرباً غير مبرح))؛ أي غیرَ شاقٌّ، انتھی(١).
وإذا ضربها، وجب أن يكون مُفرَّقاً على بدنها، ويَّقي الوجهَ لأنه مَجمَعُ
المَحاسن، وأن يكون دون الأربعين، ومن أصحابنا مَن قال: لا يبلغ به
عشرين، لأنه حَدٌّ كامل في حق العبد، ومنهم من قال: ينبغي أن يكون الضربُ
بمنديل ملفوف، أو بيده، ولا يضربها بالسِّياط، ولا بالعَصا.
قال الإمام فخرُ الدِّين: والتخفيف مَرْعيٍّ في هذا الباب على أبلغ
الوجوه، والذي يدلُّ عليه: أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقَّى منه إلى الهجران في
المَضاجع، ثم ترقَّى منه إلى الضرب، وذلك تنبيهٌ يجري مَجرى التصريح، أنه
مهما حصل الغرض بالأخفّ، وجب الاكتفاءُ به(٢).
* قوله ◌َله: ((فحقُّكم عليهن أن لا يُؤْطِئْنَ فُرشكم أحداً تكرهونه»:
(ن): قال المازريُّ: قيل: المُراد بذلك: أن لا يَستخلِینَ بالرجال،
ولم يُرِدْ زناها؛ لأن ذلك يوجب حَدَّها، ولأن ذلك حرامٌ مع مَن يكرهُه
الزوجُ ومَن لا یکرهه.
قال القاضي: قيل: كانت عادةُ العرب حديثَ الرجال مع النساء،
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١١٣).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٠ / ٧٣).
٣٨٣
ولم يكن ذلك ريبةً ولا عَيباً عندهم، فلما نزلت آيةُ الحِجاب، نُهُوا عن
ذلك.
والمُختار: أن معناه: لا يأذنَّ لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم،
والجلوسِ في منازلكم، سواءٌ كان المأذونُ له أجنبياً، أو امرأةً، أو أحداً من
محارم الزوجة، فالنهيُ يتناول جميعَ ذلك، وهكذا حكمُ المسألة عند
الفقهاء، لا يحلُّ لها أن تأذن لرجل ولا امرأة ولا مَحْرم ولا غيره في دخول
منزل الزوج، إلا مَن علمت أو ظنَّت أن الزوج لا يكرهه؛ لأن الأصل
تحريمُ [دخول] منزل الإنسان حتى يوجَد الإذن في ذلك منه، أو مِمَّن أَذِن
له في الإذن في ذلك، أو عُرف رضاه باطِّراد العُرف بذلك ونحوه، ومتى
حصل الشكُّ في الرِّضا ولم يترجَّح شيء، ولا وُجدت قرينةُ الحال،
لا يحل الدُّخول ولا الإذن(١).
٢٧٧ - وعن مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ◌َُه قال: قلتُ: يا رسولَ الله!
ما حَقُّ زَوْجَةٍ أَحَدِنَاَ عَلَيْهِ؟ قال: ((أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا
إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلا تَضْرِبِ الوَجْهَ، وَلا تُقَبِّحْ، وَلا تَهْجُرْ إِلاَّ في
البَيْتِ)) حديثٌ حسنٌّ، رواه أبو داود وقال: معنى ((لا تُقَبِّحْ))؛ أي:
لا تَقُلْ: قَبَّحَكِ الله.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ / ١٨٣).
٣٨٤
(الزَُّ)
* قوله وله: ((أن تطعمها إذا طعمت)):
(ط): التفاتٌ من الغَيْبة إلى الخِطاب، اهتماماً بما قصده من الإطعام
والكِسْوَة(١).
(حس): في قوله: ((لا تضرب الوجه)) دلالةٌ على جواز ضربها على
غير الوجه، وقد نهى النبيُّ نَّهِ عِن ضَرب الوجه نَهْياً عامًا (٢).
(ط): ((لا تقبح)) معناه: لا يُسمعها المكروهَ، ولا يَسبُّها، بأن يقول:
قَبَّحكِ الله، وما أشبهه من الكلام.
(ولا تهجر إلا في البيت)) معناه: لا تهجر إلا في المَضْجَع، ولا تَتَحوَّل
عنها، أو تُحوِّلها إلى دار أخرى(٣).
