Indexed OCR Text

Pages 381-400

فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا. قالَ: ((أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ
العُرَّةَ العالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانَ». ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبْتُ
مَلِيّاً، ثُمَّ قالَ: (يا عُمَرُ! أتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟))، قلتُ: اللهُ ورسُولُهُ
أَعْلَمُ، قالَ: ((فإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَنَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ)) رواه مسلم.
وَمَعْنَى: ((تَلِدُ الأمَّةُ رَبََّهَا))؛ أَيْ: سَيِّدَتَهَا؛ ومعناهُ: أَنْ تَكْثُرَ
السَّرَارِي حَتَّى تَلَدَ الأَمَةُ السُّرِّيَّةُ بِنْاً لِسَيِّدِهَا، وَبَنْتُ السَّيِّدِ فِي مَعْنَى
السَّيِّدِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذلِكَ. وَ«العَالَةُ)): الفُقَرَاءُ. وقولُهُ ((مَلِيَا))؛ أيْ:
زَمَناً طويلاً، وكَانَ ذلك ثلاثاً.
(نه): أصل (بينا): بين، فأُشبعت الفتحة فصارت ألفاً، يقال: (بينا)
و(بينما)، وهما ظرفان بمعنى المُفاجأة، ويضافان إلى جملةٍ من فعلٍ
وفاعل، أو مبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يَتِمُّ به المعنى، والأفصح
في جوابهما أن لا يكون فيه (إذ) و(إذا)، ومنه قول حُرْقَةَ بنت النعمان:
فَبَيْنا نَسُوسُ النَّاسَ والأَمرُ أَمرُنا
إذا نَحنُ فيهِم سُوقَةٌ نَتَنصَّفُ (١)
(ق): (بين) هي الظرفية زيدت عليها الألف لتكفَّها عن عملها الذي
هو الخَفْض؛ كما زيدت عليها (ما) لذلك، وما بعدهما مرفوع بالابتداء
على اللغة المشهورة.
(١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٧٦).
٢٨٧

و ((عند)»: من ظُروف الأمكنة غير المُتمكنة، يقال لما مُلك أو اختُصَّ
به حاضراً كان أو غائباً، ومثلها (لدى) إلا أنها تختص بالحاضر(١).
(ط): ((ذات يوم)): ظرف بمعنى الاستقرار في الخبر، و(ذات) يجوز
أن تكون صِلةً؛ كما قاله في ((النهاية))، وأن تكون غيرَ صلة.
في ((المُغرب)): (ذو) بمعنى الصاحب، [تقول للمرأة]: امرأة ذات
مال، ثم أجرَوها مُجرى الأسماء التامة المستقلة بأنفسها فقالوا: ذاتٌ قديمة
أو مُحدَثة، ثم استعملوها استعمالَ النفس والشيء، فعلى هذا (ذات يوم)
يفيد من التوكيد ما لا يفيده لو لم يذكر؛ لئلا يُتوهَّم التجوُّزُ إلى مُطلق
الزمان؛ نحو قولك: رأيت نفسَ زيد، وقولك: رأيت زيداً(٢).
(ق): في قوله: ((إذا طلع علينا رجل شديد بياض الثياب)) دليلٌ على :
استحباب تحسين الثياب والهيئة، والنظافة عند الدُّخول على العُلماء والفُضَلاء
والمُلوك؛ فإن جبريل عليه السلام أتى مُعلِّماً للناس بحاله ومَقاله(٣).
(مظ): فيه: أن النظافةَ وبياضَ الثوب سُنَّة مَرْضیة لله تعالى، وفيه أن
زمانَ طلب العلم هو زمانُ الشباب؛ لقوله: ((شديد سواد الشعر))؛ لأن
الشباب إذا صرف عُمرَه مدة في الطلب؛ يبقى له مدةٌ أخرى إلى زمان
الشَّيخوخة؛ يعمل بعلمه، ويعلِّمه الناس (٤).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٣٦ - ١٣٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٢٢).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٣٧).
(٤) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٣٨).
٢٨٨

(ن): ((لا يرى عليه أثر السفر)) ضبطناه بالياء المثناة من تحت المضمومة،
وكذلك ضبطناه في ((الجمع بين الصحيحين)) وغيره، وضبطه أبو حازم العَبْدَويُّ
هنا بالنون المفتوحة، وكذا في ((مسند أبي يعلى المَوْصِليِّ))، وكلاهما
صحیح(١).
(مظ): يعني: تعجَّبنا من كيفية إتيانه، ووقع في خاطرنا أنه مَلَكٌ أو
من الجِنِّ؛ لأنه لو كان بشراً؛ إما أن يكون من المدينة، أو غريباً، ولم يكن
من المدينة؛ لأنا لم نعرفه، ولم يكن إتيانه من بعيد؛ لأنه لم يكن عليه أثرُ
السَّفر من الغُبار وغيره.
و((حتى جلس)) مُتعلِّق بمحذوف تقديره: استأذن وأتى حتى جلس،
وفيه أن الملك يمكنه خروجُه بصورة البشر بأمر الله تعالى إياه متى يأمره،
وليس باختياره وقُوَّته، بل بتصيير الله تعالى إياه على أيِّ شكل شاء الله.
فإن قيل: هل يمكن لجميع الملائكة الخروجُ بصورة البشر؟
قلنا: أخبر له عن نُرول الملائكة على صورة البشر راكبين على
الأَفْراسِ يوم بدر، ويوم حُنين، وفي غزوة الخندق، وغزوة قُرَيظة، فما
وجدنا فيه نصاً؛ نَعتقدُه، وما لم نجد فيه نصا؛ فنكِلُ علمَه إلى الله تعالى،
ولا عبرةَ بأقوال الحُكماء؛ فإن الدِّين سَمْعِيٌّ (٢).
(ق): فيه أنَّ الله تعالى أمكنَ الملائكةَ أن يتمثَّلوا فيما شاؤوا من صورة
بني آدم؛ كما نص الله تعالى في قوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَاسَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧].
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٥٧).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (١ / ٣٨ - ٣٩).
٢٨٩

