Indexed OCR Text

Pages 621-640

(ق): ((تكف شرك عن الناس)) هذا دليلٌ على أن الكَفَّ فعلٌ للإنسان
داخل تحت كَسْبهِ، يُؤْجَر عليه، ويعاقَبُ على تركه، خلافاً لبعض الأُصوليين
المستدلين بأن الترك نَفْيٌ مَخْض لا يدخل تحت التكليف ولا الكَسْب، وهو
قولٌ باطل؛ لما ذكرناه هاهنا، وبما بسطناه في الأُصول، غيرَ أن الثوابَ لا يحصل
على الكَفِّ إلا مع النيات والمقصود، وأما في الغَفْلةِ والذهول: فلا، انتهى(١).
قال الحافظ محمدُ بن معمر: أي: بُثَّ خيرَك ما استطعت، فالناسُ
كلُّهم عِيالُ الله، وأَحبُّهم إلى الله أنفعُهم لعِياله، فإن لم تستطع فَكُفَّ شَرَّك
عنهم؛ فإنَّ مَن كَفَّ ضَرَّه فقد نَفَعَ، ومَن قطع شرَّه فقد وَصَلَ؛ كما قيل:
فَصِرْتُ أَرَى أَنَّ المُتَارِكَ مُحْسِنٌ
وأَنَّ خَليلاً لا يَضُرُّ وَصُولُ
١١٨ - الثاني: عن أبي ذرٍّ أيضاً ﴿ه: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قال:
(يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلاَمَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ،
وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ
بالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهَيٌّ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ. وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ
رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُما مِنَ الضَّحَى)) رواه مسلم.
((السُّلاَمَى)) بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم:
المَفْصِلُ.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢٧٨).
٥٢٧

(الثَّانِى)
* قوله ويقي: ((يصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة)):
(قض): المعنى: أن كلَّ عَظْم من عظام ابن آدم يُصبح سليماً عن
الآفات، باقياً على الهيئة التي تتم بها منافعُه وأفعالُه؛ فعليه صدقةٌ؛ شكراً
لمَنْ صَوَّره ووقاه عَمَّا يُغيِّرِه ويُؤذيه(١).
(ن): وفي ((صحيح مسلم)): أنَّ رسولَ الله وَّهِ قال: ((خُلِقَ الإنسانُ على
ثلاث مئة وستين مَفْصِلاً))(٢)، على كُلِّ مَفْصِلٍ صَدَقةٌ.
(مظ): عليه صدقة؛ شكراً لله؛ بأن جعل في عظامه مفاصلَ يقدر على
القَبْض والبَسْطِ؛ فإن ذلك نعمة عظيمة؛ إذ لو كانت أعضاؤه بغير مَفْصِل؛ ،
کانت کالخشبة(٣).
(ط): لعل تخصيصَ السُّلامى، وهي المفاصلُ من الصَّانع بالذِّكر؛ لما
في أعمالها من دقائق الصَّنائع التي يتحيَّرِ الأَوهامُ فيها؛ ولذلك قال تعالى:
﴿بَ قَدِرِينَ عَلَى أَنْ تُسَوِّىَ بَنَانَهُ ﴾ [القيامة: ٤]؛ أي: نجعل أصابع يديه ورجليه مُستويةً
شيئاً واحداً؛ كخُفِّ البعير، وحافر الحمار، فلا يمكن أن يعمل بها شيئاً ممَّا
يعمل بأصابعه المُفرَّقة ذاتِ المفاصل من قُنون الأعمال دِقِّها وجِلُّها؛ ولذلك
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٣٧٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥/ ٢٣٣)، والحديث رواه مسلم (١٠٠٧ / ٥٤)،
من حديث عائشة ێ .
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٥٣٤).
٥٢٨

السِّرِّ غلب الصِّغارُ من العظام على الكِبار.
(ق): العظام التي في الإنسان هي أصل وجوده، وبها حُصول منافعه؛
إذ لا تَتَأَتَّى الحركاتُ والسَّكَنات إلا بها، والأعصابُ رباطاتٌ، واللُّحوم
حافظات ومُمكِّنات، فهي إذاً أعظمُ نعم الله على الإنسان، وحَقُّ المُنعَم عليه
أن يقابل كلَّ نعمة منها بشكر يَخصُّها، وهي أن يعطي صدقةً كما أُعطي منفعة،
لكن الله تعالى لطَف وخَفَّف؛ بأن جعل التسبيحةَ الواحدة كالعطية، وكذلك
التَّحميدة وغيرها من أعمال البِرِّ وأقوالِه وإن قلَّ مقدارُها، وأتمّ الفضلَ بأن
اكتفى من ذلك كُلِّه بركعتين في الضُّحى(١).
(ن): ((يجزئ)): ضبطناه بضم أوله وفتحه، فالضَمُّ من الإجزاء، والفتحُ
من جَزَى يَجْزِي؛ أي: كفى، وفيه دليلٌ [على] عظم فضل الضُّحى، وكبير
موقعها(٢).
(ق): أي: يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان؛ فإن
الصلاة عمل بجميع أعضاء الجسد، فإذا صلى فقد قام كل عُضْوٍ بوظيفته
التي عليه، انتهى(٣).
قال في ((النوادر)): العبد إذا [أضحت] صلى الضُّحى ركعتين على
سبعة أجزاء بسبع جوارح، مقسومة هذه الأجزاءُ بما ضمِّنت وحُشِيَتْ على
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٥٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٢٣٣).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٣٦١).
٥٢٩

