Indexed OCR Text
Pages 301-320
قال القاضي: ويدخل في عُموم الحديث الشَّفاعةُ للمُذنبين فيما لا حَدَّ فيه عند السُّلطان وغيره، وله قبول الشفاعة والعَفوُ عنه إذا رأى ذلك، كما له العَفوُ عن ذلك ابتداءً، وهو فيمَن كانت منه الزَّلةُ والفَلْتَةُ، وفي أهل السَّتر والعَفاف، وأما المُصرُّون على فسادهم، المُستَهتِرون في باطلهم: فلا يجوز الشفاعة لأمثالهم، ولا تركُ السلطان عقوبتَهم، ليُرجَروا عن ذلك، وليرتدعَ غيرهم بما يُفْعَل بهم، وقد جاء الوَعيدُ في الشفاعة في الحُدود(١). = للطبراني عن أبي الدرداء. وهو حديث ضعيف أيضًا. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٤٨). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٣٣). ٣٠١ ٣٠- باب الإصلاحِ بينَ الناسِ * قال الله تعالى: ﴿لَّخَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. ؛ وقال تعالى: ﴿وَاَلصُلَحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: * وقال تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِ حُواْذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. * وقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]. (الباب الحادي والثلاثون) (في الإصلاح بين الناس) * قوله تعالى: ﴿لََّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ﴾ الآيَةَ؛ يعني: كلامَ الناس، وفي الحديث: ((كَلامُ ابنِ آدمَ كُلُّهُ عَليهِ لا لَهُ، مَا خَلا أَمراً بمَعْرُوفٍ، أَو نَهْياً عَنْ مُنْكَرٍ، أَو ذِكْرَ الله)(١)، وللترمذي مُصحَّحاً عن أبي الدَّرداء قال: قال (١) رواه الترمذي (٢٤١٢)، من حديث أم حبيبة رضي الله عنها، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٤٢٨٣). ٣٠٢ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَلَا أُخبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِن دَرَجَةِ الصِّيَامِ والصَّلاةِ والصَّدَقةِ؟» قالوا: بلى، قال: ((إِصْلاحُ ذَاتِ البَيْنِ، قال: وفَسَادُ ذَاتِ البَيْنِ هيَ الخَالِقَةُ)(١). وروى البَزَّار عن أنس: أن النبيَّ وَ ◌ّه قال لأبي أيُّوبَ: ((أَلَا أَدُلُّكَ عَلى تِجَارةٍ؟)) قال: بلى، قال: ((تَسعَى فِي صُلْحٍ بينَ النَّاسِ إذا تَفَاسَدُوا، وتُقَارِبُ بَيْنَهُم إذا تَبَاعَدُو))(٢)، فيه: عبدُ الرَّحمن بنُ عبدالله العُمَرِيُّ(٣). ذكر من أعمال الخير ثلاثةَ أنواع: الأمرَ بالصدقة، والأمرَ بالمَعروف، والإصلاحَ بين الناس، وذلك لأن عمل [الخير] إما أن يكون بإيصال المنفعة، أو بدفع المَضَرَّة، والأول إما أن يكون من الخَيرات الجسمانية، وهو إعطاء المال، وإليه الإشارة بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ [النساء: ١١٤]، أو من الخيرات الرُّوحانية، وهو عبارة عن تكميل القُوَّة النظرية بالعُلوم، وتكميل القُوَّة العَمَلية بالأعمال الحَسَنة، ومجموعها عبارةٌ عن الأمر بالمعروف، وإما بإزالة الضَّرَر، وإليها الإشارةُ بقوله: ﴿أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]، فثبت أن مجامعَ الخيرات مذكورةٌ في هذه الآية (٤). * قوله تعالى: ﴿وَاَلصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]: (١) رواه الترمذي (٢٥٠٩) وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٢٥٩٥). (٢) رواه البزار في ((مسنده)) (٦٦٣٣)، وهو حديث حسن لغيره. