Indexed OCR Text

Pages 581-600

رسولِ اللهِ وَ﴿ِ، فَآتِيهِ بِوَضوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ: ((سَلْني))، فَقُلْت:
أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِ الجَنَّةِ، فَقَالَ: ((أَوَ غَيْرَ ذلِكَ؟))، قُلْت: هُوَ
ذَاكَ، قال: ((فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» رواه مسلم.
(الثَّانِيَ() ◌َعَنْشَ)
* قوله: ((أسأل مرافقتك)) كان ربيعة به قد خالط قلبه محبةُ النبي ◌َِّ،
وصارت ربيعَ قلبه، واستأنس بقُربه ومُرافقته في الدنيا؛ إذ كان طُولَ نهاره في
خدمة النبي ێ، وکان یبیتُ معه بالليل، ويأتيه بوَضُوئهِ وحاجته، فلمَّا سئل
عن أُمنيته، وقيل له: سَلْ تُعْطَ؛ لم يكن في قلبه سوى طلبٍ استدامة ما هو فيه
من النَّعيم؛ إذ لقاءُ المحبوب غايةٌ أُمنية المُحِبِّ؛ كما قيل:
بتاجٍ كِسْرى مَلِكِ المَشرقِ
والله لَوْ أَنَّك تَوَّجتني
أموالَ مَنْ بادَ ومَنْ قد بَقِي
ولَوْ بأَمَوالِ الوَرَى جُدْتَ لي
أَحْبَيتُ يا مَولايَ أَنْ نَتَقِي
وقلت لي لا نلتقي ساعةً
فقال: ((أسألك مرافقتك في الجنة))؛ إذ علم أن اجتماعَ الدنيا مرجعُه
إلى الفِراق، فامتُحن مرةً ثانية، وقيل له: ((أو غير ذلك))، فقال: لا ((هو
ذاك))، فقال: لا مطمعَ في ذاك بالهُوَينا والتمنِّي، ولا بدَّ لطالب معالي
الأُمور منَ الاجتهاد والتَّعِنِّي؛ فبكثرة السجود أعِنِّي(٢).
(١) في الأصل: ((الحادي))، ولعله سقط من الأصل شرح الحديث الحادي عشر،
والله أعلم.
(٢) في الأصل: ((وأغنى)).
٤٨٧

وقيل:
بغَيرِ اجتهادٍ رَجَوْتَ المُحَالا
وقلْ لمُرجِّي مَعَالِي الأُموز
وفيه: بيانُ مكانته ◌َّهِ عند رَبِّه، وتمكينه من التصرُّف في عالم المُلْك
والمَلَكُوت بإذنه تعالى؛ إذ عادة عُظماء الدنيا إذا تمكَّن أحدُهم في مِصْرٍ،
وظَنَّ اقتدارَه على ما يُقترَحُ منه، أن يقولَ أحدُهم: سَلْ حاجتَك.
وفيه: أن رحمة الله سبحانه وإن وَسِعت كلَّ شيء؛ لا بُدَّلها من مَحَلِّ
قابل: ﴿وَمَنْ تَزَّكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَّكَّى لِنَفْسِهِ، ﴾ [فاطر: ١٨].
* قوله : ((أو غير ذلك)):
(ن): هو بفتح الواو(١).
(ق): رويناه: بإسكان الواو من (أو) ونصب (غير)؛ أي: أو سَلْ،
غيرَ ذلك، كأنه حَضَّه على شيء آخر غيرِ مُرافقته؛ لأنه فهم منه أنه يطلب
معه المُساواةَ معه في درجته، وذلك ما لا ينبغي لغيره، فلمّا قال الرجل :
هو ذاك؛ قال له: ((أعني على نفسك بكثرة السجود))؛ أي: الصلاةِ؛ ليزداد
من القُرب ورِفْعةِ الدَّرجات حتى يَقرُبَ من منزله وإن لم يُساوه،
ولا يُعترض على هذا بقوله وَّهِ: ((ألا رجلٌ يأتيني بخبرِ القَومِ جعلَهُ اللهُ مَعِيَ
يومَ القِيَامَةِ؟))(٢)؛ لأن هذا مثلُ قوله: ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [مريم: ٥٨]،
فإن هذه المَعِيَّةَ النجاةُ من النار والفوز بالجنة، إلا أن أهل الجنة على
مراتبهم ومنازلهم بحسب أعمالهم وأحوالهم، وقد دل على هذا قولُهُ وَّه :
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢٠٦).
(٢) رواه مسلم (١٧٨٨ / ٩٩)، من حديث حذيفة نظـ
٤٨٨