ثلاث مئةٍ وستين جزءاً؛ ليخرج إلى الله من صدقة النفس(١).
١١٩ - الثَّالثُ: عَنْهُ، قال: قالَ النبيُّ بِّهِ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ
أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيَّتُهَا، فَوَجَدْتُ في مَحَاسِنٍ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ
الطَّريقِ، وَوَجَدْتُ في مَسَاوِئٍ أَعْمَالِهَا النَّخَاعَةُ تَكُونُ فِي المَسْجِدِ
لاَ تُدْفَنُ)) رواه مسلم.
(الثَّالِثُ))
(ن): المراد بإماطة الأذى: تنحيته وإبعاده، وبالأذى: كلُّ ما يؤذي؛
من حجر ومَدَر، أو شَوْك، أو غيره، انتهى(٢).
قيل: ويدخل في هذا الأذى شُبَهُ المُبتدعة، وما يوردونه من عقائدهم
الباطلة، وخيالاتهم الفاسدة، وإزالتُها عن الطريق الذي هو الصِّراط المستقيم
بالبينات والحُجج القاطعة، والبراهين السَّاطعة.
قال شيخنا الإمام أبو الفتح المراغيُّ المدنيُّ فسح الله في مُدَّته: ليس في
الإيمان شيء دنيٌّ، فمعنى: ((أدناها)) أَقربُها؛ أي: ليس شيء أقربَ وأعونَ
على الدُّنوِّ والتقريب من إماطة القواطع والمُؤذيات من صفات الأَنْفُس
ومُشتهياتها؛ لأن الإنسان قد يكون مجتهداً في الطاعات، وهو غير مُطَهَّر من
(١) انظر: ((نوادر الأصول))، (٣/ ١٩٦)، ((الأصل الثالث والأربعون والمئتان))، وما بين
معکوفتین منه .
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٦).
٥٣٠

المُؤذيات القائمة بذاته، فلا يجد رُوحَ القُرب، وإنما منعه عن ذلك عدمُ إماطة
الأذى، وكثرةُ المُؤذيات والمُهلكات بذاته نَكَسَتْهُ وأذلَّته، حتى رُبَّما تَعبَّدَ
للأشياء بعد أن كان مالگها .
* وقوله: ((لا تدفن)) :
(ق): لأنه يُقَذِّرُ المسجدَ، ويتأذى به من تَعلَّق به، أو رآها؛ كما جاء
في الحديث: ((لئلا يُصيبَ جلدَ المُؤمنِ أو ثوبَه فیُؤذیَه)»(١).
(ن): هذا صريح في أن هذا القُبحَ والذَّمَّ لا يختصُّ بصاحب النُّخاعة،
بل يدخل فيه هو وكُلُّ مَنْ رآها ولا يُزيلُها بدَفن أو حَكِّ، ونحوه(٢).
١٢٠ - الرابعُ: عنه: أَنَّ ناساً قالوا: يا رسُولَ الله! ذَهَبَ
أَهْلُ الدُّنُورِ بِالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ،
وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولٍ أَمْوَالِهِمْ، قالَ: ((أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ
مَا تَصَدَّقُونَ بِهِ: إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرةٍ صَدَقةٌ، وكلِّ
تَحْمِيدةٍ صَدَقَةً، وكلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدقةً، وَأَمْرٌ بالمعْرُوفِ صَدَقةٌ، ونَهْيٌ
عَنِ المُنْكَرِ صدقةٌ، وفي بُضْع أَحَدِكُمْ صدقةٌ))، قالوا: يا رَسُولَ الله!
أَيَأْتِي أَحَدُنَاَ شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَه فيها أَجْرٌ؟! قال: (أَرَأَيُمْ لَوْ وَضَعَهَا
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ١٦٠). والحديث رواه ابن خزيمة في ((صحيحه))
(١٣١١) بنحوه، وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٤٣٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٥ / ٤٢).
٥٣١

