Indexed OCR Text
Pages 261-280
ثانيها: أنه إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المِحَنُ؛ اشتدَّ حُزْنُهم،
فيكون ذلك الحزنُ تعجيلاً للابتلاء، فيستحقون به مزيدَ الثواب.
ثالثها: أن من الكفار من أظهر الإسلام طمعاً في المال، فإذا اختُبر
بنزول هذه المِحَن؛ يتميز الخبيثُ من الطَّيِّب.
رابعها: أن إخلاصَ الإنسان حالةَ [البلاء] ورجوعَه إلى باب الله
أکثرُ.
خامسها: أنه تعالى أخبر بوقوع ذلك الابتلاء، فيقع ذلك الخبرُ على
ما أخبر عنه، فيكون مُعْجِزاً.
واعلم أن الخوفَ: تألُّمُ القلب لانتظار ما هو مكروهٌ، والجوع: المراد
منه القَحْط وتَعذُّر تحصيل القُوت، والخوفُ الشديد كان في وقعة الأحزاب،
قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ أَبْتُلِى الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ﴾ [الأحزاب: ١١].
وأما الجوعُ: فقد أصابهم في أول الهجرة إلى المدينة، والنقصُ من
الأموال والأَنْفُس حصل عند الغَزوات والحُروب.
والخطابُ في ﴿وَبَشْرِ﴾ للرسول ◌َّهِ، أو لكلِّ من تتأَتَّى به البِشارةُ(١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّا يُوَّ الصَِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]: قال
الأَوزاعيُّ: ليس يُوزن لهم ولا يُكال، إنما يُغرف لهم غَرفاً.
قال ابنُ جُريجٍ: بلغني: أنه لا يُحسبُ عليهم ثوابُ عملهم قَطُّ،
(١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٤ / ١٣٦).
١٦٧
ولكن يُزادون على ذلك(١).
(م): معناه: بغير نهاية؛ لأن كلَّ شيء دخل تحت الحساب فهو مُتناهٍ.
وقيل: تكون منافعَ كاملةً في نفسها، وعقلُ المطيع ما كان يصل إلى
كُنْهِ ذلك الثواب؛ ففي الجَنَّة ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطَّر
على قلب بشر.
وكلُّ شيء يشاهدونه من أنواع الخيرات وجدوه أزيدَ مما تَصوَّروه
وتوقّعوه، وما لا يتوقعه الإنسان قد يقال : إنه ليس في حسابه.
وقيل: لا يُقدَّر بالمِكْيال والمِیزان.
روي عن النبيِ وَّ﴿ أنه قال: ((يَنصُبُ اللهُ المَوازِينَ يومَ القِيامَةِ، فُيؤتى
بأَهلِ الصَّلاة، فيُوفَّوْنَ بِأُجورِهْم بالموازينِ، ويُؤتى [بأَهلِ الصَّدقةِ](٢)
فَيُوقَّوْن بالمَوازينِ، ويُؤتى بأَهلِ الحَجِّ، فيُوفَّوْنَ بالمَوازِينِ، ويُؤتى بأهلِ
البَلاءِ فلا يُنصَبُ لَهُم مِيزانٌ، ولا يُنشَرُ لَهُم دِيوانٌ، ويُصَبُّ عَلَيهِم الأَجْرُ
صَبّاً، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا يُوَنَّ الصَّبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: ١٠]، حَتَّى
يتمَنَّى أَهلُ العَافِيةِ في الدُّنيا أَنَّ أجسامَهُمْ تُفْرَضُ بالمَقَاريضِ؛ لِمَا یذهبُ بهِ
أَهلُ البَلاءِ منَ الفَضْلِ)»(٣).
(١) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٢ / ١١٧).
(٢) في الأصل: ((بالصدقة)).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٦ / ٢٢١)، والحديث رواه الثعلبي في ((تفسيره)) (٨ / ٢٢٥)،
من حديث أنس بن مالك . وفي إسناده ضرار بن عمرو ويزيد الرقاشي، وكلاهما
ضعيفان. انظر: ((تخريج أحاديث الكشاف)) للزيلعي (٣/ ٢٠٠).