وقد كان جبريل يتمثَّلُ في صورة دِخیةً وغيره، وقد كان لجبريل
صُورةٌ خاصَّة خُلِقٍ عليها، لم يره النبيُّ ◌َّهِ عليها غيرَ مرتين(١).
* وقوله: «فأسند ر کبتیہ إلی ر کیتیه»:
(مظ): يقال: أسند إذا اتكأ على شيء وأَوصل، وإنما جلس هكذا؛
ليتعلم الحاضرون جلوس السائل عند المسؤول؛ لأن الجلوسَ على الرُّكبة
أقربُ إلى التواضع والأدب، واتصال ركبة السائل بركبة المسؤول يكون
أبلغَ في استماع كل واحد من السائل والمسؤول كلامَ صاحبه، وأبلغَ في
حُضور القلب، وألزمَ للجواب؛ لأن الجُلوسَ على هذه الهيئة دليلٌ شِدَّة
حاجة السائل إلى السؤال، وتعلّق قلبه واهتمامه إلى استماع الجواب، فإذا
علم المسؤول هذا الحِرْصَ والاحتياجَ من السائل إلى السؤال؛ يُلزم نفسَه :
جوابَهُ، ويبالغ في الجواب أكثرَ وأتمَّ ممَّا سأل(٢).
* قوله: «ووضع کفیه علی فخذیه» :
(ن): معناه: أن الداخل وضع کفیه علی فَخذي نفسه، وجلس على
هيئة المتعلم(٣) .
(تو): الضمير في الكلمتين راجع إلى جبريل عليه السلام، فلو ذهب
مُؤوِّلُ إلى أن الثانيَ يعود إلى رسول الله وَّر؛ لم ننكر عليه؛ لما يدل عليه
نَقُ الكلام من قوله: ((أسند ركبتيه إلى ركبتيه))، غيرَ أنا نذهب إلى الوجه
(١) انظر: ((المفهم)) (١ / ١٥٢).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) (١/ ٣٩).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٥٧).
٢٩٠

الأول؛ لأنه أقربُ إلى التوقير، وأشبهُ بسَمْت ذوي الآداب.
وذهب مُحيي السنة إلى الوجه الثاني، وكذا إسماعيلُ بن الفضل الثَّيْمِيُّ.
(ط): لعل هذا الوجهَ أرجحُ؛ لأن الأصلَ في إسناد الرُّكبة إلى الرُّكبة
أن يكون على الاعتماد والاتكاء عليها، فإذاً؛ لا يَبعُدُ وضعُ جبريلَ عليه
السلام يديه على فَخِذَي رسول الله وَّز على تلك الحالة، فأشعرت تلك
الهيئةُ بأنها ليست كهيئة التِّلميذ، وكذا نداؤه لرسول الله وَ ◌ّ باسمه، بل هُما
من هيئة الشَّيخ إذا اهتمَّ بشأن التعليم، وأراد مزيدَ إصغاء المُتعلِّم وإفهامَه،
وكيف لا؟! وقد شهد الله تعالى به في قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾
[النجم: ٥]، وكفى به شاهداً.
وينصره أيضاً أمران:
أحدهما: قوله: ((جلس إلى النبي ◌َّليز))، فلو كان جلوسُه جلوسَ
المُتعلِّم؛ لقيل: بين يديه، فضلاً أن يقال: عنده، فكيف يقول: (جلس
إليه)؛ لأنه مُتضمِّن معنى الميل والإسناد، كأنه قيل: مال إليه حالة جُلوسه
وأسند إليه، فيكون عطف قوله: ((وأسند ركبتيه)) على قوله: ((جلس إليه))
للبيان والتفسير، كعطف قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجِّرُ مِنْهُ
اُلْأَنْهَهُ﴾ إلى قوله: ﴿خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] على قوله: ﴿فَهِىَّ كَالْحِجَارَةِ أَوْ
أَشَدُّ قَسْوَةٌ ﴾ [البقرة: ٧٤]؛ لما يُعلم من المعطوف كونُ قلوبهم أقسى من
الحجارة .
ثانيهما: قوله: ((صدقت))، وإنما يقال هذا إذا طابق قولُ المسؤول
عنه قولَ السائل؛ لأنه إذا عرف أن المسؤولَ عنه أصاب المَحَزَّ، وطَبَّقَ
المَفْصِلَ؛ صَوَّبه.
٢٩١

