Indexed OCR Text

Pages 1-20

سَرْحُ
رِيَاضِ الصالحِينَ
(٢)

حُقُوق الطَّبْع مَحَفُوَظَة لِدَارِالنَّوَادِرِ
الطّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٥هـ-٢٠١٤م
طَبْعَةخَاصَّة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
دولة قطر
turathuna@islam .gov.qa
قامت بعمليات تقضي الضوئي والإخراج الفني والطباعة
ر
سوريا - دمشق
ص. ب: 34306
هاتف : 00963112227001
فاكس : 00963112227011
لبنان - بيروت
ص.ب: 4462/14
هاتف: 009611652528
فاکس : 009611652529
E_ mail : info@daralnawader . com
Website : www.daralnawader.com

أوقاف
AWQAF
سَشَْحُ
رياض الصالحين
المُسَتَّى
ــفـ
شَهْرَ كَاِ الشَاضِىُ
تَألِيفُ
اُلْعَلََّمَةِ ابنِ كَمَالِ بَاشَا
سَمْسِ الدِّينِ أَحَمَدَ بن سُليمانَ بنِكَمَالِ بَاشًا الرُّومِيّالخَنِفِيِّ
الَوُلُود في طُوَقَات سَنَة ٨٧٢ هـ، وَمتولَّ فِي الصُّطَنطِّ سَنَة . ٩٤م
رَحَهُ الله تعَالى
تَحْقِيْقَ وَدِرَاسَة
صَّةٍ مِنَ أَ
بِإِنْشِرَافٍ
نُورا الشنطَالِبُ
ـن المحققين
المَجَلَّدُ الثَّاني
من مطبوعات
وَزَارَةُ الأَوْقَائِ مَالشُّؤُوْرُالإِسْلامِيَّةُ
إِدَارَةُ الشّؤُونِ الإِسْلَامِيَّةِ
تمويل الإدارة العامة للأوقاف
دَوْلةِقَطَرْ

O
13
O

١٦- باب
في الأمرِ بالمحافظةِ على السنَّةِ وآدابها
قاله الله تعالى: ﴿وَمَآ ءَ انَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَاتَهَنَّكُمْ عَنْهُ
فَأَنْتَهُواْ ﴾ [الحشر: ٧].
* وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَىَ ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾
[النجم: ٣ - ٤].
* وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَتَِّعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [آل عمران: ٣١].
* وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ لِّمَنْ كَانَ
يَرْجُواْ اللَّهَ وَاَلْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١].
* وقال تعالى: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا
شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ
تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: ٦٥].
* وقال تعالى: ﴿فَإِن تَزَعْنُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:
٥

٥٩]، قال العُلَمَاءُ: مَعْنَاهُ: إِلَى الكتَابِ وَالسُّنَّةِ.
* وقال تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّهُ﴾ [النساء: ٨٠].
* وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٣
- ٥٢].
* وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةً
أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
، وقال تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ
اُللَّهِ وَاَلِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤].
والآياتُ في البَابِ كَثِيرةٌ .
(الباب السادس عشر)
(في الأمر بالمحافظة على السنة وآدابها)
: قال الله تعالى: ﴿وَمَآءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]؛ أي: ما أمركم
به فافعلوه، وما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخيرٍ، وإنما ينهى عن شَرٍّ.
روى ابن أبي حاتم عن مسروق قال: جاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت:
بلغني أنك تنهى عن الوَاشِمَة والواصلة، أشيءٌ وجدته في كتاب الله، أو عن
رسول الله وَي؟ قال: بلى، شيء وجدته في كتاب الله، وعن رسول الله وَالآ،
قالت: والله لقد تَصفَّحْتُ ما بين صَفْحَتي المُصحف، فما وجدت في كتاب الله
الذي تقول، قال: فما وجدتِ فيه: ﴿وَمَاَءَانَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَانَهَنَكُمْ عَنْهُ
٦

