Indexed OCR Text

Pages 261-280

فعل ذلك فالله تعالى يطلُب بحَقِّه، ومَن يطلبْه لم يجدْ مَفَرَّا ولا مَلجاً، وهذا
وعيدٌ لمَن يتعرَّض للمُصلِّين، وترغيبٌ في حضور صلاة الصبح، انتهى(١).
قال الترمذيُّ الحكيم في ((النوادر)): طلبْنا وجهَ هذا، كيف خَصَّ
صلاةَ الغداة من بين الصلوات، فبه يصيرُ في ذمة الله؟ فوجدنا عن أبي
الدَّرداء، عن رسول الله وَّه في قوله: ﴿إِنَّ قُرْءَانَ اُلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:
٧٨]، قال: شهدَهُ الله وملائكته، وذلك أنه ينزل إلى سماء الدُّنيا في الساعة
الآخرة من الليل، فيقول: هل من تائبٍ فأتوبَ عليه؟ هل من مُستَغْفِرٍ
فأغفرَ له؟ حتى ينفجرَ الصُّبحُ، فإذا انفجر الصُّبحُ، وصُلِيت الفجرُ، شهدها
اللهُ وملائكَتُه، فإذا شهد العبدُ تلك الصلاة، شهد ما شهدها الله، فوقع في
و
قربه، فصار فى ذِمَّته .
(ط): ((فلا يطلبنكم الله)) من باب: لا أَرَيِنَّكَ هاهنا، وقع النهيُ على
مطالبة الله تعالى إياهم عن نقض العهد والمرادُ نهيُهُم عن التعرض لِمَا يوجب
مطالبة الله إياهم، وفيه مُبالغاتٌ، لأن الأصل: لا تخَفِروا ذِمَّتَه، فجيء بالنهي
كما ترى، وصَرَّح بضمير الله، ووضع النهيَ الذي هو مُسبَّب موضعَ التعرُّض
الذي هو سَبَبٌ فيه، ثم أعاد الطلب، وكرر الذِّمَّة، ورتَّب عليه الوعيدَ.
والمعنى: مَنْ صلى صلاة الصبح فهو في ذمة الله تعالى، فلا تتعرضوا
له بشيء يسير، فإنكم إن تعرضتم له يدرِكْكُمُ الله تعالى، ولن تفوتوه(٢)،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢/ ٢٨٢).
(٢) في الأصل ومطبوع ((شرح المشكاة) للطيبي: ((ولن يفوته))، والمثبت من ((فيض
القدير)) للمناوي (٦ / ١٦٤) نقلاً عن الطيبي، وهو الأنسب بالسياق.
٢٦١

فيحيط بكم من جوانبكم كما يحيط المُحيطُ بالمُحاط، ويَکُگُم في النار،
والضمير في ((ذمته)) يجوز أن يعود إلى الله تعالى، وإلى ((مَن)).
وقيل: يجوز أن يكون المُراد بالذمة الصلاةَ المُقتضِيَةَ للأمان، فيكون
المعنى: لا تتركوا صلاة الصبح، فينتقضَ العهدُ الذي بينكم وبين ربكم،
فيطلُبِنَّكُم به، وإنما خَصَّ الصبح بالذِّكر لِمَا فيها من الكُلفة والمَشقّة، وأداؤها
مَظِنَّةٍ خُلوص الرَّجُل، ومَئِنَّةُ إيمانه، ومَنْ كان مؤمناً خالصاً، فهو في ذِمَّة الله
وعَهْدِه(١).
٢٣٣ - وعن ابنِ عمرَ ﴾: أنَّ رسولَ اللهِ له قال: ((المُسْلِمُ
أَخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُه، وَلا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ فِي حَاجَةٍ أَخِيهِ كَانَ
اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ
كُرَبٍ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)) متفقٌ
عليه .
(الثَّانِي عَنْشَر)
ع سرة,
(نه): يقال: أسلم فلان فلاناً: إذا ألقاه إلى التَّهْلُكة، ولم يَحْمِه من
عدوِّ، وهو عامٌّ في كلِّ مَن أَسْلَمْتَه إلى شيء، لكنْ دخله التخصيصُ، وغلب
عليه الإلقاءُ في التَّهْلُكَةِ(٢).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٨٩٦).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢/ ٣٩٤).
٢٦٢

