Indexed OCR Text
Pages 341-360
(ق): فيه دلالةٌ على أن من تَعدَّى على جدار أو دار وَجَبَ عليه أن يعيدَه كما كانت، إذا انضبطت صفته، وتمكَّنت مُماثلتُه، ولا يلزمُ قيمةُ ما تعدَّى عليه، وقد بَوَّبَ البخاريُّ على هذا الحديث بقوله: (من هدم حائطاً بنى مثله)، فإن تعذرت المُماثلةُ، فالمرجعُ إلى القيمة، هذا مذهب الكُوفيين، والشافعيِّ، وأبي ثور، وأهل الظاهر، وهو مشهور، ومذهب مالك وأصحابه وجماعةٍ: أن فيه وفي سائر المتلفات المَضمونات القيمةَ، إلا ما يرجع إلى الكَيْل والوَزْن، بناء منهم على أنه لا تتحقق المُماثلة إلا فيهما (١). (ن): ((الفارهة)) بالفاء: النشيطة، الحَادَّة، القَويَّة، وقد فَرُهَ - بضم الراء - فراهة وفراهية، و((الشارة)): الهيئة واللباس(٢). (ق): الهيئة المُزيَّنة التي يُشار(٣) إليها من حُسنها (٤). (ن): ((يمصها)) بفتح الميم على اللغة المشهورة، وحُكي ضَمُّها. ومعنى قوله: ((اللهم اجعلني مثلها))؛ أي: سالماً من المعاصي كما هي سالمة، وليس مثلها في النسبة إلى باطل يكون منه بَرِيّاً. ومعنى ((تراجعا الحديث)): أقبلت على الرَّضيع تُحدِّثه، وكانت أولاً لا تراه أهلاً للكلام، فلمَّا تكرر منه الكلام، علمت أنه أهل له، فسألته وراجعته(٥). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥١٥). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٠٧). (٣) في الأصل: ((يسأل)). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥١٥). (٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٠٥). ٣٤١ (ق): أُمُّ هذا الصبي الرَّضيع نظرت إلى الصُّورة الظاهرة، فاستحسنت صورة الرجل، فدعت لابنها بمثل ذلك، واستقبحت صورة الأَمَة وحالتَها، فدعت أن لا يجعل ابنها في مثل حالتها، فأراد الله تعالى بلُطفه تنبيهها، بأَنْ أنطق ابنَها الرَّضِيعَ بما يجب من مراعاة الأحوال الباطنة، والصفات القلبية، وهذا كما قال النبيُّ نَّهِ: ((إنَّ اللهَ لا يَنظرُ إلَى صُوَرِكُمْ) الحديثَ(١)، وكما قال بعض حُكماء الشّعراء: فَاعَلَمْ وَإِنْ رُدِّيتَ بُرْداً لَيسَ الجَمَالُ بِمِثْزَرٍ ومَنَاقِبٌ أَوْرَثْنَ مَجْداً إِنَّ الجَمَالَ مَعَادِنٌ وهذا الصبيُّ ظاهره أن الله خلق فيه عقلاً وإدراكاً كما يخلقه في الكبار عادة، ففهم كما يفهمون، ويكون خرقاً للعادة في خَلْقِ ذلك له قبل أوانه، ويحتمل أن يكون أجرى الله ذلك الكلامَ على لسانه وهو لا يعقله، كما خلق في الذِّراع والحَصا كلاماً له معنىّ صحيحٌ، مع مُشاهدة تلك الأُمور باقيةً على جَمادِيَتها، كلُّ ذلك ممكن والقُدرةُ صالحةٌ. وأما عيسى عليه السلام: فخلق الله له في مَهْده ما خلق للعُقلاء والأنبياء في حال كلامهم، من العقل الكامل، والفَهْم الثاقب، كما شهد له بذلك القرآن (٢). (ن): في هذا الحديث فوائدُ : منها: عِظَم برِّ الوالدين، وتأكُّدُ حَقِّ الأُمِّ، وأن دعاءَها مُستجاب. (١) تقدم تخريجه . (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥١٦). ٣٤٢ ومنها: أنه إذا تعارضت الأُمور بدئ بأهمها. ومنها: أن الله تعالى يجعل لأوليائه مَخارجَ عند ابتلائهم بالشَّدائد غالباً، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اَللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَحًا﴾ [الطلاق: ٢]، وقد يُجْري الله عليهم الشَّدائدَ في بعض الأوقات زيادةً في أحوالهم وتهذيباً لهم، فيكون لطفاً. ومنها: استحبابُ الوضوء والصلاة عند الدُّعاء بالمُهِمَّات. ومنها: أن الوضوء كان معروفاً في شرع مَن قبلنا، فقد ثبت في هذا الحديث في ((البخاري)): ((فَتَوضَّأَ وصَلَّى))(١)، وحكى القاضي عياضٌ عن بعضهم: أنه زعم اختصاصه بهذه الأمة. ومنها: إثباتُ كرامات الأولياء، وهو مذهب أهل السُّنَّة، خلافاً للمُعتزلة. وفيه: أن كراماتِ الأولياء قد تقع باختيارهم