١٦٨
* قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ لِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]:
لما ذَمَّ الله تعالى الظلمَ وأهله، وشَرَعَ القِصاصَ؛ قال نادباً إلى العَفو
والصَّفح [﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾](١)؛ أي: مَنْ صبر على الأذى وسَتَر السَّيئةَ؛
فإن ذلك لمن عزم الأمور.
قال سعيد بن جبير: يعني: من حَقِّ الأُمور التي أمر الله بها؛ أي: لَمِنَ
الأُمور المَشكورة، والأفعال الحميدة التي عليها ثوابٌ جَزيلٌ، وثناءٌ جميلٌ.
قال الفضيل بن عياض: إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلاً؛ فقل: يا أخي!
اعفُ عنه؛ فإن العفو أقربُ إلى التقوى، فإن قال: يحتمل قلبي العفوَ، ولكن
أنتصرُ كما أمرني الله ◌ّ؛ قل له: إن كنت تحسن أن تنتصر، وإلا؛ فارجع إلى
باب العفو؛ فإنه بابٌ واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجرُه على الله، وصاحبُ
العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحبُ الانتصار يُقَلِّبُ الأمور.
وعن أبي هريرة : أنَّ رجلاً شتَم أبا بكر ◌َهُ والنبيُّ وَّ جالسٌ،
فجعلَ النبيُّ وَّهِ يعجبُ ويتبسَمُ، فلما أكثر؛ رَدَّ عليه بعضَ قوله، فغضب
النبيُّ نَّه وقام، فلحقه أبو بكر وقال: يا رسولَ الله! كان يَشتِمُني وأنت
جالسٌ، فلمَّا رددتُ عليه بعضَ قوله غضبتَ وقمتَ، قال: ((كانَ معَك ملَكٌ
يُدُّ عليه، فلمَّا رددتَ وقع الشَّيطانُ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَقَعُدَ معَ الشَّيْطَانِ)) ثم قال:
((يا أبا بكرٍ؛ ثلاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٍّ: مَا مِنْ عَبدِ ظُلِمَ مَظْلمةً فيُغْضِي عنها لله إلا
أَعَزَّ اللهُ بها نَصْرَهُ، وما فتحَ رجلٌ بابَ عَطِيَّةٍ يريدُ بها صِلةً إلا زادَهُ اللهُ بها
كَثْرَةً، وما فتحَ رجلٌ بابَ مَسألةٍ يريدُ بها كثرةً إلا زادَهُ اللهُ بها قِلَّةً)) رواه
(١) من ((تفسير ابن كثير)) (١٢ / ٢٩٠).
١٦٩
أحمد وأبو داود(١).
وهذا الحديثُ في غاية الحُسن في المعنى، وهو مناسبٌ للصِّدِّيق(٢).
(م): حذف الراجعَ؛ لأنه مفهوم؛ كما حذف من قولهم: السَّمْنُ
منوانِ بدرهم.
وحكي: أن رجلاً سَبَّه رجلٌ في مجلس الحسن، وكان المَسبوبُ
يَكظِمُ ويَعْرَقُ، فيمسحُ العرَق، ثم قام وتلا هذه الآية، فقال الحسنُ: عَلَها
وفَهِمَها لمَّا ضَيَّعها الجاهلون(٣).
* قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةَ﴾ [البقرة: ٤٥]:
قال مُقاتِلُ ابن حَيَّان: استعينوا على طلب الأجر بالصبر على
الفرائض والصلاة، وأما الصبر: قيل: إنه الصيام، نَصَّ علیه مُجاهدٌ،
٤
ولهذا سُمِّ رمضان شهرَ الصبر.
وروي عن النبيِّ نَّهِ: (الصَّومُ نِصْفُ الصَّبْرِ))(٤).
