Indexed OCR Text
Pages 461-480
والمقام الثاني إنما يقتضي ترك السؤال من غيره فقط، لا منه تعالى. فإن قلت: فهذه الأحوال يُتصوَّر وجودُها؟ فاعلم أن ذلك ليس بمُحال، ولكنه عَزِيزٌ نادرٌ، والمقام الثاني والثالث أَعِزُّها، والأول أقربُ إلى الإمكان. ثم إذا وُجد الثاني والثالثُ: [فدوامه أبعدُ منه، بل يكاد لا يكون المقام الثالث في دوامه](١) إلا كصُفْرةِ الوجَل، فإن انقباضَ القلب بالكُلِية عن مُلاحظة الحَوْل والقوة وسائر الأسباب الظاهرة لا يدوم، والمقام الثاني يشبه صُفْرَةَ المَحْموم؛ فإنه يدوم يوماً أو يومين، والثالثُ يشبه صُفْرةَ مریضٍ اسْتَحكمَ مرضُهُ، فلا يبعدُ أن يدومَ، ولا يبعدُ أن يزولَ. وأما أعمال المتوكلين: فاعلم أنه ليس معنى التوكُّل تركَ الكَسْب بالبدن، وتركَ التدبير بالقلب، وهذا ظَنُّ الجُهَّال؛ فإن ذلك حرامٌ في الشَّرع، [والشرع] قد أثنى على المُتوكِّلين، فكيف يُنال التوكُّل بمَحظُورات الدِّين؟ فنقول: سَعيُ العبد باختياره إما لجَلْبِ نافع هو مفقودٌ عنده كالكَسْبِ، أو لحِفْظِ نافع هو موجودٌ [عنده] كالادِّخار، أو لدفع ضارٍّ لم ينزل به؛ كدَفع الصَّائِل والسَّارق والسِّباع، أو لإزالة ضارٍّ نزل به؛ كالتداوي من المرض، فمقصود حركات العبد لا تعدو هذه الفنون الأربعة، أما جلبُ النافع: فهو على ثلاث [درجات]: مقطوعٌ به، ومَظنونٌ ظناً يوثق به، ومَوهومٌ [وهماً] لا تثق النفس به . (١) زيادة من ((إحياء علوم الدين)) (٤ / ٢٦١)، والنقل مختصر. ٣٦٧ أما المقطوع: مثلُ الأسباب التي ارتبطت المُسبَّياتُ بها بتقدير الله تعالى؛ كما إذا وُضع الطعامُ بين يديك وأنت جائعٌ، ولا تَمُدُّ إليه اليدَ، وتقول: أنا مُتوكِّل، فقد جهلت سببَه؛ وكذلك لو لم تزرع الأرض وطمعت في [أن يخلق الله] النبات من غير بَذْرٍ، أو تلدَ زوجتُك من غيرِ وِقاعٍ، فليس التوكل في هذا المقام بالعمل، بل بالحال والعلم؛ بأن تعلم أن الله خالق الطعام واليد، وأنه الذي يُطعمك ويَسقيك. وأما الحال: فهو أن يكون سكونُ قلبك [واعتمادك] على فعل الله، لا على اليد والطعام؛ إذ رُبَّما جَفَّت اليد، أو سُلِّط على الطعام من يمنعك منه . وأما المظنون به: فكالأسباب التي ليست مُتَعيِّةً، لكن الغالبُ أن المُسبََّاتِ لا تحصل دونها؛ كالذي يسافر [في] البراري بلا استصحاب الزَّاد، فهذا ليس شرطاً في التوكل، بل استصحابُ الزَّاد سُنَّةٌ بشرط الاعتماد على فضل الله لا على الزاد، لكن ترك التزؤُّد جائزٌ بشرطين: أحدهما: أن یکون الرجلُ قد راض نفسَهُ وجاهدها [بحیث] یمکنه الصبرُ عن الطعام أسبوعاً فما يُقاربه من غير تشويش خاطر، وتعذُّرٍ في ذكر الله . الثاني: أن يكون بحيث يقوى على التقوُّت بالحشيش؛ إذ لا تخلو البوادي في كل أسبوع [عن] أن يلقاه آدمي، أو ينتهي إلى حِلَّةٍ(١) أو قرية، أو إلى حشيش يُزجِّي به وقتَه، والمُجاهدةُ عمادُ التوكل، وعلى هذا كان (١) الحِلَّةُ: المحلة. ٣٦٨ يُعوِّل الخَوَّاصُ ونظراؤه من المتوكلين، وكان لا تفارقه الإبرةُ والمِقْراضُ والحبلُ والرَّكْوةُ، ويقول: هذا لا يقدَحُ في التوكُّل؛ لأنه علم أن البراريَ قلَّما كان الماء فيها على وجه الأرض، وما جرت سُنَّ الله بصُعود الماء من البئر من غير دلو، وربما يتخرق الثوبُ فتُكشف عورته، وكل ما في معنى هذه الأربعة يلتحق بالدرجة الأولى. ولهذا نقول: لو انحاز إلى شِعبْ من الجبال [حيث] لا ماءَ ولا حشيشَ، ولا يَطرُق طارقٌ، وجلس متوكلاً؛ فهذا آئمٌ ساعٍ في إهلاك نفسه . وأما الموهومُ: فكالذي يستقصي في التدبيرات الدَّقيقة في تفصيل الاكتساب ووجوهه، وذلك يخرج بالكلية عن درجات التوكل . وأما حفظ النافع كالادخار: فله ثلاثة أحوال: الأولى: أن يأخذ قَدْرَ حاجته في الوقت، وهي الدرجة العليا. الثانية: أن يدَّخرَ لسنة فما فوقها؛ فهذا ليس من المُتوكِّلين أصلاً. الثالثة: [أن يدَّخرَا لأربعين يوماً فما دونه، فهل يخرجه عن التوكل أم لا؟ ذهب سهل(١) إلى أنه يخرجه، وذهب الخَوَّاصُ إلى أنه لا يخرجه بأربعين، ويخرج بما زاد، وقال أبو طالب: لا يخرج بالزيادة أيضاً على الأربعين. وهذا الاختلاف لا معنى له، والأفضل أن لا يدَّخرَ أصلاً، والضعيف (١) في الأصل: ((إليه العام))، والتصويب من ((إحياء علوم الدين)) (٤ / ٢٧٦). ٣٦٩ يَدَّخرُ قدرَ حاجته، هذا حكم المنفرد، فأما المُعيل: فلا يخرج عن حد التوكل بادخار قُوت سنة لعياله؛ اقتداء بسيد المُتوكِّلين وَّهِ، وكان قِصَرُ أَملِه بحيث إذا بال تيمم مع قُرب الماء، وادَّخر لعياله سنة لا لضَعفِ قلبٍ فيه وفي عِياله، لكن ليَسُنَّ ذلك للضُّعفاء من أُمَّته، ثم أخبر أن الله تعالى يُحِبُّ أن تُؤْتِى عزائمُه؛ تطبيباً لقُلوب الضُّعفاء. وأما دفع الضار: فأسبابه تنقسم إلى مقطوع بها، وإلى مَظنونةٍ، وإلى مَوْهُومةٍ، فترك المَوْهوم منها من شرائط التوكل، وهي التي نِسبتُها إلى دفع الضرر نسبةُ الكَيِّ والرُّقيةِ، ولم يوصف المُتوكِّلون إلا بترك الكَيِّ والرُّقيةِ والطّيّرةِ، ولم يوصفوا بأنهم إذا خرجوا إلى موضع بارد لم يلبسوا جُبَّة؛ دفعاً للضرر المُتوقَّع، أما الصبرُ على أذى العَقارب والسِّباع: فتركُ دَفْعِها ليس من التوكلُّ في شيءٍ. فإن قلت: إذا أخذ المُتوكِّل سلاحَه، أو أغلق بابَه حذراً من اللِّصِّ، أو عقَلَ بعيره؛ فبأي اعتبار یکون متوگِّلاً؟ فأقول: بالعلم والحال، [أما العلم]: فبأن يعلم بأن الدافعَ هو الله، فكم ممَّن أخذ السِّلاحَ وقُتل، وكم من بابٍ يُغلق فلا ينفع، وكم من بعير يُعقل ويُفلِتُ! فلا يَتَّكِلْ إلا على مُسبِّب الأسباب. وأما الحال: فبأن يكون راضياً بما يقضي [الله] في نفسه وبيته وماله. وأما الأسباب المُزيلة للضَّرر: فتنقسم أيضاً إلى مَقطوع به؛ كالماء المُزيل لضرر العطش، وإلى مَظنون؛ كالفَصْد، والحِجَامة، وشُرب المُسْهِل، وسائر أبواب الطِّبِّ، وإلى مَوهوم؛ كالكَيِّ والرُّقيةِ. ٣٧٠ أما المقطوع: فليس من التوكل تركُه، بل تركُه حرامٌ عند [خوف] الموت. وأما المَوْهُومِ: فشرطُ التوكل تركُه؛ إذ وَصفَ بِهِ وَّهِ المُتوكِّلين(١)، والمظنونُ ليس فعلُه مناقضاً للتوكل، والدَّليلُ على ذلك فعلُهُ وَّهِ، وقولُه، وأَمرُه به(٢). * قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَمَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُواْ هَذَا مَا وَعَدَنَا اُلَهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآيةَ [الأحزاب: ٢٢]. قال قتادة: يعنون قولَه تعالى في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّايَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرّءُ وَزُلِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللَّهُ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، أي: هذا ما وعدنا الله ورسولُه من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يَعقُبُهُ النصرُ القريب؛ ولهذا قالوا: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ﴾، وفي قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيَمَنَا﴾ [الأحزاب: ٢٢] دليلٌ على زيادة الإيمان وقُوَّته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم؛ كما قال جمهور الأئمة: إنه يزيد وينقص. وقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾؛ أي: ذلك الحال الضَّيِّقُ ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ انقياداً لأوامره، وطاعةً لرسوله(٣). (م): قوله: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ﴾ ليس إشارةً إلى ما وقع؛ لأنهم كانوا يعرفون (١) رواه مسلم (٢٢٠ / ٣٧٤). (٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٤ / ٢٦١ - ٢٧٩). (٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١١ / ١٣٤). ٣٧١ صدقَ الله قبل الوقوع، وإنما هو إشارةٌ إلى بِشارَةٍ، وهو أنهم قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢]، وقد وقع وصدق اللهُ في جميع ما وعد بوقوع الكُلِّ؛ مثل فتح مكة، وفتح الرُّوم وفارس(١). * قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، أي: الذين توعدهم الناس بالجُموع، وخَوَّفوهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك، بل توكلوا على الله واستعانوا به، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيلُ. روى ابن مَرْدُويَهْ عن