(ن): ((كان الله في حاجته))؛ أي: أعانه عليها، ولطَف به فيها، وفي
هذا الحديث: فضلُ إعانة المسلم، وتفريج الكُرب عنه، سواءٌ أزالها
بماله، أو جاهه، أو مُساعدته، والظاهرُ أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته، أو
رأيه، أو دَلالته، وأما السَّتْر المندوبُ إليه هنا: فالمراد به السَّتْرُ على ذوي
الهيئات ونحوهم مِمَّن ليس معروفاً بالأذى والفساد.
وأما المعروفُ بذلك: فيُستحبُّ أن لا يَسترَ عليه، بل يرفع أمره إلى
والي الأمر إن لم يَخَفْ فتنة، لأن السَّترَ على هذا يُطمِعُه في الإيذاء والفساد
وانتهاكِ الحُرْمة، وجَسارةٍ غيره على مثل فعله، هذا كله في سَتْر معصية
وقعت وانقضت، وأما معصيةٌ رآه عليها، وهو بَعْدُ مُلتبسٌ بها: فيجب
المُبادرة بإنكارها عليه ومنعِه منها على مَن قَدر على ذلك، ولا يَحِلُّ
تأخيرُها، فإن عجَز رفعها إلى وليِّ الأمر إذا لم يترتب على ذلك مَفسدةٌ.
وأما جَرْح الرُّواة، والشُّهود، والأُمَناء على الصَّدَقات والأوقاف
والأيتام، ونحوهم: فيجب جَرْحُهم عند الحاجة، ولا يَحِلُّ السترُ عليهم إذا
رأى منهم ما يقدَحُ في أَهليتهم، وليس هذا من الغِيبة المُحرَّمة، بل من
النصيحة الواجبة .
قال العُلماء في القسم الأول الذي يستر فيه: هذا السَّتْرُ مَندوبٌ إليه،
فلو رفعه إلى السُّلطان ونحوه لم يأثم بالإجماع، لكن هذا خلافُ الأَوْلَى،
وقد يكون في بعض الصُّوَر ما هو مكروهٌ(١).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٥).
٢٦٣

٢٣٤ - وعن أبي هريرةَ﴿ه، قال: قالَ رسولُ الله ◌َّ﴾:
(المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لا يَخُونُهُ، وَلا يَكْذِبُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، كُلُّ
المُسْلِمٍ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: عِرْضُهُ، وَمَالُهُ، وَدَمُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا،
بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ» .
رواه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ.
٢٣٥ - وعنه قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((لا تَحَاسَدُوا،
وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَبَّاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى
بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَاناً. المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ:
لا يَظْلِمُهُ، وَلاَ يَحْقِرُهُ، وَلاَ يَخْذُلُه. التَّقْوَى هَاهُنَا - وَيُشِيرُ إلَى
صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ - بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ
المُسْلِمَ. كُلُّ المُسْلِمٍ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُّهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضه))
رواه مسلم .
(النَّجَش)): أَنْ يَزِيدَ فِي ثَمَنِ سِلْعَةٍ يُنَادَى عَلَيْهَا فِي السُّوقِ
وَنَحْوِهِ، وَلا رَغْبَةَ لَه في شِرَائِهَا، بَلْ يَقْصِدْ أَنْ يَغُرَّ غَيْرَهُ، وَهذَا
حَرَامٌ.
((وَالتَّدَابُرُ)): أَنْ يُعْرِضَ عَنْ الإنْسَانِ وَيَهْجُرَهُ، وَيَجْعَلَهُ كَالشَّيءٍ
الَّذِي وَرَاءَ الظَّهْرِ وَالدُّبُرِ.
٢٦٤

(الثَّالِ عَنْشَرِّ وَالْرَةَ عَنْشٌِّ)
(ن): ((الخذل)): ترك الإعانة والنَّصْر، معناه: إذا استعان به في دفع
ظُلم ونحوه، لزمه إعانته إذا أمكنه، ولم يكن له عُذْرٌ شَرعيٍّ.
((ولا يحقره)) وهو بالقاف والحاء المهملة؛ أي: لا يحتقره،
ولا يَستَصْغِرِهِ، ولا يَستقِلُّهُ.
قال القاضي: ورواه بعضهم: ((لا يخفره)) بضم الياء وبالخاء المعجمة
والفاء، أي: لا يَغدُر بعهده، ولا يَنقُضُ أمانَهُ، والصواب المَعروفُ هو
الأول(١).
(ق): هذا إنما يصدر في الغالب عَمَّن غلب عليه الكِبْرُ والجَهل،
وذلك أنه لا يصحُّ له استصغارُ غيره حتى ينظر إلى نفسه بعينِ أنه أكبرُ منه
وأعظمُ، وذلك جهلٌ بنفسه، وبحال المُحتقَر، فقد يكون فيه ما يقتضي
عكسَ ما وقع للمتكبر .
و ((التقوى)) مصدر اتَّقى تُقاةً، والتاءُ فيه بدلٌ من الواو؛ لأنه من
الوِقَاية، والمثَّقي هو الذي يجعل بينه وبين ما يخافه من المكروه وقايةً،
فالمُتَّقي شرعاً: هو الذي يجعل بينه وبين عذاب الله وقايةً من طاعته، فإذاً،
أصْلُ التقوى الخوفُ، [والخوفُ إنما] ينشأ [عن] المعرفة بجلال الله
وعظمته، والخوف والمعرفة مَحلُّهما القلبُ، والقلب محله الصَّدْر،
فلذلك ◌َّ أشار إلى صدره، والتقوى خَصْلة عظيمة، وحالة شريفة آخذةٌ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٢٠)
٢٦٥