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)» (٢٨١٨). (٣) قال ابن عدي في ((الكامل)) (٤ / ٢٧٦): ضعيف، وقال أبو نعيم في ((الضعفاء)) (١ / ١٠٢): حدث عن أبيه وعمه سهيل وهشام بالمناكير، وقال الإمام أحمد : حديثه ليس بشيء. انظر: ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (١٠ / ٢٣٢). (٤) انظر: ((تفسير الرازي)) (١١/ ٣٣). ٣٠٣ (الكشاف): خيرٌ من الفُرْقَة، أو من النُّشوز والإعراض وسُوء العِشْرة، أو هو خير من الخُصومة في كل شيء، أو هو خير من الخُيور، كما أن الخُصومةَ شرٌّ من الشُّرور(١). * قوله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]: (الكشاف): أي: أحوالَ بَيْنِكم، حَتَّى تكون أحوالَ أُلفة ومَحبَّ واتفاق، كقوله: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، وهي مُضمَراتها (٢)، لمَّا كانت الأحوال مُلابِسةً للبَيْن، قيل لها: ذاتُ البَيْن، كقولهم: اسقني ذا إنائك، يريدون: ما في الإناء من الشراب، وقد جعل التقوى وإصلاحَ ذات البَيْن، وطاعةَ الله ورسوله من لوازم الإيمان ومُوجِباته، ليُعلِمَهم أن كمالَ الإيمان موقوفٌ على التوقُّر عليها(٣) . * قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]: سبق تفسيره في (الباب الحادي والعشرين). (الثعلبي): أي: أصلحوا بينهما إذا اختلفا واقتتلا، قال أبو عثمان الحِيريُّ: أُخوَّة الدِّين أثبتُ من أُخوَّة النَّسَب، فإن أُخوَّةَ النَّسَب تنقطع بمُخالفة الدِّين، وأُخوَّة الدِّين لا تنقطع بمُخالفة النَّسَب(٤). (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٦٠٥). (٢) في الأصل: ((مضموناتها)). (٣) انظر: ((الكشاف)» للزمخشري (٢ / ١٨٥). (٤) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٩/ ٧٩)، وفيه: ((أبو عثمان البصري)) بدل: ((أبو عثمان الحيري» . ٣٠٤ ٢٤٨ - وعن أبي هريرةَ ﴾ قال: قالَ رسولُ اللهِوَهِ: ((كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ، صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ)) متفقٌ عليه. ومعنى («تَعْدِلُ بَيْنَهُمَا)): تُصْلِحُ بَيْنَهُمَا بِالعَدْلِ. الأَوْاُ: سبق في (الباب الثالث عشر). ٢٤٩ - وعن أُمَّ كُلُومٍ بنتِ عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ رضي الله عنها، قالت: سمِعْتُ رسولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ: ((لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْراً، أَوْ يَقُولُ خَيْراً) متفقٌ عليه. وفي رواية مسلمٍ زيادة، قالت: وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُهُ النَّاسُ إِلَّ فِي ثَلاثٍ؛ تَعْنِي: الحَرْبَ، وَالإِصْلاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثَ المَرْأَةِ زَوْجَهَا. (الثَّانِى)) (ط): اللام في ((الكذاب)) للعَهد الدِّهنيِّ، يعني: الكذَّاب المَذموم ٣٠٥ عند الله المَمقُوت عند المسلمين ليس من يصلح ذاتَ البَيْن، فإنه مَحمودٌ عند الله وعندهم، وعلى هذا: يجب أن يكون ((الكذاب)) مرفوعاً على أنه اسم ((ليس))، وقوله: ((الذي يصلح)) خبره، خلافاً لمن زعم أن ((الكذاب)) خبر ((ليس))، و((الذي)) اسمه(١). (نه): يقال: نَمَيْتُ الحديثَ أَنْمِيه: إذا بلَّغته على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بَلَّغته على وجه الإفساد والنَّمِيمة، قلتَ: نَمَّيتَهُ بالتشديد، قاله أبو عُبيد وابنُ قُتيبةَ وغيرُهما، وقولُ الحَربِيِّ: (نَّى) مُشدَّدةٌ، ومَن خَفَّفه لزمه أن يقول: ((خير))، ليس بشيء، فإن ((خيرا) ينتصب بـ ((ينمي) كما انتصب بـ ((قال))، وكلاهما على زعمه لازمان، وإنما (نَمَى) مُتعدٍّ، يقال: نَمَيْتُ الحديثَ؛ أي: رفعتهُ(٢) وأبلغته. * وقولها: ((ولم أسمعه يُرخِّص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث» : (ق): تعني بذلك: أنه لم يُرخِّص في شيء مِمَّا يكذب الناس فيه إلا في هذه الثلاث، وقد جاء به بلفظ (الكذب) نَصًّا في ((كتاب الترمذي)) من حديث أسماء بنت يزيدَ قالت: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((لا يَحِلُّ الكَذِبُ إِلاَّ في ثَلاثٍ، يُحدِّثُ الرَّجلُ امْرَأْتَهُ ليُرضِيَها، والكَذِبُ في الحَرْبِ، والكَذِبُ ليُصلِحَ بينَ النَّاسِ))، انتهى(٣). (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١١٦). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥ / ١٢٠). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦/ ٥٩١)، والحديث رواه الترمذي (١٩٣٩)، وهو حديث صحيح دون قوله: ((ليرضيها)). انظر: ((ضعيف سنن الترمذي)) (٣٢٨ _ ٢٠٢٠). ٣٠٦ روى الطبرانيُّ عن أبي كَاهِل قال: وقع بين رجلين من أصحاب النبيِّ وَّ كلامٌ حتى تصَارَما، فلقِيتُ أحدَهما فقلت: ما لك ولفُلان، وقد سمعتُه يُحسِنُ عليك الثناء؟! ولقيت الآخرَ فقلتُ له مثلَ ذلك، حتى اصطلحا، فقلت: أَهلكتُ نفسي، وأصلحتُ بين هذين، فأخبرتُ النبيَّ وَّهِ، فقال: ((يا أَبَا كَاهِلٍ، أَصلِحْ بِينَ النَّاسِ ولو))(١) يعني: بالكذب. (ن): قال القاضي: اختُلف في المراد بالكذب المُباح في هذه الأحوال، فقالت طائفة: هو على إطلاقه، وأجازوا في هذه المَواطِن قولَ ما لم يكن للمَصلحة، وقالوا: الكذب المَذمومُ: هو ما فيه مَضرَّةٌ، واحتجُّوا بقول إبراهيم: ﴿َبَّ فَعَلَهُ، كَبِيْرُهُمْ﴾ و﴿إِنِ سَقِيمٌ﴾، وقوله: (إنها أختي)، وقول منادي يُوسُفَ: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيْرُ إِنَّكُمْ لَسَرِفُونَ ﴾ [يوسف: ٧٠]، قالوا: ولا خلاف أنه لو طلب ظالمٌ رجلاً عنده مُختَفٍ، وجب عليه الكذبُ في أنه لا يدري أين هو . وقال آخرون منهم الطبريُّ: لا يجوز في شيء أصلاً، قالوا: وما جاء من الإباحة في هذا، المُراد به الثَّوْرية واستعمالُ المَعاريض، لا صريحُ الكذب، قالوا: وقول إبراهيم عليه السلام ومنادي يوسف من المَعاريض المُباحة، وهي أن يأتي بكلمات مُحتَمِلة يُفهِم المُخاطبَ ما يُطيِّب به قلبَه، وإذا سعی في الإصلاح، نقل عن هؤلاء كلاماً جميلاً، ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك، والمَعارِيضُ في الحَرْب، مثل أن يقول لعَدُوِّه: مات إمامُكم الأعظمُ، وينوي إمامَهم في الأزمان الماضية، أو: غداً يأتينا مَددٌ، أي: طعامٌ ونحو ذلك. وأما كذبُه لزوجته وكذبها: فالمراد به في إظهار الوُدِّ، والوَعدُ بما (١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٨ / ٣٦١) وهو حديث موضوع. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٨٩١). ٣٠٧ لا يلزم، ونحو ذلك، مثل أن يَعِدَ زوجته بأن يُحسنَ إليها، أو يَكسُوهَا كذا، وينوي إن قَدَّر الله تعالى ذلك، وأما المُخادعةُ في مَنْع حَقٌّ عليه أو عليها، أو أَخْذِ ما ليس له أو لها: حَرامٌ بإجماع المسلمين(١). (ق): تَمسَّك الطبرُّ بالقاعدة الكُلِّية في تحريم الكذب، ومَنْعِهِ عن الكذب الصَّريح، وتَأوَّل هذه الأحاديثَ على الثَّورية والتَّعريض، [وهو] تأويلٌ لا يَعضُدُه دليل، ولا تعارضَ بين العُموم والخُصوص، كما هو عن العلماء مَنصوصٌ، وأما كذبه يُنجي فيه والياً، أو إماماً، أو مظلوماً مِمَّن يريد ظُلمه: فذلك لا يختلف في وجوبه أُمَّةٌ من الأُمم، لا العَرب ولا العجَم، انتهى(٢). قال الغزاليُّ: هذه الثلاث ورد فيها صريحُ الاستثناء، وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به غَرضٌ صحیح له أو لغيره: أما ما له: فِمِثْلُ أن يأخذَه ظالمٌ ويسألَه عن ماله، فله أن يُنكر، أو يأخذَه السُّلطان فيسألَه عن فاحشة بينه وبين الله ارتكبها، فله أن ينكر فيقول: ما زينتُ، ولا شربتُ، قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((مَنِ ارتكبَ شَيئاً من هَذِهِ القَاذورَاتِ، فَلَيَسْتَتِرْ بسِتْرِ اللهِ)(٣)، وذلك لأن إظهار الفاحشة فاحشةٌ أُخرى، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٥٨). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٩٢). (٣) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (٢ / ٨٥٢) قال ابن عبد البر في ((الاستذكار)) (٧ / ٤٩٧): لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث، ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ من وجه من الوجوه. قال ابن حجر في ((التلخيص الحبير)) (٤ / ٥٧): ومراده بذلك من حديث مالك، وإلا فقد رواه الحاكم في ((المستدرك)) من حديث ابن عمر. قال العراقي في ((المغني عن حمل الأسفار)) (٢ / ٨١٣): وإسناده حسن. ٣٠٨ فللرجل أن يحفظ دمَهُ ومالَهُ الذي يُؤخذ ظلماً وعِرْضَه بلسانه وإن كان كاذباً. وأما غرَضُ غيره: فبأن يُسأل عن سِرِّ أخيه، فله أن ينكر، وأن يصلح بين الضَّرَّاتِ من نسائه، بأن يظهر لكل واحدة [أنها] أحبُّ إليه، أو إن كانت امرأتُه لا تُطيعه إلا بوعد لا يقدر عليه، فيعدها في الحال تطبيباً لقلبها، أو يعتذرَ إلی إنسان و کان لا يَطِیبُ قلبُه إلا بارتكاب ذنب وزيادة تَودُّد، فلا بأس. ولكن الحَدُّ فيه: أن الكذبَ مَحذورٌ، ولو صدق في هذه المواضع تولَّد منه محذورٌ، فينبغي أن يُقابلَ أحدَهما بالآخر، ويَزِنَ بالميزان القِسْطِ، فإذا علم أن المحذورَ الذي يحصُل بالصِّدق أشدُّ وقعاً في الشرع من الكذب، فله الكذبُ، وإن كان ذلك المقصودُ أَهْوَنَ من مقصود الصدق، فيجب الصدقُ، وقد يتقابل الأمران بحيث يتردّد فيهما (١)، وعند ذلك المَيْلُ إلى الصدق أولى؛ لأن الكذبَ مُباحٌ لضرورة، أو حاجة مُهِمَّة، فإذا شك في كون الحاجة مُهِمَّة، فالأصل التحریم، فیُرجَع إليه. ولأجل غُموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحذر الإنسان من الكذب ما أَمكنَه، فأما إذا تعلق بغرض غيره: فلا يجوز المُسامحةُ بحَقِّ الغير والإضرار به(٢). ٢٥٠ - وعن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: سمعَ رسولُ الله ◌ِله صَوْتَ خُصُومِ بِالبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وإذا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ (١) في الأصل: ((الأمر بحيث يتودد فيه)). (٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ١٣٨). ٣٠٩ الآخَرَ، وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيءٍ، وَهُوَ يَقُولُ: واللهِ لا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رسولُ اللهِ وَ﴿ فقالَ: ((أَيْنَ المُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لا يَفْعَلُ المَعْرُوفَ؟))، فقال: أنَا يَا رَسولَ اللهِ، فَلَهُ أَيُّ ذلِكَ أَحَبَّ. متفقٌ عليه. معنى ((يَسْتَوْضِعُهُ)): يَسْأَلُهُ أَنْ يَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ دَيْنِهِ. (وَيَسْتَرْفِقُهُ)): يَسْأَلَهُ الرِّفْقَ. (وَالمُتَّأَلِّي)): الحَالِفُ. (الثَّالُِّ) (ن): ((يسترفقه))؛ أي: يسأل الرِّفقَ به في الاستيفاء والمُطالبة، وفيه دليلٌ على أنه لا بأس بمثل هذا، لكن بشرط أن لا ينتهيَ إلى الإِلحَاحِ، وإهانة النفس، والإيذاء، ونحو ذلك، إلا من ضرورة(١). (ق): كره مالك ذلك، لما فيه من المَهانة والمِنَّة، قلت: وهذه الكراهة من مالك إنما هي من طريق تسمية تَرْكِ الأَوْلى مكروهاً(٢). (ن): ((المتألي)): الحالف، والأَلِيّةُ: اليمين، فيه كراهيةُ الحَلِف على ترك الخير، وإنكارُ ذلك، وأنه يُستحبُّ لمن حلف أن لا يفعل خيراً أن يَحنَثَ، فيُكَفِّر عن يمينه، وفيه الشفاعةُ إلى أصحاب الحُقوق، وقَبولُ الشفاعة في الخير(٣) . (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٢٢٠). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٤٢٨). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٠ / ٢٢٠). ٣١٠ (ق): ((أيُّ ذلك أحب))؛ أي: الوَضْعُ أو الرِّفقُ، وكان حَقُّه: أيُّ ذَيْنِك، فإن المُشار إليه اثنان، لكنه أشار إلى الكلام المتقدم المذكور، فكأنه قال: له أَيُّ ذلك المَذكورِ أحبَّ، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ [الفرقان: ٦٨]، وإذا تأمْلتَ هذا الكلامَ، بان لك لَطافةُ النبيِّ نَّهِ بالنَّهي عن رَفع الأصوات في المَساجد(١). ٢٥١ - وعن أبي العباسِ سهلٍ بنِ سعدِ السَّاعِدِيِّ ﴾: أَنَّ رسولَ اللهِ﴿ بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ، فَخَرَجَ رسولُ اللهَِّهِ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَه، فَحُبِسَ رسولُ اللهِلَّهِ، وَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَجَاءَ بِلالٌ إلَى أَبِي بَكْرٍ ﴾، فقال: يَا أَبَا بَكْرِ! إِنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ قَدْ حُبِسَ وَحَانَتِ الصَّلاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قال: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ بِلالُ الصَّلاةَ، وَتَقَدَّمَ ابُو بَكْرٍ، فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ، وَجَاءَ رسولُ اللهَِّهِ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ في الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ في التَّصْفِيقِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ عَلَّه لا يَلْتَفِتُ فِي صَلاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَّصْفِيقَ التَّفَتَ فَإِذَا رَسُولُ اللهِوَِّ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ ﴿ه يَدَهُ، فَحَمِد الله، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فَصَلَّى لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! مَالَكُمْ (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ /٤٢٩). ٣١١ حِينَ نَبَكُمْ شَيْءٌ في الصَّلاةِ أَخَذْتُمْ فِي النَّصْفِيقِ؟! إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلِنِّساءِ، مَنْ نَبَهُ شَيءٌ فِي صَلاتِهِ، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللهِ، فَإِنَّهُ لا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ، إِلَّ التَفَتَ، يَا أَبَا بَكْرٍ! مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟))، فقال أبُو بَكْر: مَا كَانَ يَنْبَغِي لابْنِ أَبِي قُحَافَةً أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِوَّهِ. متفقٌ عليه. معنى ((حُبِسَ)): أَمْسَكُوهُ لِيُضِيفُوه. * قوله مّل: ((إنما التصفيق للنساء)»: (ق): يروى: (التصفيح)، وهما بمعنى واحد، قاله أبو علي البغداديُّ، وهو أن يضرب بإصبعين من اليد اليمنى في باطن الكَفِّ اليسرى، وهو صَفْحُها، وصَفْعُ كل شيء: جانبه، وصَفْحَتا السيف: جانباه، وقيل: التَّصفِيح: الضرب بظاهر أحدهما على الأُخرى. واختلف في حُكمه في الصلاة، فقيل: لا يجوز فعلُه لا للرجال ولا للنساء، وإنما هو التَّسبيحُ للجميع، وإليه ذهب مالك وأصحابه، وتَأوَّلوا قولَه: ((وإنما التصفيق للنساء)): أن ذلك ذٌَّ للتصفيق، ومعناه: إنه من شأن النساء لا الرجال، وقيل: هو جائز للنساء دون الرجال، تَمُّكاً بظاهر الحديث، وبحديث أبي هريرة: ((التَّسبِيحُ الرِّجَالِ، والتَّصْفِيقُ للِّساء)(١)، وهو مذهب (١) رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٤٢٢ / ١٠٦). ٣١٢ الشافعيِّ والأوزاعيِّ، وحكي عن مالك أيضاً. وعَلَّلوا اختصاصَ النساء بالتصفيق، لأن أصواتَهنَّ عَوْرةٌ، فلذلك يُمنعن من الأذان، ومن الجَهْر بالإقامة والقراءة، وهو معنى مُناسبٌ شهد الشرعُ له بالاعتبار، وهذا القولُ الثاني هو الصَّحيحُ نظراً وخبراً(١). (ك): قال: ((ما كان لابن أبي قحافة))، ولم يقل: لأبي بكر، تحقيراً لنفسه، واستصغاراً لمرتبته عند رسول الله وَّر، والمراد من ((بين يدي)) القُدَّام، أو لفظ (يدي) مُقحَمٌّ، أو مَحمولٌ على الحقيقة(٢). (ن): في هذا الحديث: فضل الإصلاح بين الناس، ومَشْيُ الإمام وغيره في ذلك. وفيه: أن الإمام إذا تأخّر عن الصلاة، تقدَّم غيره إذا لم يُخَف فتنةٌ وإنكارٌ من الإمام وغيره في ذلك. وفيه: أن المُتقدِّم نيابةً عن الإمام ينبغي أن يكون أفضلَ القوم وأصلَحَهم لذلك الأمر، وأُقَوَمَهم به. وفيه: أن المؤذن وغيره