Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٤٢ - وعنه، عن النبيِّينَ ﴿ قال: ((إذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَهَا
فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّانِيَةَ فَلْيَجْلِدْهَا
الحَدَّ وَلا يُثَرَّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ
شَعَرٍ)) متفق عليه.
(التَّغْرِيبُ)): التَّوْبِيخُ.
(الثَّالُِّ)
(ن): ((فتبيَّن زناها))؛ أي: تحققه؛ إما بالبيِّنّة، وإما برؤيته وعلمه
عند مَن يُجوِّز القضاءَ بالعلم في الحُدود، انتهى(١).
وفيه: الإرشاد إلى اجتناب الظُّنون الفاسدة، فإن بعضَ الظنِّ إِثمٌ.
* قوله قال: «فلیجلدها الحد»:
(ن): فيه دليلٌ على وجوب حَدِّ الزِّنا على الإماء والعبيد.
وفيه: أن السيِّدَ يقيم الحَدَّ على عبده وأمته، هذا مذهبُنا ومذهبُ مالك
وأحمدَ وجماهير العلماء من الصَّحابة والتابعين فمَن بعدهم، وقال أبو حنيفة
في طائفة: ليس له ذلك.
وفيه: أن العبد والأمة لا يُرجمان، سواءٌ كانا مُزوَّجَين أم لا؛ لقوله ◌ِّ:
((فليجلدها)) ولم يفرق بين مُزَّوجةٍ وغيرِها.
و((التثريب)): التوبيخ واللَّوم على الذنب، وفيه: أنه لا يُوبَّخ الزاني،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٢١١).
٢٨١

بل يُقام عليه الحَدُّ(١).
(قض): كان تأديبُ الزُّناة قبل شرع الحَدِّ هو التثريبَ وحده، فأمرهم
بالجَلْد ونهى عن الاقتصار بالتثريب، وقيل: المُراد النهيُ عن التثريب بعد
الجَلْد، فإنه كفارةٌ لما ارتكبه، ولعله إنما سقط التغريبُ عن المماليك،
نظراً للسَّادة، وصيانةً لحقوقهم(٢).
(ن): في قوله: ((ثم إن زنت الثانية فليجلدها)» دليلٌ على أن الزانيَ
إذا حُدَّ ثم زنى ثانياً، يلزمُه حدٌّ آخر، وهكذا أبداً، أما إذا تكرر منه الزِّنا ولم
يُحَدَّ، یکفیه حُدٌّ واحد للجميع.
وفي قوله: ((فليبعها ولو بحبل)) دليل على ترك مُخالطة الفُسَّاق وأهل
المعاصي وفِراقهم، وهذا البيعُ المأمورُ به يستحبُّ عند الجمهور، وقال
داود وأهل الظاهر: هو واجبٌ.
وفيه: جواز بيع الشيء [النَّفِيس ] بثمنٍ حقيرٍ، هذا مُجمعٌ عليه إذا كان
البائع عالماً به، فإن كان جاهلاً، فكذلك عندنا وعند الجمهور،
ولأصحاب مالك فيه خلافٌ، وهذا البيعُ المأمورُ به يلزم صاحبَها أن يبين
حالَها للمُشتري؛ لأنه عَیْب.
فإن قيل: کیف یکره شيئاً، ويرتضيه لأخيه المسلم؟
فالجواب: لعلها تَستعِفُّ عند المُشتري، بأن يُعِفَّها بنفسه، أو يَصونَها
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٢١١).
(٢) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٥١٤).
٢٨٢