فِي حَرَامِ، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فكذلكَ إذا وضَعَهَا في الحَلالِ، كانَ لَهُ
أَجْرُهُ» . رواه مسلم.
((الدُُّورُ)) بالثاء المثلثة: الأموالُ، واحِدُها: دَثْرٌ.
(ن): ((الدثور)) بضم الدال، جمع دَثْر بفتحها، وهو المال الكثير.
و(تصدقون)) بتشديد الصاد والدال جميعاً، ويجوز في اللغة تخفيفُ
الصاد(١).
(ق): مقصود هذا الحديث: أن أعمالَ الخير إذا حَسُنت النياتُ فيها؛
تنزلت منزلة الصَّدقات في الأُجور، ولاسيما في حَقِّ مَنْ لا يقدر على،
الصدقة، ويُفھمُ منه أن الصدقةَ في حق القادر علیها أفضلُ له من سائر
الأعمال القاصرة على فاعلها(٢).
(ن): ((إن بكل تسبيحة صدقة)) روينا: ((صدقة)) بالرفع والنصب،
فالرفع على الاستئناف، والنصب [عطف] على ((إن بكل تسبيحة))(٣).
(ط): وعلى هذا ((وكل تكبيرة)) مجرورٌ، فيكون من باب العطف
على عاملين مختلفين، فإن الواو نائبٌ منابَ (إنَّ) والباء.
قال القاضي عياض: يحتمل تسميتُها صدقةً أن لها أجراً كما أن للصدقة
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥١).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩١).
٥٣٢

أجراً؛ فإن هذه الصَّدقاتِ تماثل الصدقاتِ في الأُجور، وسَمَّاها صدقةً على
طريق المُقابلة وتجنيس الكلام.
وقيل: معناه: أنها صدقةٌ على نفسه.
* قوله يلي: ((وأمر بالمعروف)»:
(ن): فيه : إشارةٌ إلى ثبوت حُكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر
بالمعروف والنَّهي عن المُنكر؛ ولهذا نَكَّره، والثواب في الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر أكثرُ منه في التسبيح والتحميد والتهليل؛ لأن الأمرَ
بالمعروف والنهيَ عن المنكر فرضُ كفاية، وقد يَتعيَّن، ولا يُتصوَّر وُقوعُه
نفلاً، والتسبيح والتحميد والتهليل نوافلُ، ومعلوم أن أجر الفرض أكثرُ من
أجر النفل؛ لقوله تعالى: ((وما تقرَّبَ إليَّ عَبْدِي بشيءٍ أَحبَّ مِمَّا افترضْتُ
عَلَيْهِ))، رواه البخاريُّ من رواية أبي هريرة ظُه(١).
وقد قال إمام الحرمين من أصحابنا عن بعض العلماء: إن ثوابَ الفريضة
يزيد على [ثواب] النافلة بسبعين درجة، واستأنسوا فيه بحديث(٢).
(ط): أسقط المضاف هنا؛ إما اعتماداً على السابق، وتدل عليه
روايةُ الجَرِّ، أو قطعاً له عن ذلك الحُكم، وأن قليلاً من هذا النوع يقوم مقام
تلك الأمور السابقة، فکیف بالکثیر؟!
وذهب الشيخ النّواويُّ إلى أن التنکیر فیه للإفراد.
(١) رواه البخاري (٦١٣٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩٢).
٥٣٣

(ن): ((بضع أحدكم)) هو بضم الباء يطلق على الجماع، ويطلق على
الفَرْج نفسه، وكلاهما تصُِّ إرادته هنا، وفيه دليلٌ على أن المُباحات تصير
طاعاتٍ بالنيات الصادقات، فالجِماع يكون عبادةً إذا نوي به قضاءُ حَقٌ
الزوجة، ومُعاشرتُها بالمعروف الذي أمر الله به، أو طلبُ ولد صالح، أو
إعفافُ نفسه، أو إعفافُ الزوجة، ومنعُهما جميعاً من النظر إلى حرام، أو
الفِكْرِ فيه، أو الهَمِّ به، إلى غير ذلك من المقاصد الصَّالحة(١).
* قوله: ((أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟!):
(ق): هذا استفهامُ مَنِ اسْتَبْعَدَ حُصولَ أجرٍ بفعلٍ مستلَذِّ يحثُ الطَّبْعُ
عليه(٢)، وكأن هذا الاستبعادَ إنما وقع من تَصفّح الأكثر من الشريعة، وهو
أن الأُجورَ إنما تحصل في العبادات الشاقَّة على النفوس المُخالفة لها، ثمّ
إنه ◌َّ أجابهم على هذا بقياس العكس، فقال: ((أَرأيتم لو وضعها في
الحرام؟»، ونظمه: كما يأثم في فعل الحرام يؤجر في فعل الحلال.
وحاصله راجع إلى إعطاء كل واحد من المُتقابلين ما يقابَلُ به الآخر
من الذَّوات والأحكام(٣).
(ن): ((إذا وضعها في الحلال كان له أجر)) ضبطنا ((أجر)) بالنصب (٤)
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩٢).
(٢) وقع في الأصل: ((حصول أمر بفعل مستند بحسب الطبع عليه))، والمثبت من ((المفهم))
للقرطبي .
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥٢)، وما بين معكوفتين منه.
(٤) في الأصل: ((ضبطناهما بالنصب)) .. إلخ.
٥٣٤

