Indexed OCR Text
Pages 361-380
(شف): الألف واللام في ((كالقائم)) و((كالصائم) غيرُ مُعرِّفين، ولذلك وَصف كلّ واحد منهما بجملة فعلية، كقول الشاعر : وَلَقَدْ أَمرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّني ٠ ٢٦٦ - وعنه، عن النبي ◌َ﴿، قال: ((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الوَلِيمَة يُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَيُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ» رواه مسلم. وفي رواية في ((الصحيحين)) عن أبي هريرةَ من قولِهِ: ((بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الوَلِيمَةِ يُدْعَى إِلَيْهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الفُقَرَاءُ». التَّا (ن): معنى الحديث: الإخبارُ بما يقع من الناس بعدَهُ وَّ، من مُراعاة الأغنياء في الولائم ونحوِها، وتخصيصِهم بالدَّعوة، وإيثارِهم بطيِّب الطعام، ورفع مجالسهم، وتقديمِهم، وغيرِ ذلك مِمَّا هو الغالبُ في الولائم، والله المستعان (١). (قض): يريد: مِن شَرِّ الطعام، فإن من الطعام ما یکون شرًّا منه، ونظيره ((شَرُّ النَّاسِ مَنْ أكلَ وحدَهُ)) (٢)، وإنما سَمَّاه شرًّا لِمَا ذكر عقيبه، فإنه (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ٢٣٧). (٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٥١/ ١٣٣). من حديث معاذ راه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٢١٧٣). ٣٦١ الغالبُ فيها، فكأنه قال: شرُّ الطعام طعامُ الوليمة التي من شأنها هذا، واللفظُ وإن أطلق، فالمُراد به التقییدُ بما ذکر عقیبه، و کیف یرید به الإطلاق وقد أمر باتخاذ الوليمة، وإجابةِ الداعي إليها، ورتَّب العِصيان على تركها؟! ولذلك [قيل] بوجوب الإجابة، انتهى(١). فالحاصل: أن قوله: ((يدعى لها الأغنياء)) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مُستأنَفَا ذُكر على الغالب من أحوال الناس. والثاني: أن يكون في المعنى صفةً للوليمة؛ أي: الوليمة التي يُدعى لها الأغنياء. (تو): لا جائز أن يقال: إنه شر الطعام على الإطلاق، فإنه بَّفي أمر باتخاذ الوليمة، وأمر بإجابة مَن يدعو إليها، ومعاذَ الله أن يأمرَ هو بما فيه شر، ويدعو إلى ما يُقرِّب من شرٍّ، فكيف بما هو الشرُّ المَخْض. (ق): بَيَّن في الحديث أن الجهةَ التي يكون بها طعامُ الوليمة شرَّ الطعام إنما هي تركُ الأَوْلى، وذلك أن الفقيرَ هو المُحتاج، فلا يُدعى، والغنيُّ غيرُ محتاج فيدعى، ولذلك قد لا يُجيب، أو تثقُل عليه الإجابة، فكان العكسُ أَولى، وهذا مثلُ قولِهِ وَلِ: ((شَرُّ صُفُوفِ الرِّجالِ آخرُها، وخَيرُها أَوَّلُها، وشَرُّ صُفوفِ النِّساءِ أُؤَّلها، وخَيرُها آخِرُها))(٢)، فإن هذا أيضاً من باب ترك الأَولى، [كما قد يقال] عليه: مكروهٌ، وإن لم يكن مطلوبَ الترك على ما يعرف في الأُصول. (١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٣٦٦). (٢) رواه مسلم (٤٤٠ / ١٣٢)، من حديث أبي هريرة ◌ُه، ولفظه: ((خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها». ٣٦٢ فإذاً، الشرّ المذكور هاهنا: قِلَّة الثواب والأجر، والخير: كثرة الثواب والأجر، ولذلك كره العلماء اختصاصَ الأغنياء بالدَّعوة، ثم اختلفوا فيمَن فعل ذلك: هل تجاب دعوته أم لا؟ فقال ابن مسعود: لا تُجاب، ونحوه يحيى بن حبيب من أصحابنا. وظاهر كلام أبي هريرة وجوبُ الإجابة. ودعا ابنُ عمرَ ﴾ في وليمة الأغنياءَ والفُقراءَ على حِدَةٍ، فأجلس الفُقراءَ على حِدَةٍ، وقال: هاهنا لا تفسدوا عليهم ثيابَهم، فإنا سنُطعمكم مِمَّا يأكلون. ومقصود الحديث: الحَثُّ على دَعوة الفُقراء والضُّعفاء، ولا تقصَرَ الدَّعوةُ على الأغنياء، كما يفعل مَن لا مبالاة عنده بالفُقراء من أهل الدنيا (١). * قوله ويتلقى: ((ومن لم يجب الدعوة، فقد عصى الله ورسوله)): (ق): قال القاضي عياضٌ: لم يختلف العُلماء في وُجوب الإجابة في وَليمة العُرس، واختلفوا فيما عداها، فمالكٌ وجمهورُهم على أنها لا تجبُ، وذهب أهل الظاهر إلى وجوبها في كل دعوة، عُرساً كانت أو غيرها. قلت: ومُعتَمدُ أهل الظاهر مُطلقُ أوامر هذا الباب، كقوله: ((إذَا دُعيتُم فَأَجِيبُوا))(٢)، ((إذا دَعا أَحَدِكُمْ أَخَاهُ فليُجِبْ))(٣)، وكأن الجُمهورَ صرفوا هذه المُطلقات إلى وليمة العُرس، إذ يحصل منه إشاعةُ النكاح وإعلانُهُ، وهو (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ١٥٥). (٢) رواه مسلم (١٤٢٩ / ٩٩)، بنحوه من حديث ابن عمر ـ ◌ًُا (٣) رواه مسلم (١٤٢٩ / ١٠٠)، من حديث ابن عمر ٣٦٣ مقصودٌ مُهِمٌّ للشرع. وكلُّ هذا ما لم يكن في الدعوة مُنكَرٌ، فإن كان فلا يجوز حُضورها عند كافة العلماء، وقد شَذَّ أبو حنيفة وبعضُهم، فقالوا بجواز الحضور. فأما لو كان هناك لَعِبٌ مُباحٌ أو مكروهٌ، فالأكثرُ على جواز الخُضور، وعندنا فيه قولان، وكره مالكٌ لأهل الفَضْل والهيئة التسرُّعَ لإجابة الدعوات، وحضور مواضع اللَّهو المُباح(١). وسيأتي في (الباب المئة في آداب الطعام) بقيةُ مباحث حُضور الولائم. ٢٦٧ - وعن أَنَسٍ ﴿ه، عن النبيِّ وَِّ قال: ((مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنٍ))، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. رواه مسلم. (جَارِيَتَيْنِ)): أيْ: بِنْتَيْنِ. (الثَّافُِ) (ن): معنى ((عال)): قام عليهما بالمُؤنة والتربية ونحوهما، مأخوذٌ من العَوْل وهو القُوتُ، ومنه: ((ابدأ بمَنْ تَعُولُ))(٢). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ١٥٢). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٨٠)، والحديث رواه البخاري (١٣٦١)، ومسلم (١٠٣٤)، من حديث حكيم بن حزام ضـ ٣٦٤ (ق): يعني ببلوغهما: وصولهما إلى حال يَستقِلأَن بأنفسهما، وذلك إنما يكون في النساء إلى أن يَدخُل بهن أزواجُهن، ولا يعني ببلوغهما إلى أن تحيض وتكلَّف، إذ قد تتزوج قبل ذلك، فتستغني بالزوج عن قيام الكافل، وقد تحيضُ وهي غير مُستقلَّةٍ بشيء من مصالحها، ولو تُركت لضاعت وفسدت أحوالُها، بل هي في هذه الحال أَحَقُّ بالصِّيانة والحِفظ والقيام عليها، لتكمل صيانتُها فيُرغبَ في تزويجها، ولهذا المعنى قال علماؤنا: لا تسقط النفقةُ عن والد الصَّبِيَّة بنفس بُلوغها، بل بدُخول الزوج بها(١). (ط): ((أنا وهو هكذا)) جملة حالية بغير واو؛ أي: جاء مُصاحباً لي(٢). وسبق في (الحديث الثالث) من هذا الباب معنى: ((أنا وهو في الجَنَّة کھاتین)) . ٢٦٨ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئاً غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ وَّهِ عَلَيْنَا، فَأَخْبَرَّتُهُ، فقالَ: ((مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتْراً مِنَ النَّارِ)) متفقٌ عليه. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٣٦). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٧٥). ٣٦٥ ٢٦٩ - وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلِ ابْنَتَيْنِ لها، فَأَطْعَمْتُهَا ثَلاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْتَاهَا، فَشَقَّت الثَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَتِي شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ، فقالَ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الجَنَّةَ، أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ) رواه مسلم. ٢٧٠ - وعن أَبَي شُرَيْح خُوَيْلِدِ بْنِ عَمْرٍو الخُزَاعِيِّ ◌َ﴿ه قال: قالَ النبيُّ ◌َّهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُخَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْبَنِيمِ وَالمَرْأَةِ» حديث حسن، رواه النسائي بإسنادٍ جیدٍ. ومعنى (أُحَرِّجُ): أُلحِقُ الحَرَجَ - وَهُو الإِثْمُ - بِمَنْ ضَبَّعَ حَقَّهُمَا، وَأُحَذِّرُ مِنْ ذلكَ تَحْذِيراً بَلِيغاً، وَأَزْجُرُ عَنْهُ زَجْراً أكيداً. ـ﴾، قال: رأى ٢٧١ - وعن مُصْعَبٍ بنِ سعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ سَعْدٌ أَنَّ لَهُ فَضْلاً عَلَى مَنْ دُونَهُ، فقالَ النبيُّ نَّهِ: ((هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّ بِضُعَفَائِكُمْ؟!)) رواه البخاري هكَذَا مُرْسَلاً؛ فَإِنَّ مُصْعَبَ بنَ سعدٍ تَابِعِيٌّ، ورواه الحافِظُ أبو بكرِ البَرْقَانِيُّ في ((صحِيحِهِ) مُتَّصِلاً عن مُصْعَبٍ عن أبيه څ. ٢٧٢ - وعن أبي الدَّرْدَاءِ عُوَيْمِرٍَ﴿ه قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِصَّه يقول: ((بُغُونِي الضُّعَفَاءَ؛ فَإِنَّمَا تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ بِضُعَفَائِكُمْ)) رواه ٣٦٦ أبو داود بإسناد جید. إلی آخر الباب * قوله : ((من ابتلي من هذه البنات بشيء)»: (ن): إنما سَمَّاه ابتلاء لأن الناس يكرهونه في العادة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنَ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨](١) . (ق): معنى ((ابتلي)): امتُحن واختُبر، ومعنى ((أحسن إليهنَّ»: صانهنَّ، وقام بما يُصلحُهن، وقوله: ((بشيء من البنات)» يفيدُ بحكم عُمومه أن السَّتر من النار يَحصُل بالإحسان إلى واحدة من البنات، وبالزيادة يحصل له السَّترُ من النار والسَّبْقُ مع رسول الله وَّ ه إلى الجنة، كما في الحديث الآخر: ((مَنْ عَالَ جَارِيتَينٍ)) الحديثَ، انتهى(٢). * قوله: ((رأى سعد أن له فضلاً))؛ أي: بسبب شجاعته، وبحدَّته وإقدامه في الحُروب، وشِدَّة رميه وإصابته في ذلك، وكثرة ماله وسخاوته، وكونه مِمَّن أسلم قديماً، إذ أسلم وهو ابن سبع عشرة، قال: مكثتُ ثلاثة أيام وأنا ثلثُ الإسلام، وكان أولَ مَن رمى بسهم في سبيل الله، شَهِدَ المشاهدَ كلَّها مع رسول الله ێ، قيل: کان یعدُّ بألف فارس. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٧٩). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٣٦)، والحديث رواه مسلم (٢٦٣١)، من حديث لله . أنس بن مالك ضـ ٣٦٧ فقال ﴿: ((فهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم))؛ أي: فائدةُ الشجاعة وثمرتُها النصرُ على الأعداء، وما النصرُ إلا من عند الله، ولا يُستجلَبُ إلا ببركة ضُعفاء المؤمنين، لا بالشجاعة، إذ كان في صناديد قريش من الأبطال والفُرسان مَنْ هو مشهورٌ بالشجاعة والإقدام. وأما أرزاق العباد: فهي في خزائنِ الله، ومفتاحُها توجُّهُ قلوب الضُّعفاء ودعاؤهم وإخلاصُهم، فلا يُرزق الأقوياء ولا يُدفع عنهم البلاءُ إلا ببركة الضُّعفاء، كما ورد في بعض الآثار: ((لولا