Indexed OCR Text
Pages 321-340
رضي الله عنها: ((لا كَرْبَ عَلَى أَبَيكِ(١) بعدَ اليوم))(٢)، وكانت نفسه مُفْرغةً
في اللَّحاق بكرامة الله له، وسعادة الأبد، فكان ذلك خيراً له من كونه في
الدنيا، وبهذا أَمر أُمَّته حيث قال: ((فَلْيَقل: اللَّهُمَّ توقَّني ما كانتِ الوَفَاةُ خَيراً
لي)»(٣).
٤١ - وَعَنْ أبي عبدِ الله خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ◌َ﴿ه، قال: شَكَوْنَاً
إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلاَ
تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: ((قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ،
فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فيهَا، ثُمَّ يُؤْتَى بالمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ
عَلَى رَأْسِهِ، فَيُجْعَلُ نِصْفَيْن، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَديدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ
وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ! لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى
يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لا يَخَافُ إلَّ اللهَ وَالذِّئْبَ
عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)) رواه البخاري.
وفي رواية: ((وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ المُشْرِكِينَ
فِدَّةً».
(١) في الأصل: ((لأبيك)).
(٢) رواه البخاري (٤١٩٣)، من حديث أنس بن مالك ظته.
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٠ / ٢٠٠).
٢٢٧
(السَّائِى عَنْشَر)
كان خَبَّابٌ ◌َُ سادسَ ستة في الإسلام، وكان فيمن يُعذّبُ في الله،
سأله عمره عما لقي من المشركين فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ انظر إلى
ظهري، فنظر فقال: ما رأيتُ كاليوم! فقال خَبَّابٌ: لقد أُوقدت لي نارٌ،
وسُحِبتُ عليها، فما أطفأها إلا وَدَكُ ظهري(١).
(ك): ((المنشار)) بالنون: آلة قَطْع الخشبة، ويقال لها: (المئشار)
بالهمزة؛ من أَشَرْتُ الخشبةَ: إذا قَطعتَها، و((ما دونه لحمه))؛ أي: تحت
لحمه، و((الأمر))؛ أي: أمر الإسلام، و((صنعاء)) بفتح المهملة وسكون
النون وبالمد: قاعدةُ اليمن، ومدينته العظمى.
و((حضرموت)): بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح الراء والميم : :
بلدةٌ أيضاً باليمن، وجاز في مثله بناءُ الاسمين، وبناء الأول وإعراب الثاني.
فإن قلت: لا مبالغة فيه؛ لأنهما بلدان متقاربان.
قلت: الغرض بيانُ انتفاء الخوف من الكفار على المسلمين، ويحتمل
أن يراد بها صنعاءُ الروم، أو صنعاءُ دمشق؛ قريةٌ في جانبها الغربي، في ناحية
الرَّبْوة .
الجوهري: حضرموت: اسم قبيلة أيضاً.
و((الذئب)): عطف على لفظة الجلالة، وإن احتمل أن يعطفَ على
المستثنى منه المُقدَّر، والمعنيان متعاكسان(٢).
(١) رواه ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (٢/ ٤٣٩).
(٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٤ / ١٧٤).
٢٢٨
(ط): ((من عظم وعصب)): بیان [ما] في ((ما دون لحمه))، وفيه من
المبالغة: أن الأمشاطَ كانت تَنفُذ من اللحم إلى العظم والعصب من حِدَّتها
٤٢ - وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿هِ، قالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْن، آثَرَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ نَاساً في القِسْمَةِ: فَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِئَّةً مِنَ
الإبلِ، وَأَعْطَى عُبَيْنَةَ بْنَ حِصْن مِثْلَ ذلِكَ، وَأَعْطَى نَاساً مِنْ أَشْرَافِ
العَرَبِ، وَآَثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ في القِسْمَةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: وَاللهِ! إنَّ هَذِهِ
قِسْمَةٌ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ فِيهَا وَجْهُ اللهِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ! لأُخْبِرَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ حَتَّى كَانَ
كَالصَّرْفِ، ثُمَّ قالَ: ((فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللهُ وَرَسُولُهُ؟))، ثُمَّ
قالَ: ((يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَا. فَقُلْتُ:
لا جَرَمَ لا أَرْفَعُ إِلَيْهِ بَعْدَھَا حَدِيثاً. متفقٌ عليه.
وَقَوْلُهُ ((كَالصِّرْفِ)) هُوَ - بِكَسْرِ الصَّادِ المُهْمَلَةِ -، وَهُوَ صِبْغٌ
أَحْمَرُ.
(الثَّامِرِ عَبْشِ،)
* قوله: ((فقال رجل: إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها
وجه الله» :
(ن): قال القاضي عياض رحمه الله: حكم الشرع: أن من سَبَّ النبيَّ ◌َّ
٢٢٩
كَفْر وقُتل، ولم يُذكر في هذا الحديث أنَّ الرجلَ قُتل.