أبي هريرة قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((إذا وَقعتُمْ في الأَمرِ العَظيمِ؛ فقولوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ))، هذا حديثٌ غَريبٌ من هذا الوجه (٢)، روى الإمام أحمد عن عوف بن مالك: أنه حَدَّثهم: أن النبيَّ ◌َّ قضى بين رَجُلين، فقال المَقْضِيُّ عليه لمَّا أدبر: حَسْبِي اللهُ ونعمَ الوَکیلُ، فقال النبيُّ وَّهِ: ((رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ، فقال: ما قُلتَ؟)) قال: قلت: حَسْبِيَ اللهُ ونعمَ الوَكِيلُ، فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ اللهَ وَ يَلُومُ على العَجْزِ، ولكن عَلَيْكَ بالكَيْسِ(٣)، فإذا غَلَبَكَ أَمرٌ؛ فقُلْ: حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ))، وكذا رواه أبو داود والنسائيُّ(٤). (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٥/ ١٧٦). (٢) وهو حديث ضعيف جدًّا. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٧٠٠٢). (٣) في هامش الأصل: ((الكَيْسُ: خِلافُ الحُمْق. صحاح)). (٤) رواه الإمام أحمد في («المسند» (٦ / ٢٤)، وأبو داود (٣/ ٣١٣)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٤٦٢). وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (١٧٥٩). ٣٧٢ وروى الإمام أحمدُ عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله وَلي: (كيفَ أَنْعَمُ وصَاحبُ القَرْنِ قَدِ التقَمَ القَرْنَ، وحَنَى جَبهتَهُ يَستَمِعُ متى يُؤمرُ فَيَنْفُخُ؟!))، فشَقَّ ذلك على أصحابِ مُحمَّد ◌َّةَ، فقال لهم: ((قولوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، على اللهِ تَوَكَّلْن))(١)، وقد روي من غير هذا الوجه، وهو حديثٌ جَيِّد. وقوله: ﴿فَانْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾؛ أي: لمَّا توكَّلوا على الله؛ كفاهم ما أَهمَّهم، ورَدَّ عنهم بأسَ من أراد كيدَهم، فرجعوا إلى بلدهم بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سُوءٌ مِمَّا أَضمرَ لهم عدُوُهم. روى البيهقي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: النِّعمةُ أنهم سَلِموا، والفَضْلُ: أن عِيراً مَرَّت بهم، وكان في أيام الموسم، فاشتراها رسولُ اللهِ وَّةَ، فربح فيها مالاً، فقسمها بين أصحابه(٢). وروى ابن جَرِيرٍ عن ابن جُرَيجِ قال: لمَّا عمَد رسولُ الله وَّ لموعد أبي سفيان، فجعلوا يَلْقَون المُشركين ويسألونهم عن قريش، فجعلوا يقولون لهم: قد جمعوا لكم، یکیدونهم بذلك، یریدون أن يُرعبوهم، فيقول المسلمون: حسبنا اللهُ ونعم الوكيلُ، حتى قَدِموا بدراً، فوجدوا أسواقَها عَافِيَةً لم ينازعهم فيها أحدٌ(٣). (١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١ / ٣٢٦). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٤٥٩٢). (٢) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣/ ٣١٨). (٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ٢٧٠ - ٢٧٥). والخبر رواه الطبري في ((تفسيره)) (٤ / ١٨١)، وهو مرسل. ٣٧٣ (الكشاف): الضمير المستكنُّ في ﴿فَزَادَهُمْ﴾ راجعٌ إلى المَقُول الذي هو: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، كأنه قيل: قالوا لهم هذا الكلام، فزادهم إيماناً، أو إلى مصدر (قالوا)؛ كقولك: مَنْ صدق كان خيراً له، أو إلى (الناس) إذا أُريد به نُعَيمٌ وحده. فإن قلت: كيف زادهم نُعَيمٌ أو مَقُولُه إيماناً؟ قلت: لمَّا لم يسمعوا قولَه، وأخلصوا عنده النية والعزمَ على الجهاد، وأظهروا حَمِيَّةَ الإسلام؛ كان ذلك أثبتَ ليقينهم، وأقوى لاعتقادهم؛ كما يزداد الإيقان بتناصر الحُجج، ولأن خروجَهم على أَثْر تَشَبيطِه إلى وُجهة العَدوِّ طاعةٌ عظيمة، والطاعاتُ من جملة الإيمان؛ لأن الإيمانَ اعتقادٌ وإقرارٌ وعملٌ. وعن ابن عمر: قلنا: يا رسولَ الله! إن الإيمان يزيد وينقص؟ قال: ((نَعَمِ، يَزيدُ حتى يُدخلَ صاحبَهُ الجَنَّةَ، وَيَنقُصُ حَتَّى يُدخلَ صاحبَهُ النَّارَ))(١). وعن عمر: أنه كان يأخذُ بيد الرجل فيقول: قُمْ بِنا نَزَدَدْ إيماناً(٢). وعنه: لو وُزن إيمانُ أبي بكر بإيمان هذه الأُمَّة؛ لرجحَ به(٣). و﴿حَسْبُّنَا اللَّهُ﴾؛ أي: مُحْسِبُنَا اللهُ؛ أي: كافينا، يقال: أَحسبَهُ الشَّيُ إذا كفاه، والدليل على أنه بمعنى المُحْسِب: أنك تقول: هذا رجلٌ حَسْبُك، فتصف به النكرةَ؛ لأن إضافته - لكونه في معنى اسم الفاعل - غيرُ حقيقية. (١) رواه الثعلبي في ((تفسيره)) (٣/ ٢١١). وانظر إسناده في ((تخريج أحاديث الكشاف)) للزيلعي (١ / ٢٤٨). (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٠٣٦٦). (٣) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٣٦). وهو خبر صحیح، روي مرفوعاً من حديث ابن عمر، وهو منكر. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٦٣٤٣). ٣٧٤ ﴿َوَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾؛ أي: نعم المَوكولُ إليه هو، ﴿كَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ﴾ هي السلامةُ، وحَذَرُ العَدوِّ منهم، ﴿وَأَثَّبَعُواْ رِضْوَنَ اللهِ﴾ بجرأتهم وخروجهم، ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ قد تفضَّل عليهم بالتوفيق فيما فعلوا، وذلك تَحْسیرٌ لمن تخلَّفَ عنهم، وإظهارٌ لخطأ رأيهم حيث [حَرمُوا] أنفسَهُم ما فاز به هؤلاء، وروي أنهم قالوا: هل يكونُ هذا غَزْواً؟ فأعطاهم الله ثوابَ الغَزْوِ ورضيَ عَنْهُم(١). : قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيّ الَّذِى لَا يَمُوتُ﴾؛ أي: كن مُتوكِّلاً عليه في أُمورك كُلِّها، واجعله ذُخراً لك، ومَلْجَك؛ فإنه كافيك وناصرُك. روى ابن أبي حاتم عن شَهْرِ بن حَوْشَب قال: لقي سلمانُ رسولَ اللهِيه في بعض فِجَاجِ المدينة، فسجد له، فقال: ((لا تَسجُدْ لِي يا سَلمانُ، واسجُدْ للحَيِّ الذي لا يَمُوتُ))(٢)، هذا مُرسلٌ حَسنٌ. (م): لأن مَنْ توكل على غير الحَيِّ الذي لا يموت، فإذا مات المُتوگَّل عليه، صار المُتوكِّلُ ضائعاً، وأما هو سبحانه: فإنه حَيُّ لا يموت، فلا يضيع المُتوكِّلُ عليه البتّةَ(٣). (الكشاف): عن بعض السلف: أنه قرأها فقال: لا يَصِحُ لذي عقل أن يثقَ بعدها بمخلوق (٤). * قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ﴾؛ أي: إذا شاورتهم في (١) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (١ / ٤٧٠). (٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٥٢٩١). (٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (١ / ٤١). (٤) انظر: ((الكشاف)) للزمخشري (٣/ ٢٩٤). ٣٧٥ الأمر، وعزمتَ عليه؛ فتوكَّلْ على الله. روى ابن مَرْدَويه عن علي بن أبي طالب ﴿ه قال: سُئل رسولُ الله ◌ِلَّم عن العَزْم فقال: ((مُشاورَةُ أَهلِ الرَّأيِ، ثُمَّ اتُباعُهُم))(١). (م): أي: إذا حصل الرأيُّ المُتأكِّدُ بالمَشورة؛ لا يجب أن يقع الاعتماد [عليه]، بل على إعانة الله وتَسديده وعِصْمتهِ، والمقصودُ: أن لا يكونَ للعبد اعتمادٌ على شيء إلا على الله، [في جميع الأمور]. ودلت الآية أيضاً على أنه ليس التوكل أن يهملَ الإنسانُ نفسَه، وإلا لكان الأمرُ بالمُشاورة منافياً للأمر بالتوكل، بل التوكُّلُ هو أن يُراعيَ الأسبابَ الظاهرة، لكن لا يُعوِّلُ عليها، بل يُعوِّل على عِصْمةِ الحَقِّ. وفي قوله: ﴿إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ﴾ ترغيبٌ للمُكلَّفين في الرُّجوعِ إِلى. الله، والإعراض عن كلِّ ما سواه(٢). قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَنْتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] قال ابنُ عباس: المنافقون لا يَدخُل قلوبَهم شيءٌ من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكَّلون، ولا يُصلُّون إذا غابوا، ولا يُؤْدُّون زكاةَ أموالهم، فأخبر سُبحانه أنهم ليسوا بمؤمنين(٣). (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ٢٣٧). ولم نقف على إسناده، وله شواهد رواتها ثقات لکنها مرسلة، کما روي في معناه حديث ضعيف: أن رسول الله (ێۇ سئل عن الحزم فقال: ((تستشير أهل الرأي ثم تطيعهم)). انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٤٨٥٠). (٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٩ / ٥٦). (٣) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٨٧٧٧). ٣٧٦ قال مُجاهدٌ: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فَرِقَت؛ أي: خافت وفَزعت. وقالت أُمُّ الدَّرداءِ: الوَجَلُ في القلب كاحتراق (١) السَّعَفَةِ، أما تَجِدُ له قَشْعريرةً؟ قال(٢): بلى، قالت: فإذا وجدتَ ذلك فادْعُ الله عند ذلك؛ فإن الدُّعاءَ يُذهب ذلك(٣). ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَلُونَ﴾؛ أي: لا يَرجُون سواه، ولا يَقصِدُون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجَنابه، ولا يطلبون الحوائجَ إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يَكُن، وأنه المُتَصرِّفُ في المُلك وحدَه لا شريكَ له(٤). وَأَمَّا الأحَادِيثُ: ٧٤ - فَالأوَّلُ: عَنْ ابْن عَبَّاس ◌َ﴾، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الأَمَمُ، فَرَأَيْتِ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ، وَالنَّبِيَّ ولَيسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنْت أَنَّهُمْ أُمَتِي، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ، وَلَكِنِ انْظُرْ إلى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إلَى الأَفْقِ الآخَرِ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظيمٌ، فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أَمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ (١) في الأصل: ((كإحراق)). (٢) أي: شهر بن حوشب. (٣) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (١١٣٨). (٤) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٧/ ١٤). ٣٧٧ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الجَنَّ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ)). ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولِئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رسولَ اللهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلامِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بالله شيئاً، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رسولُ اللهِهِ، فَقَالَ: ((مَا الَّذِي تَخُوضونَ فِهِ؟»، فأخْبَرُوهُ، فَقَالَ: ((هُمُ الَّذِينَ لا يَرْقُونَ، وَلاَ يَسْتَرْقُونَ وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)»، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: ادْعُ الهَأَنْ يَجْعَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: (أَنْتَ مِنْهُمْ))، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فقال: ((سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» متفقٌ عليه. (الرُّهَيْطُ)) بِضَمِّ الرَّاءِ: تَصْغِيرُ رَهْطٍ، وَهُمْ دُونَ عَشَرَة أَنْفُسٍ. ((وَالأَفُقُ)): النَّاحِيَّةُ وَالجَانِبُ. ((وَعُكَّاشَةُ)): بِضَمِّ العَيْنِ وَتَشْديدِ الكَافِ، وَبَتَخْفِيفِهَا، وَالتَّشْدِيدُ أَفْصَحُ. (الأَفْلُ) (مظ): ((عرضت علي الأمم))؛ أي: أراني الله الأنبياءَ وأُمْمَهُم؛ لأرى كلَّ نبيٍّ ومَنْ آمن به(١). (نه): الرَّهْطُ من الرجال: ما دون العشرة، وقيل: إلى الأربعين، (١) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٥/ ٣٠٨). ٣٧٨ ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحدَ له من لفظه، ويُجمع على أَرْهُط وأَرْهَاط، وأَراهِطُ جَمْعُ الجمع، و(السواد): هو الشخص؛ لأنه يُرى من بعيد أسودَ، فكلُّ شخص من إنسان أو متاع أو غيره سَوادُ(١). * قوله: ((سبعون ألفاً) روى مسلم في غير هذا الحديث: ((لَيَدخُلنَّ الجنةَ مِنْ أُمَّتِي سَبعونَ ألفاً مُتماسِكُونَ آخِذٌ بعضُهم بعضاً، لا يدخُلُ أَوَّلُهم حَتَّى يدخلَ آخِرُهُم))(٢). وعن أبي أُمامةَ الباهليِّ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ◌ّ ه يقول: ((وعدَني رَبِّي أن يَدخُلَ الجنَّةَ من أُمَّتِي سَبعُونَ ألفاً، معَ كُلِّ أَلْفٍ سَبعونَ ألفاً، لا حِسَابَ عَلَيهِم ولا عذابَ، وثلاثُ حَثَيَاتٍ مِن حَثَيَاتِ رَبِّي))(٣). وروى الطبرانيُّ في ((الكبير)) عن