وأيضاً في إيثار ((إذ طلع)) على: إذ دخل، إشارةٌ إلى عظمته وعُلُوَّه، وإذا
تقرر هذا؛ فصورة هذه الحالة كصورة المُعيد إذا امتحنه الشيخ عند حضور
الطَّبة والمُستفيدين منه؛ ليزدادوا طمأنينة وثقة على ثقة في أنه يُعيد الدرسَ،
ويُلقي إليهم المسألةَ كما سمعه من الشيخ بلا زيادة ولا نقصان(١).
(ق): روى النسائي هذا الحديثَ من حديث أبي هريرة وأبي ذَرٍّ، وزادا
فيه زيادة حسنة فقالا: كان رسول الله ﴿ ﴿ يجلس بين ظَهْراني أصحابه، فيجيء
الغريبُ فلا يدري أهو هو حتى يسأل، فطلبنا لرسول الله وَّر أن نجعل له
مَجلِساً يعرفه الغريبُ إذا أتاه، فبنينا له دُكّاناً من طين يجلس عليه؛ إنا لجُلوسٌ
عنده ورسول الله وَّ فِي مَجلِسه؛ إذ أقبل رجلٌ أحسنُ الناس وجهاً، وأطيبُ
الناس ريحاً، كأن ثيابَه لم يمَسَّها دَسٌ، حتى سَلَّم من طرف البساط(٢)، قال:
السَّلام عليكم يا مُحمَّدُ، فردَّ عليه السَّلامَ، قال: أدنو يا مُحمدُ؟ قال: ((ادنُ))
فما زال يقول: أدنو، مراراً، ويقول: ((ادْنُ)) حتى وضعَ يديه على ركبتي
النبيِّ ێ، وذكر نحوَ حديث مسلم(٣).
ففيه من الفقه: ابتداءُ الداخل بالسلام على جميع من دخل عليه، وإقبالهُ
على رأس القوم؛ فإنه قال: (السلام عليكم) فعَمَّم، ثم قال: (يا محمد)
فخَصَّ.
وفيه: الاستئذانُ في القُرب من الإمام مراراً، وإن كان الإمامُ في موضعٍ
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٢٣).
(٢) في الأصل: ((السماء)).
(٣) رواه النسائي (٤٩٩١). وسنده صحيح. انظر: ((إرواء الغليل)) (١ / ٣٣).
٢٩٢

مأذون له في دخوله.
وفيه: ترك الاكتفاء بالاستئذان مرة أو مرتين على جهة التعظيم
والاحترام.
وفيه: جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع من المسجد إذا دعت
إلی ذلك ضرورةُ تعلیم أو غيره.
وقد بيّن فيه أن جبريلَ وضع يديه على ركبتي رسول الله ◌َّز، فارتفع
الإجمال الذي في لفظ ((كتاب مسلم))؛ فإنه قال فيه: ((ووضعَ كَفَيه على
فَخِذَيه))، وهو محتمل، وإنما فعل جبريلُ(١) ذلك - والله أعلم - تنبيهاً على
ما ينبغي للسائل من قُوَّة النفس عند السُّؤال، وعدمِ المُبالاة بما يقطع عليه
خاطرَه وإن كان المسؤول ممَّن يُحترم ويُهاب، وعلى ما ينبغي [للمسؤول
من التواضع والصفح عن السائل وإن تعدَّى ما ينبغي] (٢) من الاحترام
والأدب، ونداءُ جبريل عليه السلام النبيَّ ◌َّ كما يناديه الأعراب:
(يا محمد) تَعْمِیةٌ [على] حاله(٣).
(ط): أما طُلوع جبريل عليه السلام على تلك الهيئة والشأن(٤): فإشارةٌ
إلى معنى قوله: ((حُسنُ الأدبِ في الظَّاهرِ عُنوانُ حُسْنِ الأدبِ في الباطنِ))؛
ولذلك أَدَّب الله رسولَه بقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَّعِرْ﴾ [المدثر: ٤]، وعلى هذا يُنزَّلُ نزولُه
علیه السلام أحياناً في صورة دِحيةً الكلبيِّ څه؛ لأنه كان من أجمل الناس.
(١) في الأصل: ((دلائل)).
(٢) ما بين معكوفتين من ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٣٩).
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٣٨).
(٤) في الأصل: ((والبشارة)) .
٢٩٣