قال المَازَرِي: يحتمل أن يكون لم يُفهم منه الطَّعنُ في النُّبوَّةِ، وإنما
نسبَه إلى ترك العَدل في القِسْمة .
والمعاصي ضربان: كبائر وصَغائر؛ فهو لنَِّ معصومٌ من الكبائر
بالإجماع، واختلفوا في إمكان وقوع الصَّغائر، ومن جَوَّزها؛ منعَ من
إضافتها إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على طريق النَّقص، وحينئذ
فلعله وَّرِ لم يُعاقبْ هذا القائلَ لأنه لم يَثْبُت عليه ذلك، وإنما نقله عنه
واحدٌ، وشهادةُ الواحد لا يُراق بها الدم.
قال القاضي: هذا التأويل باطلٌ، بل العِلَّة في إبقائه ◌َّ: ((مَعاذَ اللهِ
أن يَتحدَّثَ الناس: أن مُحمداً يقتل أَصحابَه))(١)، فسلك بَّهِ مع هذا مَسلكَ
غيره من المنافقين والذين آذوه، وسمع منهم في غير موطن ما كرهه، لكنه
صبر استبقاءً لانقيادهم، وتأليفاً لغيرهم؛ لئلا يتحدَّث الناسُ أنه يقتل
أصحابَه فينفروا(٢) .
(ق): هذا قول جاهل بحال النبيِّ ◌َّةِ، غَلِيظِ الطَّبْعِ، حريصٍ، شَرِهِ،
منافق، وكان حقُّه أن يقتل؛ لأنه آذى رسولَ الله ◌َّر، وقد قال تعالى:
﴿ وَلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ الَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١]، فالعذابُ في الدنيا هو
القتلُ، لكنه لم يقتله النبيُّ ◌َّ؛ للمعنى الذي قاله، وهو من حديث جابر:
((أن لا يَتحدَّثَ النَّاسُ أَنَّ مُحمَّداً يقتلُ أَصحابَهُ» .
(١) رواه البخاري (٣٣٣٠)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣)، من حديث جابر ظُته.
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٧ / ١٥٨).
٢٣٠
ولهذه العِلَّة امتنع النبيُّ ◌ٍَّ من قتل المنافقين، مع علمه بأعيان كثير منهم
وبنفاقهم، ولا يُلتفت لقول من قال بإبداء علة أخرى؛ لأن حديث جابر وغيره
نَصٌّ في تلك العِلَّة، وقد أُمِنت تلك العِلَّةُ بعد رسول الله وَّةِ، فلا نفاقَ بعده،
وإنما هو الزَّندقةُ، كذلك قال مالك، فمَنْ آذى رسولَ الله ◌َِّ، أو سَبَّه؛ قُتِل،
ولا يُستتاب، وهذا هو الحَقُّ والصَّوابُ.
واختلف في هذا العطاء الذي أعطاه النبيُّ وَِّ لهؤلاء المُؤْلَّفة قلوبُهم:
هل كان من الخُمُس، أو كان من صُلب الغنيمة؟
والأحرى على أصول الشريعة: أن يكون من الخُمُس، ومنه أكثر
عطاياه ◌َُّ، وقد قال ◌َّهُ: ((مَا لي مِمَّ أفاءَ اللهُ عَلَيَكُم إلا الخُمُسُ، والخُمُسُ
مَردُودٌ فِیکُم))(١).
و ((الصرف)) بكسر الصاد: صِبْغٌ أحمرُ تُصبغ به الجلود، وقد سُمِّي
الدم صرفاً(٢).
الصبر على الأذى من باب جهاد النفس، وقد جَبل الله النفوسَ على
تألُّمِها منه، ولهذا شَقَّ على النبيِّ نَّهِ، لكن سكن ذلك منه لعلمه بما وعد الله
عليه من الأجر، وهو بلا حساب، بخلاف الإنفاق فإنه سبعُ مئة، وسائِر
الحسنات؛ فإنها بعشر أمثالها .
(١) رواه أبو داود (٢٦٩٤)، والنسائي (٤١٣٩)، من حديث عبدالله بن عمرو بن
العاص ﴾. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٧٨٧٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ١٠٧).
٢٣١
٤٣ - وَعَن أَنَسٍ ﴿ه، قال: قالَ رَسُولُ اللهِصَلِ: ((إِذَا أَرَادَ اللهُ
بِعَبْدِهِ خَيْراً، عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ في الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ،
أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ».
وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((إنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاءِ، وَإِنَّ الله
تعالى إِذَا أحَبَّ قَوْماً ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ
فَلَهُ السُّخْطُ))، رواه الترمذي، وَقَالَ: حَديثٌ حَسَنٌ.