عُتبةَ بن عبدِ السُّلَميِّ قال: قال رسولُ الله ◌َّهِ: ((إنَّ رَبِّي ◌َّ وَعدَنِي أَنْ يُدخلَ الجَنةَ مِن أُمَّتِي سَبعينَ ألفاً بغَيرِ حِسَابٍ، ثُمَّ يشفعُ كلُّ أَلْفٍ لسبعينَ أَلَفاً، ثُمَّ يَحِْي رَبِّي بِكَفَّيهِ ثلاثَ حَاتٍ)»، فكَبَّر عمرُ وقال: إنَّ السَّبعينَ الأُولى يُشْفِّعُهم اللهُ في آبائهم وأبناءهم وعَشائرهم، وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحَثَاتِ الأَواخرِ (٤). قال الحافظ أبو عبدالله بنُ محمد بن عبد الواحد: لا أعلم لإسناد هذا (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٢٨٣). (٢) رواه مسلم (٢١٩)، من حديث سهل بن سعد ﴾. (٣) رواه الترمذي (٢٤٣٧). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧١١١). (٤) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٧ / ١٢٧). ٣٧٩ الحديث عِلَّةً(١)، ورواه ابن مَنْدَه وزاد: فقال عُميرٌ: يا رسولَ الله؛ زِدْنا، فقال عمرُ: حَسْبُك يا عُمَيرُ، فقال: ما لنا ولك يا بن الخطاب، وما عليك أن يُدخلَنا الله الجنة؟ فقال عمرُ: إن الله رَّ إن شاءَ أدخلَ الناسَ الجنةَ بحَفْنةٍ - أو بحَثْيَةٍ - واحدة، فقال نبيُّ الله وَّهِ: ((صَدَقَ عُمَرُ))(٢). * قوله: ((بغير حساب ولا عذاب)): (ك): فإن قلت: هل يدخلون وإن كانوا أصحابَ معاصٍ ومظالم؟ قلت: إذا كانوا بهذه الأوصاف الأربعة؛ لا يكونون إلا عُدولاً مُطهَّرين من الذنوب، أو ببركة هذه الصفات يغفر الله لهم ويعفو عنهم(٣). (ن): ((فخاض الناس في أولئك))؛ أي: تكلّموا وتناظروا، وفيه: إباحةُ المُناظرة في العلم، والمُباحثة في نُصوص الشرع، على جهة الاستفادة وإظهار ؛ الحق (٤). * قوله ◌َيقر: ((هم الذين لا يرقون)»: (نه): (الرقية): العُوذَةُ التي يُرقى بها صاحبُ الآفة؛ كالحُمَّى، والصَّرع، وغير ذلك من الآفات، وقد جاء في بعض الأحاديث جوازُها؛ (١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (٣/ ١٥١). (٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٧ / ٦٤). وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٠ / ٤٠٥): رواه الطبراني، وأبو بكر بن عمير لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح . (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٠ / ٢١٨). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٩٤). ٣٨٠ كقوله وَّه: ((استَرِقُوا لهَا؛ فإنَّ بها النَّظْرةَ) (١)؛ أي: اطلُبوا لها من يَرقيها، ومن النَّهي قولُه: ((لا يسترقون))، والأحاديث في القِسْمين كثيرة. ووجه الجمع بينهما: أن الرُّقَى يكره منها ما كان بغير اللُّسان العربيِّ، وبغير أسماء الله تعالى، وصفاته، وكلامه في كُتبه المُنزَّلة، وأن يعتقدَ أن الرُّقى نافعةٌ لا مَحالةَ فيتَّكِل عليها، وإياه عنى بقوله: ((ما تَوَكَّلَ مَنِ استَرْقَى))(٢)، ولا يكره منها ما كان في خلاف ذلك؛ كالتعوُّذ بالقرآن وأسماء الله تعالى، والرُّقى المَرويَّة؛ ولذلك قال للَّذي رقى بالقرآن وأخذ عليه أجراً: ((مَنْ أخذَ بِرُقِيةِ باطلٍ؛ فقد أخذْتَ برُقْيَةٍ حَقٍّ)(٣)، وكقوله بَّر في حديث جابر: ((اعرضُوها عَلَيَّ))، فعرضناها فقال: ((لا بأسَ بها، إنَّما هُوَ مَوائِيقُ الجِنِّ))(٤). وأما الحديث: ((هم الذين لا يسترقون)): فهذا من صفة الأولياء المُعرضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها، وتلك درجةٌ لا يبلُغها إلا الخَوَاصُّ، فأما العُموم: فمُرخَّصٌ لهم في التداوي والمُعالجات، ومَنْ صبر على البلاء، وانتظر الفرجَ من الله تعالى بالدُّعاء؛ كان من جملة الخَواصِ والأولياء، ومَنْ لم يصبر؛ رُخِّصَ له في الرُّقية والعِلاج والدَّواء. (١) رواه البخاري (٥٤٠٧)، من حديث أم سلمة رضي الله عنها. (٢) رواه الترمذي (٢٠٥٥)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٧٦٠٥) - واللفظ له - من حديث المغيرة بن شعبة رب. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. (٣) رواه أبو داود (٣٤٢٠) من حديث خارجة بن الصلت. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٤٤٩٤). (٤) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٨٢٧٧) بنحوه، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٥٢٧٦)، من حديث ابن مسعود . وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٥/ ١١١): وفيه من لم أعرفه. ٣٨١ ألا ترى أن الصدِّیق څہ لمَّا تصدَّقَ بجمیع ماله لم يُنکِرْ علیه علماً منه بيقينه وصبره، ولمَّا أتاه الرجل بمثل بَيْضَةِ الحَمَام من الذَّهب وقال: لا أملكُ غيرَهُ؛ ضربه به؛ بحيثُ لو أصابه عَقَرهُ، وقال فيه ما قال(١). و (الطيرة)) بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن: هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تَطَيَّر، يقال: تطيَّر طِيَرَةً وتَخْيَّر خِيرَةً، ولم يَجِىءُ من المصادر هكذا غيرُهما، وأصله فيما يقال: التطيرُ بالسَّوانح والبَوارحِ من الطَّير والضَِّاء وغيرهما، وكان ذلك يَصدُّهم عن مَقاصدِهم، فنفاه الشرعُ وأبطلَه، ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثيرٌ في جَلْبٍ نفع أو دفع ضَرٌّ. (ن): حمل المَازَرِيُّ هذا على قوم يعتقدون أن الأدويةَ نافعةٌ بطبعها، ولا يُفوّضون الأمرَ إلى الله تعالی. قال القاضي: وهذا التأويل لا يستقيم؛ إذ مقصودُ الحديث: أن لهؤلاء السبعين ألفاً مَزِيّة وفضيلةً، ولو كان كما تأوَّله؛ لما اختصَّ هؤلاء بهذه الفضيلة؛ لأن تلك عقيدةُ جميع المؤمنين، ومَن اعتقد خلافَ ذلك كَفَر. وقال الدَّاوديُّ: المرادُ من الحديث: الذين يفعلونه في الصِّحَّة؛ فإنه يُكره لمن ليست به عِلَّةٌ أن يتخذ التمائم(٢) ويستعمل الرُّقى، فأما للمريض: فهو جائز، وذهب بعضهم إلى تخصيص الرُّقى والكَيِّ من بين أنواع الطُّبِّ، وأن الطبَّ غيرُ قادح في التوكل؛ إذ تَطَبَّبَ النبيُّ وَّرِ والفُضلَاءُ من السلف، وكلُّ سبب مقطوع به - كالأكل والشُّرب للغذاء والرِّيِّ - لا يقدح في التوكل عند المُتكلِّمين في هذا الباب؛ ولهذا لم يَنْفِ عنهم التطبُّبَ، ولهذا لم (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٢٥٤). (٢) في هامش الأصل: ((جمع تميمة)). ٣٨٢ يُجعل الاكتسابُ للقُوت وعلى العِيال قادحاً في التوكل إذا لم تكن ثقتُه في رزقه باکتسابه، وکان مُقوِّضاً في کل ذلك إلى الله. وقال الخَطَّابِيُّ: المُراد: مَنْ تركها توكلاً على الله ورِضاً بقضائه وبلائه، قال: وهذا من أرفع درجات المُحقِّقين بالإيمان، وإلى هذا ذهب جماعة سَمَّاهم. قال [القاضي]: وهذا ظاهرُ الحديث، ومقتضاه: أنه لا فرق بين ما ذكرنا من الكَيِّ والرُّقَى وسائرِ أنواع الطبِّ، والكلامُ في الفرق بين الطُّبِّ والكَيِّ يطول، وقد أباحهما النبيُّ ◌َّ، وأثنى عليهما، لكني أذكر منه نُكْتةً تكفي، وهو أنه وَّهِ تَطَبَّبَ في نفسه، وطَبَّبَ غيرَه، ولم يَكْتَوِ، وكوى غيرَه، ونهى في ((الصحيح)) عن الكَيِّ، وقال: ((ما أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ))(١)، هذا آخر كلام القاضي. والظاهرُ من معنى الحديث ما اختاره الخَطَّابيُّ ومَنْ وافقه، وحاصله: أن هؤلاء كمَل تفويضُهم إلى الله، فلم يتسببوا في دفع ما أوقعه بهم، ولا شَكَّ في فضيلة هذه الحالة، ورُجْحان أصحابها، وإنما تطبب النبيُّ وَّ لبيان الجواز(٢). (ق): قيل: إن [استعمال] الرُّقى والكَيِّ قادحٌ في التوكل، بخلاف سائر أنواع الطبِّ، وفُرِّق بأنَّ الرُّقى والكَيَّ والطِّيَرَةَ مَوهومٌ، وما عداها غيرُ مَوهومٍ، وهذا فاسدٌ من وجهين : (١) رواه البخاري (٥٣٥٩)، من حديث جابر څته. (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٩٠). ٣٨٣ أحدهما: أن أكثر أبواب الطبِّ موهومةٌ كالكَيِّ، فلا معنى للتخصيص. ثانيهما: أن الرُّقى بأسماء الله تعالى، وهو غاية التوكل على الله؛ للالتجاء إليه، والتعويل في كشف الضُرِّ والبلاء عليه، فإن كان هذا قادحاً في التوكل؛ فليكن الدعاء والأذكار قادحةً، ولا قائل به. وقد رقى النبيُّ نَّه واسترقى، ورقاه جبريلُ ورَقَتْهُ عائشةُ، وفعل ذلك الخلفاء والسلف(١)، فالتوكُّلُ إذاً لم يَتِمَّ لهم، مع أنهم أفضل مَنْ وافى القيامةَ بعد الأنبياء، ولا يَتخيّل هذا عاقلٌ، فالقولُ ما قاله الخَطَّابيُّ، وذلك ظاهرٌ في الطِّيَرةِ والكَيِّ، فإذا