((المَرْءُ معَ مَنْ أَحبَّ، ولَهُ ما اكتسبَ))(١).
· قوله: ((بكثرة السجود)) :
(ن): المراد به السجود في الصلاة، وفيه دليلٌ لمن يقول: كثرة
السجود أفضل من إطالة القيام، وسببُ الحَثِّ عليه قولُه في الحديث:
(أَقْربُ ما يَكونُ العَبدُ من رَبِّهِ وهوَ سَاجِدٌ))(٢)، وهو مُوافقٌ لقول الله تعالى:
﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتِبِ﴾ [العلق: ١٩]؛ لأن السجودَ غاية التواضع والعُبودية لله،
وفيه: تمكينُ أَعزِّ أعضاء الإنسان وأعلاها، - وهو وجهُه ـ من التراب الذي
يُدَاسُ ويُمتَهنُ(٣) .
(ط): روي بسكون الواو وفتحها، فالواوُ عاطفةٌ تقتضي معطوفاً عليه،
وهمزةُ الاستفهام تستدعي فعلاً، فالمعنى على الأول: سَلْ غير ذلك، فأجاب:
((هو ذاك))؛ أي: مسؤولي ذاك لا أنثني عنه، وعلى الثاني: أتسأل هذا وهو
شَاقٌ، وتترك ما هو أهون؟ فأجاب: مسؤولي ذاك لا أتجاوزُ عنه.
أتى رسول الله * بلفظ ((ذلك)) للمشار إليه البعيد؛ لينتهي السائلُ
عنه؛ امتحاناً منه، فلمَّا أجاب بقوله: ((ذاك)) الذي للمشار إليه المتوسط،
وعلم ◌َّ أنه مُصمِّمٌ على عَزْمه غَيرُ مستبعِدٍ ذاك؛ أجاب بقوله: ((أعِنِّي)).
وفيه: أنه لا مطمعَ في ذلك إلا بحُصول الزُّلفى عند الله في الدُّنيا
بكثرة السجود المُومَأ إليه بقوله: ﴿وَأَسْجُدْ وَأَقْتَبِ﴾ [العلق: ١٩]؛ فإن في كُلِّ
(١) رواه الترمذي (٢٣٨٦)، من حديث أنس ﴿ه، وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)» (٥٩٢٣).
(٢) رواه مسلم (٤٨٢ / ٢١٥)، من حديث أبي هريرة
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢٠٦).
٤٨٩

سجدة رفعَ [درجة]، فلا يزال العبد يترقَّى بالمُداومة على السُّجود درجةً
درجةً، حتى يفوزَ بالقِدْحِ المُعلَّى من القُرب، فينال به مُرافقةَ النبيِّ لَّى.
انظر أيها المتأمِّلُ في هذه الشَّريطة، وارتباط القرينتين؛ لتقف على
سِرِّ دقيق؛ فإن من أراد مرافقةَ النبي وَلِّ لا يناله إلا بالقُرب من الله تعالى،
ومَنْ رامَ قُربَ الله لم ينله إلا بقُرب حبيب الله، قال تعالى: ﴿قُلّ إِن كُنْتُمْ
تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبَّكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: ٣١]، أوقع متابعةَ الرسول بين
المَحبَّتين؛ وذلك لأن محبةَ العبد مَنُوطةٌ بمتابعته، ومحبة الله العبدَ متوقفة
على متابعته وَ ﴿، فلَوَّح بقوله: ((أعنِّي على نفسك)) إلى أن نفسهُ بمثابة
العَدُوِّ المُناوى، فاستعان بالسَّائل على قهر النفس وكَسْرِ شهواتها
بالمجاهدة والمواظبة على الصلوات، والاستعانة منه بكثرة السجود؛
حَسْماً للطمع الفارغ من العمل، والاتِّكال على مجرد التمنِّي، وأُنشد:
جَهْدَ النُّفُوسِ وأَلْقَوْا دُونَهُ الأُزُرَا
دَبَيْتَ للمَجْدِ والسَّاعُونَ قد بَلَغُوا
لن تبلغَ المَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا
لا تَحْسَبِ المَجْدَ تَمْراً أَنتَ آكلُهُ
انتھی(١).
وروى الطبراني في ((المعجم الكبير)) هذا الحديث، ولفظه: قال ربيعة:
كنت أخدُم النبيَّ وَّ نهاري، فإذا كان الليل آويت إلى باب رسول الله وَ ◌ّه فِبتُ
عنده، فلا أزالُ أسمعه يقول: ((سُبْحَانَ اللهِ، سُبْحانَ اللهِ، سُبْحانَ رَبِّي)) حتى
أَمَلَّ، أو تغلبَتي عيناي فأنام، فقال يوماً: ((يا رَبِيعةُ؛ سَلْنِي فَأُعْطِيَكَ))، فقلت:
أنظرني حتى أنظر، وتأمَّلتُ أن الدُّنيا فانية منقطعة، فقلت: يا رسولَ الله؛
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ١٠٢٥).
٤٩٠