ومن ثّمَّ كان الإمامُ مالك رحمه الله إذا أراد أن يُحدِّث؛ توضأ وجلس
على صدر فراشه، وسَرَّحَ لحيتَه وتَطَيَّب، وتمكَّن من الجلوس على وَقار
وهَيْبةٍ، فقيل له في ذلك، فقال: أُحِبُّ أن أُعظُّمَ حديثَ رسول الله ◌ِ﴾(١).
* قوله: ((أخبرني عن الإسلام)):
(ق): ((الإسلام)) في اللغة: هو الاستسلام والانقياد، ومنه قوله تعالى:
﴿قُل لَّمَّ تُؤْمِنُواْ وَلَكِنْ قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]؛ أي: انْقَدْنا، وفي [الشرع]:
الانقيادُ بالأفعال الظاهرة الشرعية؛ ولذلك قال ◌َّه فيما رواه أنس عنه:
((الإسلامُ عَلَانِيةٌ، والإيمانُ في القَلبِ))، ذكره ابنُ أبي شيبة في ((مسنده)(٢).
و(الإيمان) لغة: هو التصديق مطلقاً، وفي الشرع: التصديقُ بالقواعد
الشرعية؛ كما نبه عليه النبيُّ ◌َّ في حديث أنس هذا؛ فالإيمان والإسلام
حقيقتان مُتباينتان لغة وشرعاً، كما دل عليه حديثُ جبريل هذا وغيرُه،
وهذا هو الأصلُ في الأسماء المختلفة؛ أعني: أن يدل كلُّ واحد منها على
خلاف ما يدل عليه الآخر، غيرَ أنه تَوسَّع الشرع فيهما، فأطلق اسمَ الإيمان
على حقيقة الإسلام؛ كما في حديث وَفْدِ عبد القَيْسِ، وكما في قوله:
(الإيمانُ بِضْعٌ وسَبعونَ باباً، فَأَدْنَها إِمَاطةُ الأذَى عنِ الطَّريقِ، وأرفعُها
قولُ: لا إلهَ إلا الله﴾(٣).
وقد أطلق الإسلامَ مُريداً به مُسمَّى الإسلام والإيمان بمعنى التداخل؛
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٢٤).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٠٣١٩). وهو حديث منكر. انظر: ((السلسلة
الضعيفة)) (٦٩٠٦).
(٣) رواه مسلم (٣٥/ ٥٨)، من حديث أبي هريرة ظه.
٢٩٤

كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ ﴾ [آل عمران: ١٩].
وقد أطلق الإيمانَ كذلك؛ كما رُوي من حديث علي ◌َُّ مرفوعاً:
((الإيمانُ اعتقادٌ بالقَلبِ، وإِقْرارٌ باللِسانِ، وعَمَلٌ بالأَركانِ»(١).
وهذه الإطلاقاتُ الثلاثُ من باب المَجاز والتوسُّع على عادة العرب
في هذا، وهذا إذا تحقَّق؛ يُريحُ من كثير من الإشكال الناشئ من ذلك
الاستعمال(٢) .
* قوله : ((وتقيم الصلاة»:
(ق): ((الصلاة)) لغة: الدعاء، وهي في الشرع: أفعالٌ مخصوصةٌ
بشروط مَخصوصة، الدُّعاء جُزءٌ منها.
و(الزكاة) لغة: هي النماء والزيادة، يقال: زكا الزرع والمال، وسُمِّي
أخذ جزء مال المسلم الحُرِّ زكاة؛ لأنها إنما تؤخذ من الأموال النامية، أو
لأنها قد نمت وبلغت النِّصابَ، أو لأنها تُنمِّي الأموالَ بالبركة، وحسناتِ
مُؤدِّیها بالتکثیر.
و(الصوم): هو الإمساك مطلقاً، ومنه قوله تعالى حكايةً عن مريم :
﴿إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]؛ أي: إمساكاً عن الكلام.
ومنه قول الشاعر:
خَيْلٌ صِيامٌ وخَيلٌ غَيرُ صَائِمَةٍ
تحتَ العَجَاجِ وأُخْرَى تَعَلِك الُّجُمَا
أي: مُمسكة عن الحركة، وهو في الشرع: إمساكُ جميع أجزاء اليوم
(١) رواه ابن ماجه (٦٥). وهو حديث موضوع. انظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٢٢٧١).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٣٩).
٢٩٥

عن أشياءَ مخصوصةٍ بشرطِ مخصوص .
و(الحج): هو القصد المتكرر، وفي الشرع: القصد إلى بيت الله
المعظم لفعل عبادة مخصوصة .
و(الاستطاعة): هي القوة على المَشي والتَّمَكُّنُ منه(١).
(ط): ((البيت)): اسم جنس غلب على الكعبة، وصار علماً له.
فإن قلت: كيف خَصَّ الأخير بقيد الاستطاعة دون سائرها، والاستطاعة
التي يتمكن بها المكلَّفُ من فعل الطاعة مشروطةٌ في الكل؟
قلت: المعنيُّ بهذه الاستطاعة: الزَّادُ والرَّاحلة، وكانت طائفةٌ
لا يعدُّونهما منها ويُثقلون على الحَاجِّ، فنُهوا عن ذلك، أو عَلِمَ الله أن ناساً في
آخر الزمان يفعلون ذلك، فصرح بها تسهيلاً علیھم؛ ونحوه قوله تعالى:
﴿لَا تَأْكُلُواْ الْرِّبَوْأَضْعَفًا مُضَعَفَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٠]؛ ولتلك العِناية أبدل الله
تعالى ﴿مَنِ اُسْتَطَاعَ﴾ من ﴿النَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ومع ذلك ترى كثيراً من
الملاحدة لا يرفعون بهذا النَصِّ الجَلِيِّ رأساً، ويُلقون بأنفسهم إلى الثَّهلُكة(٢).
قوله: ((يسأله ويصدقه)»:
(ن): سببُ تعجُّبهم: أن هذا خلافُ عادة السائل الجاهل، إنما هذا
كلام خبير بالمسؤول عنه، ولم يكن في ذلك الوقت مَنْ يعلم هذا غيرُ
النبيِّ ◌َ﴾(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٤١ _ ١٤٢).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٢٤).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٥٧).
٢٩٦