بمَجامع علوم الشريعة وأعمالها، مُوصلةٌ إلى خير الدنيا والآخرة (١).
(ط): إنما عَدَل الراوي في قوله ((ويشير)) من الماضي إلى المضارع،
استحضاراً لتلك الحالة في مُشاهدة السَّامع، واهتماماً بشأنها، ونحوُه قولُه
تعالى: ﴿ وَاللَّهُ الَّذِىّ أَرْسَلَ الْرِّيَحَ فَنُثِيُرُ سَحَابًا﴾ [فاطر: ٩]، ومن ثَمَّ أشار بيده إلى
صدره، ولم يقل: التقوى في القلب(٢).
(مظ): لا يجوز تَحقيرُ المُثَّقي من الشِّرك والمعاصي، والتقوى محلُّه
القلب، وما كان محله القلب يكون مَخفياً عن أَعيُن الناس، وإذا كان
مخفياً، فلا يجوز لأحد أن یحكم بعدم تقوی مسلم حتى يحقِرَه، ويحتمل
أن يكون معناه: محلُّ التقوى هو القلب، فمن كان في قلبه التقوى، فلا
يَحْقِرُ مسلماً، لأن المُتَّقي لا يحقرُ المسلم (٣) .
(ط): الاحتمال الثاني أوجَهُ، والنظم له أدعى؛ لأنه وَّ إنما شَبَّه المسلم
بالأخ ليُبه على المُساواة، وأن لا يرى أحدٌ لنفسه على أحد من المسلمين فضلاً
ومَزِيَّةً، وتحقيرُه إياه مِمَّا ينافي هذه الحالةَ، ومُراعاة هذه الشريطة أمرٌ صعب،
لأنه ينبغي أن يُسوِّيَ بين السُّلطان وأدنى العَوامِّ، وبين الغنيِّ والفقير، والكبير
والصغير، ولا يتمكن من هذه الخَصْلة إلا مَن امتحن الله قلبَه للتقوى، وأخلصه
من الكِبْرِ والغِشِّ والحِقد، ونحوُها إخلاصُ الذهب الإبريزِ من خَبَته، فيُؤْثِرُ
لذلك أمرَ الله تعالى على مُتابعة الهوى، ولذلك جاء قوله ◌َّفي: ((التقوى هاهنا»
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٣٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٧٩).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥/ ٢١٦).
٢٦٦

معترضاً بين قوله: ((ولا يحقره))، وقوله: ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر
أخاه المسلم)) فإن كلاً منهما مُتضمّن للنهي عن الاحتقار، وأنت عرفتَ أن
موضعَ الاعتراض من الكلام موضعُ التأكيد والتقرير(١).
(ق): ((بحسب امرئ)) هو بإسكان السين لا بفتحها، وهو خبر ابتداء
مقدَّمٌ والمبتدأ: ((أن يحقر))، ومعناه: كافيه من الشر ذلك، فإنه النصيب الأكبرُ
والحظُّ الأوفر، ويفيد أن احتقار المسلم حرام(٢).
(ط): ((بحسب)) مبتدأ، والباء فيه زائدة، ((وأن يحقر أخاه)) خبرُه؛
أي: حَسْبُهُ وكافيه من خِلال الشرِّ ورذائل الأخلاق تحقيرُ أخيه المسلم.
وقوله: ((كل المسلم على المسلم حرام ... إلى آخره)): هو الغرض
الأصلي والمقصود الأَولى، والسَّابقُ كالتمهيد والمُقدِّمة، فجعل مالَ المسلم
وعِرضَه جزءاً(٣) منه، تلويحاً إلى معنى ما روي: ((حُرْمَةُ مَالِ المُسلمٍ كَحُرمَةِ
دَمِهِ) (٤).
والمال يُبذل للعِرْض، قال:
أَصُونُ عِرْضِي بمَالي لا أُدَنِّسُهُ
لا بَاركَ اللهُ بعدَ العِرْضِ في المَالِ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٧٨).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٣٧).
(٣) في الأصل ومطبوع ((شرح المشكاة)) للطيبي: ((جزاء))، والمثبت من ((مرقاة المفاتيح))
(٦/ ١٧١) نقلاً عن الطيبي، وهو الصواب.
(٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٤٤٦)، وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة
الصحيحة» (٣٩٤٧).
٢٦٧