التََّقَ عَنْشَرٌ»
* قوله {قال: «أمسك عنه بذنبه)):
(ط): أي: أمسك عنه ما يَستحقُّه بسبب ذنبه من العقوبة، والضمير
المرفوع [في] (يوافيه) راجعٌ إلى الله تعالى، والمنصوبُ إلى العبد، ويجوز
أن يكون بالعكس، والمعنى: لا يجازيه بذنبه حتى يجيءَ في الآخرة مُتَوفِّرَ
الذُّنوب وافيها، فيستوفي حقَّه من العقاب(١).
* قوله مدير: ((إن عظم الجزاء مع عظم البلاء)):
(عُظم الشيء) بضم العين المهملة وإسكان المعجمة: أَكْبَرُه.
(مظ): أي: إن كثرة الثواب تحصُل بوصول كثرة البلاء إلى الرجل(٢).
* قوله : «فمن صبر فله الرضا»:
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٥٠).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٤٠٨).
٢٣٢
(ط): فإن قلت: الفاء تفصيلية، فالتفصيل غيرُ مطابق للمُفَصَّل؛ لأن
المُفضَّل اشتمل على فريق واحد، وهم أهلُ المَحبَّة، والتفصيل على
فريقين: أهل الرِّضا، وأهل السُّخْط.
قلت: هو من أسلوب قوله تعالى: ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ،
وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (٦) فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ الآيةَ [النساء: ١٧٢ -
١٧٣ ].
(الكشاف): هو كقولك(١): جمع الأمير الخوارجَ، فمَنْ لم يخرج
عليه كساه وحمله، ومن خرج عليه نكَّل به، وصِحَّةُ ذلك: أن حذف ذکر
أحد الفريقين؛ لدلالة التفصيل عليه، فكذا هاهنا؛ أي: إذا أحبَّ الله قوماً،
أو أبغض قوماً؛ ابتلاهم جميعاً.
وقوله: ((فمن رضي فله الرضا)) شرطٌ وجزاء، فُهِمَ منه أن رضا الله
[تعالى مسبوقٌ برضا العبد، ومُحال أن يرضى العبدُ عن الله إلا بعد رضا الله
عنه؛ كما قال: ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهٌ﴾ [البينة: ٨]، ومُحالٌ أن يحصل
رضا الله ولا](٢) يحصل رضا العبد في الآخرة؛ كما [قال تعالى]: ﴿يَأَيَُّها
النَّفْسُ الْمُطْمَيِنَّهُ ) أَرْجِعِىّ إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةٌ﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]، فعن الله الرضا
أزلاً وأبداً، سابقاً ولاحقاً، انتهى(٣).
ويحتمل أن يكون قوله: ((فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله
(١) في الأصل: ((كقول الإمام)).
(٢) من ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٥٠).
(٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٥٠).
٢٣٣
السخط)) نظيرَ قوله: ((فمَنْ كانت هِجْرتُه إلى الله ورسولهِ؛ فهِجرتُه إلى الله
ورسُولِهِ، ومَنْ كانت هِجْرتُه لدُنيا [يُصِيبُها أو أمرأةٍ ينكِحُها]؛ فهجرته إلى
ما هاجر إليه))(١) وقد سبق في الكتاب تحقيقه.
وقوله: «فله السخط)): استعمل اللام موضع (على)، وهو كثير.
قال ابن هشام في ((المغني)): قد تستعمل اللام بمعنى (على) في
الاستعلاء الحقيقي؛ نحو: ﴿يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]، ﴿َدَعَنَا لِجَنْبِهِ:﴾
[يونس: ١٢]، ﴿وَثَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]، وقوله:
فَخَزَّ صَرِيعاً لِلِيَدَيْنِ ولِلفَمِ
والمجازي؛ نحو: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، وقوله ◌َّ: ((اشتَرِطي
لهمُ الوَلاءَ)(٢).
*
٤٤ - وَعَنْ أَنَسٍ مَ﴿ه، قال: كَانَ ابْنٌّ لأَبِي طَلْحَةَ رَهِ يَشْتَكِي،
فَخَرَجَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقُبِضَ الصَّبِيُّ، فَلَمَّا رَجَعَ أبو طَلْحَةَ، قال:
مَا فَعَلَ اثِي؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْم - وَهِيَ أُمُّ الصَّبِيِّ -: هُوَ أَسْكَنُ مَا كَانَ،
فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ العَشَاءَ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَصَابَ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَتْ: وَارُوا
الصَّبِيَّ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ، أَتَى رَسُولَ اللهِوَهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ:
(١) تقدم تخريجه.
(٢) انظر: ((مغني اللبيب)) لابن هشام (ص: ٢٨٠)، والحديث رواه البخاري (٢٠٦٠)،
ومسلم (٨/١٥٠٤)، من حديث عائشة رضي الله عنها .