(ق): تعجبوا تعجُّبَ المُستبعِد لأن يكونَ أحدٌ يعرف تلك الأمورَ
المسوؤل عنها من غير جهة النبي ◌َّر؛ لأن ما جاء به النبيُّ ◌َّ لا يُعرف إلا
من جهته، وليس هذا السائلُ ممَّن عُرِفَ بلقائه وَِّ، ولا بالسَّماع منه(١).
* قوله: ((أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله)):
(ك): ليس من باب تعريف الشيء بنفسه؛ إذ المراد من المَحدود
الإيمانُ الشَّرعيُّ، ومن الحَدِّ الإيمانُ اللُّغويُّ، أو المُتضمِّنُ للاعتراف؛
ولهذا عُدِّي بالباء؛ أي: أَتُصدِّقُ مُعترفاً بكذا(٢)؟
(ط): إنما قَدَّم السؤالَ عن الإسلام على السؤال عن الإيمانُ، والإيمان
في القرآن مُقدَّمٌ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ﴾ [يونس:
٩]، وعليه تؤسس قاعدة الإسلام؛ لأن المَقامَ يقتضي تقديمَ الإسلام؛ إذ هو
رأسُ الأمر وعَمودُهُ، وشِعارُ الدِّين به يظهرُ، وهو دليلٌ على التَّصديق، وأَمَارةٌ
عليه، وما جاء جبريل عليه السلام إلا لتعليم الشَّريعة، فينبغي أن يبدأَ بما هو
الأَهمُّ فالأَهمُّ، ويترقَّى من الأدنى إلى الأعلى؛ فإن الإسلامَ مُقدَّم على الإيمان،
وهو على الإخلاص.
ووقع في ((المصابيح)) تقديمُ سؤال الإيمان على الإسلام، وتكلّم
عليه الشيخ الُّورِبِشْتِيُّ وهو حَقٌّ؛ لأنه مُؤخَّرٌ في ((صحيح مسلم)) و ((كتاب
الحُمَيدي))، و((جامع الأصول))، و((شرح السنة))، وغيرها(٣).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٠١/ ١٥١).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٩٤).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة) للطيبي (٢ / ٤٢٥)، و((صحيح مسلم)) (٨)، و((الجمع بين =
٢٩٧

(قض): (الإيمان): إِفْعالٌ من الأمن بمعنى الطُّمأنينة، يقال: آمنته؛
أي: صَدَّقته، وحقيقته: آمنته عن التكذيب والمُشاقَّة، وتَعدِيته بالباء؛
لتضمُّنه معنی أقرَّ واعترف.
و(الله): أصله إِله، فحذفت همزتُه مُعوَّضاً عنها حرفُ التعريف،
وكذلك قطع الألف، وأدخل عليه حرف النداء فقيل: (يا ألله).
و(الإله): فِعَالٌ بمعنى المفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب؛ من أَلِهَ
إلاهةً؛ أي: عُبِدَ عبادة، أو أَلِهَ أَلَهاً؛ أي: تَحَيَّر؛ لأن الفَطِنَ يُدهَشُ في
معرفة المعبود، والعُقولُ تتحيّرُ في کبریائِه.
و(الملائكة): جمع مَلأَكِ كالشَّمائل جمع شَمْأَلٍ، والتاء التأنيث الجمع،
مُشتقٌّ من الأَلُوكَةِ بمعنى الرَّسالة، غلَبت على الجواهر العُلوية النُّورانية، المُبرَأة
عن الكُدورات الجِسْمَانية التي هي وسائطُ بين الله تعالى والبشر.
و(كتبه): ما أنزل الله على أنبيائه صلواتُ الله عليهم إما مكتوباً على
نحو أَلواحٍ، أو مَسمُوعاً من الله تعالى من وراء الحِجَاب، أو يرسل رسولاً
فیوحي بإذنه ما يشاء.
وإنما قدم ذكرَ الملَك على الكِتاب والرُّسل؛ اتِّباعاً للترتيب الواقع؛
فإنه سبحانه أرسل الملَك بالكتاب إلى الرُّسل، لا تفضيلاً للملك عليهما.
والموجِبُ لدخول الإيمان بها في مفهوم الإيمان الصَّحيح: أن الناسَ
تنقسم إلى فَطِنٍ ذَكِيٍّ يرى المعقولاتِ كالمَحْسوسات، ويُدرك الغائباتِ
= الصحيحين)) للحميدي (١ / ١٤١)، و((جامع الأصول)) لابن الأثير (١ / ٢٠٨)،
و((شرح السنة)) للبغوي (٢).
٢٩٨

إدراكَ المُشاهَدات، وهم الأنبياء صلوات الله عليهم .
وإلى من ليس هذا صفتَهُم، بل الغالبُ عليهم متابعةُ الحِسِّ، وهم
أكثر الخلق، فإذاً؛ لا بَدَّ لهم من مُعلِّمٍ يدعوهم إلى الحق، ويكشف لهم
الحقائقَ والمُغَيَّبات، ويَخُلُّ عن عقولهم العُقَدَ والشُّبُهَاتِ وما هو إلا النبيُّ،
وهو وإن كان ناقدَ البَصيرة، مُشتعلَ القَريحة، يكاد زيتها يُضيء ولو لم
تمسسه نارٌ؛ يحتاج إلى نور يُظهر له الغائباتِ إظهارَ نور الشمس للمُشاهَدات،
وهو الوَحْيُ والكتابُ؛ ولذلك سُمِّي القرآن نوراً، ثم لا بُدَّ لهذا النُّور من
حاملٍ يحمله ومُوصلٍ يوصله، وهو الملَكُ المُتوسِّطُ بين الله ورُسُله، فالمرء
لا يصير مؤمناً إلا إذا تعلَّم من النبيِّ ما عُلِّمَهُ وتَحقَّقهُ بارشاد الكتاب الواصل
إليه بتوسُّط الملَك(١).
(ط): الفرقُ بين النبيِّ والرسول: أن الرسولَ من الأنبياء مَنْ جمعَ
إلى المُعجزة الكتابَ المُنزل إليه، والنبيُّ غيرُ الرسول: مَنْ لم يُنزل عليه
كتابٌ، وإنما أُمر أن يدعوَ إلى شريعةٍ مَن قبلَه.
وفي ((مسند أحمد)) عن أبي ذر: قلت: يا رسولَ الله! كم وفاءُ عِدَّةِ
الأنبياء؟ قال: ((مِئَةُ ألفٍ وأربعٌ وعشرونَ ألفاً، الرُّسلُ من ذلك ثلاثُ مئة
وخَمسةَ عَشَرَ جَمَّاً غَفِيراً) (٢).
(ق): الإيمان بالله: هو التَّصديقُ بوُجوده تعالى، وأنه واحدٌ حَقٌّ صَمَّدٌ
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٢٧).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤٢٥)، والحديث رواه الإمام أحمد في ((المسند))
(٥/ ٢٦٥). وهو حديث صحيح. انظر: ((السلسلة الصحيحة)) (٦/ ٣٥٨)،
و((تخريج أحاديث المشكاة)) (٥٧٣٧).
٢٩٩

مَوصوفٌ بصفات الكمال؛ من القدرة، والإرادة، والكلام، والسَّمع،
والبصر، والحياة، مُنزَّهٌ عن صفات النقص التي هي أضداد تلك الصفات.
والإيمان بالملائكة: هو التصديقُ بأنهم عبادٌ مُكْرَمون لا يسبقونه
بالقول، وهم بأمره يعملون، يُسبِّحون الليلَ والنهارَ لا يَفْتُّرون، ولا يَعصُون
اللهَ ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤمرون، وأنهم سُفراءُ الله بينه وبين رسُله،
المُتصرّفون كما أَذِنَ لهم في خَلْقهِ.
والإيمان بكتب الله: هو التصديقُ بأنها كلامُ الله ومِنْ عنده، وأن
ما تضمَّنته حقٌّ، وأن الله تعبَّد خلقَه بأحكامها وفَهْمٍ معانيها .
والإيمان برسل الله: هو أنهم صادقون فیما أخبروا به عن الله تعالی،
وأن الله تعالى أَيَّدهم بالمُعجزات الدَّالة على صدقهم، وأنهم بلَّغوا عن الله
رسالاتِهِ، وبيَّنوا للمُكلَّفين ما أمرهم الله ببيانه، وأنه يجبُ احترامهم،
ولا نُفُرِّق بين أحدٍ منهم .
والإيمان باليوم الآخر: هو التصديقُ بيوم القيامة وما اشتمل عليه؛ من
الإعادة بعد الموت، والنَّشْر، والحَشْرِ، والحِساب، والمِيزان، والصِّراط،
والجنة، والنار، إلى غير ذلك مِمَّا صَحَّ نقلُه.
والإيمان بالقدر: معناه: أن الله تعالى علِمَ مقاديرَ الأشياء وأحوالَها
وأزمانَها قبل إيجادها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يُوجده على نحو
ما سبق في علمه، فلا مُحْدَثَ في العالم العُلوي والسُّفلي إلا وهو صادرٌ
عن علمه تعالى وقدرته وإرادته(١).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ١٤٤).
٣٠٠

(قض): ((اليوم الآخر)): هو يومُ القيامة؛ لأنه آخِرُ أيام الدُّنيا، وآخِرُ
الأَزمنة المحدودة.
والمراد بالإيمان به: الإيمانُ بما فيه من البَعْثِ والحساب، ودخول أهل
الجنة الجنةَ، وأهل النار النارَ، إلى غير ذلك مما ورد النصُّ القاطع عليه.
و((القضاء)): هو الإرادةُ الأزلِيَّةُ والعِناية الإلهية المُقتضية لنظام المَوجودات
علی ترتیب خاص.
و((القدر): تلك الإرادةُ بالأشياء في أوقاتها، والقدَريَّةُ قالوا: القضاء:
علمُه تعالى بنظام المَوجودات، وأنكروا قُدرة الله تعالى في أعمالنا، وتَعلُّقَ
إرادته بأفعالنا، وزعموا أنها واقعةٌ بقُدَرنا ودَواعٍ منا، فأثبتوا لنا تأثيراتٍ مُستقلةً
بالإيجاد في أفعالنا كما هي ثابتة لله تعالى؛ ولذلك سَمَّاهم النبيُّ ◌َّهُ: مَجُوسَ
هذه الأمة (١).
(نه): المرادُ بالقَدَر: التقديرُ، وبالقَضاء: الخَلْقُ؛ كقوله تعالى:
﴿فَقَضَنُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِ يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]؛ أي: خلقهن.
فالقضاء والقَدَرُ أمران مُتلازمان لا ينفكُّ أحدُهما عن الآخر؛ لأن
أحدَهما بمنزلة الأساس، وهو القدرُ، والآخرَ بمنزلة البناء، وهو القضاء،
فمَنْ رامَ التفصيلَ بينهما فقد رام هدمَ البناء ونقضَه(٢).
(تو): ذكر القدر من جُملة الأَهواء المُضِلَّة؛ لأن مذهبَ القَدَرِيَّة
يُضاهي مِن بعض الوجوه مذهبَ الثَّتَوِيَّةِ في القول بالأصلين، وهما النُّور
(١) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٣٠).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٤ / ٧٨).
٣٠١