الصِّبَانُ الرُّضَّعُ، والمَشَايِخُ الرَُّّعُ، والبَهَائِمُ الرَُّّعُ، لصُبَّ عَلَيْكُمْ البَلاءُ صَبًا))(١). وفي الحديث: فضل الضُّعفاء، وفيه: أن أرزاق المُوسِرين ونصرَ المُلوك والسَّلاطين ليس إلا ببركة ضُعفاء المؤمنين. وروى الحافظ إسماعيل التَّيميُّ في ((الترغيب)) عن مُصعب بن سعد، عن أبيه: أنه ظَنَّ أن له فضلاً على مَن دونه من أصحاب رسول الله وَّه فقال رسول الله وَّهِ: ((إنَّما نَصرَ اللهُ هَذه الأُمَّةَ بضَعِيفِهَا، بدَغْوَتِهم، وصَلاتِهم، وإِخلاصِهم)»(٢). (نه): ((ابغني كذا)) بهمزة الوصل؛ أي: اطلب لي، و(أبغني) بهمزة القطع؛ أي: أَعِنِّي على الطيب، ومنه الحديث: ((ابغُوني حَدِيدةً أَستَطِيبُ (١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٢ / ٣٠٩)، من حديث أبي عبيدة الدؤلي عن أبيه عن جده څ . (٢) ورواه النسائي (٣١٧٨)، من حديث سعد ظه. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)» (٢٣٨٨). ٣٦٨ بها)) بهمزة الوصل والقطع(١). سبق في آخر (الباب السابع) أن المُحتَرفَ شكا أخاه إلى النبيِّ ◌َِّهِ، فقال: (لَعَلَّك تُوزَقُ بهِ»(٢). (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٤٣). (٢) رواه الترمذي (٢٣٤٥)، من حديث أنس بن مالك ظه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٠٨٤). ٣٦٩ ٣٤- باب الوصية بالنساءِ * قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُ وهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]. * وقال تعالى: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوْ أَن تَعْدِ لُواْبَيْنَ النِّسَلِهِ وَلَوْ خَرَصْتُمٌّ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَلْمُعَلَّقَةٍ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩]. (الباب الرابع والثلاثون) (في الوصية بالنساء) قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]؛ أي: طَيِّبُوا أقوالَكم لهن، وحَسِّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسَب قُدرتكم، كما تحبُّ ذلك منها، فافعل بها أنت مثلَه، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقال ◌َّ: «خَيرُكُمْ خَيرُكُمْ لأَهْلهِ، وأنا خَيْرُكُم لأَهْلِي))(١)، وكان ◌َِّ جميلَ العِشْرَة دائمَ البِشْرِ، يلاعب أهلَه، ويتلطّفُ (١) رواه الترمذي (٣٨٩٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٣٣١٤). ٣٧٠ بهم، ويُوسِعُهم نفقةً، ويُضاحِك نساءَه، حتى إنه كان يُسابق عائشة أُمَّ المؤمنين يتودَّد إليها بذلك، ويجتمع نساؤه كلَّ ليلة في بيت التي يَبيتُ عندها رسول الله ◌َّ، فيأكل معهن العَشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كلُّ واحدة إلى منزلها، وكان إذا صلى العشاء فدخل منزله، يَسمُر مع أهله قليلاً قبل أن ينام، يُؤانِسُهم بذلك، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شِعَار واحد، يضع عن كتفيه الرِّداءَ وينام مع الإزار، وقد قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَ بِالْعُرُوفِ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]؛ أي: فعسى أن يكون صبرُكم على إمساککم لهُنَّ مع کراهتکم فیه خیر کثیر لکم في الدنيا والآخرة، کما قال ابن عباس: هو أن يُعطِفَ عليها، ويُرزقَ منها ولداً، ويكون في ذلك خيرٌ كثير(١)، فسَّر الخيرَ الكثير بالولد، وبأنه لمّا كره صُحبتَها، ثم تحمَّل ذلك المكروه طلباً لثواب الله، وأنفق عليها، وأحسن إليها