أسألك أن تدعوَ الله أن يُنجيتي من النار، ويدخلَني الجنةَ، فسكت رسولُ اللهِ،
ثم قال: ((مَنْ أَمَرَكَ بهذا؟)) قلت: ما أمرني به أَحدٌ، ولكني علمتُ أن الدنيا
مُنقطعة فانيةٌ، وأنت منَ الله بالمكان الذي أنت منه، فأحببتُ أن تدعوَ الله لي،
قال: ((إنِّي فَاعِلٌ؛ فَأَعِنِّي على نَفْسِكَ بِكَثْرةِ السُّجُودِ)(١).
١٠٧ - الثالثَ عشرَ: عن أبي عبدِالله - وَيُقَال: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ -
ثَوْيَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﴿ِ، قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِوَه يقولُ:
((عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ للهِ سَجْدَةً إلاَّ رَفَعَكَ اللهُ بِهَا
دَرَجَةٌ، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً)) رواه مسلم.
(الثّالث عشر)
* قوله: ((عليك بكثرة السجود)) :
(ن): فيه دليلٌ لمن يقول: السجود أفضل من القيام وسائرِ أركان
الصلاة، وفي هذه المسألة مذاهب:
أحدها: أن تطويلَ السُّجود وتكثيرَ الرُّكوع والسُّجود أفضل، حكاه
الترمذيُّ والبَغَويُّ عن جماعة منهم ابنُ عمر(٢).
ثانيها: أن تطويل القيام أفضل، وإليه ذهب الشافعيُّ؛ لقوله امّه:
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٤٥٧٦)، وهو حديث صحيح لغيره. انظر:
((صحيح الترغيب والترهيب)» (٣٨٨).
(٢) انظر: ((سنن الترمذي)) (٢/ ٢٣٢)، و((شرح السنة)) للبغوي (٣ / ١٥١).
٤٩١

((أَفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القُنوتِ))، أخرجه مسلم (١).
ولأن ذكرَ القيام القراءةُ، وذكرَ السجود التسبيحُ، والقراءةُ أفضل،
ولأن المنقولَ عنه ◌َِّ: أنه كان يُطوِّل القيامَ أكثرَ من الركوع والسجود.
ثالثها : أنهما سواء.
وتوقَّف ابن حنبل، ولم يقض فيها بشيء، وقال إسحاقُ بن راهويه:
أما في النهار فتكثيرُ السجود أفضل؛ لأنه يقرأ جُزْءَه، ويربحُ كثرةَ الركوع
والسجود.
قال الترمذي: وإنما قال إسحاقُ هذا؛ لأنهم وصفوا صلاةَ النبيِّ لَلـ
بالليل بطول القيام، ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وُصِفَ بالليل(٢).
(ق): ويحتمل أن يقال: إن ذلك راجعٌ إلى حال المُصلِّي، فرُبَّ
مُصلِّ يحصل له في حال القيام من الخُضور والتدبُّر والخُشوع ما لا يَحصُل
له في السجود، ورُبَّ مصلٍّ يحصل له في السجود من ذلك ما لا يحصل له
في القيام، فيكون الأفضلُ في حَقِّه الحالَ الذي حصل له فيها ذلك المعنى
الذي هو رُوح الصلاة(٣).
١٠٨ - الرابعَ عشرَ: عن أبي صَفْوَانَ عبدِالله بنِ بُسْرِ الأَسْلَمِيِّ.
قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ
(١) رواه مسلم (٧٥٦/ ١٦٤)، من حديث جابر ـ
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٤ / ٢٠٠).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٩٣).
٤٩٢

عَمَلُهُ)) رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ.
(بُسْر)): بضم الباءِ وبالسين المهملة.
الزَّزتُ عَشِ)
٧٤ سر ٧
٤٧٠
* قوله قال: ((من طال عمره وحسن عمله)) :
(ط): الأوقاتُ والساعات كرأس المال للتاجر، فينبغي أن يَتَّجر فيما
يربح فيه، وكُلَّما كان رأس المال [كثيراً] كان الرِّيحُ أكثرَ، فمَنْ مضى لِطَيِّبِهِ
فاز وأفلح، ومن أضاع رأسَ ماله لم يربح، وخسر خُسراناً مبيناً، انتهى(١).
اعلم أن كل نفَس من أنفاس الإنسان جوهرٌ لا قيمةَ له، يمكنُ أن
يُقتنصَ به سعادةُ الأبد، فالمُوفَّق الذي عرف قَدْرَ أنفاسه وصرفها فيما خُلِقَ
له؛ يُرجى له في أنفاس معدودة نيلُ درجات الصِّدِّيقين التي هي أعلى من
درجة الشهداء .
ويشهد لهذا ما رواه أبو داود والنسائيُّ عن خالد بن عُبيد: أن النبيَّ ◌َاهـ
آخى بين رَجُلين، فقُتل أحدُهما في سبيل الله، ثم مات الآخر بعده بجمعة أو
نحوِها، فصلَّوا عليه، فقال النبيُّ ◌َّمَ: ((ما قُلْتُم؟» قالوا: دعونا اللهَ أن يغفرَ له
ويرحمَه ويُلحقَه بصاحبه، فقال النبيُّ ◌َّ: «فأينَ صلاتُهُ بعدَ صلاتهِ، وعملُه بعدَ
عملهِ، أو قال: صيامُه بعدَ صيامهِ، لَمَا بَيْنَهُما أَبعدُ مِمَّا بينَ السَّماءِ والأَرض)) (٢).
وروى أحمدُ في ((المسند)) عن عبدالله بن شَدَّاد: أن نفراً من بني عُذْرة
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠/ ٣٣٢٨).
(٢) رواه أبو داود (٢٥٢٤)، والنسائي (١٩٨٥)، وفيهما: عبيد بن خالد السلمي، وهو
حديث صحيح. انظر: ((صحيح أبي داود)) (٢٢٧٨).
٤٩٣