وهذا محمولٌ على استحباب الاحتمالِ والصبرِ على أذاهُنَّ، وأما الهِجران
عنها في غير البيت: جائزٌ، وهجَر النبيُّ ◌َّ أزواجَه شهراً في غير بيوتهن.
قال البخاري في ((صحيحه)): (بابُ هِجْرَة النبيِّ وَِّ أزواجَه في غير
بيوتهن)، ويُذكر عن معاوية بن حَيْدَة رَفعَهُ: ((غيرَ أن لا تهجُرَ إِلاَّ فِي
البَيْتِ))، والأول أصُ، ثم ساق حديث إيلائه ◌َّ نساءَه، انتهى (٤).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٣٣٤).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٩ / ١٦٠).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٣٣٤).
(٤) انظر: ((صحيح البخاري)) (٥/ ١٩٩٦)، رقم الحديث: (٤٩٠٦).
٣٨٥
٢٧٨ - وعن أبي هريرةَ ﴾ قال: قالَ رسولُ اللهِ وَهِ: ((أَكْمَلُ
المُؤْمِنِينَ إِيْمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ) رواه
الثَّرمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
(السَّادِيُ)
* قوله وير: ((وخياركم خياركم لنسائهم)) إنما كان كذلك، لأن المُداراة
معَهُنَّ، والصبرَ على اعوجاج أخلاقهن، ووِقايتَهُنَّ عَمَّا يوجب النار، وأمرَهنَّ
بلزوم الاستقامة، لا يتأنَّى إلا مِمَّن مُنح حظاً وافراً من حُسن الخلق، ولهذا
قال ◌َله: ((أنا خَيْرُكُمْ لأَهْلِه)(١)، كما أثنى الله سبحانه عليه بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى
خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
٢٧٩ - وعن إياسِ بنِ عبدِ الله بنِ أبي ذُبابٍ ﴾ قال: قالَ
رسولُ اللهِوَلِهِ: ((لا تَضْرِبُوا إِمَاءَ اللهِ»، فَجَاءَ عُمَرُ ﴾ إلى
رسولِ اللهِ وَ﴿ِ، فَقَالَ: ذَئِّرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَرَخَّصَ في
ضَرْبِهِنَّ، فَأَطَافَ بِآلِ رَسُولِ اللهِ وَهِ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ،
فقال رَسُولُ اللهِهِ: ((لَقَدْ أَطَافَ بِآلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ
أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولئِكَ بِخِیَارِکُمْ» رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.
(١) تقدم تخريجه .
٣٨٦
قوله: ((ذَیِرْنَ»: هُوَ بِذَال مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ
ثُمَّ رَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ؛ أيْ: اجْتَرَأْنَ.
قوله: «أَطَافَ))؛ أَيْ: أحَاطَ.
(الزَا
* قوله: ((ذئرن النساء)) هي على لغة: أكلوني البراغيث، وهي لغة
قليلة .
(نه): أي: نَشَزْنَ عليهم، واجترأن، يقال: ذَئِرَتِ المرأةُ تَذْأَرُ، فهي
ذَئِرٌ وذَائِرٌ؛ أي: ناشز، وكذلك الرجل(١).
(حس): فيه من الفقه: أن ضربَ النساء في منع حقوق الزوج مُباحٌ، إلا
أنه يضرب ضرباً غيرَ مُبرِّح، ووجهُ ترتيب السُّنَّة على الكتاب يَحْتَمِلُ أن نهيَ
النبيِّ نَّه عن ضَربِهِنَّ قبل نزول الآية، ثم لمَّا ذَئِرِ النساء أذن في ضَربِهِنَّ، ونزل
القرآن موافقاً له، ثم لمَّا بالغوا في الضرب، أخبر ◌َّهِ أن الضربَ وإن كان
مُباحاً على شَكاسَةِ أخلاقهن، فالتحمُّل والصبرُ على سُوء أخلاقهن وتركُ
الضرب أفضلُ وأجملُ، ويحكى عن الشافعيِّ هذا المعنى(٢).