دفع الطَّيَرةَ عن نفسه ولم يلتفت إليها بالتوكل على الله؛ كان في المقام الأرفع من التوكل. وأما الكَيُّ: فسببُ النهي عنه: أنه تعذيبٌ بعذاب الله، وهو مَنْهيٌّ شرعاً، وبهذا ينفرد الكَيُّ، ولا يلحق به الطِّبُّ في الكراهة، فإنه ◌َّ قد تَطَبَّبَ وطَبَّ، وأحال على الطبيب. وأما الرَّقيُ والاسترقاء: فما كان من رُقى الجاهلية، أو بما لا يعرف؛ فواجبٌ اجتنابه، ولا يكون ذلك المُرادَ هنا، ولا اجتنابَ الرَّقي بأسماء الله تعالى، وبالمَرويِّ عن رسول الله وَّه؛ لأنه التجأ إلى الله وتَبَرَّك بأسمائه. ويظهر لي - والله أعلم -: أن المقصودَ اجتنابُ رَقيٍ خارج عن القسمين؛ كالرَّقْي بأسماء الملائكة، والنبيِّن، والصَّالحين، وبالعَرْش، والكُرسيِّ، والسماوات، والجنة والنار، وما شاكل ذلك مما يفعلهُ كثيرٌ ممن يتعاطى الرَّقِيَ، وهذا القسمُ مُلحقٌ بما يجوز فعله، غير أن تركَه أولى(٢). (١) في الأصل: ((الخلف والسلف)). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٦٦). ٣٨٤ قال الشيخ أبو عبدالله محمَّد بن أحمد القُرطبيُّ في كتاب ((التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة»: مَحلُّ النھي عن رَقْي مخصوص؛ بدليل قوله ◌َّه: ((لا بأسَ بالرُّقى ما لم يَكُن فيه شِرْكٌ))(١). وكذلك الكَيُّ الذي لا يوجد عنه غِنِىّ، فمَنْ فعله في محَلِّه وعلى شرطه لم يكن ذلك مكروهاً، ويجوز أن يكون من السبعين ألفاً. وقد كوى النبيُّ نَّهَ نفسَه فيما ذكر الطبريُّ في كتاب ((آداب النفوس)). وذکر الحليميُّ في کتاب «منهاج الدین) له وروى: أن النبيَّ ◌َّټ اكتوى من الكَلْم الذي أصابه في وجهه يوم أُحد(٢)، وكوى أسعد بن زرارةَ(٣)، وكوى سعدَ بن مُعاذٍ (٤) الذي اهتزَّ له عرشُ الرَّحمن، وأُبِيَّ بن كعب(٥) المَخصوصَ بأنه أقرأُ الأُمَّة للقرآن، وقد اكتوى عِمرانُ بن حُصَينَ(٦)، فمَن اعتقد أن هؤلاء لا يصلُحون أن يكونوا من السبعين ألفاً؛ ففساد كلامه لا يخفى. (ش): ليس عند البخاريِّ: ((ولا يرقون))، قال شيخنا: وهو الصواب، وهذه اللفظة غلطٌ من بعض الرُّواة؛ فإن النبيَّ وَّر وصف هؤلاء بتحقيق التوحيد (١) رواه مسلم (٢٢٠٠) من حديث عوف بن مالك څ. (٢) انظر: ((السيرة الحلبية)) لبرهان الدين الحلبي (٢/ ٥١٩). (٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤/ ٤٦٢)، من حديث أنس ظ (٤) رواه أبو داود (٣٨٦٦)، والإمام أحمد في «مسنده)) (٣/ ٣٦٣)، من حديث جابر وهو حدیث صحیح کما ذکر محققو «المسند»، ورواه مسلم (٢٢٠٨) بنحوه، ولفظه: ((رمي سعد بن معاذ في أكحله فحسمه النبي ◌ُّ بيده بمشقص، ثم ورمت فحسمه الثانية)» . (٥) رواه مسلم (٢٢٠٧) من حديث جابر . (٦) رواه أبو داود (٣٨٦٥)، من حديث عمران بن الحصين ٣٨٥ وتجريده، فلا يَسألون غيرَهم أن يَرقِيَهم ولا يَتطيَّرون، والطَّيَرَةُ نوعٌ من الشرك، ویتوکلون على الله وحده. وأما رُقية الغير: فهي إحسانٌ من الرَّاقي، وقد رقى جبريلُ رسولَ اللهِ، وكذلك عائشةُ، وأذن في الرُّقى، وقال: ((لا بأسَ به ما لم يكن فيه شِرْكٌ))(١)، واستأذنوه فيها فقال: ((مَنِ استطاعَ مِنكُم أن ينفعَ أَخَاهُ؛ فليَتْفَعْهُ»(٢). وهذا يدلُّ على أنه نَفْعٌ وإحسانٌ، وذلك مُستحبٌّ مطلوبٌ؛ فإن الاسترقاءَ ينافي ذلك، لا الرُّقية (٣). * قوله: ((فقام عكاشة» : (ق): هو بضم العين وتشديد الكاف، قال ثَعلبٌ: وقد تُخفَّف، [قلت]: ولعله منقولٌ من عُكَاشةَ - اسمٌ لبيت النمل (٤) - بالتخفيف، وإمه مأخوذٌ من عَكِشَ الشَّعرُ وتَعَكَّش: إذا التوى. وعُگَّاشةُ هذا من أفضل الصحابة وخیارِهم وشُجعانهم، له ببدر المقامُ المشهور، والعَلَم المنشور، وذلك أنه ضرب بسيفه في الكُفَّار حتى انقطع، فأعطاه رسولُ اللهِ وَ جِذْلَ(٥) خَطبٍ، فأخذه فهَزَّه فعاد في يده سيفاً صارماً، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين، وكان ذلك السيفُ (١) تقدم تخريجه. (٢) رواه مسلم (٢١٩٩ / ٦٣) من حديث جابر صوته. (٣) انظر: ((حادي الأرواح)) لابن القيم (ص: ٨٩). (٤) في هامش الأصل: ((العنكبوت: كذا في ((الصحاح)) للجوهري)). (٥) في هامش الأصل: ((الجِذْل: هي أصل الحطب العظام. صحاح)). ٣٨٦