٢٣٤
((أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟))، قال: نَعَمْ، قال: ((اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمَا))، فَوَلَدَتْ
غُلَاماً، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: احْمِلْهُ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ النَّبِيَّ نَّهِ، وَبَعَثَ
مَعَهُ بِتَمَرَاتٍ، فَقَالَ: ((أَمَعَهُ شَيءٌ؟))، قال: نَعَمْ، تَمَرَاتٌ، فَأَخَذَهَا
النَّبِيُّ ◌َ، فَمَضَغَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ فِيهِ فَجَعَلَهَا في فِي الصَّبِيِّ، ثُمَّ
حَنَّكَهُ، وَسَمَّاهُ: عَبْدَاللهِ. متفقٌ عليه.
وفي روايةٍ لِلْبُخَارِيِّ: قال ابْنُ عُبَيْنَةَ: فَقَالَ رَجُلٌ منَ الأَنْصَارِ:
فَرَأَيْتُ تِسْعَةَ أوْلادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَوْوا القُرآنَ يَعْنِي: مِنْ أوْلادِ عَبْدِ الله
المَوْلُودِ.
وفي رواية لمسلمٍ: مَاتَ ابْنٌّ لأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمِ، فَقَالَتْ
لِأَهْلِهَا: لا تُحَدِّئُوا أبَا طَلْحَةَ بِئْنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّئُهُ، فَجَاء،
فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً، فَأَكَلَ وَشَرِبَ، ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَتْ
تَصَنَّعُ قَبْلَ ذلِكَ، فَوَقَعَ بِهَا، فَلَمَّا أنْ رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ، وَأَصَابَ
مِنْهَا، قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ! أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْماً أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ
بَيْتٍ، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ، أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لا، فَقَالَتْ:
فَاحْتَسِبِ ابْنَكَ. قالَ: فَغَضِبَ، ثُمَّ قالَ: تَرَكْتِي حَتَّى إِذَا تَلَطَّخْتُ،
ثُمَّ أَخْبَرْتِي بِابْنِي؟! فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللهِ لَّهِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا
كَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: (بَارَكَ اللهُ فِي لَيْلَتِكُمَا))، قال: فَحَمَلَتْ،
قال: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ فِي سَفَرٍ، وَهِيَ مَعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّ
إذَا أتَى المَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ لا يَطْرُقُهَا طُرُوقاً، فَدَنَوْا مِنَ المَدِينَةِ، فَضَرَبَهَا
٢٣٥
المَخَاضُ، فَاحْتَبَسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ، وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وَلِ. قَالَ:
يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ! إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ أنُّ يُعْجِيُِّي أَنْ أَخْرُجَ مَعَ
رَسُولِ اللهِوَ﴿ِ إِذَا خَرَجَ، وأَدْخُلَ مَعَهُ إذَا دَخَلَ، وَقَد احْتَبَسْتُ بِمَا
تَرَى، تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمِ: يَا أَبَا طَلْحَةً! مَا أَجِدُ الذي كُنْتُ أَجِدُ، انْطَلِقْ،
فَانْطَلَقْنَا، وَضَرَبَهَا المَخَاضُ حِينَ قَدِمَا، فَوَلَدَتْ غُلاماً. فقالَتْ لِي
أُمِّي: يَا أَنَسَرُ! لا يُرْضِعُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللهِلَّهِ،
فَلَمَّا أَصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ. وَذَكَرَ تَمَامَ
الحدیث .
((الَُّع)
،9
* قوله: ((كان لأبي طلحة ابن يشتكي)):
قال شيخنا الحافظُ ناصر الدين مُحمَّدُ بن أبي بكر عبدِ الله بن محمَّد :
هذا الابن هو أبو عُمير الذي كان يمزح معه النبيُّ ◌َّ، ويقول له: ((يا أبا
عُمَيْرٍ! ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟)) (١).
قال: وهذا الحديث علَّقه بزيادة في آخره طاهرُ بن مُحمَّد الحَدَّاديُّ
في كتابه ((عيون المجالس)) عن مُعاويةَ بن قُرَّةَ بنحوه، وآخره: قالت:
فحملتُ بابنٍ فسمَّاه رسولُ اللهِوَّرَ عبدَالله، ثم قال رسول الله وَّ: ((الحمدُ
لله الذي جعلَ في أُمَّتِي صَبَّارَةَ بَنِي إِسْرَائيلَ)) فقيل: يا رسولَ الله! وما كان
(١) رواه البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (٢١٥٠)، من حديث أنس
٢٣٦
من خبرها؟ فقال: ((كانَ في بَنِي إسرائيلَ امرأةٌ، وكانَ لها زَوجٌ، وكانَ لها
منهُ غُلامانِ، وكان زوجُها أَمَرَها بطعام يَصنَعُهُ ليَدعُوَ عليه النّاسَ، ففعلَتْ،
واجتمع النَّاسُ في داره، فانطلقَ الغُلامان يلعبان، فوقعا في بئرٍ كانت في
الدَّارِ، فكرهَتْ أن يتنغَّصَ على زوجها الضِّافةُ، فَأَدَخلتُهُما البيتَ،
وسَجَّتْهُمَا بِثَوبٍ، فَلَمَّا فَرَغُوا دخلَ زوجُها، فقال: أَيَّنَ ابنايَ؟ قالت: هُما
في البيتِ، وإنَّها كانت تَمَسَّحَتْ بشيءٍ من الطِّيبِ، وتعرَّضت بالرَّجلِ حتَّى
وقعَ علَيها، ثُمَّ قالَ: أينَ ابنايَ؟ قالت: هُما في البيتِ، فنادَاهُما أَبُوهُما،
فخرجا يَسْعَيانِ، فقالتِ المرأةُ: سُبحانَ اللهِ! لقد كانا مَيْتَيْنِ، ولكنَّ اللهَ
أحياهُما ثَواباً لِصَبْرِي».