*
٢٨٠ - وعن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍ و بنِ العاصِ ﴾: أَنَّ رَسُولَ الله وَله
قالَ: ((الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا المَرْأَةَ الصَّالِحَةُ» رواه مسلم.
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ١٥١).
(٢) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (٩ / ١٨٧).
٣٨٧
(التَّامِنُ)
(نه): ((المتاع)»: كلُّ ما ينتفع به من عُروض الدُّنيا قليلِها وكثيرها (١).
(ق): ((المرأة الصالحة)) في زوجها، ونفسها، ودينها، والمُصْلِحةُ
الحال زوجها، كما في الحديث الآخر: ((أَلَا أُخبرُكُم بخَيرِ ما يَكِنِزُه المَرْءُ؟»
قالوا: بلى، قال: ((المَرأَةُ الصَّالِحَةُ الَّتي إذا نظرَ إِليهَا سَرَّتْهُ، وإذا غابَ عنها
حَفِظَتْهُ، وإذا أَمرها أَطاعَتْهُ))(٢).
(ط): الظاهر أنه ◌َ﴿ أخبر أن الاستمتاعاتِ الدُّنيويةَ حقيرةٌ لا يُؤْبَه
بها، ولذلك أنه تعالى لمَّا ذكر أصنافَها وأنواعها وسائرَ مَلاذِّها في قوله:
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاَلْأَنْعَمِ وَالْحَرْثِ﴾ أتبعه بقوله:
﴿ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا﴾ [آل عمران: ١٤]، ثم قال بعده: ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ,
حُسْنُ الْمَشَابِ ﴾ [آل عمران: ١٤]، فنبّه أنها تُضادُّ ما عند الله من حُسن المَآب،
وخَصَّ منها المرأةَ، وقَيَّدها بالصَّالحة، ليُؤْذِنَ بأنها شَرُها لو لم تكن على
هذه الصفة، ومن ثَمَّ قدَّمها في الآية على سائرها، وورد في حديث أُسامةَ:
((ما تَركتُ بَعدِي فِتنةً أَضرَّ على الرِّجَالِ منَ النِّساءِ)) (٣).
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢٩٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤/ ٢٢١)، والحديث رواه أبو داود (١٦٦٤)، من حديث
ابن عباس ﴿﴾. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٦٤٣).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة))، للطيبي (٧/ ٢٢٥٩)، والحديث رواه البخاري (٤٨٠٨)،
ومسلم (٢٧٤٠)، من حديث أسامة بن زيد خطئا.
٣٨٨
٣٥- باب
حَقِّ الزَّوجِ على المرأة
: قال الله تعالى: ﴿اَلِّجَالُ قَوََّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ
بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ فَالصََّلِحَتُ قَيِنَتُ
حَفِظَتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اَللَّهُ ﴾ [النساء: ٣٤].
(الباب الخامس والثلاثون)
(في حق الزوج على الزوجة)
* قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] الآية؛ أي:
الرجل قَيِّمٌ على المرأة، وهو رئيسُها وكبيرُها، والحاكمُ عليها، ومُؤدِّبها إذا
اعوجَّت؛ لأن الرِّجالَ أفضل من النساء، ولهذا كانت النبوة مُختصَّةً بالرجل،
وكذلك المُلك الأعظم، وكذا مَنصِبُ القضاء، وغير ذلك، ﴿وَيِمَآ أَنفَقُواْ مِنْ
أَمْوَلِهِمَّ﴾ من المَهر، والنفقات، والكُلَف التي أوجب الله لهُنَّ عليهم في الكتاب
والسُّنَّة، فللرجل الفضلُ عليها والإِفضالُ، فناسب أن يكون قَيِّماً عليها.
قال ابن عباس ◌َّه: ﴿قَوَّمُونَ عَلَى النِّسَآءِ﴾ ؛ أي: أُمَراءُ عليهن؛ أي:
تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وتكون مُحسِنةً إلى أهله حافظةً لِمَاله(١).
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٥٢٤٥).
٣٨٩
قال الحسن البصريُّ: جاءت امرأة إلى النبيِّ بَّهِ تَسْتَعدِي على زوجها
أنه لَطمَها، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((القِصَاصُ))، فأنزل الله وَّ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ
عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤](١).