وطلَبِهِم، وهذا هو الصَّحیحُ عند أصحابنا المتكلمين، ومنهم مَن قال: لا تقع باختيارهم وطلبهم. وفيه: أن الكرامات قد تكون بخَوارق العادات على جميع أنواعها، ومنعه بعضُهم وادَّعى أنه مُختصٌّ بمثل إجابة دُعاء ونحوه، وهذا غلطٌ من قائله، وإنكارٌ للحِسِّ، بل الصَّواب جَريانُها بقَلْب الأعيان، وإحضارِ الشيء من العدم، ونحوِه(٢). (١) رواه البخاري (٢٣٥٠)، من حديث أبي هريرة (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٠٨). ٣٤٣ ٣٣- ياس ٣٣ _٠ ملاطَفَةِ اليتيمِ والبناتِ وسائرِ الضَّعَفَةِ والمساكينِ والمنكسرينَ والإحسانِ إليهم، والشفقةِ عليهم، والتواضع معهم وخفض الجناح لهم قال الله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]. · وقال تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنياً﴾ [الكهف: ٢٨١]. * وقال تعالى: ﴿فَمَّا الْيَنِيمَ فَلَ نَفْهَرْ ب وَأَمَّا السَّابِلَ فَلَا نَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠ - ٩]. ؛ وقال تعالى: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينٍ ) فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ اَلْيَتِيِمَ ا وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ اَلْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ١ -٣]. (الباب الثالث والثلاثون) (في مُلاطفة اليتيم والبنات وسائر الضَّعَفَة والمساكين والمُنكسرين والإحسان إليهم والشّفَقَة عليهم والتواضُع معهم وخَفْض الجناح لهم) * قوله تعالى: ﴿وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، أي: لَيِّن جانبَك لهم، وارفُق بهم . ٣٤٤ (الكشاف): الطائر إذا أراد أن ينخَطَّ للوقوع کسر جناحَه وخفضه، وإذا أراد أن ينهض للطيران رفع جناحه، فجُعل خَفْضُ جناحه عند الانحطاط مثلاً في التّواضُع ولین الجانب، ومنه قولُ بعضهم : وَأنتَ الشَّهِیرُ بِخَفْضِ الجَنَاحْ فَلاَتَكُ فِي رَفْعِه أَجْدَلا ينهاه عن التكبُّر بعد الثَّواضُع(١). : قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ [الكهف: ٢٨] سبق تفسيره في الباب قبله. ٠ قوله تعالى: ﴿فَمَّا الْيَقِمَ فَلَا نَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]؛ أي: كما كنت يتيماً فآواك الله، فلا تقهر اليتيمَ؛ أي: لا تُذِلَّهُ وتَنْهَرْهُ وتُهِنْهُ، ولكن أَحْسِنْ إليه، وتلطّفْ به. قال قتادة: کنْ للیتیم کالأب الرَّحیم(٢). (الكشاف): ﴿فَلَنَقْهَرْ﴾؛ أي: لا تغلبه على ماله وحَقِّه، لضعفه، وفي قراءة ابن مسعود: (فلا تكهر)، وهو أن لا يَعبِسَ في وجهه، فلانٌ ذو گھْر؛ أي: عابسُ الوجه(٣). (م): منه الخبر ((اللهَ اللهَ فيمَن لَيسَ لَهُ إِلاَّ الله)(٤)، ومنه حديثُ موسی عليه السلام حين قال: إلهي! بم نِلتُ ما نِلتُ؟ قال: أتذكُر حين هربتْ (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٣٤٥). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٣٨٥). (٣) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٤ / ٧٧٣)، وفيه: ((ذو كهرورة)) بدل: ((ذو کھر)). (٤) أورده الديلمي في ((الفردوس)) (٥٢٧)، من حديث أبي هريرة ظ﴾ه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٤٦٠). ٣٤٥ منك السَّخْلةُ، فلمَّا قدَرْتَ عليها قلت: أتعبتِ نفسَكِ، ثم حملتها، فلهذا السبب جعلتك والياً على الخلق، فلمَّا نال موسى النبوة بالإحسان إلى الشاة، فكيف بالإحسان إلى اليتيم؟! وإذا كان هذا العِتابُ بمُجرَّد الصِّياح والعُبوسة، فكيف إذا أَذلَّه وأكل ماله؟! انتهى(١). روى الإمام أحمد عن أبي هريرة: أن رجلاً شكا إلى النبيِّ وَ لْ قَسْوةَ قلبه، فقال: ((امسَخْ رَأْسَ اليتيمِ، وأَطْعِمِ المِسْكِينَ))(٢). وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله وٍَّ: ((مَنْ مَسحَ رَأْسَ يتِيم لم