* قولها: ((هو أسكن ما كان)):
(ن): فيه: استحبابُ استعمال المَعاريض؛ فإنه كلامٌ صحيحٌ مع أن
المفهومَ منه أنه قد هان مَرَضُهُ وسَهُل، وهو في الحياة، وشرطِ المَعاريض
المُباحة أن لا يضيعَ بها حَقُّ أحد.
و((أعرستم الليلة؟)) بإسكان العين كنايةٌ عن الجماع.
قال الأَصمعيُّ: يقال: أَعرسَ الرجل: إذا دخل، ولا يقال فيه: عَرَّس
بالتشديد، أراد هنا الوطءَ، وسَمَّاه إعراساً لأنه في معناه في المقصود.
وقال صاحب ((التحرير)): روي أيضاً: (عَرَّستم) في بفتح العين وتشديد
الراء، قال: وهي لغةٌ تقال بمعنى (أَعْرسَ)، ولكن (أَعْرسَ) أفصحُ.
وهذا السُّؤالُ للتعجُّب من صنيعها وصبرها، وسروراً بحُسن رضاها
بقضاء الله تعالى، ثم دعا ◌َّ بالبركة في ليلتهما، فاستجاب الله تعالى
٢٣٧
الدُّعاءَ، وحملت بعبدالله بن أبي طَلْحةَ، وجاء من أولاد عبدالله إسحاقُ
وإخوته التسعة صالحين عُلماءَ ﴾(١).
(ق): كلهم حُمِلَ عنهم العلمُ، وإسحاقُ هو شيخُ مالك، وأُّ سُلَیم
هذه أَمُّ أنس بن مالك بن النَّضْر كانت أسلمت مع قومها، فغضب مالكٌ
لذلك فخرج إلى الشام، فهلَك هناك كافراً، وقيل: قتل، ثم خطبها بعده
أبو طلحة وهو على شِرْكه، فأبت حتى يُسلم وقالت: لا أُريد منه صَداقاً إلا
الإسلام، فأسلم وتزوَّجها، وحَسُن إسلامُه، فولدت له غلاماً كان قد
أُعجب به، فمات ... الحديثَ(٢).
(ن): في الحديث مناقبُ لأُمّ سُلَيم رضي الله عنها؛ من عِظَم أجرها،
وحُسْنِ رضاها بقضاء الله، وجَزالةِ عقلها في إخفاء موته على أبيه في أول
الليل؛ ليبيت مُستريحاً بلا حزن، ثم عشَّته، ثم تَصنَّعت له، وعَرَّضت له
بإصابتها، فأصابها(٣) .
(ق): وفيه ما يدلُّ على إجابة دعوة النبيِّ ◌َِّ، وعِظَم مكانته وكرامته
عند الله تعالى، وكم له منها، حتى حصل بذلك العلمُ القطعي واليقينُ
الضَّروري؟!
وذلك أنه لما دعا لأُمُّ سُليم وزوجها؛ ولدت له من ذلك الغِشْيانِ
عبدَالله، وكان من أفاضل الصحابة، ثم وُلد له عدةٌ من الفُضلاء الفُقهاء
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٢٤).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٣٦٣).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٢٤).
٢٣٨
العُلماء؛ إسحاقُ وإخوتُه العشرة، انتهى(١).