قيل: المرادُ من الصبر: الكَفُّ عن المعَاصي؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات،
وأعلاها فعلُ الصلاة.
روى ابن أبي حاتمٍ عن عمرَ ◌َُّه قال: الصبر صبران: صبرٌ عند المُصيبة
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٢ / ٤٣٦)، وأبو داود (٤٨٩٦ - ٤٨٩٧). وهو
صحيح. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) (٥٦٤٦).
(٢) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١٢ / ٢٩٠).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٧ / ١٥٦).
(٤) رواه الترمذي (٣٥١٩) عن رجلٍ من بني سُلَيم، وابن ماجه (١٧٤٥) عن أبي هريرة حظُته.
وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف سنن الترمذي)) و((ضعيف سنن ابن ماجه)).
١٧٠
حَسنٌ، وأحسنُ منه الصبرُ عن محارم الله(١).
وروي عن الحسن نحوُ قول عمر .
وعن سعيد بن جبير قال: الصبرُ اعترافُ العبد لله بما أصابَ فيه،
واحتسابُه عند الله، ورجاءُ ثوابه، وقد يجزَعُ الرجلُ وهو يتجلَّد لا يُری منه
إلا الصبرُ، وأما الصلاة: فإنها من أكبر العَوْن على الثَّبات في الأمر؛ فإنها
تنهى عن الفَحْشاء والمُنكر(٢).
وعن حذيفة به قال: كانَ رسولُ اللهِلَّهِ إذا حَزَبَهُ أمرٌ صَلَّى. رواه
أحمدُ وأبو داودَ وابنُ جرير، ولفظه: إذا حَزَبَهُ أَمرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ(٣).
ورواه محمدُ بن نصر المَرْوزيُّ عن حذيفة قال: رجعت إلى النبي ◌َّ
ليلةَ الأحزاب وهو مُشْتَمِلٌ فِي شَمْلةٍ يُصلِّي؛ كان إذا حزَبَهُ أَمرٌ صَلَّى(٤).
وعن عليٍّ ◌َلُه: لقد رأيتُنا ليلةَ بدرٍ وما فينا إلا نائمٌ، غيرَ رسول الله وَّه
يُصلِّي ويدعو حتَّى أصبحَ(٥).
قال ابن جرير: ورُوي عنه عليه الصلاة والسلام: أنه مَرَّ بأبي هريرة
وهو مُنبطِحٌ على بطنه، فقال: ((اشْكَمْت دَرْد؟)) فقال: نعم، قال: ((قُم
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٤٨٤).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٤٨٥).
(٣) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ٣٨٨)، وأبو داود (١٣١٩)، وابن جرير الطبري
في ((تفسيره)) (١ / ٢٦٠). وهو حديث حسن. انظر: ((صحيح الجامع الصغير)) .
(٤) رواه محمد بن نصر المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٢١٢).
(٥) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٨٩٩)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٢٣).
١٧١
فَصَلٌ؛ فإنَّ الصَّلاةَ شِفَاءٌ))(١).
وروى ابنُ جرير أيضاً عن ابن عباس عَ ﴾: أنه نُعِيَ إليه أخوه قُثَمُ وهو
في سفره، فاسترجع ثم تَنَحَى عن الطريق، فأناخ، فصلَّى ركعتين أطالَ
فيهما الجُلوسَ، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ
وَالضَّلَوةَ﴾ الآيةَ [البقرة: ٤٥](٢).
قال ابن جرير: إنهما مَعونتان على رحمة الله .
والضميرُ في ﴿إِنَّهَا ﴾ عائدٌ إلى الصلاة، قاله مُجاهد، واختاره ابن جرير.
ويحتمل أن يكون عائداً إلى ما دَلَّ عليه الكلامُ، وهو الوصِيَّةُ بذلك؛
كقوله في قصة قارون: ﴿وَلَا يُلَقَّنِهَا إِلََّ الصَّبِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠].
: وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّنَهَا إِلَّا ذُوحَظٍ
عَظِيمٍ ﴾ [فصلت: ٣٥]؛ أي: وما يُلقَّى هذه الوصيةَ، ﴿وَمَا يُلَقَّنهَآَ﴾؛ أي:
يُؤْتاها ويُلَهَمُها، وقوله: ﴿لَكَبِيرَةً﴾؛ أي: مُشِقَّةٌ ثَقيلةٌ(٣).
(م): اختلف في المُخاطَبين بقوله: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ﴾، فقيل: هم المؤمنون،
ولا يُمنع أن يقعَ الخطابُ أولاً في بني إسرائيل، ثم يقعَ بعد ذلك خطاباً للمؤمنين.
(١) انظر: ((تفسير الطبري)) (١ / ٢٦٠)، والحديث روى نحوه ابن ماجه (٣٤٥٨)،
والإمام أحمد في «مسنده)) (٢ / ٣٩٠، ٤٠٣) من حديث أبي هريرة . وإسناده
ضعيف. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير)) (٤١١٣).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (١ / ٢٦٠). وإسناده حسن، كما قال الحافظ
ابن حجر في «فتح الباري)» (٣/ ١٧٢).
(٣) انظر: ((تفسير ابن كثير)) (١/ ٣٨٧)، فما بعدها. وقوله: (مشقة) كذا جاءت عند
ابن كثير، وجاء في غيره من المصادر بدلاً منها: (مشاقة).
١٧٢
والأقرب: أن المُخاطَبين هم بنو إسرائيل؛ فإنَّ صَرْفَ الخِطاب إلى
غيرهم يوجبُ تفككَ النَّظم، وصلاةُ اليهود واقعة على كيفية مخصوصة،
وصلاةُ المسلمين على كيفية أُخرى، فمُتعلَّقُ الأمر هو الماهية التي هي
القَدْرُ المشترك.
والضمير في ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةً﴾ عائدٌ إلى الاستعانة التي يدل عليها
﴿وَأَسْتَعِينُواْ﴾ .
وقيل: إلى جميع الأمور المُقدَّمة، والعربُ قد تضمِر الشيءَ اختصاراً،
وتقتصر فيه على الإيماء؛ كقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ﴾ [فاطر:
٤٥] ولا ذكرَ للأرض.
فإن قيل: إذا كانت سهلةً على الخاشعين، فيكون ثوابهم أقلَّ.
قلنا: ليس المرادُ أن الذي يلحقُهم من التعب أكثرُ ممَّا يلحق الخاشعَ،
وكيف يكون كذلك والخاشعُ يستعمل عند صلاته جوارحَهُ وقلبَهُ وسمعَهُ
وبصرَهُ، وإذا تذكَّرِ الوعيد ذاب قلبه؟! وإنما المرادُ أنها ثقيلةٌ على مَنْ لم
يخشع من حيث إنه لا يَعتقدُ في فعلها ثواباً، فيصعُبُ عليه فعلُها، بخلاف
المَوحِّد الذي يعتقد في فعله أعظمَ المنافع، وفي تركه أعظم المَضارِّ.
و[عليه] يُحمل قوله وَّهِ: ((وجُعِلتْ قُرَّةُ عَينِي فِي الصَّلاةِ))(١) معَ أنه
کان یُصلِّي حتى تَورَّمت قدماه(٢).
(١) رواه النسائي (٣٩٣٩)، من حديث أنس ظه. وهو حديث صحيح. انظر: ((صحيح
الجامع الصغير)» (٣١٢٤).
(٢) انظر: ((تفسير الرازي)) (٣/ ٤٦).
١٧٣
* قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَّ نَعْلَمَ الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِينَ﴾ [محمد:
٣١]؛ أي: ولنَخْبُرَنَّكُم بالأوامر والنَّواهي حتى نعلمَ المُجاهدین، وليس في
تقدُّم علمِ الله بما هو كائنٌ أنه سيكون شكٌّ ورَيبٌ، فالمرادُ: حتى نعلمَ
وقوعَهُ؛ ولهذا كان يقول ابن عباس: إلا لِنعلمَ؛ أي: لِنَرى(١).