يَمْسَحْه إِلَّ لله، كانَ لَهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ تَمُرُّ عَلَيهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ، ومَن أَحسنَ إلى يَتِيمٍ أو يَتِيمَةٍ عِندَهُ، كُنتُ أنا وهُوَ فِي الجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ)) وقرَنَ بينَ إِصْبعَيْهِ. رواه أحمدُ والترمذيُّ مُغْرِباً(٣). وعن ابن عباس مَ﴿يا قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ آوَى يَتِيماً إلى طَعامِهِ وشَرَابِهِ أَوْجبَ اللهُ [له] الجَنَّةَ الْبَّة، إلا أَنْ يعملَ ذَنباً لا يُغفرُ، ومَنْ عَالَ ثلاثَ بَنَاتٍ، أو مِثْلَهُنَّ منَ الأَخَواتِ، فَأَدَّبِهُنَّ ورَحِمَهُنَّ حَتَّى يُغْنِيهِنَّ الله أوجب اللهُ لَهُ الجَنَّةَ)) فقال رجل: يا رسول الله! أو اثنتين؟ قال: ((أَو إِثْنَيْنٍ))، حتى لو قالوا: أو واحدة، لقال: واحدة، ((ومَن أَذهبَ اللهُ بكَرِيمَتَيهِ أَوْجبَ لَهُ الجَنََّ»، قيل: يا رسول الله! وما كَرِيمَتَاهُ؟ قال: ((عَيْنَاهُ))، رواه في ((شرح السنة))(٤). (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣١/ ١٩٩). (٢) رواه الإمام أحمد في المسند)) (٢/ ٣٨٧). وهو حديث حسن لغيره. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)» (٢٥٤٥). (٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ٢٥٠) قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٨/ ١٦٠): فيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف. (٤) رواه البغوي في ((شرح السنة)) (٣٤٥٧). ٣٤٦ ولابن ماجَهْ عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ◌َِّ: ((خَيرٌ بَيْتٍ في المُسلِمِينَ بَيْتٌ فيه يَتِيِمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وشَرُّ بَيتٍ في المُسلِمِينَ بَيتٌ فيه يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيهِ»(١). وعن عمر بن الخطاب ظ به قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((إِنَّ اليَتِيمَ إِذا بكَى اهتَزَّ لِبُكائِهِ عَرْشُ الرَّحمن، فيقولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ لمَلائِكَتهِ: مَنْ أَبَكَى هذا اليتيمَ الذي غَيَّبتُ أَبَاهُ في التُّرابِ؟ فَتَقُولُ المَلائكةُ: رَبَّنَا! أنتَ أَعلمُ، فَيَقُولُ اللهُ تعالى لمَلائكَتهِ: إِنَّي أُشِهِدُكُمْ أَنَّ لمَنْ أَسكَتَهُ وأَرْضَاهُ أَنْ أُرضِيَّهُ يومَ القِيَامَةِ))، قال: وكان عمرُ إذا رأى يتيماً مسحَ رَأْسَهُ، وأعطاه شيئاً(٢). خرّجه ابن إسحاق له. * قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّآئِلَ فَلَ نَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠]؛ أي: كما كنتَ ضالاً فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المُسترشدَ. قال ابن إسحاق: أي: فلا تكن جَبَّاراً، ولا مُتكبِّراً، ولا فَخَاشاً، ولا فَظًّا على الضُّعفاء من عباد الله. وقال قتادة: يعني: رُدَّ المسكينَ برَحمةٍ ولين(٣) . (م): يقال: نهره وأنهره: إذا استقبله بكلام يَزجرُه، وفي المراد من السائل قولان : (١) رواه ابن ماجه (٣٦٧٩). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٢٩٠٥). (٢) أورده الديلمي في ((الفردوس)) (٩٠٥٠)، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (٢ / ٢٦٩)، قال ابن عراق في ((تنزيه الشريعة)) (٢/ ١٣٦): في سنده من لم أقف لهم على ترجمة . (٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٣٨٥). ٣٤٧ أحدهما - وهو اختيار الحسن -: أن المراد منه مَنْ يسأل العلمَ، ونظيرُه من وجهٍ: ﴿عَسَ وَتَوَلََّ﴾ [عبس: ١]، وحينئذ يحصل الترتيب؛ لأنه قال تعالى أولاً: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَشَاوَى ﴾ وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى ﴾ وَوَجَدَكَ عَآئِلًا فَأَغْنَ﴾، ثم اعتبر هذا الترتيبَ، فأوصاه برعاية اليتيم(١)، ثم برعاية حَقُّ مَنْ سأله عن العلم والهداية، ثم أوصاه بشُكر نِعَم الله عليه. والقول الثاني: أن المراد مطلق السائل، ولقد عاتب الله رسولَه وَله في شأن الفُقراء في ثلاثة مواضع : أحدها: أنه كان جالساً وحولَه صناديدُ قريش، إذ جاءه ابنُ أُمّ مكتوم، فتخطى رقابَ الناس حتى جلس بين يديه، وقال: علمني مِمَّا علمك الله، فشَقَّ ذلك عليه، فعبسَ في وجهه، فنزل ﴿ عَسَ وَتَّوَلَّ﴾(٢) . الثاني: حين قالت له قريش: اجعل لنا مجلساً، وللفُقراء آخرَ، فَهَمَّ أن يفعلَ، فنزل قوله: ﴿وَأَصْبِرُ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ﴾ [الكهف: ٢٨](٣) . الثالث: أنه كان جالساً، فجاءه عثمان بِعذْقٍ من تمر فوضعه بين يديه، فأراد أن يأكل، فوقف سائل بالباب فقال: يرحمُ الله عبداً يرحَمُنا، فأمر بدفعه إلى السائل، فكره عثمانُ ذلك، وأراد أن يأكله النبيُّ ◌َِّ، فخرج واشتراه من السائل، يفعل ذلك ثلاث مرات، وكان يعطيه النبيَّ وَّ إلى أن قال النبيُّ نَّهِ: ((أَسَائِلٌ أَنْتَ أَمْ بائِعٌ)، فنزل: ﴿ وَأَمَّا ◌ُلسَّآيِلَ فَلَ نَنْهَرْ﴾ (٤). (١) في الأصل: ((برعاية اليتيم ثم برعاية اليتيم)) . (٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٩١٢٥)، من حديث ابن عباس (٣) رواه ابن ماجه (٤١٢٧)، بنحوه من حديث خباب ضـ (٤) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٣١ / ١٩٩). ٣٤٨ (الثعلبي): عن أبي هريرة يرفعه: ((لا يَمنَعنَّ أَحدُكُمُ السَّائِلَ أَنْ يُعطِيَهُ إذا سألَ، وإن رَأى في يَدِهِ قُلْبَيْنِ من ذَهَبٍ))(١). وقال إبراهيم بن أدهم: نِعْمَ القومُ السُّؤَّال يحملون زادنا إلى الآخرة. و[قال إبراهيم النخعي](٢): السائل يريد الآخرة، يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل تُوجِّهون إلى أَهلِيكُم بشيء؟ وعن ابن عباس قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إذا رَدَدْتَ السَّائلَ ثلاثاً فلم يرجع، فلا عليكَ أَن تَزْبُرَهُ) (٣). * قوله تعالى: ﴿أَرَءَيْتَ الَّذِى يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴾ [الماعون: ١]: (م): معناه: هل عرفت الذي يكذِّب بالجزاء مَن هو؟ فإن لم تعرفه، فهو الذي يَدُعُّ اليتيم، وهذا اللفظ وإن كان في صورة الاستفهام، لكن الغرض منه المُبالغة في التعجُّب، كقولك: أرأيت فلاناً [ماذا] ارتكب؟ ثم إنه خطابٌ للرسول الله وَطه . وقيل: بل خطابٌ لكل عاقل؛ أي: أرأيتَ يا عاقلُ هذا الذي يكذِّبُ بالدين بعد ظُهور دَلائله، ووُضوح تبيانه، أيفعلُ ذلك لا لغرض؟ فكيف [يليق] بالعاقل جَرُّ العقوبة الأبدية إلى نفسه من غير غرض، أو لأجل (١) رواه البزار في ((مسنده)) (٨٨٤٣). وهو حديث منكر. انظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (٥٨٣٧). (٢) ما بين معكوفتين من ((تفسير الثعلبي)) (٢٣٠/١٠). (٣) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (١٠ / ٢٣٠)، والحديث ذكره المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (١٦٢٥٣)، وعزاه للدارقطني في ((الأفراد)). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٢٠). ٣٤٩ الدنيا؟! فهل يليق به بيع الكثير الباقي بالقليل الفاني؟! قال ابن جُريج: نزلت في أبي سفيان، كان ينحر جَزورين في كل أُسبوع، فأتاه يتيم فسأله لحماً، فقرعه بعصاه. قال مُقاتلٌ: نزلت في العاص بن وائل السَّهْميِّ، وكان من صفته الجمعُ بين التكذيب بيوم القيامة، والإتيان بالأفعال القَبيحة. وقال السُّدِّيُّ: نزلت في الوليد بن المُغيرة. وحكى الماوردي أنها نزلت في أبي جهل، كان وَصيًّا ليتيم، فجاءه وهو عُريان يسأله شيئاً من مال نفسه، فدفعه ولم يعبأ به، فأيس الصبيُّ، فقال له أكابر قريش: قل لمُحمَّد