فانتهُواْ ﴾ [الحشر: ٧]؟ قالت: بلى، قال: فإِنِّي سمعت رسولَ الله ێے نھی عن
الواصِلَةِ والوَاشِمَةِ والنَّامِصَةِ، قالت: فلعَلَّهُ في بعض أهلك؟ قال: فادخلي
فانظري، فدخلت ثم خرجت، قالت: ما رأيتُ بأساً، فقال لها: أما حفظتٍ
وَصِيَّةَ العبد الصالحِ: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْأُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَمَكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨](١)؟!
الثعلبي: عن عبد الرَّحمن بن يزيدَ(٢) قال: لقي عبدُالله بن مسعود
رجلاً مُخْرِماً وعليه ثيابُه، فقال: انزِعْ عنك هذا، فقال الرجل: أتقرأ بهذا آية
من كتاب الله؟ قال: نعم، ﴿وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ ﴾
[الحشر: ٧](٣).
* قوله تعالى: ﴿ وَمَايَنطِقُ عَنِ آلموى﴾؛ أي: ما يقول قولاً عن هوى
وغرضٍ، وإنما يقول ما أُمر به يُبلِّغه إلى الناس كاملاً مُوفّراً من غير زيادة
ولا نقصان؛ كما روى الإمام أحمد عن أبي أمامةَ ◌َُله: أنه سمع رسولَ الله ◌ِّ
يقول: (لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ ليسَ بنبِيٍّ مِثْلُ الحَيَّيْنِ رَبِيعةَ ومُضَرَ))،
فقال رجل: يا رسولَ الله! وما ربيعةُ من مُضرَ؟ قال: ((إنَّما أَقولُ ما أُقَوَّلُ))(٤).
وروى الإمام أحمد أيضاً عن عبدالله بن عمرو قال: كنت أكتب كلَّ
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٣ / ٤٨٥)، والحديث رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره))
(١٨٨٥٣)، ورواه أيضًا البخاري (٤٦٠٤) من طريق أخرى عن ابن مسعود.
(٢) في الأصل: ((زيد)).
(٣) رواه الثعلبي في ((تفسيره)) (٩ / ٢٧٧)، وفي إسناده معاوية بن هشام، متكلم فيه من
قبل حفظه، وله طريق أخرى رواها ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (٢ / ١٨٩).
(٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٢٥٧)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الترغيب والترهيب)» (٣٦٤٧).
٧

شيء أسمعُه من رسول الله ◌ِ﴿ أُريدُ حِفْظَهُ، فنهتني قُريشٌ، وقالوا: إنك تكتب
كلَّ شيء تسمعه من رسول الله وَّهِ، وإنه بشرٌ يتكلَّمُ في الغضَبِ، فَأَمسكتُ
عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله وَّهِ، فقال: ((اكتُبْ، والَّذِي(١) نَفْسِي
بيدِه ما خرَجَ مِنِّي إلاَّ حَقٌّ)(٢).
وروى الحافظ أبو بكر البزَّار عن أبي هريرة ◌ُه، عن النبيِّ ◌َّ أنه
قال: ((ما أُخبِرُكُمْ أَنَّه مِنْ عند اللهِ؛ فَهُوَ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ»(٣).
(م): ﴿يُوحَى﴾ يفيد التأكيدَ والمُبالغةَ وإزالةَ إرادة المَجَاز؛ كقوله: ﴿وَلَا
◌َيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]؛ فإن فيه تحقيقَ الحقيقة؛ فإنَّ الفرسَ الشديدَ
العَدْوِ رُبَّما يقال: هو طائر، فإذا قال: ﴿يَطِيُرُ بِحَنَاحَيْهِ﴾؛ يزيل جوازَ المَجاز(٤).
* قوله تعالى: ﴿قُلّ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَتَِّعُونِ يُحْبِبْكُمُ اَللَّهُ ﴾ [آل عمران: ٣١]:
هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كل من اذَّعى محبةَ الله وليس هو على الطريقة
المُحمَّدية؛ فإنه كاذبٌ في دعواه في نفس الأمر حتى يَتَبعَ الشَّرِعَ النبوي في
جمیع أقواله وأفعاله.
وقوله: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللهُ ﴾؛ أي: يَحْصُلُ لكم فوق ما طلبتم من مَحبَّتكم
إياه، وهو محبته إياكم، كما قال بعضُ العلماء: ليس الشَّأن أن تُحِبَّ، إنما
(١) في الأصل: ((هو الذي))، والصواب المثبت.
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ١٦٢)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (١١٩٦).
(٣) رواه البزار في ((مسنده)) (٨٩٠٠)، وهو حديث صحيح. انظر: ((التعليقات الحسان))
(٤ / ٧) .
(٤) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٨ / ٢٤٥).
٨