على خلاف الطَّبْع، استحقَّ الثوابَ الجزيل في العُقبى، والثَّنَاءَ الجميلَ في الدنيا. : قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوْ أَن تَعْدِ لُواْبَيْنَ اَلْنِسَآِ﴾ الآيةَ [النساء: ١٢٩]؛ أي: لا تستطيعوا أيها الناس أن تُساووا بين النساء من جميع الوُجوه، فإنه وإن حصل القَسْمُ الصُّورِيُّ ليلةً وليلةً، فلا بُدَّ من التفاوت في المَحبَّة والشَّهوة والجِماع، قاله ابن عباس، وعَبِيدةُ السَّلْمانيُّ، ومُجاهدٌ، والحسن البَصريُّ، والضَّخَّاك بن مُزاحم(٢) . (١) رواه ابن جرير الطبري في «تفسيره)) (٣١٣/٤)، وانظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ٤٠٠). (٢) انظر أقوالهم في ((تفسير ابن أبي حاتم)) (٤ / ١٠٨٣)، و((الدر المنثور)) للسيوطي (٢ / ٧١٢ - ٧١٣). ٣٧١ وخرَّج ابن حاتم عن ابن أبي مُلَيكة: أن هذه الآيةَ نزلت في عائشة(١)، يعني: أن النبيَّ ◌َّهِ كان يُحِبُّها أكثرَ من غيرها، كما رواه الإمام أحمدُ وأهل ((السنن)) عن عائشة قالت: كان رسولُ الله وَلٌ يَقْسِم بين نسائه فيعدل، ثم يقول: ((اللَّهُمَّ، هذا قَسْمِي فيمَا أَملِكُ، فلا تَلُمْني فيمَا تَملِكُ ولا أَملِكُ))، يعني : القلب(٢). (الثعلبي): کان رسول الله پټ یطوف علی نسائه في مرضه حتى حَلَّنه، فأقام عند عائشة رضي الله عنها، وذُكِر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم أما قلبي فلا أملك، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدلَ(٣). * قوله: ﴿فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَ اَلْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]؛ أي: فإذا مِلْتُم إلى واحدة منهن، فلا تُبالغوا في المَيْل بالكَلِّية، فتبقى الأُخرى مُعلَّقة، يعني: لا ذاتَ زوج، ولا مُطلَّقة، قاله ابن عباس، ومُجاهد، وسعيد بن جُبير، والحسن، والضَّخَّاك، وغيرهم(٤). (م): كما أن الشيء المُعلَّق لا يكون على الأرض ولا على السماء(٥). (الكشاف): قال : (١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٦٠٥٦). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ٣٠٥)، والحديث رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٦/ ٤٤)، وأبو داود (٢١٣٤)، والنسائي (٧/ ٦٣)، والترمذي (١١٤٠)، وابن ماجه (١٩٧١). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٤٥٩٣). (٣) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٣/ ٣٩٦، ٣٩٧). (٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ٣٠٦). (٥) انظر: ((تفسير الرازي)) (١١ / ٥٤). ٣٧٢ أَوْ صَلَفٌ أو بَيْنَ ذَاكَ تَعْلِيقْ هَل هِيَ إِلاَّ حِظَةٌ أَو تَطلِيقْ يعني: أن اجتنابَ كلِّ المَيْلِ مِمّا هو في حَدِّ الْيُسْرِ والسَّعَة، فلا تفرِّطوا فيه، وإن وقع منكم التفريطُ في العدل كلِّه، وفيه ضَرْبٌ من التوبيخ، وفي قراءة ◌ُبيِّ: (فتذروها كالمسجونة)، انتهى(١). في ((مسند أبي داود الطيالسيِّ)) عن أبي هريرة ◌َُه قال: قال رسول الله وَّجُ: ((مَنْ كانت لَهُ امرأتانٍ، فمَالَ إلى أَحدِهما، جاءَ يومَ القِيامَةِ وأَحدُ شِقَّيْهِ سَاقِطٌ))(٢)، وهكذا رواه أحمدُ وأهل ((السنن)) (٣). ورُوي أن عمر بن الخطاب ه بعث إلى أزواج النبيِّ بَّر بمال، فقالت عائشة رضي الله عنها: إلى كلِّ أزواج رسول الله وَ ل بعث عمر مثلَ هذا؟ قالوا: لا، بعث إلى القُرَشيات بمثل هذا، وإلى غيرهن بغيره، فقالت: ارفع رأسك، فإن رسول الله وَّ﴿ كان يَعدِلُ بيننا في القِسمة بماله ونفسه، فرجع الرسول فأخبره، فأتمَّ لُهُنَّ جميعاً(٤). وكان لمُعاذ ◌َّه امرأتان، فإذا كان عند إحداهما لم يتوضَّأ في بيت (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٦٠٦). (٢) رواه الطيالسي في ((مسنده)) (٢٤٥٤). (٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ٣٤٧)، وأبو داود (٢١٣٣)، والنسائي (٧/ ٦٣)، والترمذي (١١٤١)، وابن ماجه (١٩٦٩)، وقوله: ((ساقط)) تحرف في الأصل إلى: ((ساقطة)). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٩٤٩). (٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٧٥)، بنحوه. قال الحافظ الزيلعي في تخريج أحاديث ((الكشاف)) (١ / ٣٦٣): غريب. ٣٧٣ الأُخرى، وماتتا في الطاعون، فدفنهما في قبر واحد(١). * قوله تعالى: ﴿وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُوا﴾، أي: وإن أصلحتم في أُموركم، وقَسَمْتُم بالعدل فيما تَملِكون، واتَّقيتم الله في جميع الأحوال، غفر الله لكم ما كان من مَيْلٍ إلى بعض النساء دون البعض(٢). ٢٧٣ - وعن أبي هريرةَ ◌َ﴿ُ قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّه: (اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً؛ فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعِ، وَإِنَّ أَعْوَجَ مَا في الضَّلَعِ أَعْلاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ)) متفقٌ عليه. وفي روايةٍ في (الصحيحينٍ)): ((المَرْأَةُ كَالضَّلَعِ، إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ وَفِيهَا عِوَجٌ)). وفي روايةٍ لمسلمٍ: ((إِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَکَسْرُها طَلَاقُهَا». قولُهُ: ((عَوَجٌ)): هو بفتحِ العينِ والواوِ. (١) انظر: ((تخريج أحاديث الكشاف)) للزيلعي (١ / ٣٦٤). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ٣٠٧). ٣٧٤ (الأَقْلُ) (ن): ((العوج)) ضُبط بفتح العين وبكسرها، ولعل الفتح أكثر، وضبطه ابن عساكر وآخرون بالكسر، وهو الأرجح. قال أهل اللغة: ((العوج)) بالفتح في كل مُنتَصِب كالحائط وشبهه، وبالكسر: ما كان في بِسَاط، أو أرض، أو معاش، أو دِین، يقال: في دِينه ◌ِوج بالكسر، [قال صاحب ((المطالع)): قال أهل اللغة: ((العوج)) بالفتح في كل شخص، وبالكسر](١) فيما ليس بمَرئيٍّ كالرأي والكلام، قال: وانفرد عنهم أبو عمر الشَّيبانيُّ فقال: كلاهما بالكسر، ومصدرهما بالفتح. و ((الضلع)) بكسر الضاد وفتح اللام، وفيه دليلٌ لما يقال: إن حواءَ خُلقت من ضِلَع آدم(٢). (ق): ويحتمل أن يكون هذا قُصِدِ به المَثَل؛ أي: هي كالضِّلَع اعوجاجاً، ويشهدُ له قولُه: ((لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تُقيمها كسرتها، وکسرُها طلاقُها))(٣). (تو): معنى ((استوصوا بالنساء خيراً)): اقبلوا وَصِيَّتي فيهن، والاستيصاءُ: طلب الوَصِیّة من نفسه أو من غيره، بأحدٍ أو بشيء. (ط): الأظهر أن السين للطلب، مُبالغةً؛ أي: اطلبوا الوصية من أنفسكم في حَقِّهن بخير، ويجوز أن يكون من الخطاب العامِّ؛ أي: ليَسْتَوصِ (١) ما بين معكوفتين من ((شرح مسلم)) للنووي (٥٧/١٠). (٢) انظر: ((شرح مسلم)» للنووي (١٠ / ٥٧). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٢٢٢). ٣٧٥ بعضُكم من بعض في حَقِّ النساء (١). (ن): فيه: الحَثُّ على مُلاطفة النساء، والإحسانِ إليهن، والصبرِ على عِوَج أخلاقهن، واحتمالٍ ضعف عقولهن، وكراهةِ طلاقهن بلا سببٍ، وأنه لا مَطَمَعَ في استقامتهن(٢). وفيه: أن المرأة خُلقت خَلْقاً فيه اعوجاجٌ لا يستطيع أحد من خلق الله أن يقيمَه ويُغيِّرِّه عَمَّا جُبل عليه، وهي من أصل خَلقها وأصل فِطرتها رُكِّب فيها العِوجُ، لا يتهيأ الانتفاعُ بها إلا بمُداراتها والصبرِ على عِوَجها. (ك): فإن قلت: الكلام يتمُّ بدون هذه المُقدِّمة - يعني: قوله: ((وإن أعوج ما في الضلع أعلاه)) - فما فائدة ذكرها؟ قلت: توكيدُ معنى الكسر؛ لأن عدمَ الإقامة أثرها [أظهر في] الجهة الأعلى، أو بيانُ أنها خلقت من أعوج أجزاءِ الضَّلَع، وكأنهن خُلقن من أعلى الضَّلَع وهو أَعَوِجُه(٣). (ط): وفي قوله: ((وكسرها طلاقها)) إشعارٌ باستحالة تقويمها؛ أي: إن كان لا بدَّ من كسرها، فكسرُها طلاقها (٤). ٢٧٤ - وعن عبدِ اللهِ بنِ زَمْعَةَ عَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ◌َّهِ يَخْطُبُ، (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢٣٢٦). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٥٧). (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٣ / ٢٢٨). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٣٢٦). ٣٧٦ وَذَكَرَ النَّاقَةَ وَالَّذِي عَقَرَهَا، فقالَ رسولُ اللهِ: ((﴿إِ أَنْبَعَثَ أَشْقَنهَا﴾: انبعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ))، ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ، فَوَعَظَ فِيهِنَّ، فَقَالَ: ((يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ فَيَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ العَبْدِ، فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ»، ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ، وقال: ((لِمَ يَضْحَكُ أحَدُكُمْ مِمَّا يَفْعَلُ؟)) متفقٌ عليه. ((وَالعَارِمُ)) بالعين المهملةِ والراءِ: هُوَ الشِّرِّيرُ الْمُفْسِد. وقولُهُ: ((انْبَعَثَ))؛ أَيْ: قَامَ بِسُرعَةٍ. (الثَّانِى) * قوله: ((ذكر الناقة))؛ أي: ناقة صالح، والذي عقرها هو قُدَار بن سَالِف عاقرُ الناقة، وكان هذا الرجل عزيزاً في قومه، شريفاً فيهم، نسيباً رئيساً مُطاعاً. (ن): (عَرم) بفتح الراء وبكسرها (عَرامة) بفتح العين وعُراماً بضمها، فهو عَارِمٌ وعَرِمٌ، وفيه النهيُ عن ضرب النساء من غير ضرورة التأديب(١). (ط): (ثم)) في قوله. ((ثم يجامعها)) استبعاديَّةٌ؛ أي: مُستبعَدٌ من العاقل الجمع بين هذا الإفراط والتفريط، من الضرب المُبرِّح والمُضاجعةِ، وفيه إشارةٌ إلى جواز ضرب العبيد والإماء للتأديب إذا لم ينزجروا بالكلام، وفيه: حُسن المُعاشرة مع النساء والرِّفق بهن(٢). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٨٨). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢٣٢٧). ٣٧٧ (ك): فإن قلت: فالمفهوم منه أنه لا يضربها أصلاً، وإذا ضربها لا یجامعها . قلت: المُجامعة من توابع النكاح وضروراته عُرفاً وعادةً، فالمُنتفي هو الأول، فكأنه قال: لا بدَّ من مُجامعتها، فلا يُفْرِطْ في الضرب(١). (ط): ((ثم)) في قوله: ((ثم وعظهم)) للتراخي في الزمان، يعني: بعد ما تكلم بالكلام السابق بزمانٍ رآهم يضحكون من الفِعْلة المذكورة، فوعظهم(٢). (ن): وفيه: [النهيُ عن] الضحك من الضّرْطَة يسمعُها من غيره، بل ينبغي أن يتغافل عنها، ويَستمِزَّ علی حدیثه واشتغاله بما کان فيه من غیر التفات، ويُظهر أنه لم يسمع، انتھی(٣). ذُكر أنه جاءت امرأة إلى حاتم الأَصَمِّ تسأله عن مسألة، فاتفق أنه خرج منها في تلك الحالة صوتٌ فخجلت، فتصامم