(م): أي: لَنأمُرنَّكم بما لا يكون مُتَعيِّناً للوقوع، بل بما يحتمل
الوقوعَ وعدمَهُ كما يفعل المُختبِرُ.
وقوله: ﴿حَّ نَعْلَمَ﴾؛ أي: يدخلَ في علم الشهادة؛ فإنه تعالى قد عَلِمه
علمَ الغَيب، و﴿الْمُجَهِدِينَ﴾؛ أي: المُقْدِمين على الجهاد، ﴿وَالصَّبِينَ﴾؛
أي: الثَّابتين(٢) الذين لا يولون الأدبار(٣).
٢٥ - وَعَنْ أبي مَالكِ الحَارِثِ بْنِ عَاصِمِ الأَشْعَرِيِّ ﴾ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَان، وَالحَمْدُ للهِ تَمْلأُ
الميزَانَ، وسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ تَمْلأَانِ - أَوْ تَمْلأُ - مَا بَيْنِ
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ
ضِيَاءٌ، وَالقُرْآنُ حُجَّةٌ لكَ أَوْ عَلَيْكَ. كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ
فَمُعْتِقُهَا، أَوْ مُوبِقُهَا)) رواه مسلم.
(١) انظر: (تفسير ابن كثير)) (١١ / ٨٠).
(٢) في الأصل: ((التائبين)).
(٣) انظر: ((تفسير الرازي)) (٢٨ / ٦١).
١٧٤
(الأَوْلُ)
* قوله : ((الطهور شطر الإيمان)):
(ن): جمهورُ أهل اللغة على أن الوُضوءَ والطُّهورَ: بضم أولهما إذا أُريد
به الفعل الذي هو المصدر، وبفتح أولهما إذا أريد الماءُ الذي يُتطهَّر به.
وذهب الخليلُ، والأَصمعيُّ، وأبو حاتمِ السِّجِسْتَانِيُّ، والأَزهريُّ،
وجماعاتٌ: إلى أنه بالفتح فيهما.
وقال صاحب ((المطالع)): حُكي الضم فيهما جميعاً.
والطهارةُ: أصلها النظافة والتَّنرُّهُ(١).
(ق): الظُّهور والطّهارة: مصدران بمعنى النظافة، يقال: (طهَر الشيءُ)
بفتح العين وضَمِّها [يطهرُ بضمها] لا غيرُ، كما تقول: نَظَف ينظُف نظافةً،
ونَزْهَ يَنْزُهُ نزاهةً، بضمها لا غيرُ، وهي التنزُّهُ عن المُستَخْبَئَاتِ المَحسوسة
والمَعنويَّة، قال تعالى: ﴿وَيُطَهِّرَ كُمْتَطَهِيْرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] (٢).
(ن): أصل الشطر: النِّصف، فقيل: معنى قوله: ((شطر الإيمان)):
أن الأجر ينتهي تضعيفُه إلى نصف أجر الإيمان.
وقيل: إن الإيمان يَجُبُّ ما قبله من الخطايا، فكذلك الوضوءُ، إلا أن
الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان، فصار لتوقفه على الإيمان في معنى الشَّطْر.
وقيل: المرادُ بالإيمان هاهنا الصَّلاةُ؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ٩٩).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٧٤)، وما بين معكوفتين منه.
١٧٥
اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَكُمْ ﴾ [البقرة: ١٤٣].
والطهارة شرطٌ في صحَّةِ الصلاة، فصارت كالشَّطر [وليس يلزم في
الشَّطر](١) أن يكون نصفاً حقيقياً، وهذا القولُ أقربُ الأقوال.
ويحتمل أن يكون معناه: أن الإيمانَ تصديقٌ بالقلب، وانقيادٌ بالظاهر،
وهُما شطران للإيمان، والطّهارة مُتضمّنةٌ للصلاة، فهي انقيادٌ بالظاهر،
انتھی(٢).