الشَّأْنُ أن تُحَبَّ.
قال الحسنُ البَصْريُّ وغيره: زعم قوم أنهم يُحبّون الله، فابتلاهم الله
بهذه الآية(١).
(قض): المحبةُ: ميل النفس إلى الشيء لكمالٍ أَدركَتْه فيه؛ بحيث
يحملها على ما يُقرِّبها إليه، والعبدُ إذا علم أن الكمالَ الحقيقيَّ ليس إلا لله،
وأن كل ما يراه كمالاً من نفسه أو غيره فهو منَ الله، وبالله، وإلى الله؛ لم
یکن حُبُّه إلا لله، وفي الله.
وذلك يقتضي إرادةَ طاعته، والرَّغبةَ فيما يُقرِّبه إليه؛ فلذلك فُسِّرت
المحبةُ بإرادة الطاعة، وجُعلت مستلزِمةً لاتِّباع الرسول.
و﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ جوابٌ للأمر؛ أي: يرضَ عنكم، عبّر عن ذلك بالمَحبَّة
على طريق الاستعارة أو المُقابلة(٢).
* قوله تعالى: ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾
الآية [النساء: ٦٥]: أقسم تعالى بنفسه المقدسة أنه لا يؤمن أحدٌ حتى يُحكِّمَ
الرسولَ وَ﴿ في جميع الأمور فيما حَكَم به، فهو الحقُّ الذي يجب الانقياد له
ظاهراً وباطناً، وإذا حَكَّموه يطيعوه في بواطنهم، فلا يجدوا في أَنْفُسهم حَرَجاً
مما حَكَم به، ويُسلِّموا لذلك تسليماً كُلِّياً من غير مُدافعة، ولا مُنازعة؛ كما
في الحديث: ((لا يُؤْمِنُ أَحدُكُمْ حَتَّى يكونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ))(٣).
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ٤٦)، وانظر هذا القول في ((تفسير ابن كثير).
(٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ٢٧).
(٣) رواه البغوي في ((شرح السنة)) (١٠٤)، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ظلال الجنة))
(١ / ٧).
٩