قولها: ((لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهل بيت)): يُستفاد منه وُفورُ
علمها، وقوة يقينها، ورُسوخُها في دينها، وعظيمٌ (٢) إيمانها وعقلها؛ إذ
علمت أن الدنيا وما فيها مَتَاعٌ جعله الله تعالى للمُجتازين إلى الدار الآخرة؛
لينتفعوا به، ويستمتعوا منه أياماً معلومة، ويَردُّوه إلى المالك المُعير إذا
انقضى الوقت واستردَّه طَيِّبَةً قلوبُهم، شاكرين للمُعير، مُثْنين عليه؛ إذ
أحسن إليهم وأفضلَ، وأنعمَ عليهم فأجزلَ، فالجاهل يتصرف فيه تَصرُّفَ
المالك، وينظر فيه نظرَ الثَّبات والدَّوام، فإذا استُرِدَّ منه عَظُمَ مصيبتُه،
واشتدَّ بلاؤه وحزنه عليه، وهذا حال الأكثرين إلا مَنْ فتح الله عینَ بصيرته،
وأراه الدنيا على ما هي عليه، ولقد أحسن القائل :
والعَوَارِي مُسْتَردَّةٌ
إنَّما الدُّنيا عَوارٍ
والآخر :
وَلا بُدَّ يَوماً أَن تُردَّ الوَدائِعُ
ومَا المَالُ والأَهلُونَ إلا وَدِيعةٌ
قال الإمام الغزالي: اعلم أن مَثلَ الناس فيما أُعطوا من الدنيا مَثلُ
رجل هَيَّأ داراً وزَيَّنها وهو يدعو إلى داره على الترتيب واحداً بعد واحد،
فدخل واحدٌ دارَه، فَقُدِّمَ إليه طبقٌ من ذهب عليه بُخورٌ ورَيَاحينُ؛ ليَشْتمَّهُ
ويتركه لمن يلحقُه، لا ليتملكه فيأخذه، فجهل رسمَهُ، وظَنَّ أَنْ قد وُهِبَ
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ / ٤٦٧).
(٢) في هامش الأصل: ((عظم)).
٢٣٩
ذلك منه، فتعلق به قلبُه لمّا ظَنَّ أنه له، فلما استُرجع منه؛ ضَجِرَ وتفجَّع،
ومَنْ كان عالماً برَسْمِه انتفع به وشكره، ورَدَّ بطيبة قلبٍ وانشراح صدر،
فكذلك مَنْ عرف سُنَّةَ الله تعالى؛ علم أنها دارُ ضيافة سُبِّلَتْ على
المُجتازين لا على المُقيمِين؛ ليتزوَّدوا منها، وينتفعوا بما فيها؛ كما ينتفع
المُسافرون بالعَواري، ولا يَصرِفُون إليها كلَّ قلوبهم حتى تعظُم مُصيبتُهم
عند فراقها(١).
[(ن)]: في هذا الحديث فوائدُ:
منها: تَحنيكُ المولود عند ولادته، وهو سُنّةٌ بالإجماع.
ومنها: أن يُحنِّكَه صالحٌ؛ من رجل أو امرأة.
ومنها: التبرُّك بآثار الصَّالحين وريقِهم، وكلِّ شيءٍ منهم.
ومنها: كونُ التَّحنيك بتمر، وهو مُستحبٌّ، ولو حُنِّك بغيره حصل
التحنيك، لکن التمر أفضل.
ومنها: التواضعُ وتعاطي الكبير الثَّحنيكَ ونحوَه، وأنه لا يَنقُضُ ذلك
مروءته.
ومنها : استحبابُ التسمية بعبدالله.
ومنها: استحبابُ تفويض تعاطي التسمية إلى صالح، فيختار له اسماً
يرتضيه .
ومنها: جوازٌ تسميته يومَ ولادته، انتهى (٢).
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٢١٨/٣).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ١٢٣).
٢٤٠
ومنها: استحبابُ الدُّعاء لمن تَخلَّق بخلق يحبه الله؛ كما إذا كظم
غيظاً، أو صبر لنازلة، ونحو ذلك.
ومنها: استحبابُ بَعْثِ المولود إلى الصَّالحين وأهل الخير لعلَّ بعضَهم
يدعو له بدعوة تكونُ سببَ نجاته من أهوال الدنيا والآخرة.
حُكي: أن والدَ إبراهيم بن أدهمَ حَجَّ معه زوجتُه، وكانت حُبلى،
فولدت إبراهيمَ بمكة، فرفعه في خِرْقةٍ، وجعل يتتبع أولئك الزُّهَادَ والعُبَّادَ
ويقول: ادعوا الله لابني أن يجعلَه رجلاً صالحاً، فيُرى أنه قد استُجيب
لبعضهم فيه .
ومنها: استحبابُ بَعْثِ شيء ممَّا يصلحُ للَّحنيك إذا بُعث المَولودُ
إلى بعض الصالحين؛ إذ حالُهم أعزُّ من أن يستصحبوا شيئاً من ذلك.
ومنها: كراهة الطُّروق على الأهل عند الرجوع من السفر.
ومنها: استحبابُ مُلازمةِ الصَّالحين، وتكثير سَوادهم إذا دخلوا بلدةً
أو خرجوا منها؛ لقول أبي طلحة: ((يا ربِّ؛ إنه ليُعجِبُني أن أخرجَ معَ
رسولِ الله إذا خرجَ، وأَدخُلَ معَهُ إذا دخلَ))؛ فإن لهم في أَسْفَارهم دعواتٍ
مُستجاباتٍ لا شَكَّ فيهنَّ، ولهم في هاتين الحالتين زيادةٌ ضَراعةٍ وخُضوع،
فمَنْ صاحبَهُم ولازمَهُم؛ يُرجى أن لا يَشْقَی بهم.