يَعرِضُ التقدُّمَ على الفاضل، وأن الفاضل يوافقه. وفيه: أن الفعل القليل لا يبطل الصلاةَ، لقوله: ((صفق الناس)). وفيه: جوازُ الالتفات في الصلاة للحاجة، واستحبابُ حَمْدِ الله لمن تَجدَّدت له نعمة، ورفع اليدين في الدعاء، وفعل ذلك الحمدِ والدعاءِ عَقِيبَ النعمة وإن كان في الصلاة. (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٥٥). (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥/ ٦٦). ٣١٣ وفيه: جواز مشي الخَطوة والخطوتين في الصلاة. وفيه: جواز استخلاف المُصلِّي بالقوم مَنْ يُتِمُّ الصلاةَ لهم، وهذا هو الصحيح من مذهبنا. وفيه: أن التابع إذا أمره المتبوع بشيء، وفهم منه إكرامَه بذلك الشيء، لا تَحتُّمَ الفعل، فله أن يتركه، وهذا لا يكون مُخالفةً للأمر، بل يكون أدباً وتواضعاً، وتَحذُّقاً في فهم المقاصد. وفيه: مُلازمةُ الأدب مع الكِبار. وفيه: أن السُّنَّة لمن نابه شيء في صلاته، کإعلام مَنْ يستأذن علیه، وتنبيهِ الإمام، وغير ذلك: أن يُسبِّح إن كان رجلاً، فيقول: سبحان الله، وأن يُصفِّق - وهو التصفيح - إن كانت امرأة، فتضرب بطنَ كَفِّها الأيمن على ظهر كَفِّها الأيسر، ولا تضرب بطنَ كَفٍّ على بَطنِ كَفٍّ على وجه اللَّعِب واللَّهو، فإن فعلت هكذا على وجه اللَّعِب، بطلت صلاتُها لمنافاة الصلاة. وفيه: فضائلُ لأبي بكر عُ، وتقديمُ الصحابة له، وتفضيلُهم له، واتِّفاقهم على فضله علیهم ورُجْحَانه . وفيه تقدیم الصلاة في أول وقتها . وفيه: أن الإقامة لا تصِحُّ إلا عند إرادة الدخول في الصلاة، لقوله: ((أتصلي فأقيم؟)). وفيه: أن المُؤذِّنَ هو الذي يقيم الصلاة، وهذا هو السُّنَّة، ولو أقام غيرُه كان خلاف السُّنَّة، لكن يُعتدُّ بإقامته عندنا وعند جمهور العُلماء. وفيه: جواز خَرْق الإمام الصُّفوفَ إذا احتاج إلى خَرْقِها، كخروجه ٣١٤ الطهارة أو رُعاف ونحوهما، ورجوعِه، وكذا مَن احتاج إلى الخُروج من المَأمُومين لعُذْرٍ له خَرْقُها، وكذا في الدُّخول إذا رأى قُذَّامَهم فُرْجَةً، فإنهم مُقصِّرون بترکها . واستدل به أصحابنا على جواز اقتداء المُصلِّي بمن يُحرِمُ بالصلاة بعده، فإن الصِّدِیقَ څہ احرم أولاً، ثم اقتدى بالنبيِّ ێ حین أحرم بعده، وهذا هو الصحيح. وفيه: أن من رجع لصلاته لشيء یکون رجوعه إلى وراء، ولا يستدبر القِبلةَ، ولا يتحرَّفُها، لقوله: ((ورجع القهقرى))(١). (ك): وفيه: أن المسبوق يدخل في الصَّفِّ، ولا يقف منفرداً. وفيه: أن المُصلِّيَ لا يلتفت إلا عند شِدَّة الحاجة، وجوازُ إمامة المفضُول مع وجود الفاضل. وفيه: سؤال الرئيس عن مانعٍ مُخالفةَ أمره. وفيه: أن الإمامَ المَعُهُودَ إذا أتى والناسُ في الصلاة، ليس له أن يُخرجَ مَنْ قُدِّمَ، إلا أن يأباه، كما فعل أبو بكر ﴿ه، فقيل: إن هذا خاصٌّ بالنبي ◌ِِّ؛ لأنه لا يجوز الثَّقدُّم بين يديه، وليس لسائر الناس اليومَ من الفضل ذلك، وكان جائزاً لأبي بكر أن لا يتأخرَ؛ لإشارة النبيِّ ◌َّ أن امكُث مكانك(٢). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٦٩). (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥ / ٦٧). ٣١٥ ٣٢- با فضلٍ ضَعَفَةِ المسلمينَ والفقراءِ والخاملينَ : قال الله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَرة وَالْعَشْتِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاَكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨]. (الباب الثاني والثلاثون) (في فضل ضَعَفة المسلمين والفقراء الخاملين) * قوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِلْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾؛ أي: اجلس مع الذين يذكرون الله، ويُهلِّلونه، ويحمدُونه، ويُسبِّحونه، ويُكبِّرِّونه، ويسألونه بُكرةً وعَشِيًّاً، سواء كانوا فُقراءَ أو أغنياءَ أو أقوياءَ (١). (الثعلبي): نزلت في عُبَيْنَةَ بن حِصْن الفَزاريِّ، وذلك أنه أتى النبيَّ ◌َّلـ قبل أن يُسلِمَ، وعنده صُهيبٌ وخَبَّاب وعمار، وعامر بن فُهَيرة، ومِهْجَع، وسلمان الفارسيُّ، وعلى سلمانَ شَمْلةٌ قد عَرِق فيها، وبيده خُوصَة يشقُّها ثم يَنسِجُها، فقال عُبينة للنبيِّ وََّ: أما يُؤذيك يا مُحمَّد رِيحُ هؤلاء؟! والله، لقد آذانا ريحُهم، ثم قال: نحن سَاداتُ مُضَرَ وأشرافُها، فإن أسلمنا أسلم الناسُ، (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٩ / ١٢٧). ٣١٦ وإن أَبَينا أبى الناسُ، وما يمنعنا من اتّباعك إلا هؤلاء فَنَحِّ هؤلاء، نَتَّبَعْك، أو اجعل لنا مجلساً، فأنزل الله هذه الآية(١). * قوله تعالى: ﴿بِالْغَدَوَةِ وَالْمَشِّ﴾؛ يعني: طرفي النهار، قال قتادة: يعني صلاةَ الصبح وصلاةَ العصر، قال كعب: والذي نفسي بيده، إنهم لأهل الصلاة المكتوبة. وقال قتادة: نزلت هذه الآية في أصحاب الصُّفَّة، وكانوا سبعَ مئة رجل فُقَراءَ في مسجد رسول الله بَّر، قد لزموه لا يرجعون إلى تجارة، ولا إلى زَرْعٍ، ولا إلى ضَرْع، يُصلُّون صلاةً، وينتظرون الأُخرى(٢). (م): فيه وجوه: الأول: كونهم مواظبين على هذا العمل في كل الأوقات، كقول القائل: ليس لفلان عملٌ بالغَداة والعَشِيِّ إلا شَتْمٌ. والثاني: المُراد صلاة الفجر وصلاة العصر. الثالث: أن الغَداةَ هي الوقت الذي ينتقل فيه الإنسان من النوم إلى اليقظة، وهذا الانتقال شبيهٌ بالانتقال من الموت إلى الحياة، والعَشِيَّ هو الوقت الذي ينتقل الإنسان من الحياة إلى الموت، ومن اليقظة إلى النوم، والإنسان العاقل يكون في هذين الوقتين كثيرَ الذِّكر لله، عظيمَ الشكر لآلائه ونَعْمَائِه(٣). وفي ((مسند أحمد)) عن أبي أُمامةَ قال: خرج رسولُ الله ◌ِِّ على قاصِّ (١) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٦ / ١٦٥). (٢) انظر: ((تفسير البغوي)) (٣/ ١٥٩). (٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢١ / ٩٨). ٣١٧ يَقُصُّ، فأمسك، فقال رسول اللهِّهِ: ((قُصَّ، فَلَأَنْ أقعدَ غدوة إلى أَنْ تُشرِقَ أَحَبُّ إِلِيَّ مِن أَنْ أُعْتِقَ أَربعَ رِقَابٍ)»(١). وفيه أيضاً عن رجل من أصحاب بدر: أنه سمع النبيَّ ◌َ له يقول: ((لأَن أَقْعُدَ في مثل هذا المَجْلِسِ أَحَبُّ إِليَّ مِن أَنْ أُعْتِقَ أَربِعَ رِقَابٍ))، قال شُعبةُ: فقلت: أيُّ مجلس؟ قال: كان قاصّاً(٢). روى أبو داود الطَّيالسيُّ في ((مسنده)) عن أنس قال: قال رسولُ الله ◌ِّ: (لأَنْ أُجَالِسَ قَوماً يَذْكُرُونَ اللهَ مِن صَلاةِ الغَدَاةِ إلى طُلوعِ الشَّمس أَحَبُّ إِليَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَليهِ الشَّمسُ، ولأَنْ أَذكُرَ اللهَ مِن صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمس أَحَبُّ إِلِيَّ مِن أَنْ أُعْتِقَ ثَمَانِيَةً مِن وَلَدِ إسمَاعِيلَ، دِيَّةُ كُلِّ وُاحدٍ مِنْهُم اثنا عشرَ ألفاً»، فَحَسَبْنَا دِيَاتِهِم ونحن في مَجلِس أنس، فبلغت سِتَةً وتسعين ألفاً، وهاهنا [من] يقول: ((أربعةً من وَلِدِ إسماعيلَ))، والله ما قال إلا: ((ثمانيةً ... دِيَةُ كلِّ واحد منهم اثنا عشر ألفاً)) (٣). روى البزّار عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: جاء رسولُ الله ◌َّهِ، ورجلٌ يقرأ (سورة الحِجْر)، أو (سورة الكهف)، فسكت، فقال رسولُ الله وَّ: ((هذا المَجْلِسُ الذي أُمِرتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهم))(٤). (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٢٦١). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١/ ١٩٠): رجاله موثقون، إلا أن فيه أبا الجعد عن أبي أمامة، فإن كان هو الغطفاني، فهو من رجال الصحيح، وإن كان غيره، فلم أعرفه. (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ٣٦٦). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١ / ١٩٠): فيه كردوس بن قيس، وثَّقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح. (٣) رواه الطيالسي في ((مسنده)) (٢١٠٤). (٤) رواه البزار في ((مسنده)) (١٨ /٨٩). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٧ / ١٦٤) : = ٣١٨ وروى الطبرانيُّ عن سَهْل بن حُنَيَف قال: نزلت على رسول الله وَّهِ، وهو في بعض أبياته: ﴿وَأَصْبِرُ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِّ﴾ الآية [الكهف: ٢٨]، فخرج يَلتمِسُهم، فوجد قوماً يَذكُّرُون الله، منهم ثائِرُ الرَّأس، وجافُ(١) الجلد، وذو الثوب الواحد، فلمَّا رآهم جلس معهم وقال: ((الحَمْدُ لله الذي جَعلَ في أُمَّتِي مَنْ أَمْرِنِ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُم))(٢). * قوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ قال ابن عباس: لا تُجاوِزْهم إلى غيرهم. ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيًّا﴾ الجملة في موضع الحال، قال ابن عباس: يعني: تطلب بدلَهم أصحابَ الشَّرف والثَّروة(٣). ولمَّا بالغ بمُجالسة الفقراء من المسلمين، بالغ في النَّهي عن الالتفات إلى أقوال المُنكرين من الكافرين، فقال: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾، أي: شُغل عن الدِّين وعبادة رَبِّه بالدُّنيا. ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾؛ أي: أعمالهُ وأفعالُهُ سَفَةٌ وتفريطُ وضَياعٌ (٤). = رواه البزار متصلاً ومرسلاً، وفيه عمرو بن ثابت أبو المقدام، وهو متروك. (١) في الأصل: ((وجاب)). (٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٨٨٦٦)، بنحوه من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (١٥ / ٢٣٥)، من حديث سهل بن حنيف ضـ كما ذكره الشارح، وعزاه الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٧/ ٢١) للطبراني من حديث عبد الرحمن بن سهل بن حنيف، وقال: رجاله رجال الصحيح. (٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٩/ ١٣٠). (٤) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢١ / ٩٨). ٣١٩ (الثعلبي): قيل: معناه: ضَيَّع أمرَه، وعَطَّل أيامَه، ويقال: إن المؤمن يستعمل الأوقات، ولا تستعمله الأوقات(١). (م): هذا يدل على أن شرَّ أحوال الإنسان أن يكون قلبُه خالياً عن ذكر الحَقِّ، ويكون مَملُوءاً من الهوى الدَّاعي إلى الاشتغال بالخَلْق، وتحقيق القول: أن ذكرَ الله نورٌ، وذكر غيره ظُلمةٌ، لأن الوجود طَبيعةُ النور، والعَدم مَنبَعُ الظُّلمة، والحق تعالى واجبٌ الوجود لذاته، فكان النور الحَقُّ هو الله، وما سوى الله فهو ممكن الوجود لذاته، والإمكانُ طبيعةٌ عَدَمِيَّة، فكان منبعَ الظلمة، فالقلب إذا أشرق فيه ذكر الله، فقد حصل فيه النُّور والضَّوء والإِشراقُ، وإذا تَوجَّه القلب إلى الخلق، فقد حصل فيه الظُّلمةُ والظُّلَم، بل الظُّلُمات، فلهذا السبب إذا أعرض القلب عن الحَقِّ، وأقبل على الخَلْق، فهو في الظُّلمة الحاصلة التامَّة (٢). ٢٥٢ - عن حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ رَه قال: سمعتُ رسولَ الله وَّل يقولُ: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَغَّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لِأَبَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُثُلُّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)) متفقٌ عليه. ((العُثُلُّ)): الغَلِيظُ الجَافِي. ((وَالجَوَّاظُ)): بفتح الجيم وتشديدِ الواوِ وبِالظاءِ المعجمة، وَهُوَ الجَمُوعُ المَنُوعُ، وَقيلَ: الضَّخْمُ المُخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ، وَقيلَ : القَصِيرُ البَطِینُ. (١) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (٦ / ١٦٦). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢١ / ١٠٠). ٣٢٠