ولمَا أن التقوى تشُدُّ من عَقْد هذه الأُخوة، وتستوثق من عُراها، قال الله
تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ ﴾ [الحجرات: ١٠]؛
يعني: إنكم إن اتقيتم لم تحملكم التقوى إلا على التَّواصُل والائتلاف، ولأن
مُستَقَرَّ التقوى ومكانَهَ المُضْغَةُ التي إذا صَلَحت صلَح الجسدُ، وإذا فسدت
فسد، لذلك كرر صلوات الله عليه هذه الكلمة وأشار بيده إلى صدره ثلاثاً(١).
· قوله *: ((ولا تناجشوا)):
(ن): يحتمل أن المراد بالتناجش: ذَُّ بعضهم بعضاً، والصحيح أنه
التَّناجُش المذكور في البيع(٢).
(ق): قولهم: هو من النَّجَش في البيع، فيه بُعْدٌ؛ لأن صيغة التفاعُل
لا تكون إلا من اثنين، فـ (تناجش) لا يكون من واحد، والنَّجَشُ يكون،
فافترقا .
وقيل: ((لا تناجَشوا))؛ أي: لا ينافِرْ بعضكم بعضاً، لأن أصل النَّجَش:
الاستخراجُ والإثارة، تقول: نَجَشْتُ الصيدَ نجشاً: إذا استَثَرْتَه من مكانه؛
أي: لا يعامله بما يُنفِّره كما يُنفَّر الصيد، بل يسكِّنْهُ ويُؤْنِسُه، كما في حديث
آخر: ((سَكِّنا ولا تُنفِّرًا))(٣)، وهذا أحسن من الأول، وأَولی بمَساق الحديث،
انتھی(٤).
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٧٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٢٠).
(٣) رواه البخاري (٥٧٧٤)، ومسلم (١٧٣٥)، بنحوه من حديث أنس ـ
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٣٥).
٢٦٨

قوله ويلقي: ((ولا يبع بعضكم على بيع بعض)) البيع على بيع غيرك:
هو أن تأمر المشتريّ بالفسخ لتبيع منه مثلَ ما اشتراه من غيرك، وهذه الفِقْرَةُ
تؤيد قولَ من قال: المُراد: النَّجَشُ المذكور في البيع.
(قض): هو تفاعلٌ من النَّجَش، وهو أن يزيد الرجل في ثمن السِّلعة
وهو لا يريد شراءها، ليغترَّ به الراغبُ فيشتريَ بما ذكره، وإنما ذكره بصيغة
التفاعُل لأن التُّجَّار يتعاوضون من ذلك، فيفعل هذا لصاحبه على أن يكافئَه
بمثله(١).
٢٣٦ - وعن أَنَسٍ ﴿، عن النبيِّ وَ﴿ قال: ((لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ
حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» متفقٌ عليه.
(الجُمَّيُعَبْنَةٌ)
سبق شرحه في (الباب الثاني والعشرين).
٢٣٧ - وعنه قال: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: ((انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ
مَظْلُوْماً)، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رسول الله! أَنْصُرُهُ إذا كَانَ مَظْلُوماً،
أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ظَالِماً، كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قال: ((تَحْجُزُهُ - أَوْ تَمْنَعُهُ -
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢٣٩/٢).
٢٦٩

مِنَ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ذِلِكَ نَصْرُهُ» رواه البخاري.
* قوله خلفه: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً):
(ق)(١): هذا من الكلام البليغ الوجيز الذي قَلَّ مَن ينسِج على
مِنْوَاله، أو يأتي بمثاله، وفيه التنويعُ والتقسيم، وإنما سُمِّي ردُّ الظالم نصراً
لأن النصر هو العَوْن، ومنه قالوا: أرضٌ منصورة؛ أي: مُعَانة بالمطر،
ومَنْعُ الظالم من الظُّلم ◌َوْنٌ على مصلحة نفسه، وعلى الرُّجوع إلى الحق،
فكان أولى بأن يُسمَّی نصراً(٢).
(ط): ((فذلك نصرك إياه)) إشارةٌ إلى المَنْع؛ أي: مَنْعُك أخاك من الظلم
نَصْرُك إياه على شيطانه الذي يُغويه، وعلى نفسه التي تأمره بالسُّوء(٣).
٢٣٨ - وعن أبي هريرةَ ﴾: أَنَّ رسولَ اللهِ قال: ((حَقُّ
المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، واتَّبَاعُ
الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ)) متفقٌ عليه.
وفي رواية لمسلمٍ: ((حَقُّ المُسْلِمِ سِتُّ: إذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ،
وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وإذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله
(١) في الأصل: (ط)، والصواب المثبت .
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٥٩).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١٧٧).
٢٧٠

فَشَمَّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ».
* قوله وَل: ((حق المسلم على المسلم خمس)):
(ق): أي: الحقوقُ المشتركة بين المسلمين [عند] ملابسة بعضهم
بعضاً، والحق لغةً: هو الثابتُ، ونقيضُه الباطل، والحق في الشريعة يقال
على الواجب، وعلى المندوب المُؤكَّد، كقوله: ((الوِتْرُ حَقٌّ))(١)؛ لأن كلَّ
واحد منهما ثابتٌ في الشرع، فإنه مطلوب مقصودٌ قصداً مُؤكَّداً، غير أن
إطلاقَه على الواجب أَوْلى، وقد يطلق في هذا الحديث الحَقُّ على القَدْر
المشترك بين الواجب والمندوب، فإنه جمع فيه بين واجبات ومندوبات(٢).
* قوله: ((رد السلام)):
(ن): هو فرضٌ بالإجماع، فإن كان السلام على واحد، كان الردّ
فرضَ عَيْن، وإن كان على جماعة، كان فرضَ كفاية في حَقُّهم .
وأما عيادة المريض: فسنَّةٌ بالإجماع، وسواءٌ فيه مَنْ يعرفه ومَنْ
لا يعرفه، والقريبُ والأجنبيُّ، واختلف العلماء في الأوكد والأفضل منها .
وأما اتِباعُ الجنائز: فسُنَّة بالإجماع أيضاً، وسواءٌ فيه مَنْ يعرفه وقريبُه
وغيرُهما(٣).
(١) رواه أبو داود (١٤١٩)، من حديث بريدة ره، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)» (٦١٥٠).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٨٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤/ ٣١ -٣٢)
٢٧١

(ق)(١): وأما إجابةُ الدعوة: فهي واجبةٌ في الوليمة بشروطٍ مبسوطة
في الفقه، مَندوبةٌ في غيرها (٢).
(ن): وأما تشميتُ العاطس: فهو أن يقال: يرحمك الله، يقال بالسين
المهملة والمعجمة، لغتان مشهورتان، قال الأزهريُّ: [قال] الليث:
التّسْمِيتُ: ذكرُ الله على كل شيء، ومنه قولُه للعاطس: يرحمك الله.
وقال ثعلبٌ: يقال: سَمَّتُ العاطسَ وشمَّتُه: إذا دعوت له بالهُدى،
وقَصْدِ السَّمْتِ المُستقيم، قال: والأصلُ فيه المُهملة قُلِبت مُعجَّمةً.
قال صاحبُ ((المُحْكَم)): تسميتُ العاطس معناه: هداك [الله] إلى
السَّمْت، وذلك لِمَا فيه من الانزعاج والقلق.
وتشميتُ العاطس سُنَّةٌ على الكِفاية، إذا فعل بعضُ الحاضرين سقط
الأمر عن الباقين، وشرطُه أن يَسمع قولَ العاطس: الحمدُ لله(٣).
(ق): سُمِّ الدُّعاء تشميتاً؛ لأنه إن استُجيب للمَدعُوِّ له، فقد زال
عنه الذي يَشمَتُ به عَدُوُّه لأجله(٤).
* قوله : ((إذا استنصحك، فانصح له»:
(ن): معناه: إن طلب منك النصيحةَ فعليك أن تنصحَه، فلا تُداهِنْه،
ولا تَغُتُّه، ولا تُمسِك عن بيان النصيحة(٥).
(١) في الأصل: (ن)، والصواب المثبت.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٤٨٨).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٣١).
(٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٣٨٩).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٤٣).
٢٧٢