ثلاثةً أتوا النبيَّ نَّهِ، فأسلموا، قال: فقال رسول الله وَّهِ: (مَنْ يَكْفِنِيهِمْ؟))
قال طلحةُ: أنا، وكانوا عنده، فبعث النبيُّ ◌َّهِ بَعْثاً، فخرج فيه أحدُهم
فاسْتُشْهِدَ، ثم بعث بعثاً فخرج فيه الآخرُ فاسْتُشْهِدَ، ثم مات الثالث على
فراشه، قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثةَ في الجَنَّةِ، ورأيت المَيِّتَ على
فراشه أمامَهم، والذي استشهد آخِراً يليه، وأوَّلَهم يليه، فدخلني من ذلك،
فذكرتُ للنبيِّوَِّ ذلك، فقال: ((ومَا أَنْكَرْتَ من ذلك؟ ليسَ أحدٌ أَفضلَ عند
الله مِنْ مُؤمنٍ يُعَمَّرُ في الإسلامِ؛ لِتَسْبِيحِهِ وتَكْبِيرِهِ وتَهْلِيلِهِ)(١).
وفي رواية لأحمد(٢): فاستشهد أحدُهما، وأُخِّر الآخرُ سنةً، قال
طلحة: فرأيت المُؤخَّرَ منهما أُدخل الجنةَ قبل الشهيد، فتعجبتُ لذلك،
فأصبحتُ، فذكرت ذلك للنبيِّ وَّه فقال: ((أليسَ قد صامَ بعدَه رمضانَ،
وصلَّى ستةَ آلاف ركعةٍ، أو كذا كذا ركعةً صلاةَ سَنَةٍ»(٣).
قال الحافظُ المُنذريُّ: إسنادُه حَسنٌ، ورواه ابن ماجَهْ، وابنُ حِبَّان
في (صحيحه))، والبيهقيُّ(٤).
قال الإمام الغزالي: طول عُمُر العبد في طاعة الله وسلوك سبيله
فضيلةٌ، بل لسالك سبيل الله بطريق الفكر والمشاهدة والتَّرقِّ في درجات
المعارف في كل لحظة رتبةُ شهيد وشُهداءَ، ولولا هذا، لكان رتبةُ صبيٍّ
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ١٦٣).
(٢) في الأصل: ((أحمد)).
(٣) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٢/ ٣٣٣)، من حديث طلحة بن عبيدالله حظه، وهو
حديث حسن صحيح. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (٣٧٢).
(٤) انظر: ((الترغيب والترهيب)) للمنذري (١ / ١٤٩)، عقب الحديث رقم (٥٤٨).
٤٩٤

يُقتل أو مجنون يفترسهُ سَبُعٌ أعلى من رتبة نبيٍّ ووليٍّ يموت حَتْفَ أنفه،
وهو مُحالٌ، فلا ينبغي أن يُظنَّ هذا، بل أفضل السَّعادات طولُ العمر في
طاعة الله، انتهى(١).
فظهر أن كل نفَسٍ يصرفُه العبد في العبادات غنيمةٌ، فكيف بساعة،
ويوم، وأُسبوع، وشهر، وسنة؟! وكان بعضُ السَّلَف إذا جاءه خبرُ موت أحد؛
يَسترجِعُ ويقوم ويصلِّي ركعتين، ويقول: الحمدُ لله الذي رَزَقَنِيها بعدَهُ.
فإن قيل: فكُلُّ من طال عُمُره وحَسُنَ عملُه خَيرٌ مِمَّن لم يَظُل عمره،
أم فيه تفصيل؟
يقال: كلُّ ما يراد لأمرٍ؛ فالمَحمودُ منه ما يُفضي إلى المُراد المقصود
منه، وغاية مَقصِد العارفين من طول الحياة العاجلة اقتناصُ سعادة الأبد،
واقتناءُ الباقيات الصالحات؛ ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم، وقُرباً إلى رَبِّهم،
فكلُّ مَن ازداد إيماناً وقُرْباً إلى الله؛ فهو خير، سواءٌ أدركه بعمرٍ طويل أم
قصير، ورُبَّ صِدِّيقٍ صار كاملاً مُكمَّلاً في أيام قلائلَ، بل أحيى الله به قطراً
من أقطار الأرض، وهدى به عالماً من الناس، وصار عمل يوم من أيامه
يوازي عملَ آلاف مِمَّن طال عمره في الإسلام من أَجْلاف الأعراب، وآحاد
الأكراد، وأهل السّواد.
فقوله: ((خير الناس من طال عمره)) كقوله وَلَهُ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُم
لأَهْلِهِ))(٢)، ومعلومٌ أنه لا يصير بذلك خيرَ المسلمين مطلقاً، فكذا الناس
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ١٥٨).
(٢) رواه الترمذي (٣٨٩٥)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وهو حديث صحيح.
انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٣٣١٤).
٤٩٥