والرفع، وهما ظاهران.
فيه: جواز القياس، وهو مذهب العلماء كافة إلا أهلَ الظاهر، ولا يُعتدُّ
بهم، وهذا المذكور في الحديث قياسُ العَكْس، واختلف الأصوليون في
العمل به، وهذا [الحديث] دليلٌ لمن عمل به، وهو الأصحُ.
وفيه: فضيلة التسبيح وسائرِ الأذكار، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر،
وإحضار النية في المُباحات، وذكر العالِم دليلاً لبعض المسائل التي تخفی،
وتنبيه المفتي على مُختَصر الأَدِلَّة، وجواز سؤال المستفتي عن بعض ما يخفى من
الدليل إذا علم من حال المسؤول أنه لا يكره ذلك، ولم يكن فيه سُوء الأدب(١).
١٢١ - الخامسُ: عنه قالَ: قال لي النبيُّ صلى الله عليه وآله
وسلم: ((لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوفِ شَيْئاً، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ
طَلِيقٍ)) رواه مسلم.
٨
* [قوله]: ((بوجه طلق)):
(ن): روي على ثلاثة أوجه: إسكانُ اللام، وكسرُها، و(طليق) بزيادة
الياء، ومعناه: سَهْلٌ مُنبسِطٌ (٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٧٧).
٥٣٥

(ق): يقال: طَلُق - بضم اللام - يَطْلُقُ طَلاَقةٌ. انتهى(١).
فيه: الحَثُّ على طلاقة الوجه، واستحبابُ إظهار البَشاشة والبِشْرِ.
روى البيهقيُّ مرسلاً عنه ◌َِّ: ((إنَّ اللهَ يُحِبُّ السَّهْلَ الطَّلْقَ))(٢)، وروي:
(لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بأَموالِكُمْ، فسَعُوهُمْ بِأَخْلاقِكُمْ))(٣).
وعن كعب قال: مكتوبٌ في التوراة: لتكُنْ للناس مبسوطاً؛ تَكُنْ
أحبَّ إليهم مِمَّن يُعطيهم الذهبَ والفِضَّةَ.
وهذا لا ينافي الزُّهدَ في الدنيا، والرغبةَ في الآخرة، والاهتمامَ بأمور
الدين، وشدةَ الخوف من الله تعالى؛ فإن النبيَّ وَّهِ وأصحابَه كانوا أعلمَ
الناس بالله، وأَشدّهم له خشيةً، وأُوتوا من الزهد في الدنيا ما لم يُؤتَ أحد
قبلهم، وكانوا في عامة أحوالهم طُلْقَ الوُجوه، مُستبشرين، إنما يطرأ عليهم "
الخوفُ والبكاء إذا أظلم عليهم الليلُ، وإذا خَلَوْا بربِّهم .
وكان ◌َُّ كثيرَ التبسُّم، يمزحُ ولا يقول إلا حقاً، قال جرير: ما رآني
النبيُّ وَّةٍ إِلا تَبَسَّم، وكان عمر ◌َُه مع ما أوتي من الشِّدَّة في الدِّين لا يُعجبه
إلا كُلُّ طَلْق الوجه بَسَّامِ، رُوي عنه: أنه نظر إلى رجل يمشي يُطأطِئء رأسَه،
وقال: ارفع رأسك؛ فإن الإسلامَ لیس بمَریضٍ .
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٦١٢).
(٢) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٠٥٥)، ورواه موصولاً (٨٠٥٦)، من حديث
أبي هريرة ظه، وهو حديث ضعيف جدًا. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٧٠٠).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٥٣٣٣)، من حديث أبي هريرة ◌َله، بنحوه،
وهو حديث حسن لغيره. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٢٦٦١).
٥٣٦