(ق): هي واجبة عند الاستنصاح، وفي غيره تفصيلٌ على ما تقدم من
قوله ◌َ﴾: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))(١).
٢٣٩ - وعن أبي عُمَارَةَ البَرَاءِ بنِ عازبٍ ﴿ه قال: أَمَرَّناً
رسولُ الله ﴿ بِسَبْعٍ وَنَهَانَاَ عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَ بِعِيَادَةِ المَريضِ، واتَِّاعِ
الجَنَازَةِ، وتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِبْرَارِ المُقْسِمِ، وَنَصْرِ المَظْلُومِ،
ه وُ
وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِنْشَاءِ السَّلامِ. وَنَهَانَ عَنْ خَوَاتِيمَ - أَوْ تَخَتُّم -
بِالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بِالفِضَّةِ، وَعَنِ المَائِرِ الحُمْرِ، وَعَنِ القَسِّيِّ،
وَعَنْ لُبْسِ الحَرِيرِ وَالإِسْتَبْرَقِ والدِّيَاجِ. متفق عليه.
وفي روايةٍ: وَإِنْشَادِ الضَّالَّةِ فِي السَّبْعِ الأُوَّل.
((الميَائِرِ)): بيَاءٍ مثنّاةٍ قَبْلَ الأَلِفِ، وَثَاءٍ مُثَلََّةٍ بَعْدَهَا، وَهِيَ جَمْعُ
مِيثَرَةٍ، وَهِيَ شَيءٌ يُتَّخَذُ مِنْ حَرِيرٍ، وَيُحْشَى قُطْناً أَوْ غَيْرَهُ، وَيُجْعَلُ
فِي السَّرْجِ وَكُورِ الْبَعِيرِ يَجْلِسُ عَلَيْهِ الرَّاكِبُ.
((القَسِّيُّ)»: بفتح القاف وكسر السين المهملة المشدّدةِ، وَهِيَ
ثِيَابٌ تُنْسَجُ مِنْ حَرِيرٍ وَكَنَّانٍ مُخْتَلِطَیْنِ.
(وَإِنْشَادُ الضَّالَّةِ»: تَعْرِيْقُهَا.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٨٨)، والحديث رواه مسلم (٥٥/ ٩٥)، من
حدیث تميم الداري قلته .
٢٧٣

[الثَّامِنِ عَشََّ]
,44
(ن): إبرار المُقسِم سُنَّة أيضاً مستحبة مُتأكِّدة، وإنما يندبُ إذا لم يكن
فيه مفسدةٌ أو خوفُ ضرر، أو نحوُ ذلك، فإن كان شيءٌ من هذا لم يُبِرَّ
قسَمَهُ، كما ثبت أن أبا بكر ه لمَّا عَبَّر الرُّؤيا بحضرة النبيِّ وَِّ، فقال ◌َلَّى:
((أَصَبْتَ بَعْضاً وأَخطأتَ بَعْضاً)) فقال: أقسمتُ عليك يا رسولَ الله لَتُخبرَني،
فقال: ((لا تُقْسِم))، ولم يخبره(١).
وأما إفشاء السلام: فهو إشاعتُه وإكثارُه، وأن يبذُلَه لكل مسلم، كما
في الحديث: ((وتَقَرأُ السَّلامَ على مَنْ عَرَفتَ ومَن لَم تَعرِفْ))(٢).
وأما إنشاد الضَّالَّة: فهو تعريفُها، وهو مأمورٌ به، كما فُصِّل في (باب
اللُّقَطة) من كتب الفقه.
وأما خاتم الذهب: فهو حرامٌ على الرجل بالإجماع ولو كان بعضُه
ذهباً وبعضُه فضةً، حتى قال بعضُ أصحابنا: لو كان سِنُّ الخاتم ذهباً، أو
كان مُموَّهاً بذهب يسيرٍ، فهو حرام؛ لعُموم الحديث: ((إنّ هذين حرامانِ
على ذُكور أُمَّتِي، حِلٌّ لإِنَائِها))(٣).
* قوله: ((وعن شرب بالفضة)):
(ن): النهي فيه للتحريم.
(١) رواه البخاري (٦٦٣٩)، من حديث ابن عباس ظ
(٢) رواه البخاري (١٢)، ومسلم (٣٩)، من حديث عبدالله بن عمرو ﴿يا.
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٣٢)، والحديث رواه البزار في ((مسنده))
(٣٣٣)، من حديث عمر ـ
٢٧٤

