Indexed OCR Text
Pages 321-340
(الأَقْلُ) (ن): ضبطوا ((متضعف)) بفتح العين وكسرها، المشهور الفتح، معناه: يَتضعَّفُه الناسُ، ويَحتقِرُونه، ويَتجَبَّرون علیه، لضعف حاله في الدنيا. وأما رواية الكسر: فمعناه: مُتواضعٌ مُتذَلِّل خامِلٌ واضحٌ من نفسه. قال القاضي: وقد يكون الضَّعفُ هنا رِقَّةَ القلوب ولِينَها، وإخْبَاتَها للإيمان، والمراد: أن أغلب أهل الجنة هؤلاء، كما أن مُعظم أهل النار القِسْمُ الآخر، وليس المراد الاستيعابَ في الطرفين(١). * وقوله ◌َّ: «لو أقسم على الله، لأبره)): (ن): معناه: لو حلف يميناً طمَعاً في كرم الله تعالى بإبراره لأَبَرَّهُ، وقيل: لو دعا لأجابه، يقال: أَبَرِرْتُ قسَمَه وبَرَرْتُه، والأولُ هو المشهور (٢). (ق): ((مُتضعَّف)) اسم مفعول؛ أي: الغالبُ على صفة أهل الجنة الضَّعفُ عن نَّل الدنيا ومالها وجاهها ومناصبها، وإيثارُ الخُمول والتواضُع فيها، يلبسون زَريَّ الملابس، ولا يلتفتون إلی مفاخر المراکب، ولا إلی صُدور المجالس علماً منهم [بأنهم] على جَاذَّة سفر، وأن الدنيا ليست بِمَقَرِ (٣). (ن): ((العتل)) بضم العين والتاء: هو الجافي الشديدُ الخُصومةِ بالباطل، وقيل: الجافي الفَظُّ الغليظ (٤). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٨٧). (٢) المرجع السابق، الموضع نفسه. (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٦٩). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٨٧). ٣٢١ (ق): وقيل: هو الأَكُول الشَّرُوب الظُّلُوم، والعَثْل هو العُنف، منه سُمِّيت القِسِيُّ الفارسية: عَتَلاً، لشِدَّتها، و((المستكبر)): هو المَوصوف بالكِبْرِ المُستعمِلُ له(١). (ن): هو بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ الناس (٢). ٠ * ٢٥٣ - وعن أبي العباسِ سَهْلِ بنِ سَعْدِ الساعِدِيِّ ﴾ قال: مَرَّ رَجُلٌ على النبيِّ ◌َ﴿ِ؛ فقال لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: ((مَا رَأْيُكَ فِي هَذا؟))، فقال: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ. فَسَكَتَ رسولُ اللهِوَِّ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ، فقال له رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَا رَأَيُكَ في هذَا؟))، فقال: يا رسولَ الله! هذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ المُسْلِمِينَ، هذَا حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أَنْ لا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ. فقال رسولُ الله ◌ِّمن: ((هذَا خَيْرٌ مِنْ مِلءِ الأَرْضِ مِثْلِ هَذَا» متفقٌ عليه. قوله: ((حَرِيٌّ) هو بفتح الحاءِ وکسر الراءِ وتشديد الياءِ؛ أيْ: حَقِيقٌ. وقوله: ((شَفَعَ)) بفتح الفاء. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٧٠). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٨٨). ٣٢٢ (الثَّانِيَ) * قوله وظيفى: ((هذا خير من ملء الأرض مثل هذا»: (ط): ((ملء الأرض) وقع مُفضَّلاً عليه باعتبار مُمَيِّزه، وهو قوله: ((مثل هذا)) لأن البيانَ والمُبيَّن شيءٌ واحد، انتهى(١). فيه: فضيلة الخُمول، والزُّهدِ في الدنيا، والتقلَّلِ من الجاه والمال، ومعرفةِ الناس، فإن كل واحد من هذه المذكورات عَوْنٌ للعبد في سَيْره إلى ربِّه. وفيه: أن الجِبلَّةَ الإنسانية مَطبوعةٌ على أنها تُحِبُّ العاجلةَ، وتذَرُ الآخرةَ، فإن الصحابيَّ الجليسَ للنبيِّ وَّهِ عَنَى بقوله: ((هذا حرٌّ إن خطب أن لا يُنكح، وإن شفع أن لا يُشَفَّع، وإن قال أن لا يُسمع لقوله)»: أن غالب البشر هذا حالُهم، لا أفراد المؤمنين، فضلاً عن المُنْتَجَبين فيهم والمُنْتَخَيِين. وفيه: أن الواحد الكامل من النوع الإنسانيِّ ربما يوازي أُلوفاً مُؤلفة من الذين طبع الله على قلوبهم، واتَّبعوا أهواءَهم، وغلبت عليهم الشِّقْوةُ، وأَسَرتهم الشَّهوةُ، فإنهم كغُثاء السَّيْل لا