هاهنا عامّ مخصوصٌ؛ أي: له رتبة بسبب طول عمره وحُسْنٍ عمله كان
لا ينالها لو مات قبل ذلك، وهو خير ممن كان في درجته، وحَسُنَ عملُه،
ولم يطل عمره حتى يعمل أعمالاً صالحة؛ كما ذكر في الحديث من أعمال
الصَّحابتَّينِ اللَّذَيْن أسلما معاً، واستُشْهِدَ أحدُهما، وبقي الآخر سنة يعمل
أعمالاً صالحةً في صُحبة سيد المرسلين، فلا شَكَّ في فضله بسبب زيادة
عمره وحُسْنٍ عمله، فأما أنه يكون خيراً مِمَّن كان أحسنَ عملاً منه وأرفعَ
درجةً: فلا.
١٠٩ - الخامسَ عشرَ: عن أَنَسٍ ﴿ه قال: غَابَ عَمِّي أَنَسُ بنُ
النَّضْرِ ظُه عن قِتالِ بَدْرٍ، فقال: يا رسولَ الله! غِبْتُ عَن أَوَّلِ قِتَالٍ ،
قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ، لَيُّرِيَنّ الله
مَا أَصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ
أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاءِ - يَعْنِي: أَصْحَابَهُ - وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ
هَؤُلاءِ - يَعْنِي: المُشْرِكِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ،
فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍا الجَنَّةُ وَرَبِّ الكَعْبَةِ، إنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ
دُونِ أُحُدٍ. قال سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يا رَسولَ اللهِ مَا صَنَعَ! قال
أنسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعاً وَثْمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ، أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ
رَمْيَّةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْنَهُ قَدْ قُتِلَ، وَمَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ
إلاَّ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قال أنسٌ: كُنَّا نُرَى - أَوْ نَظُنُّ - أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ
٤٩٦

فيهِ وَفي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ﴾
[الأحزاب: ٢٣] إلى آخرها. متفقٌ عليه.
قوله: ((لَيُرِيَنَّ اللهُ رُوي بضم الياء وكسر الراء؛ أيْ: لَيُظْهِرَنَّ
اللهُ ذَلِكَ للنّاسِ، وَرُوِيَ بفتحهما، ومعناه ظاهرٌ، والله أعلم.
١١٠ - السادسَ عشرَ: عن أبي مسعودٍ عُقْبَةَ بْنِ عمرٍو الأنصاريّ
البدريّ ﴿ه، قال: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةَ كُنَّا نُحَامِلُ عَلَى ظُهُورِنَاَ،
فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرِ، فَقَالُوا: مُراءٍ، وجاءَ رَجُلٌ آخَرُ
فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فقالُوا: إنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صاعِ هَذَا! فَنَزَلَتْ:
﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِ الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ
لَا يَجِدُونَ إِلَّاجُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]. متفقٌ عليه، هذا لفظ البخاري.
((ونُحَامِلُ)) بضم النون، وبالحاءِ المهملة؛ أيْ: يَحْمِلُ أَحَدُنَا
عَلَى ظَهْرِهِ بِالأُجْرَةِ، وَيَتَصَدَّقُ بها.
(الجَّيْعَبْنَةُ، وَالنَّاسِ عَشَرِ)
(ك): ((أول قتال))؛ لأن غزوة بدر هي أول غزوة غزا فيها رسول الله وَيه
بنفسه، وهي في السنة الثانية من الهجرة.
وقوله: ((لئن الله أشهدني))؛ أي: أحضرني، ومثل هذا الشرط لا جوابَ
له لفظاً، وحَذْفُ فعل الشرط فيه من الواجبات.
٤٩٧

و ((ليرين الله): هو جوابُ القسم المُقدَّر(١).
* قوله: ((ليرين الله ما أصنع)): زاد مسلم: ((فهابَ أَنْ يقولَ غيرَها))(٢).
(ق): هذا الكلام تضمَّن أنه ألزم نفسَه إلزاماً مؤكّداً، وهو الإبلاء في
الجهاد، والانتهاضُ فيه، والإبلاغ في بذل ما يَقْدِرُ عليه منه، ولم يُصرِّح
بذلك مَخافةَ ما يتوقع من التقصير في ذلك، وتَبُّؤًا من حوله وقوته، ومع
ذلك نوى بقلبه، وصَمَّم قصدَه؛ ولذلك سَمَّاه عهداً حيث قال: ﴿صَدَقُواْمَا
عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
وقوله: ((واهاً لريح الجنة))؛ أي: عجباً منه، فهي هاهنا تَعُّبُ منه،
وقد تأتي للتَّرخُم والتَّلهُّف(٣).
(ك): ((يوم أحد))؛ أي: قتال أحد، وأُطلق اليوم، وأُرِيدَ الواقعةُ،
فهو إما إضمارٌ، وإما مَجازٌ.
و((انكشف))؛ أي: انهزم، وفيه حُسْنُ العبارة؛ أي: لم يُصرِّح بلفظ
الانهزام على المسلمين.
و((أعتذر))؛ أي: من فِرار المسلمين.
((وأبرأ))؛ أي: من قتال(٤) المشركين.
و ((الجنة)) بالنصب؛ أي: أُريد الجنةَ، وبالرفع؛ أي: هي مَطلُوبي.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٢ / ١٠٨).
(٢) رواه مسلم (١٩٠٣ / ١٤٨)، من حديث أنس مظلته.
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٧٣٨).
(٤) كذا في الأصل، ولعل الأنسب بالسياق: ((من فعل)) كما جاء في ((فتح الباري)) لابن
حجر (٦ / ٢٢).
٤٩٨