وفي ((الصحيح)): عن عُروةَ قال: خاصمَ الزُّبِيرُ رجلاً من الأنصار في
شِراجٍ من الحَرَّةِ، فقال النبيُّ ◌َّهِ: ((اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثمَّ أَرَسِلِ المَاءَ إلى
جَارِكَ))، فقال الأنصاريُّ: يا رسولَ الله! أَنْ كان ابنَ عَمَّتِك؟ فتلوَّن وَجْهُه،
ثم قال: ((اسْقِ يا زُبَيرُ، ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حتَّى يرجعَ إلی الجَدْرِ، ثم أَرْسِلْ
إلى جَارِكَ))، فاستوعى النبيُّ ◌َ﴿ للزُّبير حَقَّه في صريح الحُكم حين أَحْفَظَهُ
الأنصاريُّ، وكان أشار عليهما بأمرٍ لهما فيه سَعَةٌ.
قال الزبير: فما أحسَبُ هذه الآية إلا نزلت في ذلك: ﴿فَلَ وَرَيِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥](١).
وروى ابن أبي حاتم عن [أبي] الأسود قال: اختصم رجلان إلى
رسول الله ◌َّهر، فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: رُدَّنا إلى عمر بن الخطاب،
فقال رسول الله وَّهِ: (نَعَمْ، انطَلِقًا إليه)) فلمَّا انتهيا إليه؛ قال الرجل: يا بنَ
الخطاب؛ قضى لي رسولُ الله ◌ِّر على هذا، فقال له: رُدَّنا إلى عمر، فرَدَّنا
إليك، فقال: كذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانگما حَتَّى أخرج إليكما
فأقضيَ بينكما، فخرج إليهما مُشتملاً على سيفه، فضرب الذي قال: رُدَّنا إلى
عمر، فقتله، وأدبر الآخرُ فارّاً إلى رسول الله وَطّر، فقال: يا رسول الله! قتل
عمرُ صاحبي، ولوما أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله وَلي: ((ما أَظُّ أن
يَجْتَرِىَّ عُمَرُ على قَتْلِ مُؤْمِنٍ))، فأنزل الله تَّ: ﴿ فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، فهدَر دمَ ذلك الرجل، وبرَّأ عمرَ من قتله، فكره
(١) رواه البخاري (٤٣٠٩).
١٠

الله أن يسُنَّ ذلك بعد، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَثَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوَأْ أَنْفُسَكُمْ﴾ إلى
قوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦](١)، هذا أثر غريب، وفيه ابنُ لهيعة.
(م): (لا) مزيدةٌ لتأكيد معنى القسم، معناه: فورَبِّك، وقيل: إنها
تفيد نفيَ أمرٍ سبق؛ أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون
حكمك، ثم استأنف [القسم] بقوله: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ﴾ .
يقال: شجَر يَشجُر شُجوراً وشَجْراً: إذا اختلف واختلط، والحرج:
الضِّيق.
واعلم أن ميلَ القلب ونَفْرتَه شيءٌ خارج عن وُسْعِ البشر، فليس
المراد من الآية ذلك، بل المراد: أن يحصل الجزمُ بأن الذي يحكم به
الرسولُ ◌َ﴿ هو الحقُّ، وهو الصِّدقُ.
والمراد بقوله: ﴿لَا يَجِدُ وافِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّاقَضَيْتَ ﴾ انقيادُ الباطن،
وبقوله: ﴿وَيُسَلِّمُواْ نَسْلِيمًا﴾ انقيادُ الظاهر؛ لأن مَن عرف كونَ الحكم حَقًّا
وصِدْقاً قد يتمرَّد عن قَبوله على سبيل العِناد، أو يتوقّف في القَبول؛ فكما
لا بدَّ في الإيمان من حُصول اليقين؛ لا بدَّ من التسليم في الظاهر(٢).
* قوله تعالى: ﴿فَإِن تَزَعْثُمْ فِىِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: قال مجاهدٌ:
أي: إلى كتاب الله، وسُنَّة رسول الله وَّهِ، فما شهدا له بالصِّحَّة فهو الحَقُّ،
وماذا بعد الحَقِّ إلا الضَّلال؟ ولهذا قال: ﴿إِن كُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ﴾
[النور: ٢]، فدل على [أن] مَنْ لا يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة،
(١) انظر: ((تفسير ابن أبي حاتم)) (٥٥٦٠).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٠ / ١٣١).
١١