يُعبأ بكثرتهم، ولهذا كان بَعْثُ النار من ولد آدم عليه السلام من كل ألف تسعُ مئة وتسعةٌ وتسعون، وفي التنزيل: ﴿ إِنَّ إِبْرَهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾ [النحل: ١٢٠]. ٢٥٤ - وعن أبي سعيدِ الخُدْرِيِّ ◌َ﴿ه، عن النبيِّ وَِّ قال: (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣١١). ٣٢٣ ((احْتَجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: فِيَّ الجَبَّارُونَ وَالمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: فِيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ، فَقَضَى اللهُ بَيْنَهُمَا: إِنَّكِ الجَنَّةُ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَإِنَّكِ النَّارُ عَذَابِي أُعَذِّب بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا)) رواه مسلم. (الثَّالِثُ)) * قوله : ((احتجت الجنة والنار)) : وفي رواية لمسلم: ((تَحاجَّت))(١)، قال الأزهري: حاجَجْتُه أُحَاجُّه حِجاجاً ومُحَاجَّةً حتى أَحْجَجْتُه؛ أي: غلبته بالحُجَّة(٢). (ط): الحديثُ لا يُحمل على هذا، لأن كل واحدة منهما ليست بغالبة على الأخرى فيما تكلمت به، بل لمُجرَّد حكاية ما اختصت به، وفيها شائبة من نوع الشِّكاية، ألا ترى كيف قال للجنة: ((إنما أنت رحمتي)) وقال للنار: ((إنما أنت عذابي))؟ فأفحم كلَّ واحدة منهما بما تقتضيه مَشيئتُه، انتهى(٣). الحديث محمول على الحقيقة اللُّغوية، ينادي بهذا قولُهُ وٍَّ: ((فقضى الله بينهما))، إذ الحكم مسبوقٌ بالمُحَاجَّة. وقوله: لأن كل واحدة منهما ليست بغالبة على الأخرى. يقال: لا يلزم من التَّحَاجِّ حُصولُ الغَلَبة، بل إرادتُها، وهي حاصلةٌ، فإن النار (١) رواه مسلم (٢٨٤٦ / ٣٥)، من حديث أبي هريرة ضـ (٢) انظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (٣/ ٢٥١). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٥٩٦). ٣٢٤ قالت: (أُوثرت بالجبارين والمتكبرين)) ادِّعاءً منها بمَزِيَّةٍ لها على الجنة بهذا، والجنة مع ما مُنحت من الفضائل لمَّا نظرت إلى أكثر أهلها، وما وجدت إلا ◌ِقَاطَ الناس وضعافَهم، فكّرت في حُجَّة لها، فجعلت تُدَمِدِمُ مع نفسها وتقول: ((ما لي لا يَدْخلُني إلا ضُعَفَاء الناس وَسَقَطُهم وعَجَزُهم))، فقال الله لها: «أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء)»، فكأنه سبحانه لَقَّنها حُجَّتها، إذ رحمة الله غالبةٌ على غضَبِه كما ورد في ((الصحيح)) (١)، فإذا قالت: أنا رحمةُ الله، فقد غلبت حقيقةً وحُجَّةً، وقال للنار: ((أنت عذابي أصيبُ بكِ من أشاء)»؛ أي: ما أنتِ إلا مَأمورةٌ يجب عليك الائتمارُ لِمَا أمرت. (ن): هذه المُحاجَّة على ظاهرها، وأن الله تعالى جعل في الجنة والنار تمييزاً تدركان به فتحاجَّتا، ولا يلزم من هذا أن يكون ذلك التمييز فيهما دائماً(٢) . (ق): ظاهر هذه المُحاجَّة: أنها لسان مَقال، فيكون خَزَنةُ كل واحد منهما هم القائلون ذلك، ويجوز أن يخلق الله ذلك القولَ فيما شاء من أجزاء الجنة، ولا يشترط عقلاً في الأصوات المُقطَّعة أن يكون محلُّها حَيّاً، خلافاً لمن اشترط ذلك، ولو سَلَّمنا ذلك، لكان من المُمكن أن يخلق الله في بعض أجزاء الجنة والنار الجَمادية حياةً، بحيث يصدر ذلك القولُ عنه، لا سيما وقد قال بعضُ المفسرين في قوله: ﴿وَإِنَ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِىَ اُلْحَيَوَانٌ﴾ [العنكبوت: ٦٤]: إن كل ما في الجنة حيٌّ، ويحتمل أن يكون ذلك (١) رواه البخاري (٦٩٨٦)، من حديث أبي هريرة . (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٨١). ٣٢٥ لسانَ حال، فيكون ذلك عبارةً عن حالَيْهِما، والأول أَوْلَى، والله أعلم(١). (حس): سُمِّيت الجنة رحمةً، لأن بها تظهر (٢) رحمة الله تعالى، كما قال: ((أَرْحَمُ بِك مَنْ أَشاءُ»، وإلا فرحمة الله من صفاته التي لم يزل موصوفاً بها، ليس [لله] صفةٌ حادثةٌ، ولا اسمٌ حادثٌ، فهو قديم بجميع أسمائه وصفاته جَلَّ جلاله، وتَقَّدس أسماؤُه(٣). ٢٥٥ - وعن أبي هريرةَ ◌َله، عن رسولِ اللهِلَّه قال: ((إنّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ السَّمِينُ العَظِيمُ يَومَ القِيَامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ» متفقٌ عَلَيْهِ. (ن): معنى ((لا يزن عند الله جناح بعوضة))؛ أي: لا يَعدِلُه في القَدْر والمَنزلة؛ أي: لا قَدْرَ له، وفيه: ذَمُّ السَّمَن(٤). (ق): إذ لا يُثقل الميزانَ إلا صحيفةُ الأعمال، لا أشخاصُ العاملين، وقد قال ◌َّ في عبدالله بن مسعود: ((أَتَعجَبُونَ مِنْ حُمُوشَةِ سَاقَيْهِ؟! لَهِيَ (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٩٢). (٢) في الأصل: ((يذهب)). (٣) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١٥ / ٢٥٧). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ١٢٩). ٣٢٦ أَنْقَلُ في المِيزَانِ مِن أُحُد)) (١)، أو كما قال؛ أي: الأعمال التي عمل بها، لا أن ساقيه توضع في الميزان، ولا شَخْصُه، كما قال بعض المُتكلِّمين على هذه الآية: إن الأشخاصَ توزن. وفيه: أن السِّمَن المُكتَسب للرجال مَذمومٌ، وقد قال ◌َّهِ: ((إنَّ أَبغضَ الرِّجالِ إلى الله الحَبْرُ السَّمِينُ))(٢)، وقال في حديث عِمْرانَ: ((ويَظْهَرُ فِيهِمُ السَّمَنُ))(٣). وسبب ذلك: أن السِّمَن المُكتَسب إنما هو كثرة الأكل، والشَّرَهُ، والدَّعَةُ، والرَّاحةُ، والأَمن، والاسترسالُ مع النفس على شَهواتها، وحاصل هذا الحديث يرجع إلى الحديث الآخر: ((إنَّ الله لا يَنْظُرُ إلى صُوَرِكُم، ولَكِنْ يَنظُرُ إلى قُلُوبِكُمْ))(٤)، وقد سبق(٥) . ٢٥٦ - وعنه: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ، أَوْ شَاباً، فَفَقَدَهَا رسولُ اللهِ وَّهِ، فَسَأَلَ عَنْهَا، أَوْ عَنْهُ، فقالوا: مَاتَ. قال: ((أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟))، فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا، أَوْ أَمْرَهُ، فقال: (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١/ ١١٤)، من حديث علي ◌ُ. قال الهيثمي في («مجمع الزوائد» (٩ / ٢٨٩): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، ورجالهم رجال الصحيح غير أم موسى، وهي ثقة. (٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥٦٦٨) عن كعب من قوله. (٣) رواه البخاري (٢٥٠٨)، ومسلم (٢٥٣٥/ ٢١٤). (٤) رواه مسلم (٢٥٦٤ / ٣٣)، من حديث أبي هريرة ضُه. (٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٣٥٩). ٣٢٧ (دُونِي عَلَى قَبْرِهِ) فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قال: ((إنَّ هَذِهِ القُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ الله تعالى يُنَوِّرُهَا لَّهُمْ بصَلاتِي عَلَيْهِمْ)) متفقٌ عليه. قوله: (تَقُمُّ): هو بفتح التَّاءِ وَضَمِّ القَافِ، أَيْ: تَكْنُسُ، وَ(القُمَامَةُ)): الكُنَاسَةُ، وَ(آذَنْتُمونِي)) بِمَدِّ الهَمْزَةِ، أَيْ: أَعْلَمْتُمُونِي. (الَُّ) (ق): ((تقم المسجد))، أي: تكنُسُهُ، والقُمَامة: الكُنَاسة (١). (ن): فيه: بيان ما كان عليه النبيُّ وَّهِ من التواضُع والرِّفق بُمَّته، وتَفَقُّدِ أحوالهم، والقيامِ بحقوقهم، والاهتمامٍ بمصالحهم في آخرتهم ودُنياهم(٢). (ق): وفيه: تنبيهٌ على أن لا يُحتقرَ مُسلمٌ، ولا يُصغَّرَ أمرُه(٣). (ك): قال ابن بَطَّال: وفيه: الحضُّ على كَنْس المساجد وتنظيفها؛ لأنه وَّ إنما خَصَّه بالصلاة عليه بعد دفنه من أجل ذلك، وقد رُوي عن النبيِّ وَُّ أنه كنَس المسجدَ، وفيه خِدْمةُ الصالحين. وفيه: جواز المُكافأة بالدُّعاء والترُّم على مَن أوقف نفسَه على نفع المسلمين ومصالحهم . (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٦١٧). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢٥). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٦١٧). ٣٢٨ وفيه: الرَّغبة في حُضور خيار الصَّالحين. وفيه: جوازُ الصلاة في المقبرة(١). (ن): في قوله وَّيِ: ((أفلا كنتم آذنتموني)) دلالةٌ لاستحباب الإعلام بالميت، وفيه: دلالةٌ لمذهب الشافعيِّ ومُوافقيه في الصلاة على الميت في قبره، سواء صُلِّي عليه أم لا، تأوَّله أصحابُ مالكِ - حيث منعوا الصلاة على القبر - بتأويلات باطلة لا فائدة في ذكرها، لظهور فسادها(٢). (ق): مذهبُ مالكٍ ومشهورُ قولِ أصحابه: جوازُ الصلاة على القبر إذا لم يُصلَّ عليه، وعنه أيضاً وعن أشهبَ وسُحنون: أنه لا يُصَّی علیه؛ لِفَوْتِ ذلك. وأما من صُلِّي عليه، فليس لمَن فاتته الصلاةُ عليه أن يصلِّيَ عليه، وهو [المشهور من مذهب مالك وأصحابه وهو] قول اللَّيث، والثوريٍّ، وأبي حنيفة، قال: إلا أن يكون وَلِيَّه، فله إعادة الصلاة عليه. وإذا قلنا: تفوت، فما الذي يقع به الفَوْتُ؟ فقيل: بهَيْل التراب وتسويته، وقيل : بخوف تَغيُّرُه، وقيل: بالطُول فيمَن لم يصلَّ عليه، وهو ما زاد على ثلاثة أيام فأكثرَ عند أبي حنيفة، وقال أحمد فيمَن صُلِّي عليه: تُعَادُ إلى شهر(٣). (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١١٩/٤)، وكلمة: ((المقبرة)) تحرفت في الأصل إلى ((القبر)). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٢٥). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٦١٦)، وما بين معكوفتين منه. ٣٢٩ (ط): قوله ◌َّي: ((إن هذه القبور مملوءة ظلمة» هذا كالأسلوب الحكيم، يعني: ليس النظر في الصلاة على الميت إلى حَقارته ورِفعة شأنه، بل هي بمنزلة الشَّفاعة له [لُوَّر قبرُه]، ويُخفَّف من عذابه، وعليه الدُّعاء السابق، فليتأمل(١). * ٢٥٧ - وعنه، قال: قال رسولُ اللهِّهِ: ((رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوع بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ» رواه مسلم. السَّادُِّ) (قض): ((الأشعث)) هو المُغْبُّ الرأس، المُتَفرِّق الشُّعور، وأصل التر کیب هو التفرُّق والانتشار، و «مدفوع» الصواب بالدال؛ أي: يُدفع عند الدُّخول على الأعيان، والحُضور في المحافل، فلا يُترك أن یلجَ البابَ، فضلاً أن يحضر معهم، ويجلس فيما بينهم(٢). (ن): أي: لا قَدْرَ له عند الناس، فهم يدفعونه عن أبوابهم ويطردونه احتقاراً له. وقوله: «لو أقسم على الله، لأبره))؛ أي: لو حلف على وقوع شيء، لأوقعه الله إكراماً له بإجابة سؤاله، وصيانته من الحِنْث في يمينه، وهذا لعظم منزلته عند الله، وإن كان حقيراً عند الناس، وقيل: معنى القسم هاهنا الدُّعاء، وإبرارُه إجابته(٣). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٩٥)، وما بين معكوفتين منه. (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٩٦). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٧٤). ٣٣٠ [(ط)]: مما يؤيد الثاني لفظ ((على الله))، لأنه أراد به المُسمَّى، ولو أُريد به اللَّفظ، لقيل: (بالله)، ويشهد للوجه الأول حديثُ أنس بن النَّصْر: ((والله لا تُكسَرُ ثَنِيُّها))(١). (قض): إذا قلنا: المُراد بالإبرار الإجابةُ، فيكون قد شَبَّه إجابةَ المُنشدِ المُقْسِم على غيره بوفاء الحالف على يمينه وبِرِّه فيها(٢). (ط): فيكون من باب الاستعارة والتمثيل، ويجوز أن يكون من باب المُشاكلة المَعنويَّة(٣) . (الكشاف): شهد رجلٌ عند شُريح فقال: إنك لسَبْطُ الشهادة، فقال الرجل: إنها لم تَجْعَد عَنِّي، والذي سَوَّعْ تجعيدَ الشهادة هو مُراعاة المشاكلة، ولولا ذكر سُبوطة الشهادة لامتنع تجعيدُها (٤). (ق): فإن قيل: كيف تكون هذه أوصاف أهل الجنة، وقد أمر الشرع بالنظافة، والزِّينة، والتطيُّب في الجمعة والأعياد، وكان ◌َّهُ يَتطيّب، ويَتنظّف، ويَتزيَّن للوُفود وللجُمَع والأعياد. قلنا: لا تناقض بينهما، فإنه ◌َّ إنما وصف هؤلاء القومَ بما غلب من أحوالهم، من مُلازمة الأسفار الشَّرعية، من الحَجِّ، والجِهاد، والسِّياحة في الأرض، والفِرار بأديانهم من الفِتَن، ومع ذلك كُلُّه فيتنظفون النظافةَ الشرعية، (١) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٣٣٠٩/١٠)، والحديث رواه البخاري (٤٣٣٥)، ووقع فيه: ((سنُّها))، واللفظ المذكور ذكره التبريزي في ((مشكاة المصابيح)) (٣٤٦٠). (٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٣/ ٢٩٦). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٠٩). (٤) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ١٤١). ٣٣١ ويتزينون التزيُّنَ الشرعيَّ إذا حضر وقتُه، وأمكنهم ذلك، ويحضرون جماعةَ المسلمین وجمعاتھم، فهم مع الناس کائنون، وعنهم بائنون، داخلون في غِمارهم ومُستَتِرون بخُمولهم وأَطَمارهم، قد توجَّهوا إلى الحَقِّ، وأعرضوا عن الخَلْق، انتهى(١). ولبعضهم في وصفهم : يأمَنُ العَالَمُ شَرَّةْ رُبَّ ذي ◌ِمْرين نِضْوٍ وَهْوَ لا يَمْلِكُ ذَرَّةٌ لا يُرى إلا غَنِيًّا شَيْءٍ عَلَى اللهِ أَبَرَّةْ ثُمَّ لَوْ أَقْسَمَ في وللآخر : فرُتَّ حُرِّ كَرِيمٍ بَيْنَ أَطْمَار فَلا يَغُرَّنَّكَ ذُو ◌ِمْرَيْنِ تَحْقِرُهُ ٢٥٨ - وعن أُسَامَةَ :﴿ه، عن النبيِّوَِّ قال: ((قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينُ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ، فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ)) متفقٌ عليه. ((وَالجَدُّ» بفتحِ الجيم : الحَظُّ وَالغِنى. وقوله: ((مَحْبُوسُونَ»؛ أَيْ: لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ بَعْدُ فِي دُخُول الجَنَّةِ. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٦٩). ٣٣٢ الشَّا سـ * قوله ◌َ﴿: ((فإذا عامة من دخلها المساكين)) قال ابن أبي جَمْرَة الأزديُّ: لفظ ((المساكين)) في هذا الحديث ليس على عُمومه، لِمَا رُوي: ((إن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وهو خمس مئة عام من أعوام الدنيا))، فقام إليه فقيرٌ فقال: يا رسولَ اللهِ! أنا منهم؟ قال: ((أَلَكَ ثَوْبَانِ: إذا غَسَلتَ الوَاحِدَ لَبِسِتَ الآخرَ؟)) قال: نعم، قال: (لَسْتَ مِنْهُمْ)) فقام إليه ثانٍ فقال: يا رسولَ الله! أنا منهم؟ وليس كمَن تقدَّم، أي: ليس له إلا ثوبٌ واحد، فقال: ((أَلَكَ غَدَاءٌ وعَشَاءٌ؟)) قال: نعم، قال: (لَسْتَ مِنْهُم)) فقام ثالثٌ، فقال: أنا منهم؟ وليس كمَن تقدَّم قال: ((أَلَكَ بَيْتٌ تَأْوِي إِلَيهِ؟)) قال: نعم، قال: ((لَسْتَ مِنْهُم))، فقام رابعٌ، فقال: أنا منهم؟ وليس كمَن تقدَّم، قال: ((أَتُصْبِحُ وتُمْسِي وأنتَ رَاضٍ عَنِ الله؟)) قال: نعم، قال: ((أَنْتَ مِنْهُم))، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وكذلك يلزم في الفقير من طريق النظر أنه يقوم بما فُرض عليه، فالفقيرُ التارك للصلاة، كيف يدخل الجنة حَتَّى يكونَ من أكثر أهلها؟ إذ كما يوقَفُ الغنيُّ ليُسألَ عن ركن من أركان الإسلام، وهو الزكاة، كذلك المُفرِّط في الصلاة، إذ هو ركن أيضاً. (ن): ((أصحاب الجد)) بفتح الجيم، المراد به أصحاب البَخْت والحَظِّ في الدنيا، والوجاهة بها، وقيل: المراد به أصحابُ الولايات، و((محبوسون))؛ أي: للحساب، ويسبقهم الفقراء بخمس مئة عام، كما جاء في الحديث. وفي هذا الحديث: تفضيلُ الفقر على الغِنى، وفيه فضيلةُ الفُقراء، انتھی(١). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٥٢). ٣٣٣ قال ابن أبي جَمْرةَ: وفيه دليلٌ على أن الغالبَ على الأغنياء عدمُ التوفيق، لكونهم قليلين في الجنة، ولأنه يمنعهم عن اتِّباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كثرةُ حُطام الدُّنيا، والاشتغال بها، وإن دخلوا في الإسلام، قلَّما يُخلِّصون أَنْفُسَهم من كثرة ما يتوجَّه عليهم من الحُقوق، اللهم إلا من [خصَّه] الله منهم بمَعونة، والفقراء قليلو المؤونة، روي عن الحسن البصريِّ أنه وقع نارٌ في البصرة، فأخذ مُصْحَفاً وخرج، وقال: أهلَ البصرة، فاز المُخِفُّون، ما لي في بلدكم غيرُ هذا، يعني: مُصحَفَهُ، يشير أنه بقِلَّة دُنياه نجا من نار البصرة بنفسه وبكل ما معه، فكذلك في الدار الآخرة. ٢٥٩ - وعن أبي هريرة ﴿ه، عن النبيِّ وَِّ قال: ((لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلاَّ ثَلاثَةٌ: عيسى بْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجِ، وكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلاً عَابِداً، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةٌ، فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتَّهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ! فقال: يَا رَبِّ! أُمِّي وَصَلاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ أنَّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ! فقال: أَيْ رَبِّ! أُمِّي وَصَلاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ، أَتَتَّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ! فقال: أيْ رَبِّ! أمِّي وَصَلاتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ، فَقَالَت: اللَّهُمَّ لا تُمِنْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ المُومِسَاتِ. فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجاً وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٍّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إنْ شِئْتُمْ لِأَفْتِنَّهُ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، ٣٣٤ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتْ رَاعِياً كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَّهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَّلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فقال: مَا شأنُكُمْ؟ قالوا: زَنَّتَ بهذِهِ الْبَغِيِّ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ. قال: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاؤُوا بِهِ، فقال: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أتَى الصَّبِيَّ، فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ وقالَ: يَا غُلامُ! مَنْ أَبُوكَ؟ قال: فُلانُ الرَّاعِي، فَأَقْلُوا عَلَى جُرَيْجِ بُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَّنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قال: لا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا. وَبَيْنَ صَبِيٍّ يَرْضَعُ مِنْ أُمَّهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَبَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فقالت أُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلَ اثِي مثْلَ هذَا، فَتَرَكَ النَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ، فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ»، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِوَ﴿ وَهُوَ يَحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ فِي فِيهِ، فَجَعَلَ يَمُصُّهَا، قال: ((وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ: زَنَّتِ، سَرَقْتِ، وَهِي تَقُولُ: حَسْبِيَ الله وَنِعْمَ الوَكِيلُ. فقالَتْ أُّهُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ اثْنِي مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الرَّضَاعَ، وَنَظَرَ إلَيْهَا، فقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، فَهُنَالِكَ تَرَاجَعَا الحَدِيثَ، فقالَتْ: مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الهَيئَةِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ اثِي