وروى ابن جرير عن جعفر بن مُحمَّد، عن أبيه، عن عليٍّ ﴿ُه نحوَہ،
وزاد فيه: فقال رسول الله وَّهِ: ((أَرَدتُ أَمْراً، وأرادَ اللهُ غيرَه))(٢).
* قوله: ﴿فَلِصَلِحَتُ﴾؛ أي: من النساء ﴿قَنِنَتُ﴾؛ أي: مُطيعاتٌ
لأزواجهن، قاله ابن عباس، ﴿حَفِظَتُ لِلْغَيْبِ﴾؛ أي: تحفظ زوجَها في
غَيْيَتَه في نفسها وماله ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ أي: المَحفوظِ مِن حفظه(٣).
روى ابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّهِ: ((خَيْرُ النِّساءِ
امرأةٌ إذا نظرْتَ إليها سَرَّتْكَ، وإذا أَمَرْتَها أَطَاعَتْكَ، وإذا غِبتَ عنها حَفِظَتْكَ
في مالك أو نفسها، ثم قرأ رسول الله وَّر هذه الآيةَ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَى
النِّسَآءِ﴾ إلى آخرها [النساء: ٣٤]))(٤).
(الكشاف): ﴿إِمَا فَضَّلَ اللّهُ﴾ ؛ أي: بما حَفِظُهُنَّ الله حین أوصی بهن
الأزواج في كتابه، وأَمر رسولَه وَهِ، فقال: ((استَوصُوا بالنِّساءِ خَيْراً) (٥)، أو بما
حَفِظَهُنَّ الله وعَصَمَهُنَّ الله، ووفَقَهُنَّ لِحِفظ الغَيْب، و(ما) مصدرية (٦).
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٥٢٤٦).
(٢) انظر: ((تفسير الطبري)) (٥/ ٥٨).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ٢٢).
(٤) انظر: ((تفسير الطبري)) (٥/ ٦٠).
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٥٣٨).
٣٩٠
(م): ((القَوَّام)»: اسمٌ لمَن يكون مُبالغاً في القيام بالأمر، واعلم أن
فضل الرجال على النساء [حاصلٌ] من وجوه كثيرة، بعضُها صفاتٌ حقيقةً،
وبعضها أحكام شرعيةٌ، والفضائل الحقيقيةُ يرجع حاصِلْها إلى أمرين: إلى
العلم، وإلى القُدرة، ولا شكَّ أن عُقُولَ الرجال وعُلومَهم أكثر، وأن قُدرتَهم
على الأعمال الشاقَّة أكملُ، فلهذا فُضِّلوا في العقل، والحَزْم، والعَزْمِ،
والقُوَّة، والكتابة في الغالب، والفُروسـِيّة، والرَّمْي، وأن منهم الأُمناءَ
والعُلماءَ، وفيهم الإمامة الكُبرى والصُّغرى، والجهاد، والأذان، والخُطبة،
والاعتكاف، والشهادة في الحُدود والقِصَاص بالاتفاق، وفي الأنكحة عند
الشافعيِّ، وزيادة النَّصيب في الميراث، والتعصيب، وتَحمُّل الدِّيَة، والولاية
في النكاح، والطلاق، والرَّجْعَة، وعدد الأزواج، وإليهم الانتساب.
والسبب الثاني لحصول هذه الفضيلة قوله تعالى: ﴿وَبِمَآ أَنَفَقُواْ مِنْ
أَمْوَلِهِمْ ﴾ [النساء: ٣٤](١).
وأمَّا الأحَادِيثُ، فَمِنْهَا: حَدِيثُ عَمْرٍو بنِ الأَحْوَصِ السَّابق
في الباب قَبْلَهُ.
٢٨١ - وعن أبي هريرةَ ◌َ ◌ُ قال: قالَ رسولُ اللهِوَلَ ى: ((إذا
دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَّهَا
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٠ / ٧١)، وفيه: ((وأن منهم الأنبياء)) بدل: ((وأن منهم
الأمناء)» .
٣٩١
المَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبحَ)) متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لهما: ((إذا بَاتَتِ المَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا،
لَعَنْتَّهَا المَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ)).
وفي روايةٍ: قال رسولُ اللهِوَ﴾: ((والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا مِنْ
رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إلاَّ كانَ الَّذي فِي
السَّمَاءِ سَاخِطاً عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا)).