ولا يرجع إليهما؛ فليس مؤمناً بالله واليوم الآخر.
وقوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾؛ أي: عاقبة ومآلاً، قاله السُّدُِّّ، وقال
مجاهد: وأحسن جزاءً، وهو قريب(١).
* قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ ﴾ [النساء: ٨٠]؛ لأنه
ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
(م): قال الشافعيُّ في كتاب ((الرسالة)) في (باب فَرْض طاعة الرسول):
إن قوله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهُ ﴾ [النساء: ٨٠] يدلُّ على أن كل
تكليف كَلَّف الله بها عبادَه في باب الوُضوء، والصَّلاة، والزكاة، والصَّوم،
والحَجِّ، وسائر الأبواب في القرآن، ولم يكن ذلك التكليف مبيّناً في القرآن؛
فحينئذ لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرَّسول، ولزم القولُ بأن
طاعة الرسول عينُ طاعة الله، هذا معنى كلام الشافعي رحمه الله.
وفي الآية دليلٌ أيضاً على أنْ لا طاعة إلا لله البتة؛ وذلك لأن طاعة
الرسول لا تكون إلا طاعةً لله(٢).
* قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] وهو
الحقُّ القَويم المُفسَّر بقوله: ﴿ صِرَطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٣](٣).
(م): كما أن القرآن يهدي فكذلك الرسول يهدي، وبيّن أنه يهدي
إلى صراط مستقيم، وبيَّن أن ذلك الصِّراطَ هو صِراطُ الله، نبِّه بذلك على
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٤ / ١٣٧).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٠ / ١٥٤).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٢ / ٢٩٥).
١٢

أن الذي تجوز عبادته هو الذي يملك السماوات والأرض(١).
قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يَُّالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣]؛ أي: عن
أمر الرسول وَله، وهو سبيلُه ومنهاجُه وطريقته وشريعته، فتُوزَن الأقوال
والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِلَ، وما خالف ذلك فهو مردودٌ
علی قائله وفاعله كائناً مَنْ كان.
وقوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣]؛ أي: في قلوبهم؛ مِنْ كفر، أو
نفاق، أو بدعة، ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: ٦٣]؛ أي: في الدنيا؛ بقتلٍ،
أو حَدٍّ، أو حَبْسٍ، أو نحو ذلك(٢).
(م): قال الأخفش: (عن) صِلَةٌ، والمعنى: يخالفون أمره.
وقال غيره: معناه: يُعرِضون عن أمره، فدخلت (عن) لتضمين المُخالفة
معنى الإعراض(٣).
* قوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَتِ اَللَّهِ
وَلَلِكْمَةٍ ﴾ [الأحزاب: ٣٤]؛ أي: واذكرن نعمةَ الله علیگُنَّ بأن جعلكن في
بُيُوتٍ يتلى فيها آياتُ [الله] والحِكْمةُ، فاشكرن الله على ذلك واحمَدْنَهَ(٤).
((اللباب»: في الحكمة قولان:
أحدهما: الكتاب.
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٧ / ١٦٤).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٠ / ٢٨١).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٤ / ٣٦).
(٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ١٦١).
١٣

والثاني - وهو قول الجمهور -: أنها السُّنَن، فيكون من باب:
مُتقلِّداً سَيْفاً ورُفْحا
فإنه لا يقال: تَلَوْتُ السُّنَّةَ، قال أبو علي: التلاوةُ لا تستعمل إلا في
قراءة کتاب الله .
(قض): في الآية الحَثُّ على الانتهاء، والائتمار فيما كُلِّفن به(١).
وَأَمَّا الأحادِيثُ:
١٥٦ - فالأَوَّلُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عن النبيِّ وَّه قال:
(دَعُونِي ما تَرَكْتُكُمْ؛ إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ،
وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا
أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ ما استَطَعْتُمْ)) متفقٌ عليه.
(الأَوْاُ)
* قوله {قر: ((دعوني ما تركتكم)):
(ن): فيه دليلٌ على أن الأصل عدمُ الوجوب، وأنه لا حکمَ قبل ورود
الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الإسراء: ١٥](٢).
(ق): يعني: لا تُكثروا من الاستفصال عن المواضع التي تكون مُقيّدةً
(١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ٣٧٤).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٠١).
١٤