و((المياثر الحمر)) هو بالثاء المثلثة قبل الراء، هو جمعُ (مِيثَرة) بكسر الميم،
وهي وِطاءٌ كانت النساء تصنعه لأزواجهن، وكان من مراكب العجم، ويكون
من الحرير، ويكون من الصُّوف وغيرِهِ، وقيل: هو أغشيةٌ للشُّروج تُتخذ من
الحرير، وقيل: هو سُروجٌ من الدِّيباج، وقيل: هو شيء كالفِراش الصغير يتخذ
من حرير، يُحشى بقُطن أو صُوف، يجعلُها الراكب على البعير تحته فوق الرَّحْل.
و(المِيثرة) [غيرُ] مهموزة، وهي مِفْعَةٌ بكسر الميم، من الوَثارة،
يقال: (وَثُر) بضم الثاء (وَثارةً) بفتح الواو، فهو وَثير؛ أي: وَطِيءٌ لَيِّن،
وأصلها مِؤْثَرة، قلبت الواو ياء كما في ميقات ومیزان.
فالمِيثرةُ إن كانت من الحرير فهو حرامٌ، وإن كانت من غير الحرير
فليست بحرام، سواءٌ كانت حمراءَ أو لا، ولا كراهةَ فيه.
وحكى القاضي عن بعض العلماء كراهَتها؛ لئلا يظنها الرائي من بُعْدٍ
حريراً.
وأما ما وقع في ((صحيح البخاري)) عن يزيدَ بن رُومانَ: أن المُرادَ
بالميثرة جُلُودُ السِّباعِ: فهو قولٌ باطل مُخالفٌ للمشهور الذي أطبق عليه
أئمّةُ اللغة(١).
وأما (القَسِّيُّ): فهو بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة، وحُكي
كسر القاف أيضاً: هي ثيابٌ مُضَلَّعَةٌ بالحرير، تُعمل بـ (القَسِّ) بفتح القاف،
هي [موضع] من بلاد مصر، وهي قرية على ساحل البحر قريبة من تِنِّيس (٢).
(١) انظر: صحيح البخاري)) (٥ / ٢١٩٥).
(٢) في الأصل: ((تفيس)).
٢٧٥

وقيل: هي من ثياب القَزِّ، وهو رَدِيُ الحرير، أُبدل من الزاي سيناً،
وهذا إن كان حريره أكثرَ من الكتّان، فالنھيُ فيه للتحریم، وإلا فللتنزيه.
وأما الإستبرقُ: فغليظ الدِّيباج، بفتح الدال وكسرها، جمعه: دَابِیج
ودَيَابِيج(١)، وهي عجَميٌّ مُعرَّبٌ، والديباجُ والإستبرقُ حرامان؛ لأنهما من
الحرير(٢).
(١) في الأصل: ((دبايج ودبائج)).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٣٣).
٢٧٦

٣٨-باب
سترِ عوراتِ المسلمينَ،
والنَّهيِ عن إشاعتِها لغيرٍ ضرورةٍ
* قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَّ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الدُّنْيَا وَآَخِرَةِ﴾ [النور: ١٩].
(الباب الثامن والعشرون)
(في تحريم عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها لغير ضرورة)
* قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ١٩]؛ أي: يختارون ظهورَ الكلام عنهم بالقبيح.
وقوله: ﴿فِي الدُّنْيَا﴾؛ أي: بالحَدِّ ﴿وَ فِ اَلْآَخِرَةِ﴾ العذاب.
روى الإمام أحمدُ عن ثَوْبانَ عن النبيِّ وَِّ قال: ((لا تُؤْذُوا عبادَ الله،
ولا تُعيُِّوهُم، ولا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِم، فإنَّه مَن طلبَ عَوْرةَ أَخيهِ المُسلمِ
طلبَ اللهُ عَوْرتَه حَتَّى يَفْضَحَه في بَتِهِ»(١).
(م): رُوي عن رسول الله ◌َّ﴿ أنه قال: ((إنِّي لأَعرِفُ قَوماً يَضرِبُونَ
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٢٧٩)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)» (٧٩٨٥).
٢٧٧

[صُدورَهُم] ضرباً يسمعه أهلُ النار، وهم المُؤذون الذين يَلتمِسُونَ عَوْراتِ
المُسلمينَ، ويَهْتِكُونَ سُتُورَهُم، ويُشِيعُونَ عَليهِم من الفَوَاحِشِ ما ليسَ فِيهِم))(١).
وفي هذه الآية دليلٌ على أن العَزْمَ على الذنب العظيم عظيمٌ، وأن
إرادةَ الفِسْقِ فِسْقٌ، لأنه تعالى رتَّبَ الوعيدَ بمَحبَّة إشاعة الفاحشة.
وأما قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النور: ١٩]: فهو حَسَنُ الوَقْعِ
بهذا الموضع، وهذا الذِّكرُ نهايةٌ في الزَّجْر؛ لأن من أحبَّ إشاعة الفاحشة
وإن بالغ في إخفاء تلك المَحبَّة، فالله تعالى يعلم ذلك منه، ويعلم قَدْرَ
الجزاء عليه(٢) .
٢٤٠ - وعن أبي هريرةَ﴾، عن النبيِّ وَ﴿ قال: ((لا يَسْتُرُ
عَبْدٌ عَبْداً في الدُّنْيَا، إِلاَّ سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ)) رواه مسلم.
((الأَوْلُ)
سبق في (الحديث الثاني عشر) من الباب السابق.
* قوله تعالى: ((إلا ستره الله يوم القيامة)):
(ن): قال القاضي: هذا يحتمل وجهين :
أحدهما: أن يَستُرَ معاصيَه وعُيوبَه عن إذاعتها في أهل المَوقِف.
والثاني: ترك مُحاسبته عليها، وترك ذكرها.
(١) رواه أبو الشيخ في ((التوبيخ والتنبيه)) (١٢٧)، من حديث خالد الربعي، وخالد هذا
ترك أبو زرعة حديثه. انظر: ((لسان الميزان)) لابن حجر (٢ / ٣٧٤).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٣ / ١٥٩ - ١٦٠).
٢٧٨