مِثْلَهُ، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي ٣٣٥ مِثْلَهُ، وَمَرُوا بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَّتِ، سَرَقْتِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ اثِي مِثْلَهَا، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا؟! قالَ: إنَّ ذلِكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّاراً، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لها: زَنَيَّتِ، وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرَقْتٍ، وَلَمْ تَسْرِقْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا) متفقٌ عليه. ((وَالْمُومِسَاتُ)): بضَمِّ الميم الأُولَى، وإسكانِ الواوِ، وکسرِ الميم الثانيةِ، وبالسين المهملة، وَهُنَّ الزَّوَانِي. وَالمُومِسَةُ: الزَّانِيَةُ. وقوله: ((دَبَّةٌ فَارِهَةٌ)) بِالفَاءِ؛ أيْ: حَاذِقَةٌ نَفَيسَةٌ. ((وَالشَّارَةُ»: بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، وَهِيَ الجَمَالُ الظَّاهِرُ في الهَيْئَةِ وَالمَلْبَسِ. وَمَعْنَى ((تَرَاجَعَا الحَدِيثَ)؛ أيْ: حَدَّثَتِ الصَّبِيَّ، وَحَدَّثَهَا، والله أعلم. (الثَّامُ) * قوله ◌َّير: ((لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)): (ن): ليس في هذا الحديث الصبيُّ الذي كان مع المرأة في قِصَّة أصحاب الأُخدود، وقد ذكره مسلمٌ. وجوابه: أن ذلك الصبيَّ لم يكن في المَهْد، بل كان أكبرَ من صاحب المَهْد وإن كان صغيراً (١). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٠٦). ٣٣٦ (ق): ((المهد)): مصدر مَهَدْتُ الشيءَ أَمَهَدُهُ: إذا سَوَّيتَه وعَدَّتَه، ومَهْد الصبيّ: كلُّ محَلِّ يُسوَى له ويُوَطّا، فقد یکون سريره، وقد يكون حَجْرَ أُمِّه، كما قال قتادة في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ فِ الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [ مريم: ٢٩]، وظاهرُ هذا الحديث الحَصْرُ. وقال الضحّاك: تكلّم في المهد ستةٌ: شاهد يوسف، وصبيُّ ماشطة امرأة فرعون، وعیسی، ویحیی، وصاحب جُرَیج، وصاحب الأُخدود. قلت: وأسقط صبي الجَبَّار، فيكون المُتكلِّمون في المهد سبعةً، وقد يجاب بأن مَن عدا هذه الثلاثة كانوا كباراً، بحيث يتكلمون ويَعقِلُون، وقيل: كان النبيُّ ◌َّيِ أَخبر بما علمه، ثم أخبره الله بما شاء من ذلك، فأخبرنا(١). قوله: ((صومعة)) بفتح الصاد والميم، الجوهري: يقال: أتانا بثَرِيدةٍ مُصَمَّعَةٍ: إذا دُقِّقَتْ(٢) وحُدِّدَ رأسُها، وصومعة النصارى فَوْعَةٌ من هذا؛ لأنها دقيقة الرأس(٣). * قوله: ((يا رب، أمي وصلاتي)): (ن): كان الصواب في حَقِّه إجابتَها؛ لأنه كان في صلاة نفل، والاستمرارُ فيها تطوُّعٌ لا واجبٌ، وإجابة الأُمِّ وبِرُّها واجب، وعُقوقُها حرام، وكان يمكنه أن يُخفِّف الصلاةَ ويُجيبها، فلعله خشي أنها تدعوه لمُفارقة صَوْمَعِتِهِ، والعَوْدِ إلى الدنيا ومُتَعَلَّقاتها وحُظوظها، ويَضْعُفُ عَزْمُه فيما نواه (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥١١ - ٥١٢). (٢) في الأصل: ((دقته)). (٣) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٣/ ١٢٤٥)، (مادة: صمع). ٣٣٧ وعاهد علیه، انتهى(١). روى الترمذي الحكيم في ((النوادر)» عن يزيدَ بن حَوْشَب الفِهْريِّ، عن عبدالله قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﴿ يقول: ((لو كان جُرَيجٌّ الرَّاهِبُ فَقِيهاً عَالِماً، لعَلِمَ أَنَّ إِجابتَهُ أُمَّهُ مِن عِبَادَةٍ رَبِّهِ»(٢). (ق): هذا يدل على أن جُريجاً كان عابداً، ولم يكن عالماً، إذ بأدنى فِكْرَة يُدرك أن صلاتَه نافلةٌ، وإجابة أُمُّه واجبة، لا سيما وقد تكرر مجيئها إليه، وتَشْوُّقُها واحتياجُها إلى مُكالَمته، فلا تعارضَ يوجب إشكالاً، ويبعُد اختلافُ الشرائع في وجوب(٣) بِرِّ الوالدين، والظاهر أن هذه المرأة كانت عالمةً فاضلة، ألا ترى كيف