Indexed OCR Text
Pages 301-320
من الله تعالى بالجَزعِ، وعدم الصَّبرِ عند فَجْأة الفجيعة (١). ٣٢ - وَعَنْ أَبِي هُرِيرَةَ بُهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَ ◌ِّ قالَ: (يَقُولُ اللهُ تعالى: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إلاَّ الجنَّةُ)) رواه البخاري. (البَافِقُ) (نه): (صفي الرجل): الذي يُصافيه الوُدّ، ويُخلِصه له، فَعِيلٌ بمعنی فاعلٍ، أو مفعول(٢). ٣٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللهِ وَهـ عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا: ((أنَّهُ كَانَ عَذَاباً يَبْعَثُهُ اللهُ تعالى عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ الله تعالى رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ في الطَّاعُون، فَيَمْكُثُ في بَلَدِهِ صَابِراً مُحْتَسِباً يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إلاَّ مَا كَتَبَ الله لَهُ، إلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ)) رواه البخاري. (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٤١٩). (٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٤٠). ٢٠٧ (التََّى) * قوله تعالي: «كان عذاباً يبعثه الله على من يشاء)): (ن): هذا الوصف بكونه عذاباً مُختصٌّ بمَنْ كان قبلنا، وأما هذه الأمة: فهو لها رحمةٌ وشهادةٌ، وثبت في (الصحيحين)): ((المَطْعونُ شَهيدٌ))(١)، و((الطَّاعونُ شَهادَةٌ لكُلِّ مُسْلمٍ) (٢)، وإنما يكون شهادةً لمَنْ صبرً؛ کما بیّنه في هذا الحدیث، انتهى(٣). رواه أحمدُ بإسناد جيد عن أبي مُنيب الأَحْدَبِ قال: خطبَ معاذُ بن جبل بالشَّام، فذكر الطاعونَ فقال: إنه رحمةُ رَبِّكم، ودَعوةُ نَبَيِّكم، وقَبْضُ الصَّالِحِينَ قبلَكم، اللَّهُمَّ اجعل على آل مُعاذٍ نصيبَهم من هذه الرَّحمةِ، ثم نزل عن مَقامه ذلك مَطعوناً، فدخل عليه عبدُ الرحمن بنُ . معاذ، فقال عبدُ الرحمن: ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكٌ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]، فقال معاذ: ﴿سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ ﴾ [الصافات: ١٠٢] (٤). وفي رواية: طُعن مُعاذٌ في إصبعه السَّبَّابة، فكان يقول: ما يَسرُّني أن لي بها حُمْرَ النَّعم(٥). (ق): قال أبو قِلاَبَةَ: يعني بـ (دعوة نبيكم): أنه رَّ: دعا أن يجعل (١) رواه البخاري (٦٢٤)، ورواه مسلم (١٩١٤)، من حديث أبي هريرة ﴿ته. (٢) رواه البخاري (٢٦٧٥)، ومسلم (١٩١٦)، من حديث أنس بن مالك ه . (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٤ / ٢٠٤). (٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥ / ٢٤٠). (٥) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٢٤١). ٢٠٨ فَنَاءَ أُمَّته بالطّعن (١) والطاعون، هكذا جاءت الروايةُ بالواو. والمرادُ بالأُمَّة في الحديث: الصحابةُ ﴿؛ لأنهم همُ الذين اختار الله لمُعظمهم الشهادةَ بالقتل في سبيل الله، وبالطاعون الذي وقع في زمانهم، فھلك به بقیتُهم(٢). (ك): الطاعون وإن كان مِحنةً صُورةً، لكنه رحمةٌ من حيث إنه يتضمَّنُ مثلَ أجر الشُّهداء، فهو سببُ الرحمة لهذه الأمة. وقوله: ((في بلده)): هو مما تنازع الفعلان فيه(٣). (قض): الطاعون: من الأمراض المُهلكة غالباً، فإذا عرضَ للمؤمن كان شهادةً له، وإن عرض للكافر كان زَجْراً؛ أي: عذاباً(٤). (ط): ((ليس من عبد)): الجملة بيان لقوله: ((جعله رحمة للمؤمنين))، و(مِنْ) زائدة، و((فيمكث)) عطف على (يقع)، وكذا ((يعلم))، و((إلا كان)) خبر (ليس)، و((صابراً)) و((محتسباً)) حالان من فاعل (يمكث)؛ أي: يصبر وهو قادرٌ على الخروج، مُتوگِّلاً على الله، ابتغاءً لمرضاة الله، طالباً لثوابه، لا لغرض آخر، انتھی(٥). وسيأتي معنى الشهيد، وبيان اشتقاقه في (الحديث السابع والعشرين) (١) في هامش الأصل: ((لعله: بالقتل)). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٥ /٦١٢). (٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٣/ ٨٨). (٤) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ٤٢٣). (٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٤٢). ٢٠٩ من (الباب الخامس والثلاثين بعد المئة في الجهاد). ٣٤ - وعَنْ أَنَسِ ﴿ه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((إنَّ اللهَ وَّ قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبدِيٍ بِحَبِيِبَتَيهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ)) يُريدُ: عَيْنَيَّه. رواه البخاري. (الَشَا) (ط): تُسمَّى العَينان بالحبيبتين؛ لأن العالَمَ عالَمان: الغَيبُ والشَّهادةُ، وكلٌّ منهما مَحبوبٌ، ومُدْرِك الأولى البَصيرةُ، ومُدرِكُ الثانية البصر، واشتق(١) الحبيب من حَبّ القلب، وهي سُوَيداؤه، نظيرَ سُوَيداء العين. أنشد السيدُ الرَّضيُّ : لو يُفتدَى ذاك السَّوادُ فَدیتُهُ بِسَوادٍ عَيِنِي بل سوادٍ ضَمَائِرِي وقال أبو العَلاءِ(٢): يَودُّ أنَّ سَوادَ اللَّيلِ دامَ لهُ وزِيدَ فيهِ سَوادُ القَلبِ والبَصرِ ولعلَّ جعلَ الجنة عوضاً عنهما؛ لأن فاقدَهما حبيسٌ، فالدُّنيا سجنُه (١) في هامش الأصل: ((واشتقاق)). (٢) جعل تحتها في هامش الأصل: ((الطَّيِّب))، وفي بعض نسخ ((شرح المشكاة)) للطيبي: ((أبو الطيب)) . ٢١٠ حتى يدخل الجنةَ، على ما ورد: ((الدُّنيا سِجْنُ المُؤمنِ، وجَنَّةُ الكَافِ))(١). و(ثم) في قوله: ((ثم صبر)) للتراخي في الرتبة؛ لأن ابتلاءَ الله تعالى العبدَ نعمةٌ، وصبرَه عليه مُقتضٍ لتضاعف تلك النعمة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَنَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِحِسَابٍ ﴾ [الزمر: ١٠]. ولمّا أُصيب ابنُ عباس ﴾ بگریمتَيْه؛ أنشد: فَفِي لِسَانِي وقَلْبِي للهُدَى نُورُ إِنْ يَسْلُبِ(٢) اللهُ مِنْ عَينِيَّ نُورَهُما وفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيْفِ مَأثورُ(٣) عَقْلِي ذَكِيٌّ وقَولِي غَيرُ ذِي خَطَلٍ (ك): ((الحبيبتان المحبوبتان))؛ يعني: العينين، سُمِّيا بذلك لأنهما أحبُّ الأشياء إلى الشخص. و((صبر))؛ أي: على البلاء شاكراً عليه، راضياً بقضاء الله تعالى، وليس ابتلاءُ اللهِ العبدَ بالعَمی لسُخْطِه علیه، بل لدفع مكروه یکون بسبب البصر، أو لتكفير ذنوب سلَفت منه، أو لتبليغه إلى أجر لم يبلغه بعمله، ونعمةُ الصبر وإن كانت أجلَّ نعم الله على العبد في الدنيا؛ فعوضُ الله له الجنةَ عليها أعظمُ العِوَضين، وأفضلُ النِّعمتين، كَمّاً وكَيفاً؛ لنفاد مُدَّة الالتذاذ بالبصر وضعفه، وبقاء الالتذاذ بالجنة وقوته، فمن ابتُلي بالعمى أو بفقد جارحة فليتلَقَّ ذلك بالصَّبر؛ ليَحصُل له الجَنَّةُ التي مَن صار إليها قد (١) رواه مسلم (٢٩٥٦)، من حديث أبي هريرة نظـ (٢) في هامش الأصل: ((يذهب)). (٣) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٤٣). ٢١١ ربحت تجارته، انتھی(١). قال الحافظ أبو يعلى المَوْصِليُّ: ثنا شَيْبانُ بن فَرُوخَ: ثنا سعيدُ بن سُلَيم الضَّبِّيُّ: ثنا أنسُ بن مالك قال: قال رسول الله وَّه: ((قالَ اللهُ رَّ: إذا أَخذتُ كَرِيمَتَي عَبْدِي؛ لم أَرْضَ لهُ ثَواباً دُونَ الجَنَّةِ)) قال: قلتُ: يا رسولَ الله! وإن كانت واحدةً؟ قال: ((وإنْ كانَتْ وَاحِدةً))(٢). وعن عِرْباض بن ساريةَ، عن النبيِّ وَّهِ - يعني: عن رَبِّه - قال: ((إذا سلَبْتُ مِنْ عَبْدِي كَريمَتَيهِ وهوَ بِهِما ضَنِينٌ؛ لم أَرْضَ لهُ ثواباً دُونَ الجَنَّةِ إِذا حَمِدَنِي عَلَيْهِمَا)). رواه ابن حبان في «صحيحه»(٣)، وترجم عليه بقوله: (بابُ ذکر رجاء دخول الجنة لِمَنْ حَمِدَ اللهَ على سلب كَرِيمَتَيْهِ إذا كان بهما ضَنِيناً)، ثم قال: (ذكرُ البيان بأن هذا الفضلَ إنما يكون لمن صبر عليهما مُحتسباً). ثم روى عن أبي هريرة: أن رسولَ الله ◌َ ◌ّه قال: ((لا يَذْهبُ اللهُ بحَبيبتَي عبدٍ ويحتسبُ؛ إلا أَدخلَهُ اللهُ الجَنَّةَ))(٤). (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٠ / ١٨٣). (٢) رواه أبو يعلى في («مسنده)) (٤٢٣٧). وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (١٩٠٤). (٣) برقم (٢٩٣١). (٤) رواه ابن حبان في ((صحیحه)) (٢٩٣٢). ٢١٢ (فَصْلٌ فيمَنْ كُفَّ لهم الأبصارُ من ذوي البَصائر والأخيار). شعيبٌ ويعقوبُ عليهما السلام(١)، العباس بن عبد المطلب، وابنه عبدالله، وعبد المُطَّلب بن هاشم، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وعبدالله بن عمر بن الخطاب: أَشْرَبَ عينيه الماءَ إذا توضأ، فكُفَّ بَصرُه. عبد الله بن زيد: كان على نخل له، فنُعي إليه رسولُ وَّةِ، فقال: اللَّهُمَّ؛ العينان اللتانِ(٢) كنتُ أُبصر بهما إلى رسول الله وَِّ فخُذْهُما، فذهب بصرُه. أبو قُحافة والد أبي بكر الصِّدِّيق، أبو سفيان بن الحارث، عبدُالله بن أرقمَ، عمرو بن أم مكتوم، كعب بن مالك، حسان بن ثابت، عبدالله بن أبي أَوْفَى، مُطْعِمُ بن عَدِيٍّ، جُبير بن مُطعِم، قَتَادةُ بن النُّعمان، أبو سفيان صخرُ بن حرب، عَقِيل بن أبي طالب، أبو أَسِيد السَّاعديُّ، المُغيرة بن مِقْسَم، المُغيرة بن شعبة، سعد بن أبي وقاص، علي بن زيد من ولد عبدالله بن جُدْعانَ أَكْمُهُ، أبو هلال الرَّاسِتِّي، علي بن مُخْرزٍ، أحنفُ بن قيس، أَشْعتُ بن قيس، سعد بن عثمان بن عفان، عُتبة بن سفيان، طلحة الطَّلَحات، قَبِيصَةُ بن ذُؤيب، وخلائق لا يحصون من فحول العلماء، وأعيان الأمة، وإنما ذكرنا بعضاً منهم؛ للتأسِّي. (١) في هامش الأصل: ((نسبةُ الكَفِّ إلى شُعيبٍ ويعقوبَ مُشكلٌ، وعبارته مُؤولة بحمل ذلك على الغشاوة؛ لأن الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام مُنزَّهُون عن العمَى، والله أعلم. لمُحرره إسماعيلَ بن اليازجي)). (٢) في الأصل: ((العينين التي)). ٢١٣ وكُفَّ بصرُ أبي معاوية الأسود فقال: يا ربِّ! قد علمتَ مَحبَّتي للقرآن نظراً فَخُلْتَ بيني وبينها، فكان إذا أخذ المُصحف؛ أبصر ما فيه، فإذا وضعه؛ عاد إلى عادته. وقال شُرِيحٌ العَابِدُ: ذهب بصري فأُتيت في المنام، فقيل لي : أَخْصِ تهليلات القرآن وادع بها، فإن الله سيرةُّ بصرَك، ففعلتُ، فردَّ الله عليَّ بصري، فقال لي رجل: هل استخرتَ الله فيه؟ فقلت: لا، فقال: استَخِرِ الله(١) في ذلك، فاستخرتُ فذهبَ بصري. الى: أَلا ٣٥ - وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ قالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسِ ء أُرِيِكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّة؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قالَ: هَذِهِ المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النبيَّ وَِّ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ تعالى لِي، قَالَ: ((إِنْ شِئْتٍ صَبَرْتٍ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ تعالى أنْ يُعَافِيَكِ))، فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَت: إنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ الله أَنْ لا أَتَكَشَّفُ، فَدَعَا لَهَا. متفقٌ عليه. (الجَّادِي عَيْسَ، * قوله: «ألا أريك امرأة من أهل الجنة»: (ك): فإن قلت: فهذه أيضاً مُبشَّرةٌ بالجنة، فليسوا منحصرين على العشرة؟! (١) في هامش الأصل: ((ط، فاستخر الله)). ٢١٤ قلت: وكثيرٌ غيرُهم؛ مثل الحسن والحُسين، وأزواج النبي ◌ِّ، فالمراد بالعشرة: الذين بُشِّروا في مجلس واحد، وصرح فيهم بلفظ البشارة. و((أتكشف)): من التفعل، و(أنكشف): من الانكشاف؛ أي: تظهر عورتي. فيه: فضل الصَّرَع، وأن اختيارَ البلاء والصبر عليه يُورث الجنةَ، وأن الأخذَ بالشدّة [أفضل] من الأخذ بالرُّخصةِ، انتهى(١). الصَّرَعُ عند الأطباء: عِلَّة تتشوَّش معها أعضاءُ الحِسِّ والحركة، فيكونان بلا نظام، وسببه: سَدَّةٌ دماغية غيرُ تامَّة تحدث في مجاري الأعصاب المُحرِّكة للأعضاء، فتمنع الرُّوحَ الإنسانية عن السُّلوك الطّبيعي فيها. وقولها: ((إني أتكشف)): كِنايةٌ عن تَنْحِية الثياب عن العَورة الواجب سَتْرُها، وقولها: ((إني أصبر)): فيه بيانُ كمالِ رُسوخها في الدِّين، وإيثارها الآخرةَ الباقية على الدُّنيا الفانيةِ، وعلوُّ الهِمَّة إلى هذه المرتبة عَزيزٌ في النساء، وفيه معجزةٌ ظاهرةٌ لرسول الله وَِّ؛ فإنه دعا لها بأنها لا تنكشف عند زوال عقلها وعدم تمييزها بين الحَسَن والقبيح، واعتيادها التكشف عند عُروض هذا المرض، وهذا ممَّا ليس في القوى البشرية القُدرةُ عليه، وفيه فضيلة التخلُّق بالحياء؛ إذ لم يأمرها النبي ◌َّ بالصبر على ذلك، ودعا لها بأن لا تنكشفَ. (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٠ / ١٨٣). ٢١٥ ٣٦ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ عَبْدِالله بْنِ مَسْعُودٍ ﴾، قال: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ﴿ يَحْكِي نَبِيّاً مِنَ الأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللهُ وَسَلامُهُ عَلَيْهِمْ - ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) متفقٌ عليه. (الثَّانِي عَنْشَر) (ط): ((نبياً) منصوبٌ على شريطة التفسير؛ بقرينة قوله: ((ضربه))، وهو حكاية لفظ الرَّسول وَّه، ويجوز أن يُقدَّرَ مضافٌ؛ أي: يحكي حالَ نبيٍّ من الأنبياء، وهو معنى ما تلفَّظ به، وحينئذٍ (ضربه) يجوز أن يكون صفةً للنبي ◌َّ، أو يكون استئنافاً، كأن سائلاً سأل: ما حكاه؟ فقيل: (ضربه)(١). (ن): فيه: بيانُ ما كان الأنبياءُ صلوات الله عليهم عليه؛ من الحِلْم، والصَّبر، والعَفْوِ، والشَّفَقةِ على قومهم، ودعائهم بالهداية والغُفران، وعُذرهم في جنايتهم(٢) على أنفسهم بأنهم لا يعلمون، وهذا النبيُّ المُشار إليه من المُتقدِّمين، وقد جرى مثلُ هذا لنبينا وَّ يوم أُحُد(٣). (ق): النبيُّ نَّهِ هو الحَاكي، وهو المَحكيُّ عنه، وكأنه أُوحي إليه بذلك قبل وقوع قَضيَّته يومَ أحد، ولم يُعيَّن له ذلك النبيُّ، فلما وقع ذلك (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (١٠ / ٣٣٤٢). (٢) في الأصل: ((حياتهم)). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٢ / ١٥٠). ٢١٦ له؛ تعيَّن أنه هو المعنيُّ بذلك. وإن تأمل الفَطِنُ هذا الدعاءَ في مثل تلك الحالة؛ علم بمعنى قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وأنه ◌َِّ لم يَدعُ عليهم فينتصِرَ، ولم يقتصر على العفو حتى دعا لهم، ولم يقتصر على الدعاء لهم حتى أضافهم إلى نفسه على جهة الشَّفقة، ولم يقتصر على ذلك حتى جعل جهلَهم لحاله كالعُذر، وإن لم يكن لهم عُذراً، وهذا غايةُ الفَضل والكرم التي لا يُشارَكُ فيها، ولا يُوصَل إليها(١). ٣٧ - وَعَنْ أَبِي سَعيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﴾، عَنِ النَّبِّ وَّهِ، قَالَ: ((مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمِّ وَلا حَزَنٍ، وَلا أَذِى وَلا غَمِّ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشاكُهَا، إلاَّ كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خطَايَاهُ)) متفقٌ عليه. وَ(«الوَصَبُ)): المَرَضُ. (الثّالث عشر) المذكور في الكتاب لفظُ البخاري(٢)، وروايةٌ لمسلم: ((ما يُصيبُ المُؤمِنَ من وَصَبٍ ولا نَصَبٍ ولا سَقَمٍ ولا حَزَنٍ، حتَّى الهَمِّ يُهَمُّهُ، إلا كُفِّرَ به مِنْ سيِّّاتِه))(٣). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٦٥٠). (٢) رواه البخاري (٥٣١٨). (٣) رواه مسلم (٢٥٧٣). ٢١٧ (ن): ((الوصب)»: الوجع اللازم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ عَذَابٌ وَاحِبُ﴾ [الصافات: ٩]؛ أي: لازم ثابت، و((النَّصَبُ)): التعب، وقد (نَصِبَ] ينصَبُ نَصَباً كـ (فَرِحَ يَفْرَحُ فَرَحاً)، ونصبه غيره [وأنصبَهُ]: لغتان. و((السقم)) بضم السين وإسكان القاف ويفتحهما معاً، لغتان، وكذلك (الحَزَن) و(الحُزْن) فيه اللغتان، و((يهمه)): ضبطه القاضي: بضم الياء وفتح الهاء على ما لم يُسَمَّ فاعله، وضبطه غيرُه بفتح الياء وضم الهاء؛ أي: یَغُنُّه، وكلاهما صحیح(١). (تو): ((الهم)): الحزن الذي يُذيب الإنسانَ؛ من قولهم: همَمْتُ الشَّحْمَ فَانْهَمَّ، و(الحزن): خشونة في النفس؛ لما يحصل فيهما من الغم، أُخِذَ من حُزونة الأرض، فعلى هذا: الهَمُّ أخصُّ وأبلغُ من الحُزن. وقيل: الهَمُّ يختص بما هو آت، والحُزن بما مضى. روى الترمذيُّ: أنَّ وكيعاً قال: لم يُسمَع في الهَمِّ أنه كَفَّارَةٌ إلا في هذا الحدیث(٢). (مظ): (الهم): ما يُصيب القلبَ من الألم وغيرها؛ بفَوت مال أو ولد وغير ذلك، إلا أن الغَمَّ أشدُّ؛ فإنه الحزن الذي يَغُّ الرجلَ؛ أي: يستره بحيثُ يقرُّب أن يُغمى عليه، والهَمُّ الذي يُذيبه، والحُزن أسهلُ منهما (٣). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٣٠). (٢) رواه الترمذي (٩٦٦). (٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٣٩٤). ٢١٨ (ق): (الهم) و(الحزن) في اللغة مترادفان، ومقصودُ الحديث ليس كذلك، بل مقصودُه التسویةُ بین الحزن الشديد الذي یکون عند فقد محبوب، والهَمِّ الذي يقلق الإنسانَ ويُشغَلُ به فكرُه من شيء يخافه أو يكرهه، في أنَّ كلَّ واحد يُكَفَّر به؛ كما جمع بين الوَصَب وبين السَّقَم، لكن يطلق الوصَبُ على الخفيف منه، والسَّقمُ على الشديد، ويقع الترادفُ بهذا(١). (ط): الزمخشري: شُكْتُ الرجلَ أَشوكُه؛ أي: أدخلتُ في جسده شوكةً، وشِيكَ - على ما لم يُسمَّ فاعلُهُ - يُشاك شوكاً(٢). (مظ): يجوز رفع ((الشوكة)) على الابتداء، والخبر ((يشاكها))، وجُّها على أن ((حتى)) عاطفة، أو بمعنى (إلى)، والضمير في (يشاكها) مفعوله الثاني، والمفعول الأول مُضمرٌ أُقيم مُقام الفاعل، المعنى: حتى الشَّوكةُ يشاك المسلم تلك الشَّوكةَ(٣). (ك): (النصب): الثَّعبُ، و(الوصَب): المرضُ، و(الهم): مكروهٌ يلحق الإنسانَ بحسب ما يقصِدُه، و(الحزن): ما يلحقه بسبب حُصول مَكروه في الماضي، و(الأذى): ما يلحقه من تَعدِّي الغير عليه، و(الغم): ما يلحقه بحيث يَغُمُّه كأنه يُضيِّقُ عليه ويُثقله، وهو شاملٌ لجميع أنواع المَكروهات؛ لأنه إما بسبب ما يَعرِضُ للبدن أو للنفس، والأول: إما بحيث يخرج على المَجرى الطبيعي أم لا، والثاني: إما أن يُلاحَظ فيه التَّغَيرُ (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٤٦). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٣٩). (٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح) للمظهري (٢ / ٣٩٤). ٢١٩ أم لا، ثم ذلك إما أن يظهرَ فيه الانقباضُ والاغتمامُ أم لا، ثم ذلك إما بالنظر إلى الماضي أم لا(١). (ن): فيه: بِشارةٌ عظيمة للمُسلمين، فإنه قَلَّ أن ينفكَّ واحدٌ ساعة من شيء من هذه الأمور، وفيه: تكفيرُ الخطايا بالأمراض والأسقام ومصائب الدنيا وهمومِها وإن قَلَّتْ مشقَّتُها، وفيه: رفعُ الدَّرجات بهذه الأمور، وزيادةُ الحسنات، هذا هو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء. وحكى القاضي عن بعضهم: أنها تُكَفِّر الخطايا فقط، ولا ترفع درجةً، ولا تُكتب حسنةً. قال: وروي نحوه عن ابن مسعود قال: الوجَعُ لا يُكتبُ به أَجرٌ، ولكن يُكَفِّر الخطايا. واعتمد على الأحاديث التي فيها تكفيرُ الخطايا، ولم يبلغه الأحاديثُ المُصرِّحة برفع الدَّرَجات، وكَتْبِ الحسنات. في ((صحيح مسلم)) عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسولَ اللهِوَّ﴾ [يقول]: ((ما مِنْ مُسلمٍ يُشاكُ شَوكةً فما فَوقَها إلاَّ كُتِبتْ لهُ درجةٌ، ومُحِيتْ عنهُ بها خَطِيئَةٌ)(٢)، وفي رواية له: ((إلا كَتَبَ اللهُ له بها حَسنةً، أَوَ حَطَّ عنهُ بها خَطيِئةً)(٣)، وفي بعض النسخ: ((وحَطَّ عنهُ بها خَطِيئَةً))(٤). (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٠ / ١٧٦). (٢) رواه مسلم (٢٥٧٢). (٣) رواه مسلم (٢٥٧٢ / ٤٧). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٢٨). ٢٢٠ (ق): لكن هذا كله إذا صبر في المَصائب واحتسب، وقال ما أمره الله به في قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦](١) . ٣٨ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴿ه، قالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّوَّهِ وَهُوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولُ الله! إنَّكَ تُوعَكُ وَعْكاً شَدِيداً! قالَ: (أَجَلْ، إنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلانٍ مِنْكُمْ))، قُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قال: «أَجَلْ، ذَلِكَ كَذَلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُّهُ أَذَى؛ شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا، إلاَّ كَفَّرَ اللهُ بِهَا سَيَِّتِهِ، وَحُطَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا)) متفقٌ عليه. وَ(«الوَعْكُ)): مَغْثُ الحُمَّى، وَقيلَ: الحُمَّى. إِرَةَ عَنْشَرّ) ٤٧٠ (ن): ((الوعك)) بإسكان العين، قيل: هو الحُمَّى، وقيل: ألمُها ومَغْثُها، وقد وُعِكَ الرَّجلُ يُوعَك فهو مَوْعُودٌ. والحكمة في كون الأنبياء أشدَّ بلاء، ثم الأمثل فالأمثل: أنهم مخصوصون بكمال الصبر، وصِحَّةِ الاحتساب، ومعرفة أن ذلك نعمةٌ من الله تعالى؛ ليَتِمَّ (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٦ / ٥٤٦). ٢٢١ لهم الخيرُ، ويُضاعَفَ لهم الأجرُ، ويَظهرَ صبرُهم ورضاهم، انتهى(١). قال الكَلابَاذِيُّ: وإنما كانوا أشدَّ بلاء من وجهين: سَلْبِ المَحبوب، وحَمْل المكروه. فالمحبوباتُ مَسْكونٌ إليها، ومَنْ ساكَنَ شيئاً شُغِل به وأقبل عليه، والمَكارِهُ مَهروبٌ منها، ومَنْ هرب(٢) من شيء أدبر عنه. فالأنبياء عليهم السلام والأمثلون أحِبَّاءُ الله تعالى، والله تعالى حبيبُهم، والحبيب يُحب مُواجهةَ حبيبه له بوجهه، وإقبالَه عليه بكُلِّيته، فيسلبُهم المحبوباتِ والمَلاَذَّ لِيصرفَ وجهَهُم إليه ويُقْبِلَ بقُلوبهم عليه، ويُحَمِّلَهم المَكاره ليهربوا منها إليه، فيُدبروا من الأشياء ويُقبلوا عليه(٣). · قوله : ((كما تحط الشجرة ورقها)): (ط): شبه حالةَ المريض، وإصابةَ المرض جسدَه، ثم مَحْوَ السَّيئات عنه سريعاً، بحالة الشَّجرة، وهُبوب الرِّياح الخريفية، وتناثر الأوراق منها، وتجرُّدِها عنها، فهو تشبيهٌ تَمثيليٌّ؛ لانتزاع الأمُور المُتوهَّمة في المُشبّه من المُشبَّه به، فوجهُ التشبيه: الإزالةُ الكُلِيةُ على سبيل السُّرعة، لا الكَمال والنُّقصان؛ لأن إزالةَ الذُّنوب عن الإنسان سببُ كماله، وإزالةَ الأوراق عن الشجر سببُ نُقُصانها(٤). (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٦ / ١٢٧، ١٢٩). (٢) في الأصل: ((كره))، ولعل الصواب المثبت. (٣) انظر: ((معاني الأخبار)) للكلاباذي (ص: ٢٠٨). (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٣٩). ٢٢٢ (ك): فإن قلت: هذا لا يدلُّ على ما صَدَّقه بقوله: (أجل))؛ إذ ذلك يدل على أن في المرض زيادةَ الحَسَنات، وهذا على أنه يَحُطُّ الخَطيئاتِ. قلت: قوله: (أجل) تصديقٌ لذلك الخبر، فصدَّقه أولاً، ثم استأنف الكلامَ وزاد عليه شيئاً آخر، وهو حَطُّ السيئات، كأنه قال: نعم يزيدُ الدَّرجات، ويَحُطُّ الخَطيئاتِ أيضاً. واختلف العلماءُ فيه؛ فقال أكثرهم: فيه رفعُ الدرجات وحَطُّ الخطيئة، وقال بعضهم: إنه يَحُطُّ الخطيئةَ فقط (١). ٣٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿له، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ: ((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً، يُصِبْ مِنْهُ))، رواه البخاري. وَضَبَطُوا ((يُصبْ)): بفَتْحِ الصَّادِ وكَسْرِهَا. (الجُمَِّ عَبْنَةٌ) (ن): ((يصب)) بفتح الصاد وكسرها . (ط): الفتح أحسن؛ للأدب؛ نحو: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِيْنِ﴾ [الشعراء: ٨٠](٢). (نه): أي: ابتلاه بالمصائب ليُئيبَه عليها، يقال: مُصِيبة ومَصُوبةٌ (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٠ / ١٧٩). (٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٣٨). ٢٢٣ ومُصَابةٌ، والجمع: المصائب، وهو الأمرُ المكروه ينزل بالإنسان(١). (ك): (يصب) بلفظ المجهول، فمفعولُ ما لم يُسمَّ فاعلُه: إما الضميرُ الذي فيه، وضمير (منه) راجع إلى الله؛ أي: يصير مُصاباً بحُكم الله، وإما الجارُّ والمَجرورُ، والضمير راجعٌ إلى (مَنْ)(٢). (مظ): (يصب) مجزوم؛ لأنه جواب الشرط، و(مِن) في (منه) للتعدية بمعنى (إلى)، يقال: أصاب زيدٌ من عمرو؛ أي: وصل إليه [منه] مصيبةٌ وأذىّ، المعنى: من يرد الله به خيراً؛ أوصل إليه مُصيبةً؛ ليُطهِّره من الذُّنوب، وليرفعَ درجتَه، والمُصيبةُ: اسمٌ لكل مَكروه يُصيب أحداً(٣). ٤٠ - وَعَن أنَسٍ ◌َُهِ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لا يَتَمَنََّنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ لِضُرِّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ فَاعِلاً، فَلْيَقُلِ : اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْراً لِي، وَتَوَفَنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْراً لِي)) متفقٌ عليه. «السَّسَ عَشَ * قوله بيل : «لضر أصابه»: (ن): فيه: التصريحُ بكراهة تَمنِّي الموت لضُرِّ نزل به؛ من مرض أو (١) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ٥٧). (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٠/ ١٧٨). (٣) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٣٩٤). ٢٢٤ فاقة وغيرهما، أما إذا خاف ضرراً في دينه، أو فتنةً فيه: فلا كراهة فيه؛ لمفهوم هذا الحديث ولغيره، وقد نُقِل هذا الثاني عن خلائقَ من السَّلف عند خوف الفتنة في أديانهم. وفيه: أنه إن خالف ولم يصبر على بلواه؛ فليقل: ((اللَّهمَّ أَحْيِنِي إذا كانت الحياةُ خيراً ... )) إلى آخره، والأفضل الصبرُ والسُّكون للقضاء(١). (ق): فيه: النهيُ عن تمنِّي الموت لأجل الضُّر؛ لأن ذلك دليلٌ على الضَّجَر والتَّسخُّط بالمقدور، وعدمِ الصبر والرِّضا، وأما ما جاء في رواية لمسلم: ((لا يَتَمنَِّنَّ أَحدُكم المَوتَ، ولا يَدْعُ به من قبلٍ أَن يأتيَهُ، إذا ماتَ أحدُكُم انقطعَ عملُه، ولا يَزِيدُ المُؤمِنَ عُمرُهُ إلاَّ خَيراً)(٢): ففيه النَّهيُ عن تمنِّي الموت لضُرٍّ ولغير ضُرٍّ، ألا ترى أنه علَّل النهيَ بانقطاع العُمرِ؟ فهذان الحديثان يفيدان مقصودَين مختلفين، لا أنه يُحمل أحدُهما على الآخر. وفي قوله: ((إن كان لا بد .. . إلى آخره)) دليلٌ على استعمال التَّفويض، وسؤال الحياة حتى فيما لا بدَّ منه، وهو الموتُ، وكان ◌َّ يُعلِّمُهم الاستخارةَ في الأُمور كلِّها، فإذا تمنى الموتَ وجزم به؛ كان قد اختار لنفسه ما لعلّه(٣) ینقطع عنه به خیرٌ. وزاد البخاري: ((لا يَتمنَِّنَّ أَحدُكُم الموتَ؛ إما مُحْسِناً فلعلَّهُ يزدادُ (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٧). (٢) رواه مسلم (٢٦٨٢)، من حديث أبي هريرة ظه. (٣) في الأصل: ((العلة لا)). ٢٢٥ حُسْناً، وإما مُسِيْئاً فلعلَّهُ يَسْتَعتِبُ))(١)، والاستعتاب: طلبُ العُتْبِى، وهو الرِّضا، وذلك لا يحصل [إلا] بالتوبة والرُّجوع عن الذنوب(٢). (ط): أي: لا ينبغي للمؤمن المُتزوِّد للآخرة والسَّاعي في ازدياد ما يُثاب عليه من العمل الصالح أن يتمنى ما يمنعُه عن التَّرَقِّي والسُّلوك لطريق الله، وعليه: ما ورد: ((خِيارُكُمْ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وحَسُنَ عَمَلُهُ)(٣)؛ لأن من شأنه الازديادَ والثَّرقِّيَ من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، حتى ينتهيَ إلى مقام الْقُرْب، كيف يطلب القطعَ من مَطلوبه؟!(٤) (ك): فإن قلت: قول النبيِّ نَّهِ: ((اللَّهُمَّ أَلْحِقْنِي بالرَّفيقِ الأَعلَى))(٥) فيه تَمنِّي الموت؛ إذ لا يُمكن الإلحاق بهم إلا بالموت. قلت: هذا ليس فيه تَمَنِّ للموت، غايته أنه مُستلزِمٌ لذلك، والمَنهيُّ . ما يكون مقصوداً بذاته، أو المنهيُّ هو المُقيّدُ، وهو ما يكون من ضُرِّ أصابه، وهذا ليس منه، بل للاشتياق إليهم. قال ابن بَطَّال: إنه ◌َّ قال ذلك بعد أن علم أنه مَيِّتٌ في يومه ذلك، ورأى الملائكةَ المُبشِّرةَ له عن رَبِّه بالسُّرور الكامل، ولهذا قال لفاطمة (١) رواه البخاري (٥٣٤٩)، من حديث أبي هريرة (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٦٤٢). (٣) رواه الترمذي (٢٣٣٠)، وقال: حسن صحيح، والحاكم في ((المستدرك)) (١٢٥٦)، من حديث أبي بكرة ﴾. (٤) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٤ / ١٣٦١). (٥) رواه البخاري (٤١٧٦)، ومسلم (١٢٩١)، من حديث عائشة رضي الله عنها. ٢٢٦