Indexed OCR Text
Pages 521-540
الحرام والشُّبهة، فينظر من أينَ مَطعمُهُ ومَلبسُه ومَسكنُه؟ وما مكسبه؟ ویتفكّرُ في طُرق الحلال ومداخله، وكيفية الاحتراز عن الحرام، ويقرِّرُ على نفسه أن العباداتِ كلَّها ضائعةٌ عند الله مع أكل الحرام، وأن أكل الحلال هو رأسُ العبادات كلُّها، وأن الله لا يقبل صلاةَ عبد في ثَمَن ثوبه درهمٌ حرامٌ؛ كما ورد به الخبر. فهكذا يتفكر في سائر الجَوارح؛ من السَّمع والبصر، واليدين والرِّجلين، والفَرْجِ. وأما النوع الثاني، وهو الطاعات: فينظر أولاً في الفرائض المكتوبة عليه أنه كيف يُؤدِّيها؟ وكيف يَحْرُسُها عن النقصان والتقصير؟ وكيف يجبرُ نُقُصانَها بكثرة النوافل؟ ثم يرجع إلى عُضوٍ عُضوٍ، فيتفكر في الأفعال التي تتعلَّق بها ممَّا يحبه الله تعالى، فيقول مثلاً: إنَّ العينَ خُلقت للنظر في مَلكُوت السَّماوات والأرض وغيرها عِبْرةً، ولتُستعملَ في طاعة الله وتنظر في كتاب الله وسُنَّةِ رسول الله. وكذلك السَّمعُ؛ لاستماع كلامٍ ملهوفٍ، أو استماعِ حِكمةٍ وعلمٍ أو استماعٍ قراءةٍ وذكرٍ، فما لي أُعطِّلُه وقد أنعم الله عليَّ به لأشكُرَه، فما لي أکفرُ نعمةَ الله فیه بتضییعه أو تعطیله؟ وكذلك يتفكر في اللسان، وكذلك يتفكر في ماله، بل يُفتِّشُ عن دَوابِهِ وغِلمانه وأولاده؛ فإن كل ذلك أدواتُه وأسبابُه، يَقدِرُ أن يطيعَ الله تعالى بها، فيستنبطُ بدقيق الفكر وُجوهَ الطاعات المُمكنةِ بها، ويتفكر فيما يُرغِّبُه في البِدَارِ إلى تلك الطاعات. وأما النوع الثالث، وهي الصفات المهلكة التي [محلها القلب]: ٤٢٧ هي استيلاءُ الشهوة، والغَضَب، والبُخْل، والكِبْرِ، والعُجْبِ، والرِّياء، والحسد، وسُوء الظَنِّ، والغَفْلة، والغُرورِ، وغير ذلك، فيتفقد من قلبه هذه الصِّفاتِ، فإنْ ظَنَّ أن قلبَه مُنزَّهُ عنها؛ فيتفكر في كيفية امتحانه، والاستشهاد بالعلامات عليه، وإذا ادَّعت التواضعَ والبراءةَ من الكِبر؛ فينبغي أن تجرَّبَ بحمل حُزمة حطبٍ في السوق؛ كما كان الأولون يُجرِّبون به أنفسَهم، وإذا ادعت الحِلْمَ؛ تُعرَّضُ لغضب يناله من غيره، ثم يُجرِّبها في كَظْمِ الغَيظ، وكذلك شهوةُ الطعام وشَرَهُهُ، يتفكر في أن هذه صفاتُ البهائم، وكل ذلك ذكرناه في هذه الكُتُب، فمن يريدُ أن يتسع له طريقُ الفكر؛ فلا بُدَّ له من تحصیل ما في هذه الگُتب. وأما النوع الرابع، وهو المنجيات: ٠ مثل التوبة، والندم على الذُّنوب، والصَّبرِ على البلاء، والشكر على النَّعماء، والخَوف والرَّجاء، والزُّهد في الدنيا، والإخلاص والصِّدق في الطاعات، ومحبة الله وتعظيمه، والرِّضا بأفعاله، والشَّوق إليه، والخشوع والتواضع، فكُلُّ ذلك ذكرنا أسبابَه وعلاماتِهِ، فليتفكّرِ العبدُ كلَّ يوم في قلبه بالذي يَعوزهُ من هذه الصفات المُقرِّبة إلى الله تعالى، فإذا افتقر إلى شيء منها؛ فليعلم أنها أحوال لا يثمرها إلا العُلومُ، وأن العُلومَ لا يُثمرُها إلا الأفكارُ، وقد ذكرنا في كل واحدة من هذه الأحوال كتاباً مُفرداً يُستعانُ به على تفصيل الفكر(١). * قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَحِدَةٍ أَنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ نَفَكَّرُواْ ﴾ [سبأ: ٤٦]: (١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٤٢٨). ٤٢٨ (الكشاف): ﴿بِوَحِدَةٍ﴾؛ أي: بخَصْلةٍ واحدة، وقد فسرها بقوله: ﴿أَنْ تَقُومُواْ﴾ على أنه عطفُ بيان لها، وأراد بقيامهم إما القيامَ عن مجلس رسول الله وَّة، وإما القيامَ الذي لا يراد به المُئولُ على القَدَمَيْنِ، ولكن الانتصابُ في الأمر، والنُّهوضُ فيه بالهِمَّةِ. والمعنى: أَعِظِكُم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحَقَّ، وهي: أن تقوموا لوجه الله خالصاً مُتفرِّقين، اثنين اثنين، وواحداً واحداً، ثم تتفكروا في أمر محمد بَّ وما جاء به، أما الاثنان: فيتفكران ويَعرِضُ كلُّ واحد منهما مَحصُولَ فكره على صاحبه، وينظران فيه نظرَ مُتصادِقَين مُتناصِفَين لا يميل بهما اتباعُ هوّى، ولا عَصَبيةٌ، وكذلك الفَردُ؛ فإن الاجتماعَ مِمَّا يُشوِّش الخاطرَ، ويُعمي البصائرَ، ويَخْلِطُ القولَ. وأراهم بقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُ مِنْ جِنَّةٍ ﴾ [سبأ: ٤٦] أن هذا الأمرَ العظيم