والأول أظهرُ؛ لِمَا جاء في الحديث عند تقريره بذُنوبه: ((سَتَرْتُها
عليكَ في الدُّنيا وأنا أَغفِرُها لكَ اليومَ))(١).
٢٤١ - وعنه قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ِ﴾ يقول: ((كُلُّ أَمَّتِي
مُعَانَى إِلَّ المُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ المُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلِ بِاللَّيْلِ
عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولَ: يَا فُلانُ! عَمِلْتُ
البَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سَتْرَ اللهِ
عَنْهُ)) متفق عليه .
(الثَّانِى)
* قوله : ((إلا المجاهرين)) :
(ن): هم الذين جاهروا بمَعاصيهم، وأظهروها، وكشفوا سِتْرَ ما سَتَر الله
عليهم، فيتحدثون بها لغير حاجة ولا ضرورة، يقال: جهر وجاهر وأجهر(٢).
(شف): هو مستثنى من قوله: ((معافى))، وهو في معنى النفي؛ أي:
كلُّ أُمَّتي لا ذنبَ عليهم إلا المُجاهرين.
(ط): روي: ((إلا المجاهرون)) بالرفع، ووجهُه أن يقال: كُلُّ أُمَّتِي
يُتركون في(٣) الغِيبَة إلا المجاهرون، كما ورد: ((من ألقى جِلْبابَ الحَياء،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٤٣)، والحديث رواه البخاري (٢٣٠٩)،
ومسلم (٢٧٦٨)، من حديث ابن عمر خ﴾﴾.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ١١٩).
(٣) في الأصل: ((على)).
٢٧٩

فلا غِيبةَ له))(١)، والعفو بمعنى الثَّرك، وفيه معنى النفي، نحو قوله تعالى:
﴿وَيَأْبِىَ اللهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢](٢) .
(ق): هكذا وقع في نسخة شيخنا أبي الصَّبْر أيوب: ((إلا المجاهرون))
بالرفع، وهو جائز على أن يحمل (إلا) على (غير)، كقوله:
لَعَمْرُ أَبِيِكَ إِلَّ الفَرقَدَانِ (٣)
قوله : ((يكشف ستر الله عليه)»:
(ق): هذا من أكبر الكبائر وأفحشها، لأن هذا لا يَصدُر إلا عن جاهل
بقَدْر المعصية، ومُستَهينٍ بها، مُصرِّ عليها، مُظهرٍ للمُنكر، والواحد من هذه
الأمور کبیرةٌ، فكيف إذا اجتمعت؟! فکذلك فاعلُ ذلك أشدُّ بلاء في الدنيا
وعُقوبةً في الآخرة؛ لأنه يجتمع عليه عقوبةُ تلك الأُمور كلِّها، وسائر الناس
مِمَّن ليس على مثل حاله - وإن كان مُرتكبَ كبيرة - فَأَمرُه أَخفتُّ وعُقوبتُه إن
عوقب أَهْوَنُ، ورجوعُه عنها أقربُ من الأول؛ لأن ذلك المُجاهِرَ قَلَّ أن يتوبَ
أو يرجعَ عَمَّا اعتاده من المعصية وسَهُل عليه منها، فيكون كلُّ العُصاة بالنسبة
إليه إما مُعافى مطلقاً إن تاب، وإما مُعافَى بالنسبة إليه إن عُوقب (٤).
(١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٠/ ٢١٠)، من حديث أنس ، وهو حديث
ضعيف جدًا. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٥٤٨٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣١١٩).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦١٧).
(٤) المرجع السابق (٦ / ٦١٨).
٢٨٠