(الأَقْلُ)
(ن): فيه دليلٌ على تحريم امتناعها من فراشه بغير عذر شرعيٍّ، وليس
الحيضُ بعذر في الامتناع؛ لأن له حَقَّ الاستمتاع بما فوق الإزار، ومعنى
الحديث: أن اللعنةَ تستمِرُّ عليها حتى تزول المعصية بطلوع الفجر،
والاستغناء عنها، أو بتوبتها ورجوعها إلى الفراش(١).
(ق): لا خلاف في هذا، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿وَلِلرّجَالِ عَلَيِْنَّ
دَرَجَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، بخلاف المرأة، فلو دعت المرأة زوجَها إلى ذلك، لم
يَجِبْ عليه إجابتُها، إلا أن يقصد بالامتناع مُضارَّتها، فيحرم عليه ذلك،
والفرقُ بينهما أن الرجل هو الذي ابتغاها بماله، فهو المالك للبُضْعِ، والدَّرَجةُ
التي آله] عليها هي السَّلطنُ التي له بسبب مُلكه، أيضاً فقد لا ينشَطُ الرجل في
وقتٍ تدعوه ولا يتهيأ له ذلك، بخلاف المرأة(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٧).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ١٦٠).
٣٩٢
(ط): فيه دليلٌ على أن سُخْطَ الزوج يوجب سُخْطَ الرَّبُّ، ورضاه
يوجب رضاه، هذا في حق الشَّهوة، فكيف إذا كان في أمر الدِّين؟! (١)
(ق): ((والذي نفسي بيده)) هو قسمٌ بالله تعالى؛ أي: والذي هو مالك
نفسي، أو قادرٌ عليها، وفيه دليلٌ على أن الحَلِفَ بالألفاظ المُبهَمة المُرادِ بها
[اسمُ] الله تعالى جائزةٌ، حُكمُها حكم الأسماء الصَّريحة، و((الذي في السماء))
ظاهره أن المُراد به الله تعالى، ويكون معناه کمعنى قوله: ﴿َآَمِنْئُم مَّن فِی
السَّمَآءِ﴾ [الملك: ١٦](٢)، ويحتمل أن يراد به هنا الملائكةُ، كما جاء في الرواية
الأخرى: ((إِلَّ لَعَنَهَا المَلائِكَةُ حَتَّى تُصبحَ)»(٣).
٢٨٢ - وعن أبي هريرةَ ﴿ أيضاً: أَن رسولَ اللهِ وَلفي قال:
(لاَيَحِلُّ لامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَلا تَأْذَنَ فِي
بَيْتِهِ إلاَّ بإذنهِ» متفقٌ عليه، وهذا لفظ البخاري.
(الثانى)
* قوله {يا: «وزوجها شاهد»:
(ن): أي: حاضر، هذا محمولٌ على صوم التطوع، وهذا النهي
للتحريم، وسببه أن الزوجَ له حقُّ الاستمتاع بها في كل الأيام، وحَقُّه واجب
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٣٢٨).
(٢) في الأصل: ((العدة)) .
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ١٦٠)، والحديث رواه البخاري (٤٨٩٧).
٣٩٣
على الفور، فلا يَفوتُه بتطوُّعٍ، ولا بواجبٍ على التراخي.
فإن قيل: فينبغي أن يجوز لها الصوم بغير إذنه، فإذا أراد الاستمتاع
بها کان له ذلك، ویَفسدُ صومُها .
والجواب: أن صومَها يمنعه من الاستمتاع في العادة، لأنه يَهابُ
انتهاكَ الصوم بالإفساد.
وقوله: ((شاهد))؛ أي: مقيم بالبلد، أما إذا كان مسافراً فلها الصوم؛
لأنه لا يتأتَّى منه الاستمتاعُ، انتهى(١).