بهيبته، أو بالإحسان إليها والتوسعة عليها، أو يُزوّجها، أو غير ذلك(١).
*
٢٤٣ - وعنه قال: أُتِيَ النَّبِيُّ ◌َهُ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ خَمْراً، قال:
((اضْرِبُوهُ) قال أبُو هُرَيْرَةَ: فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ،
وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أَخْزَاكَ اللهُ، قال:
(لا تَقُولُوا هَكَذَا؛ لا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ» رواه البخاري.
٤
* قوله: أتي برجل قد شرب فقال ◌َليفي: ((اضربوه)):
(خط): فيه: أن حَدَّ الخمر لا يُستَأنى به الإفاقةُ، كحَدِّ الحامل لتضعَ
الحَمْلِ، وفيه: أنه أخفُّ الحُدود(٢).
(ك): وقع في ((البخاري)): أن الرجل هو النعمان - أو ابن النعمان -
بن عمرو الأنصاريُّ، كان من قُدماء الصحابة وخيارِهم، وكانت فيه دُعَابة.
قال ابن عبد البَرِّ: إنه كان رجلاً صالحاً، وإن الذي حُدَّ في الخمر
ابنُه، انتھی(٣).
* ((لا تعينوا عليه الشيطان))؛ أي: لا تكونوا عَوْناً للشيطان على أَخِیکم
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٢١١).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٣/ ٣٣٧)، و ((فتح الباري)) لابن حجر (٤ / ٤٩٢).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٣ / ١٨٢).
٢٨٣

المُسلم، فإن الشيطان هو الذي يُحِبُّ خِزْيَ المسلم وهَوَانَهُ بإيقاعه في
المعاصي، وما ترتّب عليه من البلايا في الدنيا والآخرة، ثم لا يُرضيه إلا
الخِزْي الأكبر، وهو دُخول ابن آدم النارَ، فإذا دعا المسلم على أخيه بالخِزْي
فقد أعان الشيطان، فينبغي أن يعكس هذه القضيةَ، ويكونَ عَوْناً للمُسلم على
الشيطان، بأن يسألَ اللهَ لأخيه العَفْوَ والغُفرانَ، وأن يَلُمَّ شَعثَه، ويصلحَ قلبه،
ويردّه إلى ما كان عليه من العبادة.
ثم ينبغي أن ينصحَ أخاه بلُطف، كما رواه ابن أبي حاتم عن يزيدَ بن
الأَصمِّ قال: كان رجلٌ من أهل الشام ذو بأس، وكان يَفِدُ إلى عمر، ففقده
عمر، فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ قالوا: يا أميرَ المؤمنين! يتابع في هذا
الشراب، قال: فدعا عمر كاتبَه، فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى
فلان بن فلان: سلامٌ عليك، فإني أَحمدُ إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر
الذَّنب وقابل الثَّوْب شديد العِقاب ذي الطّوْل، لا إله إلا هو إليه المصير،
ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يُقْبِلَ بقلبه، ويتوبَ [الله] عليه،
فلمَّا بلغ الرجلَ كتابُ عمر جعل يقرؤه ويُردِّده، ويقول: غافرُ الذَّنب
وقابِلُ الثَّوْب، قد حَذَّرني عُقوبتَه، ووعدَني أن يغفرَ لي(١).
ورواه الحافظ أبو نُعيم، وزاد فيه: فلم يزل يُردِّدها على نفسه، ثم
بكى [ثم نزع] فأحسن الَّزْعَ، فلما بلغ عمرَ خبرُه قال: هكذا فاصنعوا، إذا
رأيتم أخاً لكم [زلّ] زلَّةٌ، فسَدِّدُوه، ووَفِّقُوه، وادعوا الله أن يتوبَ عليه،
ولا تكونوا أَعواناً للشَّيطان عليه(٢).
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٨٤١٦)
(٢) انظر: ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (٤ / ٩٧).
٢٨٤

وروي: أن أخوين من السَّلَف انقلب أحدُهما عن الاستقامة، فقيل
لأخيهِ: ألا تقطعه وتهجره؟ فقال: أحوجُ ما كان إليَّ في هذا الوقت لمَّا وقع
في عَثْرتِهِ أن آخُذَ بيده وأتلطّفَ له في المُعاتبة، وأدعوَ له بالعَوْدِ إلی ما كان
عليه(١).
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ١٨٤).
٢٨٥

٣٩- باب
قضاءٍ حوائج المسلمين
قالَ الله تعالى: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[الحج: ٧٧].
(الباب التاسع والعشرون)
(في قضاء حوائج المسلمين)
* قوله تعالى: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]:
(الكشاف): عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ﴾ صِلةُ
الأرحام، ومكارمُ الأخلاق، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، أي: افعلوا هذا كلَّه
وأنتم تَرجُون الفلاحَ، طامعون فيه غير مُستَيَقِنين، ولا تَّكِلُوا على
أعمالکم(١).
٢٤٤ - وعنِ ابنِ عمَر﴾: أَنَّ رسولَ اللهِوَلِ قال: ((المُسْلِمُ
أَخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ
(١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ١٧٤).
٢٨٦

فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَجَ الله عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ
كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ)) متفق
عليه .
الأَوْلُ
سبق شرحه في الحديث الثاني عشر من (الباب السابع والعشرين).
٢٤٥ - وعن أبي هُريرةَ ﴾، عن النبيِّ وَ﴿ قالَ: ((مَنْ نَفَّسَ
عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ
القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،
وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وَاللهُ في عَوْنِ
العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ
عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقاً إِلَى الجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ
بُيُوتِ اللهِ تعالى، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إلاَّ نَزَلَتْ
عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشْيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَقَّتْهُمُ المَلائِكَةُ،
وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ. وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»
رواه مسلم .
(الثَّانِى)
(ط): يقال نقَّسْتُ عنه كُربةً تنفيساً: إذا رَفَّهتَه وفَرَّجتَه عنها، مأخوذ
٢٨٧

من قولهم: أنت في نَفَس، أي: سَعَة، كأن مَنْ كان في كُربة وضِيقِ سُدَّ
عنه مَداخلُ الأنفاس، وإذا فُرِّج عنه فتحت المَداخل، و((المُعْسر)): مَنْ ركبه
الدَّيْنُ، وتَعسَّر عليه قضاؤه(١).
(مظ): ((من ستر)) يجوز أن يراد به الظاهر، وأن يراد سَتْرُ مَن ارتكب
ذنباً، فلا یفضحه، انتھی(٢).
وقد سبق مواضعُ استحباب السَّتر وعدمِ الاستحباب في (الباب السابع
والعشرين).
(كربة))، أي: غَمَّا وشِدَّة، نكَّرها تقليلاً، وميَّز بها (٣) بعد الإبهام، وبيَّنها
بقوله: ((من الدنيا))، للإيذان بتعظيم شأن التنفيس؛ أي: أن أقلَّه المُختَصَّ
بالدنيا يفيد هذه الفائدةَ، فكيف بالكثير المُختصِّ بالعُقبى؟! فلذلك لم يُقيِّد
في هذه القرينة بما قَيَّده في القرينتين الأخيرتين، من ذكر الدنيا والآخرة معاً،
ولأنهما تخصيصٌ بعد التعميم، اهتماماً بشأنهما .
((والله في عون العبد)) تذييلٌ للسابق، لاشتماله على دفع المَضَرَّة عن
أخيه المسلم، وعلى جَلْب النفع، ولذلك أخرجه من سياق الشرطية، وبنى
الخبر على المبتدأ ليتقوى به الحُكمُ، وخَصَّ العبدَ بالذِّكر تشريفاً له بنسبة
العَبْدية إليه، كما شَرَّف رسولَ اللهِ وَّه بقوله: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾
[الإسراء: ١]، وقال(٤): ((في عون العبد)) ولم يقل: والله يعينه في كذا، كما
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٥).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٣٠٥).
(٣) في الأصل ((وميزها))، والمثبت من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٥).
(٤) في الأصل: ((وكان)).
٢٨٨

قال: ﴿وَلَكُمْ فِىِ الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ ﴾ [البقرة: ١٧٩]؛ أي: أن الله يُوقِعُ العونَ في
العبد، ويَجعلُه مكاناً له، مُبالغةً في الإعانة، انتهى.
* قوله ويخ: ((من يسر على معسر، يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)):
هذا التيسير، إما بحَطُّ البعض، أو باسترداد متاعه الذي تَعيَّب عنه المشتري، أو
كسد سُوقُه، وإن كان عندما اشتراه سليماً مرغوباً فيه، وبالمُساهلة، والمُجاملة
في التقاضي، أو يُنْظِرِه إلى ميسَرة، أو بالإبراء عنه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ
تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، فكل هذا من الإحسان
المَندوب إليه، قال ◌ََّ: ((خُذْ حَقَّكَ مِن عَفافٍ، وافٍ أو غير وافٍ، يُحاسبُكَ
اللهُ حِسَاباً يَسِيراً))، رواه ابن ماجَهْ، وابنُ حبَّان، والحاكم مُصَحَّحاً(١).
وقال ◌َّ: ((اسمَحْ، يُسمَحْ لك))، خَرَّجه الطبرانيُّ (٢)، قال الحافظ زينُ
الدِّين بن العراقيٍّ: هذا حديث حسن(٣).
وفي ((صحيح الترمذي)) عن أبي هريرة ﴿به قال: قال ◌َّ: ((مَنْ أَنْظُرَ
(١) رواه ابن ماجه (٢٤٢٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٢٣٩)، من حديث أبي
هريرة ، وابن حبان في ((صحيحه)) (٥٠٨٠)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٢٣٨)،
من حديث ابن عمر وعائشة ثر، وحديث أبي هريرة ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع
الصغير)) (٢٨١٧)، وحديث ابن عمر وعائشة صحيح. انظر: ((صحيح الجامع
الصغير)) (٦٣٨٤).
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٥١١٢)، من حديث ابن عباس طًا. وهو
حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٩٨٢).
(٣) انظر: ((تخريج أحاديث الإحياء)) للعراقي (١ / ٤٢٦).
٢٨٩

مُعْسِراً، أو وضعَ عَنْهُ، أَظلَّهُ اللهُ في ظِلِّهِ)(١).
وله عن أبي قتادة مرفوعاً: ((مَنْ سَرَّهُ أُنْ يُنجِيَهُ اللهُ مِن كُرَبٍ يوم
القِيامَةِ، فليُفُسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أو يَضَعْ عَنْهُ»(٢).
وله أيضاً عنه مرفوعاً: ((مَنْ أَنَظرَ مُعْسِراً، أو وضعَ عَنْهُ، أَنَجَاهُ اللهُ مِن
كُرَبِ يومِ القِيَامِ))(٣).
وفي ((سنن ابن ماجه)): عن بُرَيدةَ الأَسْلَميِّ قال: قال رسولُ الله ◌ٍِّ:
(مَنْ أَنظرَ مُعْسِراً كانَ لهُ بِكُلِّ يومٍ صَدَقةٌ، ومَنْ أَنظرَهُ بعدَ حِلُّه كانَ لهُ مثلُه
في كُلِّ يومٍ صَدَقةً)، ورواه أحمدُ والحاكمُ مُصَحَّحاً على شرط الشَّيخين(٤).
قال الإمام الغزالي: وقد كان من السَّلَف مَن لا يُحبُّ أن يقضي غريمُهُ
[الدَّينَ]، لأَجْل هذا الخبر، حتى يكونَ كالتصدُّق بجميعه كلَّ يوم(٥).
* قوله يخلي: «من سلك طريقاً):
(ط): أطلق الطريقَ والعلمَ ليشملا في جنسهما أيَّ طريق كان، من
مُفارقة الأوطان، والضَّرْب في البلدان، والتعلُّم والتعليم والتصنيف، والكَدْح
(١) رواه الترمذي (١٣٠٦)، بنحوه. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع
الصغير)) (٦١٠٧).
(٢) رواه مسلم (١٥٦٣).
(٣) رواه البغوي في ((معالم التنزيل)) (١ / ٢٦٥).
(٤) رواه ابن ماجه (٢٤١٨)، والإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ٣٥١)، والحاكم في
((المستدرك)) (٢٢٢٥)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير))
(٦١٠٨).
(٥) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢ / ٨١).
٢٩٠