و((دون))؛ أي: عند.
((فما استطعت))؛ أي: ما قَدَرَتُ على مثل ما صنع أنسٌ، مع أني شُجاعٌ
كامل القوة .
و((البضع)) بكسر الموحدة، وبعضُ العرب يفتحها، وهو ما بين الثلاث
إلى التسع(١).
(ن): ((أجده دون أحد)) محمول على ظاهره، وأن الله أوجده ريحها
في موضع المعركة، وقد ثبتت الأحاديثُ أن ريحَها توجد من مسيرة خمس
مئة عام(٢).
(ق): ويحتمل أن يكون قاله على معنى التمثيل؛ أي: القتل دون
أُحد مُوجِبٌ لدخول الجنة، ولإدراك ريحها ونعيمها.
* وقوله: ((فقاتلهم حتى قتل)) ظاهره أنه قاتلهم وحده، فيكون فيه
دليلٌ على جواز الاستقبال بل نَذْبِيّهِ(٣).
(نه): مَثَلْتُ بالحيوان أَمثُل به مَثْلاً: إذا قطعتَ أطرافَه وشَوَّهتَ به،
ومثلت بالقتيل: إذا قطعت أنفَه وأُذنه ومذاكيرَه، أو أشياءَ من أطرافه،
والاسم المُثْلَةُ (٤).
* وقوله: ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]:
(ق): أي: وفى بنذره يقال: نَحَبَ يَنْحُبُ: إذا نذر، وقيل: قضى
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٢ / ١٠٨).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٨).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧٣٩/٣).
(٤) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٢٩٤).
٤٩٩

أجلَه على ما عاهد عليه، ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَنْتَظِرٌ﴾ [الأحزاب: ٢٣]؛ أي: الوفاءَ بما
نذر، والموتَ على ما عاهد، ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]؛ أي:
استمروا على ما التزموا، ولم يقع منهم نقْضٌ لِما أبرموا(١).
· وقوله: ((كنا نحامل)):
(نه): أي: نحمل لمَنْ يحمل لنا؛ من المفاعلة، أو من التحامل؛ أي:
كنا نتكلَّفُ الحَمْلَ بالأُجرة لنكسِبَ ما نتصدَّق به، يقال: تحاملت الشَّيءَ:
تكلَّفْتُه على مَشقَّةِ(٢).
(ن): فيه: التحريضُ على الاعتناء بالصدقة، وأنه إذا لم يكن له
مال؛ يَتَوصَّلُ إلى تحصيل ما يتصدق به؛ من حَمْل بالأجرة، أو غيره من
الأسباب المُباحة(٣).
،
١١١ - السابعَ عشرَ: عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيز، عن رَبيعةَ بنِ
يزيدَ، عن أبي إدريسَ الخَوْلاَنِيِّ، عن أبي ذَرَّ جُنْدُبِ بنِ جُنَادَةَعَ﴾،
عن النَّبِّ ◌َ﴿ فيما يَرْوي عَنِ الله تبارك وتعالى: أنه قال: ((يا عِبَادِي!
إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً، فَلاَ تَظَالَمُوا،
يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ؛ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، بَا عِبَادِي!
كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ؛ فَاسْتَطْعِمُوني ◌ُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي!
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧٣٩/٣).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٤٤٣).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٠٥).
٥٠٠

كُلُّكُمْ عَارِ إلَّ مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ
تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ
لَكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُونِي، وَلَنْ تَبَّلَغُوا نَفْعِي
فَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا
عَلَى أَنْقَى قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً،
يَا عِبَادِي! لَوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَنْجَرٍ
قَلْبٍ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي! لَوْ
أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجَنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ،
فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذلِكَ ممّا عندي إلاَّ
كَمَا يَنْقُصُ المِخْبَطُ إذَا أُدْخِلَ البحرَ، يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ
أُخْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ
وَجَدَ غَيْرَ ذلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إلَّ نَفْسَهُ».
قَال سعيدٌ: كان أبو إدريس إذا حَدَّثَ بهذا الحديث جَثَا عَلى
رُکتیه. رواه مسلم.
وروینا عن الإمام أحمد بن حنبلٍ رحمه الله، قال: ليس لأهل
الشام حديثٌ أشرفُ من هذا الحديث.
٧ سروع
١٧
، ٧
,٤ سـ
* قوله تعالى: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي)»:
٥٠١