وكان عليٌّ ◌َُّه بلغ من حُسن الخلق وطلاقة الوجه إلى حَدٍّ عابه
الجاهلون، فقالوا: هو دَعِبٌ لَعِبٌ، وقالوا: هو تِلْعَابٌ، وذلك بطِيب أخلاقه،
وكذلك أولاده الطاهرون.
وكان ابن عباس ا يمزح، ويُفْرِطُ فيه، وهو خير الأمة، وتَرَجُمَان
القرآن.
وروي: أن عائشة رضي الله عنها نظرت إلى رجل من القُرّاء، فرأت
ما به من النَّحافة، فقالت: ما هذا؟ قالوا: هو رجل من القُرَّاء، فقالت: كان
عُمَرُ سيدَ القُرَّاء، وكان إذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وإذا قال أسمع(١).
وقال سعيدُ بن عبد الرحمن: يعجبني من القُرَّاء كلُّ سَهْلٍ طَلْقٍ
مِضْحَاكِ، فأما من تَلْقَاه ببِشْرٍ ويلقاك بعُبوس، يَمُنُّ عليك بعمله؛ فلا كَثَّر الله
في المسلمين مثلَه(٢).
١٢٢ - السادسُ: عن أبي هريرةَ ◌َ﴿ه قال: قال رَسُولُ الله ◌ِلِ:
(كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ ◌َوْمٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ: تَعْدِلُ
بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ
عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صدقةٌ، والكلِمَةِ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خَطْوَةٍ تَمْشِيها
إلى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وتُميطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ)) متفق عليه.
(١) أورده ابن الأثير في ((النهاية في غريب الحديث)) (٣/ ٣٧٠)، وقال الحافظ الزيلعي
في ((تخريج أحاديث الكشاف)) (٣/ ٧٦): غريب.
(٢) رواه الرافعي في ((التدوين في أخبار قزوين)) (٣/ ٣٣١).
٥٣٧

ورواه مسلمٌ أيضاً من روايةٍ عائشةَ رضي الله عنها، قالتْ:
قال رسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ
وثلاثٍ مِئَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ، وَحَمِدَ اللهَ، وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ
اللهَ، واسْتغفرَ اللهَ، وعزَلَ حَجَراً عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً أَوْ
عَظْماً عن طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نهى عَنْ مُنْكَرٍ، عَدَدَ
السِّقِينَ وَالثَّلاثِ مِئَةٍ [السُّلَامَى]، فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ
نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ».
rar/١١٧٤٨
* قوله يقر: ((كل سلامى من الناس عليه صدقة»:
(ن): المراد: صدقة نَذْب وترغيب، لا إيجاب وإلزام(١).
(ط): قال المالكيُّ: حَقُّ الراجع إلى (كل) المضاف إلى نكرة أن
يجيء على وَفْقِ المضاف إليه؛ كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل
عمران: ١٨٥]، و﴿إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، وقد يجيء على وَفق
(كل)؛ كما في الحديث، فَذكَّر الضميرَ موافَقةً لـ (كل).
وقوله: ((كل يوم)) استئناف؛ فإنه لمَّا قيل: على كل سُلامى صَدقةٌ
تَوجَّهَ؛ لسائل أن يسأل: مَنْ يقدر على هذا، وبأيِّ شيء يتصدق؟ قيل:
((كل يوم ... )) إلى آخره.
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩٥).
٥٣٨

قوله: ((يعدل بين الخصمين))؛ أي: يدفع ظلم الظالم، مبتدأ [خبره]
((صدقة)) على تأويل: أن يعدل، فحذف (أن) فارتفع الفعل؛ كما في قوله
تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ يُرِيِكُمُ الْبَّقَ﴾ [الروم: ٢٤]، وينصرُه عطفُ ((والكلمة
الطيبة)) عليه، وكلٌّ من هذه الجمل أخبارٌ لقوله: ((تطلع فيه الشمس))
والرَّواجعُ من الأخبار محذوفة؛ أي: يعدل فيه، مثلاً(١).
(ن): ((يعدل بين الاثنين))؛ أي: يُصْلِحُ بينهما بالعدل(٢).
(ق): الضمير في ((فإنه)) ضمير الأمر والشَّأن(٣).
(ن): ((يمشي)) بفتح الياء والشين المعجمة، وفي بعض الروايات:
بضمها وبالسين المهملة، وكلاهما صحيح، و((زحزح))؛ أي: باعد (٤).
١٢٣ - السابعُ: عنه، عن النبيِّنَ ◌ِّ قال: ((مَنْ غَدَا إلى المَسْجِدِ
أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللهُلَهُ في الجَنَِّ نُزُلاَ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ) متفق عليه.
((التُّزُلُ)): القُوتُ والرِّزْقُ، وَمَا يُهَيَّأُ للضَّيْفِ.
[الشّا
(ق): أصل ((غدا)): خرج بغَدْوٍ؛ أي: مبكراً، و((راح)): رجع بعَشِيٍّ،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٤٥).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩٥).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٥٣).
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ٩٣).
٥٣٩