الذي تحته مُلك الدُّنيا والآخرة جميعاً لا يَتصدَّى لادِّعاء مثلِهِ إلا رجلان: إما مجنونٌ لا يبالي بافتضاحه إذا طُولب بالبُرهان فعَجِز، بل لا يدري ما الافتضاحُ، وإما عاقل راجحُ العقل مُرشَّحٌ للنُّوَّة، مُختارٌ من أهل الدُّنيا، لا يَدَّعيه إلا بعد صِخَّته عنده بحُجَّته وبُرهانه، وقد علمتم أن مُحمَّداً ما به من جِنَّةٍ، بل علمتموه أرجحَ قُريش عقلاً، وأَرْزنَهُم حِلْماً، وأَنْقَبَهُم ذهناً، واصلَهُم رأياً، وأَصدَقَهُم قولاً، وأَنَزهَهُم نفساً، وأَجمعَهُم لِمَا يُحمَدُ عليه الرِّجال، فكان مَظِنَّةَ أن تُرجِّحوا فيه جانبَ الصِّدق على الكذب، وإذا فعلتم ذلك؛ كفاكم أن تطالبوه بأن يأتيَكُم بآية، فإذا أتى بها؛ تبيّن أنه نَذَيرٌ مُبين. وقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِكُ﴾ يجوز أن يكون كلاماً مُستأنفاً، ويجوز أن يكون المعنى: ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جِنَّةٍ، وجَوَّز بعضُهم أن ٤٢٩ تكون (ما) استفهاميةً؛ أي: أيُّ شيء من الجِنَّةِ (١). قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيٍَ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ﴾ [آل عمران: ١٩٠] روى عبدُ بن حُميد في ((تفسيره)) عن عبدالله بن عمر: أنه قال لعائشة رضي الله عنها: أخبرينا بأَعجَبٍ ما رأیتِ من رسول الله وَّ﴿، فبكت ثم قالت: كُلُّ أمره كان عَجَباً، أتاني ليلتي حَتَّى دخل معي في فراشي، حتى ألصق جلدَه بجلدي، ثم قال: ((يا عَائِشَةُ، أَتْأَذَنِي أَنْ أَتَعبَّدَ لِرَبِيٍ؟)) قالت: فقلت: إني لأُحِبُّ قُربَك، وأُحِبُّ هواك، قالت: فقام إلى قِرْبةٍ في البيت، قالت: فما أكثر صَبَّ الماء، قالت: ثم قام فقرأ القرآن، ثم بكى حتى رأيت أن دموعَه قد بلغت حَقْوَيهِ، قالت: ثم جلس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم بكى حتى رأيت أن دموعَه قد بلغت حَجْرَهُ، قالت: ثم اتكأ على جنبه الأيمن، ووضع يده تحت خَدِّ، قالت: ثم بكى حتى رأيت أن دموعَه قد بلغتِ الأرضَ، قالت: فدخل عليه بلالٌ فآذنه بصلاة الفجر، ثم قال: الصَّلاةَ يا رسول الله، قالت: فلمَّا رآه بلالٌ يبكي؛ قال: يا رسولَ الله؛ تبكي وقد غفر الله لك ما تَقَدَّم من ذنبك وما تأخر؟! فقال: ((يا بِلالُ! أَفلا أَكونُ عَبْداً شَكُوراً؟ وما لي لا أبكي وَقْد أنزلَ اللهُ عليَّ اللَّيلةَ: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِلِّأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ ﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١]، ويلٌ لِمَنْ قرأ هذه الآيةَ ثُمَّ لَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا))، وهكذا رواه ابنُ حِبَّانَ في ((صحيحه)(٢). (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٥٩٨). (٢) رواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٦٢٠)، من حديث عطاء وعبيد بن عمير، وفيه: أن السائل هو عبيد. وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١٤٦٨). ٤٣٠ روى ابن مَرْدويه عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله وَّه كان يقرأ عشرَ آيات من آخر (سورة آل عمران) كُلَّ ليلة. فيه مُظاهِرُ بن أَسْلمَ، وهو ضَعيفٌ، لكن ثبت في ((صحيح البخاري)): أنَّ رسولَ الله وَّل استيقظ من منامه، فجعلَ يمسحُ النَّومَ عن وجهه بيده، ثم قرأ العشرَ الآياتِ الخَواتِمَ من (سورة آل عمران)(١). معنى الآيات: ﴿ إِنّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: هذه في ارتفاعها واتِّساعها، وهذه في انخفاضها وكثافتها واتِّضاعها، وما فيهما من الآيات المُشاهدة العظيمة؛ من كواكبَ سَيَّاراتٍ وثوابتَ وبحار، وجبال وقَفار وأشجار، ونبات وزروع وثمار، وحيوان، ومَعادِنَ، ومنافعَ مختلفةِ الألوان والطُّعوم والرَّوائح والخَواصِّ. ﴿وَأَخْتِلَفِ اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ؛ أي: تعاقُبهما وتفاوتهما في الطُّول والقِصَر، فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا، فيطول الذي كان قصيراً، ويَقصُر الذي كان طويلاً، وكلُّ ذلك تقدير العزيز العليم. وقوله: ﴿لَّأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾؛ أي: العُقولِ التامة الزَّكِيَّة التي تدرك الأشياءَ بحقائقها، وليسوا كالصُمّ والبُكْمِ الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَأَيْنِ مِّنْ ءَايَةٍ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [يوسف: ١٠٥]، ثم وصف أولي الألباب بقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١]؛ أي: لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم وبسَرائرهم وضمائرهم وألسنتهم. ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: يفهمون ما فيها من (١) رواه البخاري (١٨١)، من حديث ابن عباس ضِ﴾ ٤٣١ الحِكَم الدالّة على عظمة الخالق وقُدرته، وعلمه وحكمته، واختياره ورحمته، قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾؛ أي: ما خلقت هذا الخلقَ عبثاً، بل بالحَقِّ. ثم نَزَّهوه عن ذلك، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾؛ أي: أن تخلق شيئاً باطلاً، ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾؛ أي: يا مَنْ خلق الخلقَ بالحَقِّ والعَدْل، يا مَنْ هو مُنزَّهُ عن النقائص والعَيْب والعَبَث؛ قِنا عذابَ النار(١). (م): اعلم أن المقصودَ من هذا الكتاب الكريم جَذْبُ القلوب والأرواح من الاشتغال بالخلق إلى الاستغراق في معرفة الحق، فلما طال الكلام في تقرير الأحكام والجواب عن شُبُهات المُبْطِلين؛ عاد إلى إنارة القلوب بذكر ما يدل على التوحيد والإلهية فقال: ﴿ إِنّ فِ خَلْقِ السَّمَوَاتِ ﴾ الآيةَ. ولما ذكر دلائلَ الإلهية والقُدرة؛ ذكر بعدها ما يتصل بالعُبودية، وأصنافُ العُبودية ثلاثة أقسام: التصديقُ بالقلب، والإقرارُ، والعملُ بالجَوارح، فقوله: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ إشارةٌ إلى عُبودية اللسان، وقوله: ﴿قِيَامًا وَقُعُودًاوَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إشارةٌ إلى عُبودية الجوارح والأعضاء، وقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ إشارةٌ إلى عُبودية العقل والفكر والزُّوح. والإنسان ليس إلا هذا المجموعُ، فإذا كان اللِّسانُ مستغرقاً في الذِّكر، والأركانُ في الشُّكر، والجَنان في الفِكر؛ كان هذا العبدُ مستغرقاً بجميع أجزائه في العُبودية . (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ٢٩٥). ٤٣٢ ثم اعلم أن دلائلَ التوحيد مُنحصرةٌ في قسمين: دلائل الآفاق، ودلائل الأنفس، ولا شك أن دلائل الآفاق أَجلُّ وأَعظمُ؛ كما قال تعالى: ◌ْلَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]؛ ولهذا أَمَرَ في هذه الآية بالفِكْر في خلق السموات والأرض؛ لأن دلائلَها أَعجبُ، وشواهدَها أعظمُ، وكيف لا نقول ذلك، ولو أن إنساناً نظر إلى ورقة صغيرة من أوراق شجرة؛ رأى في تلك الورقة عِرْقاً واحداً مُمتدّاً في وسطها، ثم تَنْشِعِبُ من ذلك العِرْق عروقٌ كثيرة من الجانبين، ثم يَنشعِبُ من كل واحد منها عروقٌ دقيقة، ولا يزال ينشعب من كل عِرْقٍ عروقٌ أُخَرُ، حتى تصير في الرِّقَّة بحيث لا يراها البصرُ؟! وعند هذا يعلم أن للخالق في تدبير تلك الورقة على هذه الخِلْقة حكمةً بالغةً وأسراراً عجيبةً، وأن الله تعالى أودع فيها قوّى جاذبة لغذائها من قَعْر الأرض، ثم إن ذلك الغذاء يجري في تلك العُروق حتى يتوزعَ على كلِّ جزءٍ من أجزاء [تلك الورقةِ جزءٌ من أجزاء](١) ذلك الغذاءِ بتقدير العزيز العليم، فلو أراد الإنسانُ أن يعرف كيفية خلق تلك الورقة، وكيفَ التدبيرُ في إيجادها، وإيداع القوى الغَاذِية والنَّامية فيها؛ لَعَجز عنه، فإذا عرف أن عقله عن الوقوف على كيفية خلقة تلك الورقة الصغيرة عاجزٌ، فحينئذ يقيس تلك الورقةَ إلى السماوات مع ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وإلى الأرض مع ما فيها من البِحار والجبال والمعادن والنبات والحيوان؛ عرف أن تلك الورقةَ بالنسبة إلى هذه الأشياء كالعَدَم، وإذا عرف قُصورَ عقله عن أحوال ورقة حقيرة؛ عرف أنه لا سبيل له البتة إلى الاطّلاع على (١) ما بين معكوفتين من ((تفسير الرازي)) (٩ / ١١٢). ٤٣٣ عجائب حكمة الله تعالى في خلق السماوات والأرض المَخلُوقَيْنِ، فكيف بالخالق؟! فعند ذلك يقول: ﴿سُبْحَنَكَ﴾، والمراد منه اشتغالُه بالتهليل والتسبيح، ثم يشتغل بالدُّعاء