ومنها: مَنقَبَةٌ ظاهرة لأبي طلحة، وإجابة الله سبحانه دعاءه.
ومنها: فضيلةُ الدعاء عند الشدائد والكُرَب، وأن لا يكون للعبد
مَفْزَعٌ ولا مَلجأٌ إلا إلى الله؛ فإن الأمرَ كلَّه بيده، وهو الفاعل لما يريد.
٢٤١
ومنها: أنه يُجيب مَنْ دعاه، ولا يُخيِّبُ مَنْ رجاه.
٠٠٠
٤٥ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَ﴾: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قالَ: ((لَيْسَ
الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ)) متفقٌ
عليه .
(وَالصُّرَعَةُ)): بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَأَصْلَهُ عِنْدَ العَرَبِ:
مَنْ يَصْرَعُ النَّاسَ كَثِيراً.
ء
:
* ((الصرعة)) بضم الصاد وفتح الراء: المُبالِغُ في الصِّراعِ الذي لا يُغلبُ،
فنقله إلى الذي يَغْلِبُ نفسه عند الغضب ویقهرها؛ فإنه إذا ملکها كان قد قهر
أقوى أعدائه، وشَرَّ خُصومه؛ ولذلك قال: ((أَعْدى عَدُوِّ لكَ نَفَسُكَ التي بَيْنَ
جَنْبَيكَ))(١).
وهذا من الألفاظ التي نقلها [الشرع] عن وضعها اللُّغوي لضَرْب من
التوسُّع والمجاز، وهو من فصيح الكلام؛ لأنه لما كان الغَضْبانُ بحالة
شديدة من الغيظ، وقد ثارت عليه شهوة الغضب؛ قهرها بحِلْمِه، وصرعها
بثباته، كأنه كالصُّرَعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه.
(ن): أي: تعتقدون أن الصُّرَعَة الذي يصرع الناس هو الرجل الشديد،
(١) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٣٤٣) عن ابن عباس حوّها. وإسناده موضوع. انظر:
((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (١١٦٤).
٢٤٢
وليس كذلك، بل الصُّرَعة المحمودُ القويُّ الفاضل: هو آمَن يملك نفسه عند
الغضب](١) الذي قَلَّ من يَقدِرُ على التخلُّق بخُلُقهِ ومشاركته في فضيلته،
بخلاف الأول.
وفيه: فضيلةُ كَظْمِ الغَيظ، وإمساك النفس عند الغضب والمُخاصمة
والمُنازعة.
وفيه: أن مُجاهدة النفس أشدُّ من مُجاهدة العدو، وهي الجهادُ الأكبر
والشجاعة الحقيقية(٢)
٤٦ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ ﴿ه قال: كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ وَّهِ،
وَرَجُلان يَسْتَبَّانِ، وَأَحَدُهُمَا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، وانْتُفَخَتْ أَوْدَاجُهُ.
فقالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ،
لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ، ذَهَبَ مِنْهُ مَا يَجِدُ»، فَقَالُوا
لَهُ: إِنَّ الَّبِيَّنَّهِ قَالَ: ((تَعَوَّذْ باللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)) متفق عليه.
الثَّانِوَالْعَبْرُ
* قوله: ((يستبان)): السَّبُّ: القَطعُ، ولإفضاء الشتم إلى القَطيعة غالباً
سُمِّي سَبّاً، واستَبَّ الرجلان وتسابًا واحدٌ، ومنه قول الشاعر:
(١) من ((شرح مسلم) للنووي (١٦ / ١٦٢).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٦٢).
٢٤٣
واستُبَّ بَعدكَ يا كُلَيِبُ المَجْلِسُ
نُبِّئْتُ أَنَّ النَّارَ بَعدكَ أُوْقِدَتْ
(ن): في هذا الحديث: أن الغضبَ في غير الله تعالى من نَزَغاتِ
الشيطان، وأنه ينبغي لصاحب الغضب أن يستعيذَ، وأنه سببٌ لزوال
الغضب(١).
(ق): هذا يدل على أن الشيطانَ له تأثيرٌ في تَهْييجِ الغضب وزيادته
حتى يحملَه على البَطْشِ بالمغضوب عليه، أو إتلاف نفسه، أو شَرٍّ يفعله
يستحقُّ العُقوبةَ في الدنيا والآخرة، فإذا تَعوَّذ الغضبانُ بالله من الشيطان،
وصحَّ قصدُه واستجارتُه؛ فالله تعالى أكرمُ مِنْ أن يَخذُلَ مَنِ استجار به(٢).
(ن): زاد مسلم: ((فقال الرجلُ: وهل ترى بي مِنْ جُنونٍ؟)»(٣).