بوجه مّا ظاهر، وإن كانت صالحة لغيره.
ومثال ذلك: أن قولَه ◌َله: ((إنَّ اللهَ قَدْ فرضَ عَلِيكُمْ الحَجَّ فَحُجُّوا))(١)،
فلفظة ((حجُّوا)) وإن كانت صالحةً للتكرار، فينبغي أن يُكْتَفَى بما يَصْدُقُ عليه
اللفظُ، وهو المَرَّة الواحدة؛ فإنها مَدلولةُ اللفظ قطعاً، وما زاد عليها يُتغافل
عنه، ولا يُكثرُ السؤال [فيه]؛ لإمكان أن يَكثُرَ الجوابُ [المترتِّب] عليه،
فيضاهي ذلك قصّةَ بقرة بني إسرائيل التي قيل لهم فيها: اذبحوا بقرة.
فلو اقتصروا على ما يَصدُق عليه اللفظُ، وبادروا إلى ذبح بقرة أيٍّ
بقرة كانت؛ لكانوا مُمتثلين، لكن لمَّا أكثروا السؤالَ؛ أكثر عليهم الجواب،
فشَدَّدوا، فَشدَّد عليهم، وذُقُوا على ذلك، فخاف النبيُّ نَ﴿ِ مثلَ هذا على
أُمَته، ولذلك قال: «فإنما أهلك مَنْ كان قبلكم كثرةُ سؤالهم»(٢).
* قوله رقيق: «فإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) :
(ن): هو على إطلاقه، فإن وُجِدِ عُذْرٌ يبيحه؛ كأكل المَيْتة عند
الضَّرورة، أو شربِ الخمر عند الإكراه، أو التلفُّظِ بكلمة الكُفر إذا أُكره
عليه، ونحو ذلك؛ فهذا ليس مَنهيّاً عنه في هذا الحال(٣).
(ق): ((وإذا أمرتكم بشيء؛ فأتوا منه ما استطعتم))؛ أي: بشيء مُطلق،
كما إذا قال: صُمْ، أو: صَلِّ، أو: تصدق، فيكفي من ذلك أقلُّ ما ينطلق عليه
الاسم، فيصوم يوماً، ويصلي ركعتين، ويتصدق بشيء، وإنْ قيّد شيئاً من
(١) رواه مسلم (١٣٣٧ / ٤١٢)، من حديث أبي هريرة ظه.
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ١٥٧).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٠٢).
١٥

ذلك بقيود، ووصفه بصفات؛ لم يكن من امتثال أمره بُدُّ على ما فَصَّل وقَيَّدَ
وإن كان أشقَّ المشقَّت، وهذا ممَّا لا يُختَلف فيه(١).
(ن): هذا من قواعد الإسلام المُهِمَّة، ومن جوامع الكلم التي أُعطيها وَلِ،
ويدخل فيه ما لا يُحصى من الأحكام؛ كالصلاة بأنواعها، فإذا عجَز عن
أركانها أو بعض شروطها؛ أتى بالباقي، وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء
أو الغُسل؛ غسل المُمكن، وإذا وجد بعضَ ما يكفيه من الماء لطهارته أو
لغَسل النجاسة؛ فعل المُمكن.
وإذا وجب إزالةُ مُنكرات، أو فِطْرةُ جماعة مِمَّن يلزم نفقتهم، أو نحو
ذلك، وأمكنه البعضُ؛ فعل المُمكِنَ، وإذا وجد ما يستر بعضَ عَوْرَته، أو
حَفِظَ بعضَ (الفاتحة)؛ أتى بالمُمكن، وأشباهُ هذا غيرُ منحصرة، وهي
مَشهورةٌ في كتب الفقه.
وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]،
وأما قوله تعالى: ﴿أُثَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]: ففيه مذهبان:
أحدهما: أنها منسوخةٌ بقوله: ﴿فَنَّقُواْاللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
والثاني - وهو الصَّحِيحُ أو الصَّوابُ، وبه جزم المُحقِّقون -: أنها
ليست منسوخة، بل قوله: ﴿فَنَّقُواْاللَّهَ مَا اسْتَطَعْهُمْ﴾ مُفسِّرةٌ لها، ومُبيِّئَةٌ للمُراد
بها .
قالوا: و﴿حَقَّ تُقَائِهِ﴾ هو امتثال أمره، واجتناب نَهْيهِ، ولم يأمر سبحانه
وتعالى إلا بالمُستطاع، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٤٤٨).
١٦