يشفع لك، وكان غرضُهم الاستهزاءَ، ولم يعرف اليتيمُ ذلك، فجاء إلى النبيِّ نَّه، والتمس منه الشَّفاعةَ، وكان ◌ٍَّ لا يَردُّ محتاجاً، فذهب معه إلى أبي جهل، فقام أبو جهل ورَخَّب به، وبذل المالَ لليتيم، فعَيَّرهُ قريشٌ، وقالوا: صَبَأْت، فقال: لا والله ما صَبَأْتُ، ولكن رأيت عن يمينه وعن يساره حَرْبَةً خِفتُ إن لم أُجبه يَطعَنْها فِيَّ. ورُوي عن ابن عباس أنها نزلت في منافق جمع بين البُخل والمُراباة(١). وقيل: إنه عامٌّ لكل مَن كان مُكذِّباً بيوم الدِّين، وذلك لأن إقدام الإنسان على الطاعات، وإحجامَه عن المحظورات، إنما يكون للرَّغبة في الثواب، أو الرَّهبة من العقاب، فإذا كان مُنكراً للقيامة، لم يترك شيئاً من المُشتهَيات واللذَّات، فإنكار القيامة كالأصل لجميع أنواع الكُفر والمعاصي. وقيل: الدِّين هاهنا الإسلام؛ لأنه عند الإطلاق يقع عليه، إذ سائرُ (١) في ((تفسير الرازي)) (١٠٥/٣٢): ((والمراءاة)). ٣٥٠ الأديان الباطلة لا تسمَّى دِيناً إلا بضَرْبٍ من التقييد، كدين النصارى واليهود. وقال أكثر المفسرين: إن المُرادَ بالدِّين الحسابُ والجَزاء، إذ لا يُقدِم على كل قَبيح من غير مُبالاة إلا المُنكِرُ للمَعاد(١). قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِى يَدُغُ اَلْيَتِيمَ ﴾ [الماعون: ٢]؛ أي: يدفعه بعنف وجَفْوَة. (م): حاصل الأمر في دَعٌ اليتيم أُمورٌ: أحدها: دفعه عن حَقِّه وماله بالظُّلم . والثاني: ترك المُواساة معه وإن لم تكن المواساة واجبةً، فقد يُلام المَرْءُ على ترك النَّوافل، لا سِيَّما إذا أُسند(٢) إلى النِّفاق. والثالث: أن يزجرَه ویَضربَهُ ویستخِفَّ به. وفي قوله: ﴿يَدُغُ﴾ بالتشديد فائدةٌ، وهي أن ﴿يَدُغُ﴾ بالتشديد معناه: أن يعتاد ذلك، فلا يتناول الوعید من وُجِد ذلك عنه نادراً وندم عليه، ومنه سُمِّي ذَنْبُ المؤمن لَمَماً؛ لأنه كالطَّف والخَيال يطرأ ولا يبقى (٣). * قوله تعالى: ﴿وَلَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣]: (م): فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يَحُضُّ نفسَه على طعام المسكين؛ لقساوة قلبه، وخساسَةِ طبعه . (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٠٥/٣٢ - ١٠٦). (٢) في الأصل: ((اشتد)). (٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣٢/ ١٠٥ -١٠٦). ٣٥١ والثاني: أنه لا يَحُضُّ غيرَه، بسببٍ أنه لا يعتقد في ذلك الفعل ثواباً(١). واعلم أنه تعالى وصفَ المكذِّبَ بالدِّين بوصفين : أحدهما: من باب الأفعال، وهو دَعُ الیتیم. والثاني: من باب التُّروك، وهو ﴿ وَلَا يَحُضُّ﴾ . وإنما اقتصر عليهما على سبيل التمثيل، كأنه تعالى ذكر مِن كلِّ واحد مثالاً، تنبيهاً بذكره على سائر القبائح، أو لأجل أن هاتين الخَصْلتين كما أنهما قَبيحتان مُنكران بحسَب الشرع، فهما منكران أيضاً بحسَب المروءة الإنسانية . ٢٦٠ - وعن سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ ﴿ه، قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َِه سِنَّةَ نَفَرٍ، فقال المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ وَّهِ: اطْرُدْ هَؤُلاءِ لاَ يَجْتَرِتُونَ عَلَيْنَا، وَكُنْتُ أنا، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلِ، وَبِلالٌ، وَرَجُلانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسٍ رسولِ اللهِّهِ مَا شَاءَ الله أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْظُرُِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ ﴾ [الأنعام: ٥٢] رواه مسلم. (الأَقْلُ) * قوله: ((ما شاء الله أن يقع)) : (١) المرجع السابق (٣٢/ ١٠٦). ٣٥٢ (ط): ورد في تفسير الآية: أن المشركين قالوا لرسول الله وَّ ه: لو طردت هؤلاء جلسنا إليك وحادثناك، فقال ◌َله: ((ما أنا بطَاردِ المُؤمِنِينَ))، قالوا: فأقمهم عنا إذا جئنا، قال: ((نَعَمْ))، طمعاً في إيمانهم(١). (ق): قيل: معناه: يدعون ربّهم بالغَداة لطلب التوفيق والتيسير، وبالعَشِيِّ لطلب العَفْو عن التقصير، وقيل: يعني به: دوامَ عبادتهم، وإنما خَصَّ طرفي النهار بالذِّكر لأن مَنْ عمل في وقت الشُّغل، كان في وقت الفراغ من الشُّغل أعملَ. وقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهٌَ﴾ [الأنعام: ٥٢]؛ أي: يخلصون في عبادتهم وأعمالهم الله تعالى، ويصح أن يقال: يقصدون بأعمالهم الفوزَ بلقاء الله ورؤية وجهه الكريم. وفي الحديث: النهيُ عن أن يُعظّم أحدٌ لجاهه أو أَبَويه، وعن أن يُحتقرَ لخُموله ورثاثة أثوابه(٢). ٢٦١ - وعن أَبِي هُبَيْرَةَ عَائِذٍ بْنِ عَمْرٍو المُزَنِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ ﴿: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلالٍ فِي نَفَرِ، فقالوا: مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللهِ مِنْ عَدُوِّ اللهِ مَأْخَذَهَا، فقال أَبُو بَكْرِ هِ: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟! فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َّه (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٩٢٧). وانظر: ((تفسير البغوي)) (٢ / ٩٩). والحديث رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١٠٤٩٤). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٢٨٥). ٣٥٣ فَأَخْبَرَهُ، فقال: ((يا أَبَا بَكْرٍ! لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ؟ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ»، فَأَنَاهُمْ فقالَ: يَا إخْوَتَاهُ! آغْضَبْتُكُمْ؟ قالوا: لا، يَغْفِرُ اللهُ لَكَ يَا أُخَيَّ. رواه مسلم. قولُهُ: ((مَأْخَذَهَا))؛ أَيْ: لَمْ تَسْتَوْفِ حَقَّهَا مِنْهُ. وقولُهُ: ((يَا أُخَيَّ)): رُوي بفتح الهمزة وكسر الخاءِ وتخفيف الیاءِ، ورُوي - بضم الهمزة وفتح الخاء وتشديد الياءِ -. (الثَّانِى) (ن): ((مأخذها)» ضبطوه بوجهين: أحدهما: (مَأْخَذها)، بالقَصْر وفتح الخاء. والثاني: بالمَدِّ وبكسرها، وكلاهما صحيح، وهذا قيل لأبي سفيان قبل أن يُسلِمَ بعد صُلح الحُدَيْبَةِ(١). (ط): ((مأخذها)) قيل: مفعول به، وقيل: مفعول فيه، ويجوز أن يكون مصدراً، والكلام إخبارٌ فيه معنى الاستفهام المُتضمّن للاستبطاء، استعار الأخذ للسَّيف تشبيهاً له بمن له حَقٌّ على صاحبه، وهو يَلُزُّه ويطالبه، والغريمُ يمتنع عن إيفاء حَقِّه ويُماطِلُه، انتهى (٢). * قوله: ((أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم)) هذا من الصِّدِّيق ◌َظُ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٦٦). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٢ / ٣٩٣٤). ٣٥٤ تأليفُ قلب أبي سفيان، طمعاً أن يؤمن، وخوفاً من أن تأخذَه حَمِيَّةُ الجاهلية إذا سمع منهم أمثال هذه الكلمات، ويستمرَّ في كفره. : قوله: ((فقالوا: لا)): قال القاضي: وقد رُوي عن أبي بکر ◌ُ أنه نهى عن مثل هذه الصِّیغة، وقال: قل: عافاك الله، رحمك الله، لا تزد؛ أي: لا تقل قبل الدعاء: (لا) فيصيرَ صورتُه [صورة] نفي الدعاء. وقال بعضهم: قل: (لا، ويغفر الله لك). قوله: ((أخي)) روي بالتصغير، وهو تصغيرُ تَحْبِيبٍ وتَرْفِيقٍ ومُلاطفةٍ، وروي مُكبَّراً. فيه: فضيلةٌ ظاهرةٌ لسَلمان ورُفقته هؤلاء، وفيه: مُراعاةُ قلوب الضُّعفاء وأهل الدِّين، وإكرامُهم ومُلاطفَتُهم(١). ٠ ٢٦٢ - وعن سَهْل بنِ سَعْدٍُ قال: قال رَسُولُ الله ◌َّفون: ((أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا))، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا. رواه البخاري. وَ(كَافِلُ الْيَئِيم)»: القَائِمُ بِأُمُورِهِ. ٢٦٣ - وعن أبي هريرةَ ◌َ﴾ه قال: قال رَسُولُ اللهِوَّهِ: (« كَافِلُ اليَِّيمِ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الجَنَّةِ»، وَأَشَارَ الرَّاوي - وَهُوَ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ٦٦). ٣٥٥ مَالِكُ بْنُ أنَسٍ - بِالسَّبَّابَةِ وَالُسْطَى. رواه مسلم. وقوله وَّه: ((اليَتِيمُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ)) مَعْنَاهُ: قَرِيبُهُ، أَوْ الأَجْنَبِيُّ مِنْهُ، فَالقَرِيبُ مِثْلُ أَنْ تَكْفُلَهُ أُمُّهُ، أَوْ جَدُّهُ، أَوْ أَخُوهُ، أَوْ غَيْرُهُمْ مِنْ قَرَابَتِهِ، والله أَعْلَمُ. الثَّالِثُ وَالَّا (ن): ((كافل اليتيم)) هو القائم بأُموره: من نفقةٍ، وكِسْوةٍ، وتأديبٍ، وتربيةٍ، وغيرِ ذلك، وهذه الفضيلةُ تحصُل لمَن كفَله من مال نفسه، أو من اليتيم بولاية شرعية (١). (ط): ((له أو لغيره) راجعٌ إلى الكافل؛ أي: أن اليتيم سواءٌ كان للكافل من ذوي رَحِمه وأنسابه، أو كان أجنبياً لغيره يَكفُل به. وقوله: ((في الجنة)) خبر ((أنا)). و((هكذا)) نصبٌ على المصدر من مُتعلَّق الخبر. ((وأشار بالسبابة والوسطى))، أي: أشار بهما إلى ما في ضميره صلوات الله عليه من معنى الانضمام، وهو بيان ((هكذا))(٢). (ق): أي: هو معه في الجنة وبحَضرته، غيرَ أن كل واحد منهما على درجته فيها، إذ لا يبلغ درجةَ نبينا ◌َّر أحدٌ من الأنبياء عليهم السلام، فكيف بغيرهم؟! وإلى هذا المعنى الإشارةُ بقِرانه بين إصبعيه السَّبَّابة والوسطى، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١١٣). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٧٦). ٣٥٦ فيفهم من الجمع بينهما المَعِيَّةُ والخُضورُ، ومن تفاوت ما بينهما اختصاصُ كل واحد مهما بمنزلته ودرجته، وقد نَصَّ النبي ◌َّ على هذا المعنى بقوله: ((المَرْءُ مَعَ مَن أَحبَّ، ولَهُ ما اكتَسَبَ))، انتهى(١). قال الترمذيُّ الحَكيم: وإنما يَزِنُ هذا على سائر الأعمال؛ لأن اليتيمَ قد افتقد تربية أبيه وبرّه ولُطفَه، وتعاهُدَه مصالحَ أُموره، وهي أعظمُ الأغذية، والله تعالى وليُّ ذلك كلِّه يُجريها على الأسباب، فإذا قبض أَبويه فهو الوليُّ لذلك اليتيم في جميع أُموره، كما رُوي عن عطاء قال: قال موسى عليه السلام: يا ربِّ! أتُميتُ أبوي الصبيِّ ومَن لا حيلةَ له، وتدعه هكذا؟! قال : یا موسی، أما ترضی بي کافلاً؟! ومن أسمائه تعالى: الكَفِيلُ والوَكيل، فإنما توَّل لعباده وتكفَّل لهم بما يحتاجون إليه، وهو حَسْبُهم، فاليتيمُ كافلُه خالقُه، فمَن مَدَّ يدَه إلى كفالة هذا اليتيم، فإنما ذاك عمل يعمله عن الله، لا عن نفسه، والرسلُ من شأنهم أنهم يؤدُّون عن الله حُججه إلى خلقه وبيانَه وهدايته، فلذلك صار كافلُ اليتيم بالقُرب منه في الدَّرجة والمَوقف، وليس في الموقف بُقعةٌ أَرْوَحُ ولا أنورُ ولا أطيبُ ولا آمَنُ من الْبُقعة التي يكون فيها مُحمَّدٌ وَِّ، فإذا نال كافلُ اليتيم القُربَ من تلك البقعة، فقد سَعِد جَدُّه(٢). * * ٢٦٤ - وعنه قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦/ ٦١٤)، والحديث رواه الترمذي (٢٣٨٦)، من حديث أنس ظه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٩٢٣). (٢) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (٢ / ٥٤). ٣٥٧ تَرُّدُّهُ الثَّمْرَةُ وَالثَّمْرَتَانِ، وَلا اللُّقْمَةُ وَاللَّقْمَتَانِ، إِنَّمَا المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ» متفق عليه. وفي رواية في ((الصحيحين)): ((لَيْسَ المِسْكينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ، وَالثَّمْرَةُ وَالثَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ المِسْكِينَ الَّذِي لا يَجِدُ غِنِىٌ يُغْنِه، وَلا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ)). ,,20 (ق): ((المسكين)) مِفْعِيل، من السُّكون، فكأنه