فيه: دلالةٌ على عِظَم حَقِّ الزوج عليها، إذ هي مأمورة بتأخير قضاء
الصوم الواجب، وترك التنفّل بالصيام، وترك كثير من العبادات، كالحج
والاعتكاف ونحوهما، قالت عائشة رضي الله عنها: إن كانت إحدانا لَتفطِرُ
في زمان رسول الله صل*، فما تقدر على أن تقضيه مع رسول الله وَّر حتى
يأتيَ شعبانُ(٢). وهذا مِن كمال أدبها، إذ كانت مُترصِّدةً لاستمتاعه في
جميع أوقاتها إن أراد ذلك، ولم تستأذنه في الصوم مَخافةَ أن يأذن لها، وقد
يكون له حاجةٌ إليها فتفوّتها عليه، وكانت تُؤخِّر القضاءَ إلى شعبان؛ لأنه وَّه
كان يصومُ مُعظمَ شعبانَ، فلا حاجة له بالنهار فيهن، وأيضاً إذا جاء شعبان
یضیق قضاءُ رمضان، فلا يجوز التأخير.
· قوله : ((ولا تأذن في بيته إلا بإذنه)) :
(ن): فيه: إشارةٌ إلى أنه [لايُفتاتُ] على الزوج وغيره من مالِكي
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١١٥).
(٢) رواه مسلم (١١٤٦).
٣٩٤
البُيوت وغيرها بالإذن في أملاكهم إلا بإذنهم، وهذا محمولٌ على ما [لا]
يُعلم رضا الزوجِ ونحوِه به، فإن عَلِمَتِ المرأة ونحوُها رضاه به جاز(١).
(ق): وقع في رواية مسلم: ((ولا تأذن في بيته وهو شاهدٌ إلا بإذنه))(٢)،
فتخصيصُ المنع بحضور الزوج يدلُّ على أن ذلك لِحَقِّ الزوج في زوجته، إذ
قد يكون المأذون له في تلك الحال مِمَّن يُشوِّش على الزوج مقصودَه وخَلوتَه
بها، وعلى هذا تظهر المُناسبة بين هذا النهي، وبين النهي عن الصوم المُتقدِّم.
وقال بعض الأئمة: إن ذلك مُعلَّلٌ، بأن البيت مُلك الزوج، وإذنُها
في دخوله تصرُّفٌ فيما لا تملك، وهذا فيه بُعْدٌ، إذ لو كان مُعلَّلاً بذلك،
لاستوى حُضور الزوج وغَيْبتُه (٣).
٢٨٣ - وعن ابنِ عمرََُ، عن النبيِ وَِّ قال: ((كُلَّكُمْ رَاعٍ،
وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَتِهِ، وَالأَمِرُ رَاعٍ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ
بَيْتِهِ؛ وَالمَرْأَةُ رَاعِيَّةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِها وَوَلِّدِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ
مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) متفقٌ عليه.
(الثَّالِثُ))
(ن): قال العلماء: ((الرَّاعي)): هو الحافظ المُؤتمَن المُلتزِمُ صلاحَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١١٥).
(٢) رواه مسلم (١٠٢٦) من حديث أبي هريرة ظُه.
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٦٩).
٣٩٥
ما قام عليه وهو تحت نظره، ففيه: أن كل مَن كان تحت نظره شيءٌ، فهو
مُطالَب بالعَدْل فيه، والقيامِ بمصالحه في دينه ودُنياه ومُتعلِّقاته(١).
(نه): ((الرعية)) كلُّ مَن شمَله حفظُ الراعي ونظرُه(٢).
(خط): أصل الرعاية حفظُ الشيء، وحسنُ التعهُّد له، وجرى اسمُها
على هؤلاء المذكورين على سبيل التسوية، لكن المعاني فيهم مُختلفةٌ، أما
رعاية الإمام: فهي ولايةُ الأُمور الشرعية، والحِيَاطَةُ من ورائهم، وإقامةُ
الحُدود والأحكام فيهم.
و[أما] رعايةُ الرجل أهله: فالقيامُ عليهم بالحَقِّ في النفقة، وحُسْنُ
العشرة.
وأما رعاية المرأة: فحُسنُ التدبير في أمر بيت زوجها، والتعهدُ لمَن
تحت یده من عیاله وأضیافه.
ورعاية الخادم: هو حفظُ ما في يده من مال سَيِّده، والنَّصيحةُ له فيه،
والقيامُ بما استكفاه من الشُّغْلِ والخِدمة (٣).