٢٨٦]، وقال: ﴿وَمَاجَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجٌ﴾ [الحج: ٧٨](١) .
١٥٧ - الثَّانِي: عَنْ أبي نَجِيحِ العِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَة ◌َ﴾ه قال:
(وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِهِ مَوْعِظَةٌ بِلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ
مِنْهَا الْعُيُون، فَقُلْنَا: يا رَسولَ اللهِ! كأنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأَوْصِنَا،
قال: ((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَة وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ
عَبْدٌ [حَبَشِيٍّ]، وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلافاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُمْ
بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُوا عَلَيْهَا بِالَّواجِذِ،
وَإِيَّاكُمْ ومُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ)) رواه أبو داود،
والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
(النَّواجِذُ)) بالذالِ المعجمةِ: الأنْيَابُ، وقيلَ: الأضْرَاسُ.
(الثَّانِى)
* ((موعظة)) :
(غب): الوَعْظ: زَجْرٌ مقترن بتخويف، وقال الخليل: هو التذكير
بالخير فيما يَرِقُّ له القلب(٢).
(تو): ((بليغة))؛ أي: بالغ فيها بالإنذار والتخويف، كقوله تعالى:
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٠٢).
(٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٥٢٧).
١٧

﴿وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ﴾ [النساء: ٦٣].
والبلوغ والبلاغ: الانتهاء إلى قَصْد المَقْصِد والمُنتهى، ومنه: البلاغة،
والأصل فيه: أن يجمع الكلام ثلاثة أوصاف: صواباً في موضع اللغة، وطبقاً
للمعنى المراد، وصِدْقاً في نفسه، وكلامُ الرسول ◌َ له أحقُّ بهذه الأوصاف
من بین سائر الكلام.
(قض): البلاغة: وَجازة اللفظ وكثرة المعنى مع البيان(١).
(ط): الأول هو الوَجْهُ؛ لقوله: ((ذرفت منها العيون))(٢).
(تو): أي: سال منها الدمع؛ وذلك لاستيلاء [الخشية على القلوب](٣)
ترى أعيُنَهم تفيض من الدمع، كأن أَعُينَهم ذرفت مكانَ الدَّمع؛ مبالغة فيها،
وفائدة تقديم ((ذرفت العيون)) على ((وجلت القلوب))، ومَقَرُّه التأخير؛
للإشعار بأن تلك الموعظةَ أثّرت فيهم، وأخذت بمجامعهم ظاهراً وباطناً.
* قوله: ((موعظة مودع)):
(ط): فائدة هذا القيد: أن المودِّعَ(٤) عند الوداع لا يترك شيئاً مِمَّا يهمه
إلا ويورده ويستقصي فيه، انتهى(٥).
كان ◌َّهِ في آخر عُمُره يُومِئ في خُطَبه وكلامه مع أصحابه بقُرب انتقاله
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١٣٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٣٣).
(٣) ما بين معكوفتين من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٣٣).
(٤) في الأصل: ((الدموع)).
(٥) المرجع السابق، الموضع نفسه.
١٨