فيقول: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾(١). (الكشاف): مَحلُّ ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ نَصْبٌ على [الحال عطفاً على](٢) ما قبله، كأنه قيل: قياماً وقعوداً ومضطجعين، وعن النبي وَّهُ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ مُسْتَلَقٍ على فِراشهِ؛ إذ رفعَ رَأْسَهُ فنظرَ إلى النُّجُومِ وإلى السَّمَاءِ، فقال: أَشْهَدُ أَنَّ لكِ رَبّاً وخَالِقاً، اللَّهُمَّ اغفِرْ لِي، فنظرَ اللهُ إِلَيهِ فَغَفرَ لَهُ» (٣). ورُوي عنه ◌َّهِ: ((لا عِبادةَ كالتَّفكُّرِ))(٤). وقيل: الفِكْرةُ تُحدِثُ للقلب الخشيةَ كما يُحدِث الماءُ للزَّرع النباتَ، وما جُليت القلوبُ بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفِكرة. وقوله: ﴿مَاخَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا﴾؛ أي: بل خلقته لِدَاعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلَها مساكنَ للمُكلَّفين، وأَدلَّةً لهم على معرفتك، ووجُوبِ طاعتك، واجتناب معصيتك؛ ولذلك وصل به قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ولفظ ﴿هَذَا﴾ إشارةٌ إلى الخلق، على أن المرادَ به المخلوقُ، كأنه قيل: (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٩/ ١٠٩، ١١٢). (٢) ما بين معكوفتين من ((الكشاف)) (١ / ٤٨٢). (٣) رواه الثعلبي في («تفسيره)) (٣/ ٢٤٢)، من حديث أبي هريرة ظُته. قال الحافظ ابن حجر: وفي إسناده مَنْ لا يعرف. انظر: ((الفتح السماوي)) للمناوي (١ / ٤٤٤). (٤) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٦٤٧)، من حديث علي ظُ. وهو حديث موضوع. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٥٤٢٨). ٤٣٤ ويتفكرون في مخلوق السماوات والأرض؛ أي: فيما خُلق منها. ويجوز أن يكون إشارةً إلى السماوات والأرض؛ لأنها في معنى المخلوق، كأنه قيل: ما خلقْتَ هذا الخَلْقَ العجيبَ باطلاً، وفي هذا ضَرْبٌ من التعظيم؛ كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾، ويجوز أن يكون ﴿بَطِلًا﴾ حالاً من ﴿هَذَا﴾، و﴿سُبْحَتَكَ﴾ اعتراضٌ؛ للتنزيه من العَبَث. قوله تعالى: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَةٌ﴾؛ أي: أهَنْتُه، وأظهرْتَ خِزْيَهُ لأهل الجمع، ﴿وَمَا لِلِّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾؛ أي: لا مُجيرَ لهم منك يوم القيامة. ﴿يُنَادِى لِلْإِيمَانِ﴾؛ أي: داعياً يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول الكليه ﴿أَنْ ءَامِنُواْ بِرَبَّكُمْ﴾؛ أي: يقول: آمنوا بربكم، ﴿فَامَنَا﴾ فاستجبنا له وصَدَّقناه، ﴿فَاغْفِّرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾؛ أي: استُرْها بإيماننا واتِّباعنا لنبيك، ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾؛ أي: فيما بيننا وبينك، ﴿وَنَوَقَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾؛ أي: ألحقنا بالصَّالحين(١). (م): اعلم أنهم لمَّا سألوا ربَّهم أن يَقِيَهم عذابَ النار؛ أتبعوا ذلك بما يَدُلُّ على عظم ذلك العِقاب وشِدَّته، وهو الخِزْيُ؛ ليكون موقعُ السؤال أعظمَ؛ لأن من سأل ربّه أن يفعلَ شيئاً، أو أن لا يفعلَه، إذا شرح عِظَمَ ذلك المطلوب وقُوَّتَه؛ كانت داعيتُه في ذلك الدُّعاء أكملَ، وإخلاصُه في طلبه أَشدَّ، وهذا تعليمٌ من الله عبادَه في كيفية إيراد الدعاء(٢). و(أخزاه)؛ أي: أبعده، ويقال: أهانه، ويقال: فَضَحَهُ، وهذه الوجوه مُتقاربة . (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٤٨٢). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٩ / ١١٥). ٤٣٥ (الكشاف): ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ,﴾ فقد أبلغْتَ في إخزائه، وهو نظير قوله: ﴿فَقَدْ فَازُّ ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقولِهم: مَنْ أدرك مرعى الصمَّان(١) فقد أدرك، تقول: سمعت رجلاً يقول كذا، فتوقع الفعلَ على الرجل، وتَحذِفُ المسموعَ؛ لأنك وصفته بما يُسمع، أو جعلته حالاً عنه، فأغناك عن ذكره، ولولا الوصفُ أو الحال؛ لم يكن منه بُدُّ . وفائدة الجمع بين المنادي و﴿يُنَادِى﴾: أنه ذكر النِّداء مُطلقاً، ثم مُقَّداً بالإيمان؛ تفخيماً لشأن المنادي؛ لأنه لا مناديَ أعظمُ من مُنادٍ ینادي للإيمان، ونحوُه: مررت بهادٍ يهدي للإسلام؛ وذلك لأن المناديَ إذا أُطلق؛ ذهب الوهمُ إلى مُنادٍ للحرب، أو لإطفاء النَّائرة، أو لإعانة المَكروب، أو لكفاية بعض النوازل، وكذلك الهادي قد يطلق على من يهدي للطريق ولغيره، فإذا قلت: ينادي للإيمان، ويهدي للإسلام؛ فقد رفعت من شأن المُنادي والهادي وفَخَّمته، ويقال: دعاه لكذا وإلى كذا، وندبه له وإليه؛ وناداه له وإليه، وذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعاً، والمُنادي هو الرسولُ وَ﴿، وقيل: القرآن، روي عن محمد بن كعب. ﴿ذُنُوبَنَا﴾ كبائرنا، و﴿سَيِّئَاتِنَا﴾ صغائرنا. ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ مَخْصُوصين بصُحبتهم، مَعدُودين في جملتهم، و(الأبرار) جمع بَرِّ أو بَارٌّ؛ كـ (رَبِّ وَأَرْبَاب)، و(صاحب وأصحاب) (٢). (١) ((الصمَّان)) بفتح الصاد المهملة وتشديد الميم: اسم جبل. انظر: ((عمدة القاري)) للعيني (٨ / ٢٠٩). (٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٤٨٤). ٤٣٦ المغفرةُ والتَّكفِير في اللغة معناهما شيءٌ واحد، والمفسرون ذكروا فیه وجوهاً: أحدها: أنهما واحد، وإنما أُعيد للتأكيد؛ لأن الإلحاحَ في الدُّعاء والمُبالغةَ مندوبٌ. وثانيها: المرادُ بالأول ما أتى به الإنسانُ مع العلم بكونه معصيةً وذنباً، وبالثاني ما أتاه معَ الجَهْلِ(١). * قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَءَائِنَا مَا وَعَدَ تَّنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] قيل: معناه: على الإيمان برُسلك، وقيل: على ألسنة رسلك، وهذا أظهر، ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةُ﴾ على رؤوس الخلائق، ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ﴾؛ أي: لا بُدَّ من المِيعاد الذي أخبرتْ عنه رُسُلُك، وهو القيامُ يومَ القيامة بين يديك. روى الحافظ أبو يَعْلَى عن جابر بن عبدالله ◌َه: أن رسولَ الله وَّل قال: ((العَارُ والثَّخْزِيةُ تَبَلِغُ منِ ابنِ آدمَ في القِيَامَةِ في المَقَامِ بينَ يدَيِ الله وَّ ما يَتمِنَّى العَبْدُ أن يُؤمرَ بهِ إلى النَّارِ))، حديثٌ غريبٌ(٢). (م): ﴿وَلَا تُخْرِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ شَبِيَةٌ بقوله: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴾ [الزمر: ٤٧]؛ فإنه رُبَّما ظَنَّ الإنسانُ أنه على الاعتقاد الحَقِّ والعملِ الصالح، ثم يظهر له يوم القيامة أن اعتقاده كان ضلالاً، وعملُه يصير عليه وَبَالاً، [فهناك] تَحصل الخَجَالةُ العظيمة، والأسفُ الشديدُ، وذلك هو العذابُ الرُّوحانيُّ. (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٩/ ١١٩). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ٢٩٩)، والحديث رواه أبو يعلى في ((المسند)) (١٧٧٦). وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٥٠١١). ٤٣٧ وكان أَوَّلُ مطالب هؤلاء العباد المُخلِصين الاحترازَ من العذاب الجِسْمانيِّ، وهو قوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، وآخرُها الاحترازَ من العذاب الرُّوحانيِّ، وهو قوله: ﴿وَلَا تُخْزِنَايَوْمَ الْقِيَمَةُ﴾، وذلك أن العذابَ الرُّوحانيَّ أَشدُّ من العذاب الجِسْمانيِّ(١). ((الكشاف)): المَوعودُ هو الثواب، وقيل: النُّصْرةُ على الأعداء. فإن قلت: كيف دعَوا اللهَ بإنجاز ما وعد، والله لا يُخْلِفُ الميعاد؟ قلت: معناه: طلبُ التوفيق فيما يَحفظُ عليهم أسبابَ إنجاز الميعاد، أو هو من باب اللَّجَأ إلى الله والخُضوع له؛ كما كان الأنبياء عليهم السلام يستغفرون مع علمهم أنهم مَغفورٌ لهم، يقصدون بذلك التذلُّلَ لربهم، والتضرُّعَ إليه، واللَّجَأ الذي هو سِيْمَا العُبوديةِ(٢). .٧) * قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ أمر عبادَه بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته، فقال: ﴿أَفَلاَ يَظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ﴾؛ فإنها خَلقٌ عجيبٌ، وتركيبٌ غريبٌ؛ فإنها في غاية القُوة والشِّدَّة، ومع ذلك تلين للحِمْلِ الثقيل، وتنقادُ للقائد الضَّعيف، وتُؤْكل ويُنتفع بوَبَرِها، ويُشرب لبنُها. ونُبِهِوا بذلك؛ لأن العربَ غالبُ دوابِهِم كانت الإبل، وكان شُرَیحٌ القاضي يقول: اخرُجوا بنا ننظر إلى الإبل كيف خلقت؟ ثم أمرهم بالتفكّر في خلق السماوات، كيف رفعها الله عن الأرض (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٩ / ١٢١). (٢) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٤٨٥). ٤٣٨ هذا الرَّفْعَ العظيمَ، كما قال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُواْ إِلَى السَّمَاءِ فَوقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجِ﴾ [ق: ٦]، ثم كيف جعل الجبالَ منصوبةً قائمة ثابتة راسية؛ لئلا تَمِيدَ الأرضُ بأهلها، وجعل فيها من المنافع والمعادن، ثم الأرض كيف بُسطت ومُهِدَت ومُدَّت. فَنَّهَ البدويّ على الاستدلال بما يشاهده - من بعيره الذي هو راکبٌ عليه، والسماءِ التي فوق رأسه، والجبل الذي تُجاهه، والأرضِ التي تحته - على قُدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الربُّ العظيمُ الخالقُ، المُتصرِّفُ المالكُ، وأنه الإله الذي لا يستحق العبادةَ سواه. وهكذا أقسم ضِمَامٌ في سؤاله، فقال: يا مُحمَّدُ! إنه أتانا رسولُك، فزعم لنا أنك تَزْعُم أن الله أرسلك، قال: ((صدق))، قال: فمَنْ خَلَقَ السَّماءَ؟ قال: ((الله))، قال: فمَنْ خلق الأرضَ؟ قال: ((الله))، قال: فمَنْ نَصَبَ هذه الجبالَ، وجعل فيها ما جعل؟ قال: ((الله))، قال: فبالذي خلق السماءَ والأرضَ ونصبَ هذه الجبالَ؛ اللهُ أرسلك؟ قال: ((نعم))، الحديثَ بطوله، خَرَّجه أحمدُ(١). وروى الحافظ أبو يعلى عن ابن عمر قال: كان رسولُ الله ◌َّل كثيراً ما كان يُحدِّث عن امرأة في الجاهلية على رأس جبل، معَها ابنٌ لها يرعى غنماً، فقال لها ابنُها: ((يا أُمَّهْ؛ مَن خلقكِ؟ قالت: اللهُ، قال: فمَنْ خلق أبي؟ قالت: اللهُ، قال: فَمَنْ خلقني؟ قالت: اللهُ، قال: فمَنْ خلق السَّماءَ؟ قالت: اللهُ، قال: فمَنْ خلق الأرضَ؟ قالت: اللهُ، قال: فمَنْ خلق الجبلَ؟ قالت: اللهُ، قال: فمَنْ خلق هذه الغَنمَ؟ قالت: اللهُ، قال: إني أسمعُ لله شأناً، فألقى نفسه من (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ١٩٣)، ومسلم (١٢) من حديث أنس ٤٣٩ الجبل، فَتَقَطَّعَ))، فقال ابنُ عمر: كان رسولُ اللهِ ليل كثيراً ما يُحدِّثنا هذا(١). (م): فإن قلتَ: أيُّ مناسبة بين الإبل والسماء والجبال؟ قلنا: جميعُ المخلوقات متساويةٌ في هذه الدَّلالة، وذكرُ جميعها غيرُ ممکن لکثرتها، وأُّ واحد منها ذُكر دون غیرہ کان هذا السؤال عائداً، فوجب الحكمُ بسقوط هذا السؤال على جميع التقادير، وأيضاً فلعل الحكمةَ في ذكر هذه الأشياء [التي هي] غير متناسبة، بل مُتباعدٌ جِدّاً، التنبيهُ على أن هذا الوجه من الاستدلال غيرُ مُختصٍّ بنوع دون نوع، بل جميع الأجرام العُلوية والسُّفلية صغيرِها وكبيرِها، حَسَنِها وقبيحِها، مُتساويةٌ في الدَّلالة على الصَّانع الحَكِيم(٢). * قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]؛ أي: ذَكِّر يا محمَّد الناسَ بما أُرسلت به، فإنما عليك البلاغُ، ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]؛ أي: بجَبَّار، قاله ابن عباس ومجاهد، وقال ابن زيد: لست بالذي يُکرِمُهم على الإيمان. روى الإمام أحمد عن جابر قال: قال رسولُ اللهِ وَّهَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قَالُوها؛ عَصَمُوا مَنٍِّ دِمَاءَهم وأَموالَهم، إِلاَّ بِحَقُّها، وحسابُهم على الله رَ))، ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّر٥ٌ أَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾(٣). (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٣٣٣). قال ابن كثير: في إسناده عبيدالله بن جعفر المديني والد الإمام علي بن المديني وقد تكلموا فيه . (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣١/ ١٤٣). (٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٤ / ٣٣٥)، والحديث رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٣٠٠) ومسلم (٢١). ٤٤٠ * قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيُواْ فِ الْأَرْضِ﴾ [ محمد: ١٠] يقول تعالى مُنبِهاً على التفكر في مخلوقاته الدَّالَّةِ على وجوده وانفراده بخَلْقها، فقال: ﴿أَفَتَّ يَسِيُرُواْ فِى الْأَرْضِ﴾ بأَفهامهم، وعُقولهم، ونظرهم، وسماع أخبار الماضين، كانت الأُممُ الماضية أشدَّ منكم قوةً أيها المبعوثُ إليهم مُحمَّدٌ صلواتُ الله وسلامه عليه، وأكثرَ أموالاً وأولاداً، وما أُوتيتم مِعْشارَ ما أُوتوا، ومُكِّنوا في الدنيا تمكيناً لم تبلغوا إليه، وعُمِّروا فيها أعماراً طوالاً، فعَمَروها [أكثر] منكم، واستغلُّوها أزيدَ من استغلالكم، وجاءتهم رُسلُهم بالبينات، فأخذهم الله بذنوبهم، [وما كان لهم من الله من وَاقٍ](١) ولا حالت أموالُهم وأولادُهم بينهم وبين بأس الله(٢). (الكشاف): ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ﴾ تقريرٌ لسيرهم في البلاد، ونظرهم إلى آثار المُدمَّرين؛ من عادٍ وثمودَ وغيرهم من الأُمم الخالية، ﴿وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ﴾؛ أي: حرثوها، وسُمِّي ثَوْراً لإثارته الأرضَ، وبقرةً لأنها تَبْقُرُها؛ أي: تَشُقُّها، ﴿وَعَمَرُوهَا﴾؛ يعني: أولئك المُدَمَّرون ﴿أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ من عِمارة أهل مكة، وهم أهل وادٍ غير ذي زرع، ما لهم إثارةٌ أصلاً، ولا عِمارةٌ رأساً، فما هو إلا تَهكُّمٌ بهم وبضَعْفِ حالهم في دُنياهم؛ لأن [مُعْظَم] ما يَستَظهِرُ به أهل الدنيا ويَتباهَوْن به أَمْرُ الدَّهْقَنَةِ، وهم أيضاً ضِعافُ القِوى، فقوله: ﴿كَانُوا أَشَدَّمِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [أي: عاد وثمود وأضرابهم من هذا القبيل] (٣). (١) ما بين معكوفتين من ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ١٦). (٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ١٦). (٣) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٤٧٥)، وما بين معكوفتين زيادة منه. ٤٤١ ١٠-باب في المبادرة إلى الخيراتِ، وحثٌ مَنْ توجَّه لخيرٍ على الإقبالِ عليه بالجدِّ من غيرِ تردُّد * قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ﴾ [البقرة: ١٤٨]. * وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍعَرْضُهَا السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. (البابُ العاشر) (في المبادرة إلى الخيرات، وحَثِّ مَنْ توجه لخير على الإقبال عليه بالچِدِّ من غير تَرُدٍ) * قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِ﴾ [المائدة: ٤٨]: نَدَبَهُم الله تعالى إلى المُسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها، والخيرات: هي طاعةُ الله واتِّباعُ شرعه الذي جعله ناسخاً لِمَا قبله، والتَّصديقُ لكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله(١). (م): ﴿إِلَ اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨] استئنافٌ في معنى التعليل (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٥ / ٥٢٠). ٤٤٢ لاستباق الخيرات(١). * قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] أمرهم سبحانه [بالمبادرة] إلى فعل الخيرات، والمسارعة إلى نيل القُرُبات، ومعنى ﴿عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ تنبيةٌ على اتساع طولها؛ كما قال في صفة فَرْشِ الجنة: ﴿بَطَيُّهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍّ﴾ [الرحمن: ٥٤]؛ أي: فما ظنُّك بالظھائر؟! وقيل: بل عرضُها كطولها؛ لأنها قُبَّةٌ تحت العرش؛ كما في الصحيح، والشيءُ المُقَبَّب طولُه كعَرْضه. وروى الإمام أحمد: أن هِرَقْلَ كتب إلى النبيِّ ◌َّهِ: إِنَّكَ دَعَوْتَنِي إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرضُ، فأين النار؟ فقال رسولُ الله وَلِ: ((أَيْنَ اللَّيلُ إذا جاءَ النَّهَارُ؟))