والظُّلمةُ؛ ولهذا ذكر الإيمانَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليومِ الآخر على
وَتيرةٍ واحدة، فلما انتهى إلى القَدَر؛ كرر لفظ (الإيمان) فقال: ((وأن
تؤمن» .
(ن): الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، هذا قولُ ابن مسعود، وحُذيفة،
والنَّخَعيِّ، والحسن البصري، وعطاء، وطاووس، ومُجاهد، وعبدالله بن
المُبارك.
قال عبد الرزاق: سمعتُ مَنْ أدركت من شيوخنا وأصحابنا؛ سفيانَ
الثَّوريِّ، ومالكِ بن أنس، والأَوزاعيِّ ومَعْمَرِ بن راشد، وابنِ جريج،
وسفيانَ بن عُيينةَ يقولون: الإيمانُ قولٌ وعملٌ يزيد وينقص.
والحُجَّةُ علی زیادته ونُقُصانه: ما أورده البخارُّ من الآيات؛ يعني:
قوله وثَقّ: ﴿لِيَزْدَادُواْ إِيمَنَا مَعَ إِيمَنِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ
الَّذِينَ أُهْتَدَوْاْ هُدَى﴾ [مريم: ٧٦]، وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَى﴾ [ محمد:
١٧]، وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْإِيمَنَّأْ﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِجٍ
إِيمَنَّا فَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقوله: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ
إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلََّ إِيَمَنَا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:
٢٢](١).
قال ابنُ بَطَّال: فإيمانُ مَنْ لم تحصل له الزيادة نَاقِصٌ.
فإن قيل: فالإيمان فى اللغة التصديق.
(١) انظر: ((صحيح البخاري)) (١ / ١١).
٣٠٢

فالجواب: أن التصديقَ يكمُل بالطاعات كلِّها، فكلَّما(١) ازداد المؤمنُ
من أعمال البِرِّ؛ كان إيمانه أكملَ، وأما التصديق فلا ينقص، ولذلك
توقّف مالك رحمه الله عن القول بالنقصان؛ إذ لا يجوز نقصان التصديق؛
لأنه إذا نقص؛ صار شَكّاً.
وقيل: إنما توقَّف خشيةَ موافقة الخوارج الذين يُكَفِّرون المؤمنين
بالذُّنوب، وقد قال مالك بنقصان الإيمان مثلَ قول جماعة أهل السُّنة.
هذا مذهبُ السَّلف والمُحدِّثين وجماعة [من] المُتكلِّمين، وأنكر
أكثرُهم زيادتَه ونُقُصانَه، وقالوا: متى قَبِلَ الزيادةَ؛ كانت شَكَّاً وكفراً.
وقال المحققون من أصحابنا المُتكلِّمين: نفسُ التصديق لا يزيد ولا ينقص،
والإيمانُ الشَّرعي يزيد وينقص بزيادة ثمَراته - وهي الأعمالُ - ونُقْصانِها .
قالوا: وفي هذا توفيقٌ بين ظواهرِ النصوص التي جاءت بالزيادة،
وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المُتكلِّمون.
وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهراً حسناً؛ فالأظهر - والله أعلم -:
أن نفسَ التصديق يزيد بكثرة النَّظر وتظاهر الأدلة؛ ولهذا يكون إيمانُ
الصِّدِّيقين أقوى من إيمان غيرهم؛ بحيث لا يَعتريهم الشُّبَهُ، ولا يتزلزل
إيمانُهم بعارض، بل لا تزال قلوبُهم مُنشرحةً نَيِّرةً وإن اختلفت عليهم
الأحوالُ، فأما غيرهم من المُؤْلَّفة، ومَنْ في قاربهم (٢) ونحوهم: فليسوا
کذلك، فهذا ممّا لا يمكن إنكارُه.
ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق مظلته لا يُساويه
(١) في الأصل: ((فما)).
(٢) في الأصل: ((في رقابهم)).
٣٠٣