مِن عُدْمِ المال سكنت حرّكاتُه، ووجوهُ مَكاسِبه، وعند الأصمعيِّ أنه أسوأ حالاً من الفقير، وعند غيره عكسُ ذلك، وقيل: هما اسمان لمُسمَّى واحد(١). (خط): فيه دليلٌ على أن المِسكينَ في الظاهر عندهم والمُتعارَفِ لديهم: هو السائل الطَّوَّافُ، وإنما نفى ◌َّهِ اسمَ المَسكنة عنه لأنه بمسألته يأتيه الكِفايةُ، وقد تأتيه الزيادةُ عليها، فنزول حاجتُه، ويسقط عنه اسمُ المَسكنة، وإنما تدوم الحاجة والمَسكنة فيمَن لا يسأل ولا يُفطَن له فيُعطى(٢). (ط): ويؤيد هذا التأويلَ إيقاعُ الخبر موصولاً، وجَعْلُ «ترده)) حالاً من الضمير في ((يطوف))، فيفيد الانحصارَ، ورَدَّ مَن زعم خلاف ذلك، أي: ليس المِسكينُ المُتعارَف شرعاً مَن هو مُتعارفٌ عندكم، لأنه ذو كفاية (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٨٤). (٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٢ / ٦١). ٣٥٨ يأتيه الزيادة عليها(١). (ن): ليس معناه نفيَ المَسكنة عن الطَّوَّاف، بل معناه أن كاملَ المَسكنة، والذي هو أَحُّ بالصدقة وأَحوجُ إليها: هو الذي لا يجد غِنىّ، ولا يسأله، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧](٢). (ق): وكقوله ◌َله: ((ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّدِيدُ الذي يَملِكُ نفسَهُ عندَ الغَضَبِ))(٣). (مظ): في هذا الحديث بيانُ فضلِ مسكينٍ لم يسأل على مَن يسأل، وقوله: ((لا يفطن))؛ أي: لا يُعلم حالُه أنه مُحتاجٌ، بل يُخفي حالَ نفسه (٤). ٢٦٥ - وعنه، عن النبي ◌َّ: ((السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ كَالمُجَاهِدِ في سَبيلِ الله))، وَأَحْسَبُهُ قال: ((وَكَالقَائِمِ الَّذِي لا يَقْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لا يُفْطِرُ» متفقٌ عليه. ١١٧٥ (ن): ((الأرملة)) مَنْ لا زوجَ لها، سواءٌ كانت تزوَّجت قبل ذلك أم لا، (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥٠٥). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨ /١٢٩). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٨٤)، والحديث رواه البخاري (٥٧٦٣)، ومسلم (٢٦٠٩)، من حديث أبي هريرة ﴾. (٤) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٥٠٩). ٣٥٩ وقيل: هي التي فارقها زوجُها، قال ابن قتيبةَ: سُمِّيت أرملةً من الإرمال، وهو الفقرُ وذهابُ الزَّاد بفقد الزوج، انتهى(١). (الجوهري): ((الأرمل)): الرجل الذي لا امرأة له، و(«الأرملة)): المرأة التي لا زوج لها، وقد أرملت المرأة: إذا مات عنها زوجُها، قال: هَذِي الأَرَامِلُ قد قَضَّيْتَ حَاجَتَها فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذا الأَرْمَلِ الدَّكَرِ قال ابن السِّكِّيت: الأراملُ: المساكين من رجال ونساء، ويقال للرِّجال المُحتاجين الضُّعفاء: أرملةٌ، وإن لم يكن فيهم نساء(٢). (ن): ((الساعي على الأرملة والمسكين)) المراد به الكاسِبُ لهما، والعامل لمُؤنتهما(٣). (ط): لأنه وَِّ عَدَّاه بـ (على) مضمِّناً فيه معنى الإنفاق (٤). (ق): إنما شَبَّهه بالمُجاهد؛ لأن القيامَ على المرأة بما يُصلِحُها، وبما يحفظها ويصونها لا يُتصوَّر الدَّوامُ عليه إلا مع الصبر العظيم ومُجاهدة النفس والشيطان، فإنهما يُكسِلان عن ذلك، ويُثقِلانه، ويفسدان النيَّاتِ في ذلك، وربما يدعوان بسبب ذلك إلى السُّوء، ولذلك فَلَّ مَن يدوم على ذلك العمل، وأقلُّ من ذلك مَن يسلم منه(٥). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١١٢). (٢) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٤ / ١٧١٣)، (مادة: رمل). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١١٢). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٧٥). (٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦١٣). ٣٦٠