ثم قد يستعملان في الخروج والرجوع مطلقاً؛ تَوسُّعاً، وهذا الحديث يصلح
أن يُحمل على الأصل، وعلى المُتوسّع [به]، و((أعد)): هيأ(١).
(ط): المعنى: كُلَّما استمرَّ غُدُوُه ورَواحُه؛ استمر إعداد نُزُله في
الجنة، فالغُدوُ والرَّواحُ في الحديث كالبُكْرة والعَشِيِّ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ
رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [ مريم: ٢٢] يراد بهما الدَّيمومةُ لا الوقتان المعلومان (٢).
(مظ): من عادة الناس أن يُقدِّموا طعاماً إلى من دخل بُيُوتَهم، والمسجد
بيت الله، فمَنْ دخله أيَّ وقت كان من ليل أو نهار؛ يعطيه الله أجرَه من الجنة؛
لأن الله تعالى أكرمُ الأكرمين، فلا يُضِيعُ أجرَ المُحسنين(٣).
(ك): وفي بعض الروايات: ((وراح)) بالواو، والفرق بين الروايتين:
أن على رواية الواو لا بدَّ من الأمرين حتى يُعَدَّ له النُّزُل، وعلى ((أو)» يكفي
أحدُهما في الإعداد (٤).
١٢٤ - الثامنُ: عنه، قال: قالَ رسولُ اللهِوَافِ: ((يَا نِسَاءَ
المُسْلِمَاتِ! لا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ) متفق عليه.
قال الجوهري: الفِرْسِنُ مِنَ البَعِيرِ: كالحافِرِ مِنَ الدَّاتَّةِ،
قال: ورُبَّما اسْتُعِيرَ في الشَّاةِ.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٢٩٤).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٩٣١).
(٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٦٤).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٥/ ٤٨).
٥٤٠

قوله {ل : ((يا نساء المسلمات)):
[التَّافِ)]
(ن): ذكر القاضي فيه ثلاثة أوجه :
أَصخُّها وأشهرها: نصبُ (النساء) وجر (المسلمات) على الإضافة،
وهو من باب إضافة المَوصوف إلى صفته، والأَعمِّ إلى الأَخصِّ؛ كـ (مسجد
الجامع)، و(جانب الغربيٍّ)، و(دار الآخرة)، وهو عند الكوفيين جائزٌ على
ظاهره، والبَصرِيُّونَ يُقدِّرون فيه محذوفاً؛ أي: مسجد المكان الجامع،
وجانب المكان الغربي، ودار الحياة الآخرة، ويُقدَّر هاهنا: يا نساء الأَنْفُس
المُسلمات، أو الجماعات [المسلمات]، وقيل: تقديره: یا فاضلات
المُسلمات؛ كما يقال: هؤلاء رجال القوم؛ أي: ساداتُهم وأفاضلُهم.
الوجه الثاني: رفع (النساء) ورفع (المسلمات) أيضاً على معنى النِّداء
والصِّفة؛ أي: يا أَيُّها النساءُ المسلماتُ.
الوجهُ الثالث: رفع (النساء) وكسر التاء من (المسلمات) على أنه
منصوبٌ على الصِّفةِ على الموضع؛ كما يقال: يا زيدُ العاقلَ، برفع (زيد)
ونصب (العاقل)(١).
(ط): خُصَّ النهيُ في ((لا تحقرن)) بالنساء؛ لأنهن موضع الشَّنآن
والمحبة(٢).
(ك): ((لجارتها)) متعلق بمحذوف؛ أي: لا تَحْقِرَنَّ جارة هديةً مُهداةً
لجارتها، بالغ فيه حتى ذكر أحقرَ الأشياء من أبغض البغيضتين إذا حُمِلَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٢٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٤٤).
٥٤١

الجارةُ على الضَّرَّةِ(١).
(ن): ((الفرسن)) بكسر الفاء والسين، هو الظَّلْفُ، قالوا: وأصله في
الإبل، وهو فيها مثل القدم في الإنسان، ويطلق على الغنم استعارةً، وهذا
النهيُ عن الاحتقار نهيٌّ للمُعطية المُهدية، ومعناه: لا تمتنع جارة من الصدقة
والهدية لجارتها؛ لاستقلالها واحتقارها الموجودَ عندها، بل تَجُودُ بما
تيسّر وإن كان قليلاً كِفِرْسنِ شاة؛ فهو خَيرٌ من العَدَم، وقد قال تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَايَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]، وقال ◌َِّ: ((اتَّقوا النارَ
ولَوْ بِشِقِّ تمَرةٍ)»(٢).
قال القاضي: هذا هو الظاهر، قال: ويحتمل أن يكون نهياً للمُعطاة
عن الاحتقار، فيكونَ المُهدَى مأموراً بقَبول ذلك المُحتقَر، والمُكافأةِ علیه،
ولو بالشُّكر؛ فإنه وإن كان مُحتقراً دليلٌ على تَعلُّق قلب المُهدي بجاره(٣).
(تو): هذا اختصار؛ لمعرفة المُخاطَبين بالمراد منه؛ أي: تهادوا،
والفِرْسنُ وإن كان ممَّا لا ينتفع به؛ استعمل هاهنا للمُبالغة، ومنه قوله وَلّه :
((مَنْ بنى مَسْجِداً ولَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ»(٤)، ومقدار المَفْحَص لا يمكن أن
يتخذ مسجداً، وإنما هو للمبالغة.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١١ / ١١٠).
(٢) رواه البخاري (١٣٥١)، من حديث عدي بن حاتم رُه .
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١١٩).
(٤) رواه ابن ماجه (٧٣٨) من حديث جابر ظه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)» (٦١٢٨).
٥٤٢