تصديقُ آحاد الناس؛ ولهذا قال البخاري في ((صحيحه)): قال ابنُ أبي
مُلَيْكةَ: أَدركتُ مئتين من أصحاب النبيِّ ◌َّ كلَّهم كان [يخاف] النفاقَ على
نفسه، ما منهم أحدٌ يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل(١).
وأما إطلاق اسم الإيمان على الأعمال: فمتفقٌ عليه [عند] أهل
الحَقِّ، ودلائله في الكتاب والسنة أكثرُ من أن تُحصرَ، قال الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أجمعوا أن المراد: صلاتكم.
واتفق أهل السنة من المُحدِّثين والفقهاء والمُتكلِّمين على أن المؤمنَ
الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة ولا يُخلَّد في النار لا يكون إلا من اعتقد
بقلبه دينَ الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشُّكوك، ونطقَ بالشَّهادتين، فإن
اقتصر على أحدهما؛ لم يكن من أهل القبلة، إلا إذا عجَز عن النُّطق لخلل
في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المَنِية، أو لغير ذلك؛ فإنه يكون
مؤمناً، أما إذا نطق بالشهادتين: فلا يشترط معهما أن يقول: أنا بريءٌ من
كل دين يخالف الإسلام، إلا إذا كان من الكفار الذين يعتقدون اختصاصَ
رسالة نبينا محمد ◌ّه إلى العرب؛ فإنه لا يحكم بإسلامه إلا بأن يتبرَّأ، ومن
أصحابنا مَنْ شرط بأن يتبرأ مطلقاً، وليس بشيء.
أما إذا اقتصر على قول: لا إله إلا الله، ولم يقل: محمَّدٌ رسول الله:
فالمشهورُ من مذهبنا ومذهب العلماء: أنه لا يكون مسلماً، ومن أصحابنا من
قال: يكون مسلماً، ويطالب بالشهادة الأخرى، فإن أبى؛ جُعِل مُرتدّاً،
واحتج بقوله وَّ: ((أُمرتُ أن أقاتلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا
(١) انظر: ((صحيح البخاري)) (١ / ٢٦).
٣٠٤

قالُوها؛ عَصَمُوا مِنِّي دماءَهُم وأموالَهُم))(١)، وهذا محمولٌ عند الجماهير على
قول الشهادتين، واستغنى بذكر أحدهما عن الآخر لارتباطهما وشُهرتهما.
أما إذا أقر بوجوب الصلاة والصوم وغيرهما من أركان الإسلام، وهو
على خلاف ملته التي كان عليها: فهل يجعل بذلك مسلماً؟
فيه وجهان لأصحابنا، فمَن جعله مُسلماً قال: كلُّ ما يكفر المسلم
بإنكاره؛ يصير الكافر بالإقرار به مسلماً.
أما إذا أقر بالشهادتين بالعَجَمية وهو يُحسن العربية؛ فهل يُجعل
بذلك مسلماً؟
فيه وجهان لأصحابنا؛ الصحيح: أنه يصير مسلماً بوجود الإقرار،
وهذا الوجه هو الحَقُّ، ولا يظهر للآخر وجهٌ.
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: الإيمان والإسلام يجتمعان ويفترقان،
وإن كلَّ مؤمنٍ مسلمٌ، وليس كلُّ مسلمٍ مؤمناً، وهذا تحقيقٌ وافٍ بالتوفيق بين
مُتَفرِّقات نُصوص الكتاب والسنة الواردة في الإيمان والإسلام التي طالما غَلِطَ
فيها الخائضون(٢).
(خط): الإيمان الشرعي: اسمٌ لمعنّی ذي شُعب وأجزاء، له أدنى
وأعلى، فالاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكُلُّها، والحقيقةُ تقتضي جميع
شُعَبه، وتستوفي جُملة أجزائه(٣).
(١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢)، من حديث ابن عمر ظـ
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١ / ١٤٦ - ١٤٨).
(٣) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٣١٢).
٣٠٥

(حس): جعل النبيُّ ◌َّ الإسلامَ اسماً لما ظهر من الأعمال، وجعل
الإيمانَ اسماً لما بطَن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من
الإيمان، أو التصديقَ بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيلٌ لجملة هي
كلُّها شيء واحد، وجِماعُها الدين، ولذلك قال ◌َّ: ((ذاكَ جبريلُ أتاكم
◌ُعلِّمُكُم دینَكُم».
والتصديق والعمل يتناولهما اسمُ الإيمان والإسلام جميعاً، يدلُّ عليه قوله
تعالى: ﴿إِنَّالَّذِينَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩]، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ
دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: ٨٥]،
ولا يكون الدِّين في محل القَبول والرِّضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل(١).
(ق): مذهبُ السَّلف وأثمَّة الفَتوى: أن من صدَّق بهذه الأُمور
تصديقاً جَزْماً لا رَيبَ فيه ولا تَردُّدَ ولا توقُّفَ؛ كان مؤمناً حقيقةً، سواءٌ كان
ذلك عن براهينَ قاطعةٍ، أو اعتقاداتٍ جازمة، على هذا انقرضت الأعصارُ
الكريمةُ، حتى حَدَثت مذاهبُ المُعتزلة المُبتدعة، فقالوا: لا يصح الإيمانُ
إلا بعد الإحاطة بالبراهين العقلية والسَّمعية، وحصولِ العلم بنتائجها
ومطالبها، وتبعهم على ذلك جماعةٌ من مُتكلِّمي أصحابنا .
والأول هو الصَّحِيحُ؛ لأن الإيمانَ هو التصديقُ لغة وشرعاً، فمَنْ
صَدَّق بذلك كلِّه ولم يُجوِّز نقيضَه؛ فقد عمل بمُقتضى السُّنة والكتاب،
ولأن رسول الله وَّهُ وأصحابَه حكموا بصِحَّة إيمان كلِّ مَن آمن عن برهان أو
غيره، ولم يأمروا أجلاف العرب بترديد النظر، بل سَمَّوهم مؤمنين، ولأن
(١) انظر: ((شرح السنة)) للبغوي (١ / ١٠).
٣٠٦