٤
قول الرجل: ((هل ترى بي من جنون؟)): كلام من لم يَفْقَهْ في دين
الله، ولم يتهذَّب بأنوار الشريعة المُكرَّمة، وتُوهَّمَ أن الاستعاذة مُختصَّةٌ
بالجُنون، ولم يعلم أن الغضبَ من نزغات الشيطان؛ ولهذا يخرجُ به
الإنسان عن اعتدال حاله، ويتكلم بالباطل، ويفعل المذمومَ، وينوي الحِقْدَ
والبُغْضَ وغيرَ ذلك من القبائح المُترتبة على الغضب.
ولهذا قال النبيُّ نَّ للذي قال له: أَوْصِني: ((لا تَغْضَبْ»، فردد مِراراً،
قال: ((لا تَغْضَبْ))(٤)، فلم يزده في الوَصِيّة على ((لا تغضب)) مع تكراره
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٦٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٩٤).
(٣) رواه مسلم (٢٦١٠).
(٤) رواه البخاري (٥٧٦٥)، من حديث أبي هريرة
٢٤٤
الطلبَ، وهذا دليلٌ ظاهرٌ في عظم مفسدة الغضب وما ينشأ منه، ويحتمل أن
هذا القائل: ((هل ترى بي من جنون؟)) كان من المنافقين، أو من جُفاة
الأعراب(١).
(ق): هذا من أقبح الجُنون، والجُنون فُنونٌ، وكان هذا الرجلُ من
جُفاة الأعراب الذين قلوبُهم من الفقه والفَهْم خرابٌ، انتهى (٢).
قال الغزالي رحمه الله: مهما اشتد نارُ الغضب وقوي اضطرامُها؛ أَعْمَتْ
صاحبَها وأَصمَّتْهُ عن كل موعظة، فإذا وُعِظ؛ لم يسمع، بل زاده غضباً، وإن
استضاء بنور عقله وراجع نفسَه لم يقدر؛ إذ ينطفئ نورُ العقل، وينمحي في
الحال بدُخَان الغضب؛ فإنَّ مَعْدِنَ الفكر الدِّماغُ، ويتصاعد عند الغضب من
غَلَيَان دم القلب دُخانٌ إلى الدِّماغ مُظلمٌ يستولي على معادن الفكر، وربما
يتعدَّى إلى مَعادن الحِسِّ، فتُظلِمُ عينُه حتى لا يرى بعينيه، وتَسودُّ عليه الدنيا
بأسرها، ويكون دماغه على مثال كهف ◌ُضرمت فيه نارٌ فاسودَّ جَوُّه، وحَمِيَ
مُستقرُّه، وامتلأ بالدُّخَان جوانبُه، وكان فيه سِراجٌ ضعيف فانطفأ بها وانمحى
نورُه، فلا تثبت فيه قدٌ، ولا يُسمع فيه کَلِمٌ، ولا يُرى فيه صورة، ولا يقدر
على إطفائه لا من داخل ولا من خارج، بل ينبغي أن يصبر إلى أن يحترق
جميعُ ما يقبل الاحتراقَ، فكذلك يفعل الغضبُ بالقلب والدِّماغ، وربما تقوى
نارُ الغضب، فَتَفْنَى الرُّطوبةُ التي بها حياةُ القلب، فيموتُ صاحبه غيظاً؛ كما
تقوى النار في الكهف فيتشققُ وينهدم أعاليه على أسافله؛ لإبطال النار ما في
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٦٣).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٩٤).
٢٤٥
جوانبه(١) من القوة المُمسكة الجامعة لأجزائه.
وبالحقيقة فالسفينةُ في مُلْتَطَمِ الأمواج عند اضطراب الرياح في لُجَّة
البحر أحسن حالاً وأرجى سلامةً من النفس المضطربة غيظاً؛ إذ في السفينة
مَنْ يحتال لتسكينها وتدبيرها، وأما القلب: فهو صاحب السفينة، وقد
سقطت حِيلَتُّهُ؛ إذ أعماه الغضب وأصَمَّهُ (٢).
*
٤٧ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ﴾: أَنَّ النَّبِّ ◌َّهِ قالَ: ((مَنْ كَظَمَ
غَيْظاً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى عَلَى رُؤُوسِ
الخَلائقِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنَ الحُورِ العِينِ مَاشَاءَ» رواهُ أَبُو
دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ.
(الثَّالِوَالْعَبْرُ)
* ((كظم الغيظ»: تَجزُّعه، واحتمالُ سببه، والصبرُ عليه.
قال في ((أساس البلاغة)): كظم القِرْبةَ: ملأها وسدَّ(٣) رأسَها، وكظم
البابَ: سَدَّه، ومن المجاز: كظم الغيظ، انتهى (٤).
(١) في الأصل: ((فيه من جوانبها)).
(٢) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ١٦٧).
(٣) في الأصل: ((وشد)).
(٤) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ٥٤٥) (مادة: كظم).
٢٤٦