(قض): الخِطابُ مع الثقلين خاصَّة؛ لاختصاص التكليف، وتعاقبٍ
التقوى والفُجور بهم، ولذلك فَصَّل المخاطبين بالإنس والجن، ويحتمل
أن يكون عامّاً شاملاً لذوي العلم كُلُّهم؛ من الملائكة والثقلين، ويكون
ذكرُ الملائكة مَطْويّاً مُدْرَجاً في قوله: ((وجنكم))؛ لشمول الاجتنان لهم.
وتَوجّه هذا الخطاب نحوَهم لا يتوقف على صُدور الفُجور منهم،
ولا على إمكانه؛ لأنه كلام صادر على سبيل الفَرْضِ والتقدير (١).
(ط): يمكن أن يكون الخطابُ عاماً، ولا يدخل الملائكة في الجن؛
لأن الإضافة في ((جنكم)) تقتضي المُغايرةَ، فلا يكون تفصيلاً، بل إخراجاً
للقبيلين اللذين يَصِحُّ اتِّصافُ كل منهما بالتقوى والفُجور (٢).
(نه): ((حرمت الظلم على نفسي))؛ أي: تَقدَّسْتُ عنه وتَعالَيْتُ، فهو
في حَقِّي كالشيء المُحرَّم على الناس(٣).
(ط): يريد أنه استعارةٌ مُصرِّحةٌ تَبَعِيّة، ويحتمل أن يكون مُشاكلةً
لقوله بعده: ((وجعلته بينكم محرماً)، كقول الشاعر:
مَنْ مُبلغٌ أَفْنَاءَ يَعِرُبَ كُلَّها
أَنِّي بَنِيتُ الجَارَ قبلَ المَنْزِلِ (٤)
(ن): الظلم مستحيلٌ منه سبحانه؛ لأنه تصرُّفٌ في ملك الغير،
والعالَمُ كلُّه ملكه وسلطانه، أو مُجاوزةُ الحَدِّ، وليس فوقه من يطيعه،
وأصل التحريم في اللغة: المنعُ، فسُمِّ تَقدُّسهُ عن الظلم تحريماً؛ لمشابهة
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (٢ / ٧٠).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٣٧).
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ٣٧٤).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٣٧).
٥٠٢

الممنوع في أصل عدم الشيء(١).
(ق): ((وجعلته بينكم محرماً))؛ أي: حَكَمتُ بتحريمه علیکم(٢).
(ن): ((فلا تظالموا)) بفتح التاء؛ أي: تتظالموا، والمراد: لا يظلمْ
بعضكم بعضاً، وهذا توكيدُ قوله: ((وجعلته بينكم محرماً)، وزيادةٌ في
تغليظ تحریمه(٣).
(ط): ((يا عبادي كلكم ضال)) لمَّا كان الخطابُ بعد ((يا عبادي)) مُهتَمًّا
بشأنه؛ كرَّره تنبيهاً على فَخَامتهِ، ونسبةُ الضلال إلى الكُلِّ بحسَبٍ مراتبهم(٤).
(غب): الضَّلال: العُدولُ عن الطريق المستقيم، ويُضادُّه الهدايةُ،
ويقال الضلالُ لكلِّ عدولٍ عن المنهج، عَمْداً كان أو سهواً، يسيراً كان أو
كثيراً؛ فإنَّ الطريقَ المستقيم الذي هو المرتضى صَعْبٌ جداً.
قيل: كوننا مُصيبين من وجه، وكوننا ضَالِّين من وجوه كثيرة؛ فإن
الاستقامةَ والسَّدادَ (٥) يجري مجرى المُقَرْطِسِ(٦) من المرميِّ(٧)، وما عداه من
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٥٢).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٢).
(٤) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٦/ ١٨٣٧).
(٥) في هامش الأصل: ((الظاهر: السواء))، وفي ((مفردات القرآن)) للراغب (ص٢٩٧):
((والصواب)).
(٦) في هامش الأصل: ((ويُسمَّى الغَرَضُ قِرْطَاساً، يقال: رمى فقَرْطَسَ: إذا أصابه .
صحاح)).
(٧) في الأصل: ((الرَّمْي)).
٥٠٣

الجوانب كلها ضلال، وإليه الإشارة بقوله وَ له: ((استقيموا ولن تحصوا))(١).
فإذا [كان الأمر على ما جرى]؛ صَحَّ أن يستعمل لفظ الضلال فيمن
يكون على خطأ ما؛ فلذلك نُسب الضلال إلى الأنبياء وإلى الكُفَّار، وإن
كان بين الضلالين بَوْنٌ بعيد، قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضََّلًا فَهَدَى﴾ [الضحى:
٧]؛ أي: غيرَ مهتد لِمَا سيق إليك من النبوة، وقال موسى: ﴿فَعَلْنُهَا إِذَا وَأَنَأْ مِنَ
الضَّآلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]؛ تنبيهاً على أن ذلك منه سَهْوٌ (٢).
(ن): قال المازَرُّ: ظاهر هذا أنهم خُلِقوا على الضلالة إلا من هداه
الله، وفي الحديث المشهور: ((كُلُّ مَولُودٍ يُولَدُ على الفِطْرةِ)) (٣)، فقال: قد
يكون المرادُ بالأول وصفَهم بما كانوا عليه قبل مبعث النبي ◌ِّ، أو أنهم لو
تُرِكوا وما في طباعهم من إيثار الشَّهوات والرَّاحة وإهمال النظر؛ لضَلُّوا،
وهذا الثاني أظهرُ.
وفي هذا دليلٌ لمذهب أهل السنة: أن المُهتديَ مَنْ هداه الله، وأنه
تعالى إنما أراد هدايةَ بعض عباده، وهم المهتدون، ولم يُرِد هدايةَ الآخرين،
ولو أرادها لاهتدوا، خلافاً للمعتزلة في قولهم الفاسد: إن الله تعالى أراد
هدايةَ الجميع، جَلَّ الله عن أن يُريدَ ما لا يقعُ، أو يقعَ ما لا يريدُ (٤).
(ق): لا معارضة بين قوله: ((كلكم ضال))، وبين («كُلُّ مولود يُولَدُ
(١) رواه ابن ماجه (٢٧٧)، من حديث ثوبان ظُه، وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
ابن ماجه)) (٢٢٤).
(٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٢٩٧).
(٣) رواه البخاري (١٣١٩)، من حديث أبي هريرة
(٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٢).
٥٠٤