إلى الرَّفيق الأعلى؛ كقوله في الخُطبة: ((إنَّ عَبْداً خَيَّرهُ اللهُ بِينَ أَنْ يَخْتارَ مِنْ
زَهرةِ الدُّنيا ما شاءَ، وبينَ ما عندَهُ، فاختارَ ما عندَهُ))(١)، وكصلاته على قتلى
أُحد بعد ثمان سنين كالمُودِّع الأحياء والأموات (٢)، وكقوله ◌َّ للمرأة: ((فإِنْ
لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرِ)»(٣).
فلعلَّهَ بَّهِ فِي خُطبته هذه أَوماً إلى نحو ذلك؛ ففهم العِرْباضُ أنه يُودِّعُهم،
فقال: ((كأنها موعظة مودعٍ)).
ووصاياه ◌َّ في هذا الحديث مُصرِّحة بما ذكرناه.
* قوله : ((ولو كان عبداً حبشياً):
(تو): أي: أن السلطان لو ولَّى عليكم عبداً؛ فاسمعوا له وأطيعوا،
ويحتمل أنه أراد المُبالغةَ في طاعة ذوي الأمر دون ما يقتضيه ظاهر اللفظ.
والعربُ تضرب المثلَ في أبواب المُبالغة بما لا يكاد يكون، ومن
هذا الباب قوله ◌َّهُ: ((مَنْ بنَى اللهِ مَسْجِداً ولَوْ كَانَ كَمَفْحَصٍ قَطَاةٍ؛ بنَى اللهُ لهُ
بَيْتاً في الجَنَّةِ))(٤).
(قض): أي: لا تستنكفوا عن طاعة العبد لو استولى عليكم؛ إذ لو
استنكفتم وخالفتم أمره لأدى ذلك إلى إثارة الحُروب، وهَيْجِ الفِتَن،
وظهور الفساد في الأرض؛ فعليكم بالصبر والمُداراة (٥).
(١) رواه البخاري (٣٦٩١)، من حديث أبي سعيد الخدري
(٢) رواه البخاري (٣٨١٦)، من حديث عقبة بن عامر تلقته.
(٣) رواه البخاري (٣٤٥٩)، من حديث جبير بن مطعم ضه.
(٤) تقدم تخريجه .
(٥) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١٣٧).
١٩

والفاء [في] ((فإنه)) للتسبيب؛ جَعَلَتْ ما بعدها سبباً لما قبلها؛ يعني:
مَنْ قَبِلَ وَصِيَّتي، والتزم تقوى الله، وقَبِلَ طاعة مَنْ وُلِّي عليه، ولم يُهَيِّج
الفتن؛ أمن بعدي مِمَّا يرى من الاختلاف الكثير، وتشتُّت الآراء، ووقوع
الفتن.
ثم أكد تلك الوصية بقوله: ((فعليكم بسنتي)) على سبيل الالتفات،
وعَطَفَ عليه قوله: ((وإياكم ومحدثات الأمور)) تقريراً بعد تقرير، وتوكيداً
بعد تو کید .
وكذا قوله: ((تمسكوا وعضوا عليهما بالنواجذ)) تشديد على تشديد(١).
(تو): ((الخلفاء الراشدون)): هم الخلفاء الأربعة، قال رَّر في حديث
آخر: ((الخِلاَفَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سَنةً)) (٢).
وقد انتهت الثلاثون بخلافة عليٍّ ◌ُه، وليس معناه انتفاءَ الخلافة عن
غيرهم؛ لأن النبيَّ نَّهِ قال: (يكونُ في أُمَّتي اثنا عشرَ خَلِيفةً)) (٣)، وإنما
المراد تفخيمُ أمرهم، وتصويب رأيهم، والشهادة لهم بالتفوُّق فيما يمتازون
به عن غيرهم؛ من الإصابة في العلم، وحُسْنِ السِّيرة، واستقامة الأحوال؛
ولهذا وصفهم بالراشدين، وهم الذين أُوتوا رُشْدَهم في مقاصدهم
الصحيحة، وهُدوا إلى الأَقْوَم الأَصْلَح في أحوالهم.
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٦٣٤).
(٢) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٦٩٤٣)، من حديث سفينة ظه، وهو حديث صحيح.
انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٣٣٤١).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٩٢)، من حديث جابر بن سمرة ظ﴾، وهو
حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٧٠٣).
٢٠