وقيل: إن الإيمانَ يُطهِّر نجاسةَ الباطن، والظُّهور يُطهِّر نجاسةَ الظاهر،
فكأنها شطر المُطهِّر المُطلق، ذكره الطَّبريُّ في ((الأحكام)).
(ق): أولى الأقوال: أنه أراد بالظُهور الطهارةَ من المُسْتَخبثاتِ الظاهرة
والباطنة، والإيمان هاهنا هو بالمعنى العام وهو تصديقٌ بالقلب، وإقرارٌ
باللِّسان، وعملٌ بالأركان.
ولا شك أن هذا الإيمانَ ذو خِصال كثيرة، غير أنها مُنحصرةٌ فيما
ينبغي التنزُّهُ والتطهر عنه، وهي كل ما نهى الشرع عنه، وفيما ينبغي التلبُّسُ
والاتصافُ به، وهي كل ما أمر به الشرعُ، فهذان النصفان عُبِّر عن أحدهما
بالطهارة على مُستعمَل اللُّغة، وهذا كما روي مرفوعاً: ((الإيمانُ نِصْفانٍ:
نِصْفٌ صَبْرٌ، ونِصفٌ شُكرٌ)) (٣).
(١) من ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٠٠).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٠٠).
(٣) رواه البيهقي في (شعب الإيمان)) (٩٧١٥)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٥٩)،
من حديث أنس ظه. وإسناده ضعيف جداً. انظر: ((ضعيف الجامع الصغير))
(٢٣١٠).
١٧٦
وقد قيل: إن الطهارةَ لمَّا كانت تُكفِّرُ الخطايا السابقةَ؛ كانت كأنها
الإيمان الذي يَجُبُّ ما قبله، وهذا فيه بُعْدٌ؛ إذ الصلاةُ وغيرها من الأعمال
الصالحة تُكَفِّرُ الخطايا، فلا يبقى لخُصوصية الطهارة بذلك معنّی.
ثم إنما يكون مِثْلاً له في التكفير، ولا يقالُ على مثل الشيء: شَطْرُه.
وقيل: إن الإيمانَ أراد به الصلاةَ، والصلاةُ لمَّا كانت مُفتقرةً إلى الطهارة
كانت كالشَّطْرِ لها، وفيه نظر؛ إذ لا يكون شرطُ الشيء شطرَهُ، لا لُغةً
ولا معنىً.
فإن قيل: كل ما ذكرتم مبنيٌّ على أن المُراد بالظُهور الطهارةُ، وذلك
لم يَصِحَّ؛ لأنه لم يروه أحد فيما علمناه (الطُّهور) بالضم، وإنما روي
بالفتح، فإذاً هو الاسم.
قلنا: يُحمل هذا [على] مذهب الخليل كما تقدم، ويمكن حمله على
المَعروف، ويُراد به: استعمالُ الطَّهور شَطْرُ الإيمان (١).
(نه): (الطَّهور) بالفتح: يقع على الماء والمصدر معاً، قاله سيبوَيْهِ(٢).
(قض): جاء فَعُول في كلام العرب لِمَعانٍ مختلفة؛ منها: المصدر،
وهو قليلٌ؛ كالقَبول والوَلُوعِ والوَزُوع، والطَّهور هنا بمعنى المصدر(٣).
قوله: ((الحمد لله تملأ الميزان» :
(ن): معناه: عِظَمُ أجرها يملأ الميزانَ، وقد تظاهرت نصوصُ القرآن
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٧٤).
(٢) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٣/ ١٤٧).
(٣) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ / ١٦٥).
١٧٧
والسُّنَّة على وَزْن الأعمال، وثِقَل الموازين وخفتها(١).