عنها، وقال: أعيدي عليَّ، فأعادت، فقال لها: ارفعي صوتك، فإني لا أسمع ذاك، وأرى من نفسه أنه أَصمُّ، فسُرَّت المرأة من ذلك، وقالت: إنه لم يسمع الصَّوتَ. وحاتم هذا: هو أبو عبد الرحمن حاتم بنُ عُنوان، من أكابر مشايخ خُراسانَ، وكان تلميذَ شقيق، وُستاذَ أحمدَ بن خِضْرَوَيْهِ، لم يكن به صَمَمٌ، وإنما تصامم [عن] هذه المرأة، فسُمِّي بالأَصمِّ. (ط): فيه: تنبيه على أنه ينبغي للرجل العاقل إذا أراد أن يعيب على (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٩ / ١٥٢). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٣٢٧). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٨٨). ٣٧٨ أخيه المسلم شيئاً، أن ينظر في نفسه أولاً: هل هو بريءٌ منه، أو ملتبسٌ به؟ ولقد أحسن القائل : أَرَی کُلَّ إِنِسَانٍ يَری عیبَ غَيْرِهِ ويَعْمَى عنِ العَيْبِ الذي هُوَ فِيهِ(١) ٢٧٥ - وعن أبي هريرةَ ﴾ قال: قالَ رسولُ الله ◌َّةٍ: (لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقاً رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ))، أوْ قَالَ: ((غَیْرَهُ» رواه مسلم. وقولُهُ: ((يَفْرَكْ) هو بفتح الياءِ وإسكانِ الفاءِ وفتحِ الراءِ، معناه: يُبْغِضُ، يقالُ: فَرِكَتِ المَرْأَةُ زَوْجَهَا، وَفَرِكَهَا زَوْجُهَا - بكسر الراءِ - يَفْرَكُهَا؛ أَيْ: أَبْغَضَهَا، والله أعلم. (الثَّالِثُ)) (ق): أصل الفَرْك إنما يقال في النساء، يقال: فَرِكَت المرأةُ زوجَها، وأبغض الرَّجُل امرأتَه، واستعماله في هذا الحديث تجوُّزٌ؛ أي: لا يبغضها بغضاً كلِّياً يحمله على فراقها، بل يغفر سَيِّتَها لحَسَنِها، ويتغاضى عما يكره لِمَا يحبُّ(٢). (ن): ((يفرك)) بفتح الياء والراء وإسكان الفاء بينهما، يقال: فَرِكه بكسر (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧ / ٢٣٢٧). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٢٢٢). ٣٧٩ الراء يفرَكه بفتحها: إذا أبغضه، والفَرْك بفتح الفاء وإسكان الراء البُغض. قال القاضي: ليس هذا على النهي، بل هو خبرٌ؛ أي: لا يقع منه بغضٌ تامّ لها، قال: وبُغض الرجال للنساء خلافُ بُغضِهِنَّ لهم، ولهذا قال: ((إن كره منها خلقاً رضي آخر))، هذا كلام القاضي، وهو ضعيفٌ أوغلَطُ، بل الصواب أنه نهيٌّ؛ أي: ينبغي أن لا يبغضها؛ لأنه إن وجد فيها خُلُقاً يُكرهُ وجد فيها خُلُقاً مَرضِيّاً، بأن تكون شَرِسةَ الخُلُق لكنها دَيَّةٌ، أو جميلةٌ، أو عَفِيفة، أو رَفِيقةٌ به، ونحو ذلك، وهذا الذي ذكرتُه من أنه نَهَيٌ يَتعيَّنُ لو جھین : أحدهما: أن المعروفَ في الرِّوايات: ((لا یفرْ» بإسكان الکاف لا برفعها، وهذا يتعيَّنُ فيه النهيُ، ولو رُوي بضَمِّ الكاف لكان نهياً بلفظ الخبر . والثاني : أنه وقع خلافُه، فبعضُ الناس يبغِضُ زوجته بُغضاً شديداً، ولو كان خبراً لم يقع خلافُه، وهذا واقعٌ، ولا أدري ما حَمَلَ القاضي على هذا التفسير! انتهى(١). ٢٧٦ - وعن عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ الجُشَمِيِّ ◌َهِ: أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َّهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ يَقُولُ بَعْدَ أنْ حَمِدَ اللهَ تَعالَى، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وذَكَّرَ وَوَعَظَ، ثُمَّ قال: ((أَلاَ وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً، فَإِنَّمَا (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٥٨). ٣٨٠