(ط): ويمكن أن يقال: إنه من النهي عن الشيء، والأمر بضدِّه،
وهو كِنايةٌ عن التَّحَابٌ والتَّوَادِّ، كأنه قيل: لتُحابَ جارةٌ جارتَها بإرسال
هدية ولو كانت حقيرةً، ويتساوى فيه الغنيُّ والفقير(١).
١٢٥ - التاسعُ: عنه، عن النبيِّ وَّ﴿ِ قال: ((الإيمَانُ بِضْعٌ
وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُونَ - شُعَبْةَ: فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ،
وَأَدْنَهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)) متفقٌ
عليه .
((البِضْعُ)) من ثلاثةٍ إلى تسعةٍ، بكسر الباء، وقد تَفْتَحُ.
((وَالشُّعْبَةُ)): القطْعة.
(ن): البِضْعُ والبِضْعَةُ: بكسر الباء وفتحها: ما بين الثلاث والعشرة،
وقيل: من ثلاث إلى تسع، وقيل: ما بين اثنين إلى عشرة، وما بين اثني عشر
إلى عشرين، ولا يقال في اثني عشر.
قلت: وهذا القولُ هو الأَشْهِرُ الأَظْهرُ، وأما الشُّعْبةُ: فهي القطعة من
الشيء، فمعنى الحديث: بِضْعٌ وسبعون خَصْلةً.
قال القاضي: وقد تقدم أن أصل الإيمان في اللغة: التصديقُ، وفي الشرع:
تصديق القلب واللِّسان، وظواهرُ الشرع تُطْلِقُه على الأعمال؛ كما وقع هاهنا،
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥/ ١٥٤٤).
٥٤٣

وقد قدمنا أن كمالَ الإيمان بالأعمال وتمامَه بالطاعات، وضَمُّ هذه الشُّعَب من
جملة التصديق، ودلائلُ عليه، وأنها [خُلُق] أهل التصديق(١)، فليست خارجةً
عن اسم الإيمان الشرعي ولا اللغوي، وقد نبه ◌َّه أن أفضلَها التوحيدُ الذي
لا يصح شيء من الشُّعَب إلا بعد صِخَّته، وأدناها ما يُتوقَّع ضَرَرُهُ بالمسلمين؛
من إماطة الأذى عن طريقهم، وبين هذين الطرفين أعداد لو تكلّف المجتهد
تحصيلَها بغلبة الظَّنِّ وشدة التتبع لأمكنه، وقد فعل ذلك بعضُ مَن تَقَدَّم، وفي
الحكم بأن ذلك مرادُ النبيِّ نَّهِ صُعوبةٌ، ثم إنه لا يلزم معرفةُ أعيانها،
ولا يقدَحُ جهلُ ذلك في الإيمان؛ إذ أصول الإيمان وفروعُه معلومةٌ مُحَقَّقةٌ،
والإيمان بأنها هذا العددُ واجبٌ في الجملة، هذا كلام القاضي.
وقال الحافظ أبو حاتم بن حِبَّان - بكسر الحاء -: تتبعت معنى الحديث
مُدَّةً، وعَدَدْتُ الطَّاعاتِ؛ فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئاً كثيراً، فرجعت
إلى السُّنن فعددت كل طاعة عدها رسولُ الله ◌َّ من الإيمان؛ فإذا هي تنقص
عن البِضْعِ والسبعين، فضممت الكتاب إلى السُّنن، وأسقطت المُعاد؛ فإذا
كلُّ شيءٍ عَدَّهُ الله رَكَ ونِيُّهَ وَِّ من الإيمان تسع وسبعون شُعبةً لا تزيد عليها
ولا تنقص، فعلمت أن مُرادَ النبيِّ وَِّ [أن هذا العدد] في الكِتاب والسُّنن(٢).
(ق): الصَّحِيحُ ما صار إليه أبو سليمان الخَطَّبيُّ وغيره: أنها منحصرةٌ
في علم الله وعلم رسوله وٍَّ، موجودةٌ في الشريعة مُفصّلةٌ فيها، غير أن الشرع
(١) في الأصل: ((وأما أصل التصديق)).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ٤)، وما بين معكوفتين منه، وعبارة ابن حبان
في ((صحيحه)) (١ / ٣٨٧): ((فعلمت أن مراد النبي ◌َّ كان في الخبر أن الإيمان
بضع وسبعون شعبة في الكتاب والسنن)) .
٥٤٤