(ق): معنى الحمد راجعٌ إلى الثَّناء على شيءٍ مّا بأوصاف كماله، فإذا
حَمِد الله حامدٌ مُستحضراً معنى الحمد في قلبه؛ امتلأ ميزانُهُ من الحسنات،
فإن أضاف إلى ذلك (سبحان [الله)) الذي معناه: تبرئةُ الله وتنزیھُه عن کل ما
لا يليق من النقائص؛ ملأت حسناتُه وثوابُها زيادةً على ذلك «ما بين السَّماوات
والأرض))؛ إذ الميزان مَملوءٌ بثواب التحميد، وذكرُ السماوات والأرض على
جهة الإِغْياءِ(٢) على العادة العربية، والمراد: أن الثواب [كثيرٌ] جداً؛ بحيث لو
كان أجساماً لملأ ما بين السَّماوات والأرض، انتهى (٣).
قال الطَّبريُّ في ((الأحكام)): وقيل: إن المرادَ: تعظُم الكلمةُ؛ كما
يقال: هذه الكلمةُ تملأ أطباقَ الأرض، والحمدُ بانفراده يملأ الميزان، }
وبانضمام التسبيح إليه يملآن ما بين السماء والأرض.
وقد رُوي: ((التَّسبيحُ نِصْفُ المِيزانِ، والحَمدُ لله [مِلْؤُهُ، والتكبير] يَمْلأُ
ما بينَ السَّماءِ والأَرضِ)) (٤)، حكاه القاضي عياضٌ (٥).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٠١). ووقع في الأصل: ((وثقل الميزان ... ))،
والمثبت من المصدر، وهو الأنسب بتأنيث الضمير في قوله: ((وخفتها)).
(٢) أغيا الرجل: بلغ الغاية .
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٧٥).
(٤) رواه الترمذي (٣٥١٩) عن رجلٍ من بني سُليم. وهو حديث ضعيف. انظر: ((ضعيف
الجامع الصغير)) (٢٥٠٩).
(٥) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢/ ٧).
١٧٨
(ن): ضبطناه بالتاء المثناة من فوق في (يملآن) و(يملأ)، وهو
صحيحٌ صحيحٌ؛ فإن الأولَ ضميرٌ مؤنّتين غائبتين، والثاني ضمير هذه الجملة
من الكلام.
وقال صاحب ((التحرير)): يجوز (تملآن) بالتأنيث والتذكير جميعاً،
فالتأنيث على ما ذكرنا، والتذكير على إرادة النَّوعين من الكلام، أو الذِّكْرَيْنِ.
ومعناه: لو قُدِّر ثوابُهما جسماً؛ لملأ ما بين السَّموات والأرض.
وسببُ عِظَم فضلهما: ما اشتملتا عليه من التَّنزيه لله بقوله: ((سبحان
الله))، والتفويضٍ إلى الله والانقياد بقوله: ((الحمد لله))(١).
* قوله: ((والصلاة نور)) :
(ن): معناه: أنها تمنعُ من المَعاصي، وتنهى عن الفَحْشاء والمُنْكر،
وتهدي إلى الصواب؛ کما أن النورَ يُستضاء به.
وقيل: معناه: أنه يكون أجرُها نوراً لصاحبها يوم القيامة .
وقيل: لأنها سببٌ لإشراق أنوار المعارف، وانشراح القلب، ومُكاشفات
الحقائق؛ لفراغ القلب فيها، وإقبالهِ على الله تعالى بظاهره وباطنه، وقد قال
تعالى: ﴿أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٣].
وقيل: معناه: أنها تكون نوراً ظاهراً على وَجْههِ يوم القيامة، ويكون
في [الدنيا] أيضاً على وجهه البهاءُ، بخلاف من لم يُصَلِّ(٢).
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٠١).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه .
١٧٩
(ق): معناه: أن الصلاةَ إذا فُعلت بشروطها المُصحَّحة والمُكمَّلة
نَوَّرت القلوب؛ بحيث تُشرق فيه أنوارُ المَعارف والمُكاشفات، حتى ينتهيَ
أمرٌ مَنْ يُراعيها [حقَّ رعايتها] أن يقول: وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيِنِي فِي الصَّلاةِ.