فيه، مِمَّا لا يُحصى كثرةً(١).
و((علماً) أيَّ علم كان من علوم الدِّين، قليلاً كان أو كثيراً، وقيَّد
(طريقاً) بقوله: ((من طرق الجنة))، ليشير إلى أنه تعالى يُوفِّقه للأعمال
الصالحة، فيوصلُه بها إلى الجنة، ويُسَهِّل عليه ما يزيد به علمُه؛ لأنه أيضاً
طريق من طُرُق الجنة، بل هو أَقربُها وأَعظمُها، لأن صحة الأعمال وقَبولها
متوقفةٌ على العلم.
(ش): الطريق التي يسلكها إلى الجنة إنما جُعلت له جزاءً على
سُلوكه في الدنيا طريقَ العلم المُوصِلةَ إلى رضا رَبِّه وَّ(٢).
(ق): فيه: الترغيب في الرّحلة في طلب العلم، والاجتهاد في
تحصيله، وقد رواه أبو داود، وزاد فيه زياداتٍ حسنةً ستأتي في كتاب العلم،
انتھی(٣).
قال الحافظ أبو الفرج عبدُ الرحمن بن رجب الحنبليُّ رحمه الله:
يحتمل أن يُراد به السُّلوك الحقيقيُّ الذي هو السَّعيُ بالأقدام، ويحتمل أن
يُراد به سلوكُ الطريق المعنوية المؤدية إلى حُصول العلم، مثل حفظه
ودراسته، ونحو ذلك من الطُّرق التي يُتوصَّل بها إلى العلم، وأما قوله:
((سهل الله له به طريقاً إلى الجنة)): يحتمل أموراً:
أحدها: أن يُسهِّل عليه العلمَ الذي طلبه وسلك طريقَه، وأن العلم
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٦).
(٢) انظر: ((مفتاح دار السعادة)) لابن القيم (١ / ٦٣).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٨٥).
٢٩١

طريق مُوصِل إلى الجنة، قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلِذِكْرِ فَهَلْ مِن
مُذَّكِرٍ ﴾ [القمر: ١٧]، قال بعضُ السَّلَف: هل من طالب علم فيعانَ؟
ثانيها: أن يُسهّل عليه العملَ بمُقتضى ذلك العلم، وذلك من طُرُق
الجنة .
ثالثها: يُسهِّل عليه أموراً أُخرَ ينتفع بها، فيكون ذلك طريقاً مُوصِلاً
إلى الجنة، فمَن طلب العلمَ ليهتديَ به، زاده الله هُدَى وعُلوماً نافعة.
رابعها: يُسهِّل عليه سلوكَ الطريق الحُسنى المُفضِي إلى الجنة، وما بعده
وما قبلَه من الأهوال(١).
* قوله : ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله)):
(ق): ((بيوت الله)) هي المساجد، كما قال تعالى: ﴿فِ بُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ
تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦](٢).
(ن): يلتحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماعُ في مسجد
ورِبَاط ونحوهما إن شاء الله، ويدُلُّ عليه ما رواه مسلم: ((لا يَقعُدُ قَومٌ يَذْكُرُونَ
اللهَ، إِلَّ حَقَّتِهِمُ المَلائكةُ وغَشِيَتَهمُ الرَّحِمَةُ) (٣)، فإنه مُطلقٌ يتناول جميعَ
المواضع، ويكون التقييد في الحديث الأول خرجَ مَخْرِجَ الغالب، لا سيَّما في
ذلك الزَّمان، فلا يكون له مفهومٌ يُعمل به(٤).
(١) انظر: ((جامع العلوم والحكم)) لابن رجب (١ / ٣٤٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٨٧).
(٣) رواه مسلم (٢٧٠٠ / ٣٩).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٢٢).
٢٩٢

(مظ): إنما عدل وَّجُ من (المساجد) إلى هذه الصيغة، أعني: ((من
بيوت الله)) ليشمَلَ جميعَ ما بُني الله تَقَرُّباً إليه، من المساجد، والمدارس،
والرُّبَط، و((يتدارسون)) شامل لجميع ما يُناط بالقرآن، من التعليم والتعلم،
والاستكشاف عن دقائق معانيه(١).
(ن): فيه دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المساجد، وهو
مذهبُنا ومذهبُ الجُمهور، وقال مالك: يكره. وتأوَّلَهُ بعضُ أصحابه(٢).
(ق): يَستدِلُّ بهذا الحديث مَن يُجوِّز قراءة الجماعة القرآنَ على لسانٍ
واحد، كما يُفعل عندنا بالمغرب، وكره بعضُ علمائنا ذلك، ورأوا أنها
بدعةٌ، إذ لم يكن كذلك قراءةُ السَّلَف، وإنما الحديث مَحمولٌ على أن كلَّ
واحد يدرسُ لنفسه، أو معَ مَنْ يُصلِحِ علیه ويَستعینُ به.
وفيه دليلٌ على جواز تعليم القرآن في المساجد، أما الكبار: فلا
إشكالَ فيه، وأما الصغار الذين لا يَتَحَفَّظُونَ بالمساجد: فلا يجوز، لأنه
يُعرِّض المسجدَ للقذَر والعبث، وقد قال ◌َِّ: ((جَنِبُوا مَساجِدَكُمْ صِبْيَانَكُم
ومجانِینگُم)»(٣).
(ن): المُختار في معنى السَّكينة: أنها شيء من مخلوقات الله تعالى
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٣٠٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٢١).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٨٧)، والحديث رواه ابن ماجه (٧٥٠)، من حديث
واثلة بن الأسقع ، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(٢٦٣٦).
٢٩٣