(٢). وهذا يحتمل مَعنَيْنِ : أحدهما: أنه لا يلزم من مُشاهدتنا الليلَ إذا جاء النهارُ أن لا يكونَ في مكان، وإن كنا لا نعلمه، فكذلك النارُ تكون حیثُ یشاء الله. الثاني: أن النهارَ إذا تَغَشَى وجهَ العالَم من هذا الجانب؛ فإن الليلَ يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجَنَّةُ في أعلى عِلَِّين فوق السَّماوات، والنار في أسفل سافلين، فلا تنافيَ بين كونها كعَرْض السماء والأرض، (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (١٢ / ١٣). (٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٤٤١)، من حديث سعيد بن أبي راشد التنوخي ﴿ه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٣٢٢٧). ٤٤٣ وبين وُجود النار(١). وَأَمَّا الأحَادِيث: ٨٧ - فَالأَوَّلُ: عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﴿: أن رسولَ الله ◌ِوَ لفي قال: (بَادِروا بالأعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، أَوْ يُمْسِي مُؤْمناً وَيُصْبِحُ كَافِراً، يَبيعُ دِينَه بِعَرَضٍ منَ الدُّنْیًا» رواه مسلم. (الأَوْاُ) * قوله ◌َل *: ((بادروا بالأعمال فتناً): (ط): أي: سابقوا وُقوعَ الفتن بالاشتغال بالأعمال الصالحة، واهتمُّوا بها قبل نزولها؛ كما روي: (بَادِرُوا بالأَعمالِ الصَّالحةِ قبلَ أنْ تُشْغَلُوا))(٢)، فالمُبادرة: المُسارعُة بإدراك الشَّيء قبل فَواته، أو بدفعه قبل وقوعه. [وقوله]: ((يصبح الرجل)) استئناف بيانٍ لحال المُشبّه، وقوله: «فتناً)، وقوله: «یبیع دينه بدنياه» بيانٌ للبيان(٣). (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ١٨٣، ١٨٥). (٢) رواه ابن ماجه (١٠٨١)، من حديث جابر ظه. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٦٣٨٦). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١١ / ٣٤٠٦). ٤٤٤ (ن): فيه: الحَثُّ على المُبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تَعذُّرها، والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المُتكاثرة المُتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر، ووصف ويلر نوعاً من شدائد تلك الفتن، وهو: أنه يُمسي مؤمناً ويُصبح كافراً، أو عكسه، شَكَّ الراوي، وهذا لِعِظَم الفتن، وتَقَلُّب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلابَ(١). (ق): لا إحالة في هذا؛ فإن المِحَنَ والشَّدائدَ إذا توالت على القُلوب أفسدتها بغلبتها عليها، وبما تُؤثِّر فيها من القَسْوة والغَفْلة التي هي سبب الشِّقْوة. مقصود الحديث: المسابقةُ بالأعمال الصالحة، والتحرُّزُ من الفِتَن، ومن الإقبال على الدُّنيا ومَطامعها، انتهى(٢). قال أبو عُبيد: جميع متاع الدنيا عَرَض بفتح الراء، يقال: إن الدُّنيا عَرَضٌ حاضر، يأخذ منها البَرُّ والفاجرُ. وفي ((صحيح مسلم)) عن أبي هريرة مرفوعاً: ((بَادِرُوا بالأَعَمالِ سِتّاً؛ الدَّجَّالَ، والدُّخَانَ، ودَابَّةَ الأَرضِ، وطُلوعَ الشَّمسِ مِنْ مَغْرِبِها، وأَمَرَ العَامَّةِ وخُوَيْصَّةَ أَحِدِكُمْ))(٣). (مظ): فيه وجوه: أحدها: [أن يكون] بين طائفتين من المسلمين قِتالٌ لمُجرَّد العَصَبِيَّة والغضب، فيستحلون الدَّمَ والمالَ. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٢ / ١٣٣). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٣٢٦). (٣) رواه مسلم (٢٩٤٧ / ١٢٩)، من حديث أبي هريرة ظُه. ٤٤٥ ثانيها: أن يكون ولاة المسلمين ظلمةً، فيُريقون دماءَ المُسلمين، ويأخذون أموالَهم بغير حق، ويزنون ويشربون الخمرَ، فيعتقد بعضُ الناس أنهم على الحَقِّ، ويُفتيهم علماء السُّوء على جواز ما يفعلون من المُحرَّمات. ثالثها: ما يجري بين الناس مِمَّ يخالف الشَّرعَ؛ من المُعاملات والمُبايعات وغيرها، فيَستِحلُّونها (١). ٨٨ - الثَّاني: عَنْ أبي سرْوَعَةَ - بكسر السين المهملةِ وفتحها - عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ ﴿هِ، قالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ بِالمَدِينَةِ العَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعاً، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضٍ حُجَرِ نسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، قالَ: ((ذَكَرْتُ شَيْئاً مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ)) رواه البخاري. وفي رواية له: ((كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْراً مِنَ الصَّدَقَةِ؛ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيَِّهُ)) . ((النِّبْرِ)): قِطَعِ ذَهَبٍ أوْ نضَّةٍ. (الثَّانِى) (نه): (التبر): هو الذَّهبُ والفِضَّة قبل أن يُضربا دنانيرَ ودراهمَ، وقد يطلق التِّبْرُ على غيرهما من المَعدِنيات؛ كالنحاس، والحديد، والرَّصاص، (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥ / ٣٥١). ٤٤٦