تَحرَّزت في دُعائها، فقالت: ((حتى ينظر))، ولم تقل غير ذلك؟! وقد جاء في رواية لمسلم: ((ولو دَعَتْ أن يُفْتَنْ لِفُتِنَ))(٤). وهي أيضاً لو كظمت غيظَها أو صبرت، لكان أولى بها، لكن لمَّا علم الله صدق حَالِهما، لطَفَ بهما، وأظهر كرامتَهما عنده، وفائدته: تأكُّدُ سعي الولد في إرضاء الأُمِّ، واجتنابُ تَغيُّر قلبها، واغتنامُ صَالحِ دَعوتِها (٥). (ن): ((المومسات)) بضم الميم الأولى وكسر الثانية؛ أي: الزَّواني البغايا المُتَجَاهرات بذلك، الواحدة مُومِسة، ومعنى ((يتمثل بحسنها)): يُضرَبُ بها (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٠٥). (٢) انظر: ((نوادر الأصول)) للحكيم الترمذي (٢ / ٢٢٤). وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (١٥٩٩). (٣) في الأصل: ((يوجب)). (٤) رواه مسلم (٢٥٥٠/ ٧)، من حديث أبي هريرة (٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥١٢). ٣٣٨ المثل؛ لانفرادها به، انتهى(١). ذكر الفقيه أبو الليث: أن جُرَيحاً لمَّا أخذوه قال لأُمّه: يا أُمَّاه! إنك دعوت الله فاستجابَ دُعاءك، فَادْعِي يَكشِفِ غَائِلةَ ذلك عَنِّي، فقالت أُمُّهُ: اللهم، إن کان جُریحٌ إنما أخذته بدعوتي فاکشف عنه. قال: ورُوي أن جُريجاً قال للمرأة: أين أتيتُك؟ وأين أصبتك؟ قالت: تحت الشجرة، وكانت الشجرة عند الصَّوْمعة، فقال جُريجٌ: اخرجوا إلى تلك الشجرة، فقال: يا شجرةُ، أسألك(٢) بالذي خلقك أن تخبريني مَن زنا بهذه المرأة؟ فقال كلُّ غُصْنٍ منها: راعي الضَّأْن. وروي عن ابن عباس ◌َ﴾: أن أُمَّ جريج - وكانت مُجَابَ الدعوة معروفةً فيهم بالصلاح - وضعت يدها على بطن المرأة، ثم دعت بدَعَوات، فقالت: اللهم، أنت شاهدُ كلِّ نَجْوى، وعالمُ كلِّ خَفِيٍّ، ومُطَّلِعٌ على كل سِرّ، وأنت إذا شئتَ شيئاً تقول له: كن، فيكون، لا يُعَازُّكَ شيء، ولا يُعجِزُك ما تريد، وأنت ناصرُ أوليائك، اللهم صَدِّق الصادق، وكَذِّب الكاذب، وأَلْقَى الله تعالى في نفسها: أن نادي ما في البطن، فقالت: يا صاحبَ البطن، فأجاب: لبيك، لبيك، لبيك، قالت: مَن أبوك؟ قال: فلانٌ الرَّاعي عَبْدُ بني فلان، فتعجَّب الناس وخَلَّص الله جُريجاً. قال ابن عباس: فانطلقت المرأة، فوضعت بعد ثالثة، فقال الفُسَّاق ومَنْ وافقهم من الرُّهبان وغيرهم: ما سمعنا شيئاً، فتكلم الناس مِن مُصَدِّق (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٠٥ - ١٠٦). (٢) في الأصل: ((أتيناك)). ٣٣٩ ومُكَذِّب، وخاضوا فيه، وكانت أم جريج مَرْضِيَّةً فيهم، فأتت المَلِك، فقالت: أيها المَلِك! إن الذي أنطق الصبيَّ في بطن أُمِّه قادرٌ على أن ينطقه خارجاً من بطن أُمُّه، وقد كذَّب الناس بما رأوا من العِبْرة، فأُحِبُّ أن تجمعَ لي المُرتابين، وتدعوَ هذه المرأة، ففعل الملك، وجيء بالمرأة ومعها صَبِيُّها، فقالت: أيها الغلام، ابن مَن أنت؟ فقال: أخبرتك، وإنما مُخبرُك، أنا ابنُ فلان الراعي عبد بني فلان، فتكلم مرتين مرة في بطن أُمُّه، ومرة وهو طفل. روي عن ابن عباس أن جُرَيجاً كان شاباً أديباً عالماً، تَرَّب وهو ابن ثلاثة عشر سنة، وكان في عبادته عشرين سنة، وكانت له أُمّ ليست بدونه في العبادة والفضل، وكانت تختلف إليه بالطعام والشراب، فأتته ليلةً ذات مطر وريح، فدعته، فأبطأ عليها حتى تبرَّمت، فدعت عليه، وكان الفُسَّاق قد وَلِعُوا بالزُّهبان والأحبار، ولم يكن عندهم أغيظُ ولا أشدُّ عليه حَنَقَاً منهم على جريج، لاجتهاده، وكان سُنَّهم إذا ترهَبَّ الرجل، ثم أتى بالفُجور، لم يُقبل منه إلا القتل. (ن): قد يقال: الزاني لا يلحقُه الولد، وجوابه من وجهين : أحدهما: لعله كان في شرعهم يلحقُه. والثاني: المُراد: مِن ماءِ مَنْ أنت؟ وسماه أباً مجازاً. و ((الصومعة)): هي نحو المنارة، ينقطعون فيها عن الوصول إليهم، وعن الدُّخول عليهم(١). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٠٥ - ١٠٧). ٣٤٠