فيه ◌ُمأنينةٌ ورحمةٌ ومعَهُ المَلائکةٌ(١).
(تو): هي الحالة التي يطمئنُّ بها القلبُ، فيسكن عن المَيْل إلى
الشَّهَوات وعن الرُّغَب، والأصل فيه الوَقار، وقيل: السَّكينة: ملَك يَسكُنُ
قلبَ المُؤمن ويُؤمِّنُه.
(مظ): (السكينة)) هي ما يحصل به السُّكون والوَقارُ وصفاءُ القلب
بنُور العِرفان، وذهاب الظُّلمة النَّفْسانية، ونزول ضياء الرَّحمانية(٢).
وعن ابن مسعود : السَّكينةُ مَغْنَمٌ وتركُها مَغْرَمٌ (٣).
(ق): هي إما السُّكون والوَقار والخُشوع، وإما الملائكةُ الذين يستمعون
القرآن، سُقُّوا بذلك لما هُم عليه من السُّكون والخُشوع(٤).
(مظ): معنى ((غشيتهم الرحمة))؛ أي: غَطّتهم وعَلَتهم الرَّحمةُ، و((حَفَّت
بهم)؛ أي: أَحْدَقَتْهُم وأحاطت بهم(٥).
(ق): ((فيمن عنده))؛ أي: في الملأ الكريم من الملائكة المُقرَّبين،
وهذا الذِّکر یحتمل أن یکون ذکر ثناء وتشریف، وأن یکون ذکر مُباهاة، کما
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٦ / ٨٢).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٣٠٦).
(٣) رواه الإسماعيلي في ((معجم الشيوخ)) (ص: ٤٣٣)، وهو عنده من حديث أبي
هريرة ، وهو حديث ضعيف جدًا. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٣٤٦).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٨٧).
(٥) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٣٠٧). وانظر: ((شرح المشكاة))
للطيبي (٢ / ٦٦٥).
٢٩٤

يباهي الملائكةَ بأهل عرفة(١).
* قوله {﴾: «ومن بطأ به عمله، لم يسرع به نسبه)):
(ط): الواو فيه وفي قوله: ((والله في عون العبد)) استئنافية، وبقية
الواوات عاطفة، وأخرج الأخيرة مخرجَ الحَصْر خصوصاً بـ (ما) و(إلا)،
ليقطع الحكمَ به، ويُكمِلَ العِنايةَ بشأنها(٢).
(ن): معناه: من كان عملُه ناقصاً، لم يُلحقه نسبُه بمرتبة أصحاب
الأعمال، فينبغي أن لا يَتَّكِلَ على شَرف النَّسَب وفضيلة الآباء، ويُقصِّرَ في
العمل، انتهى(٣).
قيل: شَبَّه صلوات الله وسلامه عليه العَالِمِين الله السَّابقين إلى مغفرة
من رَبِّهم وجنة عرضُها السماوات والأرض برُفْقَةٍ سائرة إلى مَقصِد لها،
وشَبَّه أعمالَ العَالِمِين بمَركب السَّائرين؛ أي: مَن ترك مركبَه مُطيعاً لهواه،
مُؤثراً للرّاحات الدَّنِية البدنية، حَتَّى أبطأ في سَيْره، وتأخَّر عن الذين
اجتهدوا وجَدُّوا، وبقي في زُمرة المُنقطعين، ولم يُلحقه نسبُه بالذين أَدَجُوا
وأنضَوا مراكبَهم بالسّير الحَثِيث حتى قرَّت أَعينُهم بالوصول، فحَمَدُوا عند
الصَّباحِ السُّرى، وما أحسنَ قولَ القائل:
دَعِ الآباءَ والرَّحِمَ البَوالِي
وكُنْ رَجُلاً كمَا كَانُوا رِجَالاً
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٨٨).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٦٦).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٢٢).
٢٩٥

وقولَ ابن الرُّوميِّ :
بِمُحتَسَبٍ إلاَّ بآخَرَ مُكتَسَبْ
ومَا الحَسَبُ المَوْرُوثُ لا دَرَّ دَرُّهُ
مِنَ المُثْمِرَاتِ اعتَدَّهُ النَّاسُ في الحَطَبْ
إذا العُودُ لم يُثْمِرْ وَإِنْ كانَ شُعْبةً
وَقَدْ وضعَ الكُفْرُ الشَّرِيِفَ أبا لَهَبْ
وَقَدْ رِفِعَ الإِسلامُ سَلمانَ فَارِسٍ
قوله: ((لم يسرع به نسبه)) أراد به مُجرَّدَ الحسَب والنَّسَب من غير
اقتران عمل صالح به، أما إذا تعاون النَّسَبُ الواضح والحَسَبُ الرَّاجح،
والعملُ الصَّالِحُ: فذلك نُورٌ على نُور.
روي عنه وَّهِ: (كُلُّ حسَبٍ ونَسَبٍ يَنقطِعُ إلَّ حَسَبي ونَسَبي))(١)، فلو لم
يُقيِّد به لانقطع أيضاً، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِ الصُّورِ فَلَآ أَسَابَ
يَيْنَهُمْ يَوْمَیِذٍ﴾ [المؤمنون: ١٠١].
(١) رواه البزار في ((مسنده)) (٢٧٤)، بنحوه من حديث عمر بن الخطاب ﴿ه، وهو
حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٤٥٢٧).
٢٩٦

٣٠- با
الشفاعةِ
قال الله تعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَّةٌ يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾
[النساء: ٨٥].
(الباب الثلاثون)
(في الشفاعة)
(ق): ((الشفاعة)) أصلها الضَّمُّ والجَمعُ، ومنه ناقة شَفوعٌ: إذا جمعت
بين مِحْلَبَيْن في حَلْبة واحدة، وناقة شافع: إذا اجتمع لها حَمْل وولد يتبعها،
والشَّفْعُ ضم واحد إلى واحد، والشُّفْعَةُ ضَمُّ مُلْك الشَّريك إلى ملكك.
فالشفاعة إذاً: ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق:
إظهارُ منزلة الشفيع عند المشفَّع، وإيصالُ منفعة إلى المَشفوع له (١).
* قوله تعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَّةٌ يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾؛ أي:
مَن يسعى في أمر فیترَّب علیه خیرٌ، كان له نصيبٌ من ذلك.
وفي ((معجم الطبراني)) عن سَمُرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((أَفضَلُ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٢٨).
٢٩٧

الصَّدَقةِ صَدَقةُ اللِّسَانِ))، قيل: يا رسولَ الله! وما صدقة اللسان؟ قال:
((الشَّفاعةُ يُفَكُّ بها الأَسِيرُ، ويحَصَّنُ بها الدِّينُ، وتجُرُّ بها الإِحسانَ
والمَعرُوفَ إلى أَخِيكَ، وتدفَعُ عنه الكَرِيهةَ))(١).
قال مُجاهدٌ: نزلت هذه الآيةُ في شَفاعات الناس بعضِهِم لبعض. قال
الحسنُ البَصرُّ: قال الله تعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفَعَةً حَسَنَةٌ﴾، ولم يقل: من
يُشَفَّع، انتهى(٢).
أراد الحسن أن الثوابَ يترتب على الشفاعة، سواء شُفِّع أم لا .
(الكشاف): الشفاعة الحسنة هي التي رُوعي بها حَقُّ مسلم، ودُفع
عنه بها شرٌّ، أو جُلِب إليه خيرٌ، وابتُغي بها وجُه الله، ولم يُؤخذ عليها
رشْوَةٌ، وكانت في أمر جائز، لا في حَدٍّ من حدود الله، ولا في حَقِّ من
الحُقوق، والشَّفاعة السَّيِّئة ما كان بخلاف ذلك.
وعن مسروق أنه شفع شفاعة، فأهدى له المَشفوعُ له جاريةً، فغضب
ورَدَّها، وقال: لو علمت ما في قلبك، ما تكلَّمتُ في حاجتك، ولا أتكلم
فيما بقي منها.
وقيل: الشَّفاعةُ الحسنةُ هي الدَّعوة للمسلم؛ لأنها في معنى الشفاعة
إلى الله .
وفي الحديث: ((مَنْ دَعا لأَخِيهِ المُسلِمِ بظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ،
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦٩٦٢)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (١٤٤٢).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ١٨٢).
٢٩٨