وفي قوله: ((الرجل راع على أهل بيته)) دليلٌ على أن للسيِّد أن يُقيم الحدَّ
على عَبيده وإمائه، وقد جاء: ((أَقِيمُوا الحُدودَ على ما مَلكَتْ أَيَمَانُكُمْ))(٤).
وفي قوله: ((المرأة راعية)) دليلٌ على سُقوط القطع عن المرأة إذا
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ٢١٣).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٢٣٦).
(٣) انظر ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٦ / ١٦).
(٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٩٥). من حديث علي رظُه. وهو حديث
ضعيف. انظر: ((إرواء الغليل)) (٢٣٢٥).
٣٩٦
سرقت من مال زوجها .
(ك): وفي قوله: ((كلكم راعٍ)) دليلٌ على أن الجُمعةَ يجوز إقامتها بغير
سُلطان إذا اجتمعت شرائطُها، وعلى أن الرَّجُلین إذا حگَّما بينهما حكماً، نفذ
حكمُه عليهما إذا أصاب الحَقَّ.
فإن قلت: إذا كان كلٌّ منا راعياً، فمَن الرعية؟
قلت: أعضاءُ نفسه، وجوارحُه، وقِواه، وحَواسُّه، أو الراعي يكون
مَرعيًّا باعتبارٍ آخر، ككون الشخص مَرْعِيًّا للإِمام راعياً لأهله، أو الخِطابُ
خاصٌّ بأصحاب التصرُّفات، ومَن تحت نظره وما عليه إصلاحُ حاله(١).
(ط): ((كلكم راعٍ)): تشبيهٌ مُضمَرُ الأداة؛ أي: كلُّكم مثلُ الراعي،
وقوله: ((كلكم مسؤول عن رعيته)) حالٌ عَمِلَ فيه التشبيهُ، وهذا مَسطورٌ في
التفضيل، ووجه التشبيه: حِفظُ الشيء، وحُسنُ التعهد لِمَا استُحفظ، وهو
القَدْرُ المشترك في التفضيل .
وفيه: أن الراعيَ ليس مطلوباً لذاته، وإنما أُقيم لحفظ ما استرعاه المَالك،
فعلى السُّلطان حفظُ الرَّعيَّة فيما يتعيَّن عليه، من حفظ شرائعهم، والذَّبِّ عنها
لكل مُتصدٍّ لإدخال داخلةٍ فيها، أو تحريفٍ لمعانيها، أو إهمالِ حُدودهم، أو
تضييع حقوقهم، وترك حماية مَن جار عليهم، ومُجاهدة عَدُوِّهم، أو ترك سيرة
العدل فيهم، فينبغي أن لا يتصرفَ في الرعية إلا بإذن الله ورسوله، ولا يطلب
أجرَه إلا من الله، كالراعي، وهذا تمثيل لا يُرى في الباب ألطفَ ولا أجمعَ
ولا أبلغَ منه، ولذلك أجملَ أولاً، ثم فَصَّله، ثم أتى بالفَذْلَكَة كالخاتمة.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٦ / ١٦ - ١٧).
٣٩٧
والفاء في قوله: ((فكلكم راع)) جواب شرط محذوف، والفَذْلَكَة:
هي التي يأتي بها المُحاسِبُ بعد التفصيل، فيقول: فذلك كذا وكذا، ضبطاً
للحِساب، وتَوقِياً عن الزيادة والنقصان فيما فَصَّله(١).
(ق): كل ما ذكر في الحديث قد كُلِّف ضبطَ ما أُسند إليه من رعيته
واؤتُمن عليه، فيجب عليه أن يجتهدَ في ذلك، وينصحَ، فإن وَنَّى ما عليه
من الرِّعاية، حصل على الحَظِّ الأوفر، والأجر الأكبر، وإن كان غيرَ ذلك،
طالبه كلُّ واحد من رَعيته بحَقِّه، فكثر مُطالِبوه، وناقشه مُحاسِبوه، ولذلك
قال ◌َّهِ: ((مَا مِنْ أَميرِ عَشرَةٍ فمَا فَوقَهُمْ إِلاَّ ويُؤْتَى به يومَ القِيامَةِ مَغْلُولاً، فإما
أن يَفُكَّهُ العَدْلُ، أَو يُوبِقَهُ الجَوْرُ)) (٢).