لم يُؤْقِفْنا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عَیَّن لنا عددها، وذلك لا يضرُّنا
في علمنا بتفاصيل ما كُلِّفنا به من شريعتنا، ولا في عملنا؛ إذ كلُّ ذلك مُفَصَّلٌ
مُبَيَّنٌ في جملة الشريعة، فما أُمرنا به ائتمرنا، وما نُهينا عنه انتهينا، وإن لم
نُحِطْ بحصر أعداد ذلك(١).
(قض): ((بضع وسبعون)) يحتمل أن يراد به التكثير دون العدد؛ كما
في قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً ﴾ [التوبة: ٨٠]، واستعمال لفظة
السبعة والسبعين للتكثير كثيرٌ؛ وذلك لاشتمال السبعة على جملة أقسام
العدد؛ فإنه ينقسم إلى زوج وفرد، وكلٌّ منهما إلى أَوَّل ومُركَّب، والفرد
الأول ثلاثة، والمُركَّبُ خمسة، والزوج الأول اثنان، والمركب أربعة،
وتنقسم أيضاً إلى مُنْطَقٍ كالأربعة، وأَصمَّ كالستة، والسَّبعةُ مشتملة على
جميع هذه الأقسام، ثم إن أُريد مبالغةٌ جُعلت آحادُها أعشاراً.
ويحتمل أن يكون المرادُ تعدادَ الخِصال وحصرَها، فيقال: إن شعب
الإيمان وإن كانت متعددة متبددة، إلا أن حاصلَها يرجع إلى أصل واحد،
وهو تكميل النفس على وجه يصلح به معاشُه ويحسُن مَعادُه، وذلك بأن
يعتقد الحقَّ، ويستقيمَ في العمل، وإليه أشار صلوات الله عليه حيث قال
السُفيانَ حين سأله قولاً جامعاً: ((قُلْ: آمنتُ باللهِ، ثُمَّ استَقِمْ))(٢).
وفنونُ اعتقاد الحق تنشعب ستة عشر [شعبة]: طلب العلم، ومعرفة
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٢١٧).
(٢) رواه الإمام أحمد في («المسند» (٣/ ٤١٣)، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)) (٤٣٩٥).
٥٤٥

الصانع، وتنزيهُه عن النقائص، وما يتداعى إليها، والإيمانُ بصفات الإكرام
مثل الحياة والعلم والقدرة، والإقرار بالوحدانية، والاعتراف بأن ما عداه صُنْعُه
لا يوجد ولا يعدم إلا بقضائه وقدره، والإيمان بملائكته المُطهَّرة عن الرِّجس
المُعتكفين في حظائر القُدُس، وتصديق رسله المُؤَيَّدين بالآيات في دعوى
النبوة، وحسن الاعتقاد فيهم، والعلم بحُدوث العالَم، واعتقاد فنائه على ما ورد
به التنزيل، والجزم بالنَّشْأَة الثانية وإعادةِ الأرواح إلى الأجساد، والإقرار باليوم
الآخِرِ؛ أعني: بما فيه من الصِّراط والحساب وموازنة الأعمال وسائِر ما تواتر
عن الرسول ◌َّه والوثوق على وعد الجنة وثوابها، واليقينُ بوَعيد النار وعقابها.
وفَنُّ العمل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يتعلق بالمرء نفسه، وهو ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: ما يتعلق بالباطن، وحاصلُه تزكيةُ النفس عن الرَّذائل،
وأُمَّهاتُها عشرة: شَرَهُ الطعام، وشَرَهُ الكلام، وحُتُّ الجاه، وحُبُّ المال،
وحُبُّ الدنيا، والحِقدُ، والحسد، والرِّياء، والعُجْبُ، والغضبُ.
وتَحْلِيةٌ بالكمالات، وأُمَّهاتها ثلاثة عشر: التوبة، والخوف، والرَّجاء،
والزُّهد، والحياءُ، والشكر، والوَفاء، والصبر، والإخلاص، والصدق،
والمحبة، والتوكل، والرضا بالقضاء.
وثانيهما: ما يتعلق بالظاهر، وهو قسمان :
أحدهما: ما يتعلق بالله، ويسمى العبادات، وشُعبُها ثلاث عشرة:
طهارة البدن عن الحَدَثِ والخَبَث، وإقامةُ الصلاة، وإيتاء الزكاة، والقيامُ بأمر
الجَنائز، وصيامُ رمضان، والاعتكاف، وقراءةُ القرآن، وحَجُّ البيت،
والعُمرة، وذبح الضَّحايا، والوَفاء بالنَّذْر، وتعظيم الإيمان، وأداء الكَفَّارات.
٥٤٦