وقالَ لهُ المَلَكُ: ولكَ مِثْلُ ذَلِكَ))(١)، فذلك النصيب(٢).
٠
٢٤٦ - وعن أبي موسى الأشعريِّ﴾ قال: كان النبيُّ ◌َيه
إذا أتاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ، أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فقالَ: ((اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا،
وَيَقْضِيَ اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَبَّ)) متفقٌ عليه.
وفي رواية: ((مَا شَاءَ».
* قوله {قال : ((تؤجروا):
(ق): مجزوم على جواب الأمر المُضَمَّن معنى الشرط، وفي بعض
الأصول: ((فلتؤجروا)) بفاء ولام، فينبغي أن تكسر اللام لتكون لامَ (كي)،
والفاء زائدة، ويحتمل أن تكون لامَ أَمرٍ، ويكون المأمورُ به التعرُّضَ للأجر
بالاستشفاع، وعلى هذا: فيجوز كسر هذه اللام، ويجوز تخفيفها بالسكون،
لأجل حركة الحرف الذي قبلها(٣).
(ط): الفاء أو اللام مُقحَمةٌ للتأكيد، بل كلاهما مُؤكِّدان، لأنه لو
قيل: تؤجروا، جواباً للأمر، لَصَحَّ(٤).
(مظ): يعني: إذا عُرض صاحبُ حاجة عليَّ، اشفعوا له إليَّ، فإنكم
(١) رواه مسلم (٢٧٣٢ / ٨٦)، بنحوه من حديث أبي الدرداء .
(٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٥٧٤).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦٣٢).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٧٧).
٢٩٩

إذا فعلتم ذلك حصل لكم بذلك أجرٌ، سواء قُبِلت شفاعَتُكُم، أو لم تُقبل،
وقوله: ((ويقضي الله على لسان رسوله))؛ أي: يُجري على لساني ما شاء؛
أي: إن قضيت حاجةَ مَنْ شفاعتُكم [له]، فهو بتقدير الله، وإن لم أقض،
فهو أيضاً بتقدير الله(١).
(ط): ((على لسان رسوله))؛ أي: من باب التجريد، إذ الظاهرُ أن
يُقال: (([على] لساني))، كأنه قال: اشفعوا إليَّ، ولا تقولوا: ما ندري أيقبل
شفاعتنا أم لا؟ فإني وإن كنت نبيَّ الله وصَفِيَّه، لا أدري أَقبَلُ شفاعتَكُم أم
لا؟ لأنَّ الله هو القاضي، فإن قضى لي أن أقبل قبلت، وإلا فلا، وهذا من
قبيل: ((اعملوا، فكلٌّ مُيسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ) (٢).
(ن): الشفاعة في الحُدود حرامٌ، وكذلك الشفاعةُ في تتميم باطل،
أو إبطال حَقِّ، ونحو ذلك(٣) .
(ق): لا يخفى ما في الشفاعة من الأجر والثواب؛ لأنها من باب
صَنائع المعروف، وكَشْفِ الكُرَب، ومَعُونة الضَّعيف، إذ ليس كل أحد يَقِدرُ
على الوصول إلى السّلطان وذوي الأمر، وكان ◌ُِّ مع تواضعه وقُربه من
الصَّغير والضَّعيف يقول: ((أَبَلِغُوني حاجةَ مَنْ لا يَسْتِطِيعُ إِبلاغَها))(٤).
(١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٢١٥).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٧٧)، والحديث رواه البخاري (٤٦٦٦)،
ومسلم (٧/٢٦٤٧)، من حديث علي بن أبي طالب ظُ.
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٧٨).
(٤) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٢ / ١٥٧)، من حديث هند بن أبي هالة ظه، وهو
حديث ضعيف جدًا. انظر: ((مختصر الشمائل)) (٦)، وعزاه في ((الجامع الصغير)) =
٣٠٠