على الفِطْرةِ))؛ فإن هذا الضلالَ المقصودَ هنا هو الطارئ على الفطرة
الأُولى الذي بَيَّنه النبيُّ ◌َّه في التمثيل في بقية الخبر؛ حيث قال: ((كما تُنْتَجُ
البَهِيمةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّ فيها مِنْ جَدْعاءَ؟))(١).
وبقوله: ((خلقَ اللهُ الخَلْقَ على مَعْرِفَتَهِ فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ))(٢)،
فحاصل قوله: ((وكلكم ضال ... وجائع ... وعار)) التنبيهُ على فقرنا
وعَجْزنا عن جلب منافعنا، ودفع مَضارِّنا بأنفسنا، إلا أن ييسر ذلك لنا،
ويُعيننا عليه، ويصرف عنا ما يضرُّنا، وهو تنبيهٌ على معنى قوله اَّه :
(([لا حول ولا قوة](٣) إلا بالله العلي العظيم))(٤).
ومع هذا فقال في آخر هذا الحديث: ((إنما هي أعمالكم)) إلى قوله:
«فلا يلومن إلا نفسه)» تنبيهاً على أن عدم الاستقلال بإيجاد الأعمال لا يناقضُ
خطابَ التكليف بها، إقداماً عليها، وإحجاماً عنها، فنحن وإن كنا نعلم أنًَّ
لا نَستَقِلُّ بأفعالنا، نُحِسُّ بوجدان الفرق بين الحركة الضَّرورية والاختيارية،
وتلك التفرقة راجعةٌ إلى تَمكُّنِ محسوس، وتأتٌّ معتاد يُوجَدُ مع الاختيارية،
ويُفقَدُ مع الضَّرورية، وذلك هو المُعبَّرُ عنه بالكَسْبِ، وهو مورد التكليف،
فلا تناقض ولا تعنيف(٥).
(١) رواه البخاري (١٢٩٢)، من حديث أبي هريرة ظه.
(٢) رواه مسلم (٢٨٦٥ / ٦٣)، من حديث عياض بن حمار عظته، وفيه: ((وإني خلقت
عبادي حنفاء كلَّهم، وإنَّهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ... )) الحديث.
(٣) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٥٤).
(٤) رواه البخاري (٣٩٦٨)، من حديث أبي موسى
(٥) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٥٣).
٥٠٥

(ط): فإن قلت: ما معنى الاستثناء في قوله: ((إلا من أطعمته))، ((وإلا
من كسوته))؛ إذ ليس أحدٌ من الناس محروماً عنها؟
قلت: الإطعامُ والكِسْوةُ لمَّا كانا مُعبِّرَيْنِ عن النفع التام، والبَسْطِ في
الرزق، وعدمُهما عن التقتير والضّق؛ كما قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَسُطُ الرِّزْقَ لِمَن
◌َاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الروم: ٣٧]؛ سَهُلَ الَّفَصِّي(١) من الجواب، فظهر من هذا أَنْ ليس
المرادُ من إثبات الجُوع والعُرْىٍ في المستثنى منه نفيَ الشِّبَع والكِسْوةِ بالكُلِّية،
وليس في المستثنى إثباتُ الشَّع والكسوة مطلقاً، بل المُرادُ بَسْطُهما
وتكثيرهما، يوضحه: أنه في بعض الروايات وضع قولَه: ((وكُلُّكُمْ فُقَراءُ إِلاَّ
مَنْ أَغْنَیْتُهُ))(٢) في موضعه، انتھی.
أو يقال: لمَّا كانت الهداية الموجبةُ لمحبة الله تعالى مُستدعيةً لمحلِّ
يليق بها؛ اقتضت الحِكمةُ الإلهية فَيْضَها على المَحالِّ اللائقة المناسبة لها،
ومنعَها عن الآخر، بخلاف الطعام والكسوة؛ إذ لا قَدْرَ لهما، وأيضاً رُبّما كانا
من أعظم أسباب الشِّقوة والضَّلال(٣).
(ن): الرواية المشهورة في ((تخطئون)) بضم التاء، وروي بفتحها
وبفتح الطاء، يقال: خَطِئء يَخْطَأ(٤): إذا فعل ما يأثم به، فهو خاطئ، ومنه
قول إخوة يوسف: ﴿إِنَّا كُنَّا خَطِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] ويقال في الإثم أيضاً:
(١) أي: التخلص. انظر: ((القاموس المحيط)) (ص: ١٧٠٣)، مادة: (فصي).
(٢) رواه الترمذي (٢٤٩٥)، من حديث أبي ذر ظه، وهو حديث ضعيف. انظر:
((ضعيف الجامع الصغير)) (٦٤٣٧).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٦ / ١٨٣٨).
(٤) في الأصل: ((يخطى))، والتصويب من ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٣ - ١٣٤).
٥٠٦