وفي الصحيح: ((مَا مِنْ عَبدٍ يَستَرْعِيهِ رَعِيَّةٌ يَموتُ يومَ يَمُوتُ وهُوَ
غَاشٌ لرَعِيَّتِهِ إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَليهِ الجَنَّةَ))(٣)، وينبغي أن يعلم أن أهمَّ ما عليه
ضبطُ جوارحه التي هي رعاياه، وهو مسؤولٌ عنها جارحةً جارحةً، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: ٣٦]،
وقال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، انتهى (٤).
قال الغزالي رحمه الله: يقال: إن أولَ ما يتعلق بالرجل يوم القيامة
أهلُه وولَدُه، فيوقفونه بين يدي الله تعالى، ويقولون: يا ربَّنا خُذْ لنا بحَقِّنا،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٥٦٨).
(٢) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٦٦١٤)، من حديث أبي هريرة ◌ُه. وهذا حديث إسناده
حسن. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٢٦٢١).
(٣) رواه البخاري (٦٧٣١)، ومسلم (١٤٢ / ٢٢٧)، من حديث معقل بن يسار ظـ
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٢٧).
٣٩٨
فإنه ما علَّمنا ما نجهل، وكان يُطعِمُنا الحرامَ ونحن لا نعلم، فيقتَصُّ لهم
منه(١) .
٢٨٤ - وعن أبي عَلَيٍّ طَلْقِ بْنِ عليٍّ ﴾: أن رسولَ الله ◌ِصَّه
قالَ: ((إذا دَعَا الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ، فَلْتَأْتِهِ وَإِن كَانَتْ عَلَى التَُّّورِ))
رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
٢٨٥ - وعن أبي هريرةَ عُه، عن النبيِ ◌ّ* قالَ: ((لَوْ كُنْتُ
آمِراً أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ، لأَمَرْتُ المَرْأَةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا)) رواه
الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
٢٨٦ - وعن أمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قالت: قالَ رسولُ الله ◌َّه:
(أَّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ، دَخَلَتِ الجَنَّةَ)) رواه الترمذي،
وقال: حديثٌ حسنٌ.
، ٧
إلى آخر الباب
(ط): ((وإن كانت على التنور)) ذكره مبالغةً وتتميماً(٢).
(تو): إنما عَلَّق الأمرَ بكونها على التُّّور، لأن شُغلها بالخبز من الأشغال
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٣٢).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٣٣٣).
٣٩٩
الشاغلة التي لا تتفرغ منها إلى غيرها إلا بعد انقضائها والفراغ منها، انتهى.
قوله: ((لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها))، السجود دالٌّ على
نهاية الذُّلِّ والخُضوع من الساجد للمسجود له، والانقياد لأوامره، ولمَّا لم
يكن ذلك على أَتَمِّ الوجوه إلا لله، لم يكن السجود لغيره، فمعنى الحديث:
إني لو كنت آمراً أحداً أن يُطيعَ أحداً في جميع أَوَامره، وينقادَ له غاية
الانقياد، لأمرت المرأة أن تكون كذلك لزوجها، لكن لا (١) طاعة لمخلوق
في معصية الخالق، فليس للزوج أن يأمرَها بمعصية، فلهذا لا يجوز لها أن
تسجدَ له.
٢٨٧ - وعن معاذِ بنِ جَبَلٍ ◌ُه، عن النبيِّ وَّ﴿ قال: ((لا تُؤْذِي
امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا، إلاَّ قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الحُورِ العِين:
لا تُؤْذِيهِ، قَاتَلَك الله! فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ
إلَیْنا» رواه الترمذيُّ، وقال: حديث حسن.
(ط): ((الدخيل)): الضَّيف والنَّزِيل، يريد أنه كالضيف والنزيل عليك،
وأنت لستِ بأهل له على الحقيقة، لأنه يفارقك عن قريب، ولا تلتحقين به
كرامةً له، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَنَّعَنْهُمْ ذُرَُِّّهُم بِإِمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ﴾
[الطور: ٢١]، وإنما نحن أهله، فيفارقك ويتركك في النار، ويلحق بنا، ويصل
(١) في الأصل: ((أما)).
٤٠٠