وأيضاً؛ فإنها تُنُوِّر بين يدي مُراعيها يوم القيامة في تلك الظُّلَم.
وأيضاً؛ فيَنوَّرُ وجهُ المُصلِّي، فيكون ذا غُرَّةٍ وتَحْجيلٍ؛ كما ورد في
الحديث(١).
قوله الحر: ((والصدقة برهان)»:
٠
(ن): قال صاحبُ ((التحرير)): معناه: يُفْزَعُ إليها كما يُفزَعُ إلى
البراهين، كأن العبد إذا سُئل يوم القيامة عن مَصْرِف ماله؛ كانت صدقاتُه
براهينَ في جواب هذا السؤال، فيقول: تَصدَّقتُ به.
ويجوز أن يُوسم المُتصدّقُ بسیماءً يُعرف بها، فیکون برهاناً له على
حاله، ولا يُسأل عن مَصْرِف ماله.
وقال غيرُ صاحب ((التحرير)): معناه: الصدقة حُجَّة على إيمان فاعلها؛
فإن المنافقَ يمتنع منها لكونه لا يعتقدها، فمن تصدَّق اسُتِدلَّ بصدقته على
صِدْق إيمانه(٢).
(ق): برهان له على أنه ليس من المنافقين الذين يَلْمِزُون المُطّوِّعين
من المؤمنين في الصَّدقات، أو على صِحَّة محبة المُتصدِّق لله تعالى، ولِما
لديه من الثواب؛ إذ آثر محبةَ الله تعالى وابتغاء ثوابه على ما جُبِلَ عليه من
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٧٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣ / ١٠١).
١٨٠
حُبِّ الذهب والفضة، حتى أخرجه لله تعالى(١).
* قوله ريلفي: ((والصبر ضياء)»:
(ن): معناه: الصبر المَحْبوبُ في الشرع، وهو الصبر على طاعة الله،
والصبر عن معصية الله، والصبر أيضاً على النَّائبات وأنواع المَكاره في
الدُّنيا، لا يزال صاحبه مُستضيئاً مهتدياً مُستمرًّا على الصَّواب.
قال إبراهيمُ الخَوَّاص: الصبر: هو الثَّبَاتُ على الكتاب والسُّنَّة.
قال ابنُ عَطاء: الصبر: الوقوفُ مع البلاء بحُسْن الأدب.
وقال الأستاذ أبو عليٍّ الدَّقَّاقُ رحمه الله: حقيقة الصبر: أن لا تَعترِضَ
على المَقْدور، فأما إظهارُ البلاء على وجه الشكوى فلا ينافي الصبر، قال
الله تعالى في أيوبَ عليه السلام: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِراً﴾ [ص: ٤٤] مع أنه قال:
﴿ مَسَفِىَ الضُّرُّ ﴾ [الأنبياء: ٨٣](٢).
(ق): كذا صَحَّت الرواية: ((والصبر ضياء))، وقد رواه بعضُ المشايخ:
((والصوم ضياء))(٣)، ولم تقع لنا تلك الرواية.
على أنه يصح أن يُعبَّر بالصَّبر عن الصَّوم؛ كما قيل في قوله تعالى:
﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
والأولى أن يقال: إن الصبرَ في هذا الحديث غيرُ الصوم، بل هو الصبرُ
على العبادات، والصبرُ عن المخالفات؛ كاتِّباع هوى النفس والشَّهَوات، فمن
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٧٦).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٠١).
(٣) انظر: ((المسند المستخرج على صحيح مسلم)) لأبي نعيم (١ / ٢٨٩).
١٨١
كان صابراً في تلك الأحوال؛ أضاءت له عواقب أحواله، ووضحتْ له مصالحُ
أعماله، فظفِر بمطلوبه کما قیل:
واستَعْمَل الصَّبرَ إِلَّ فازَ بالظَّفَرِ (١)
فَقِلَّ مَنْ جَدَّ في أَمَرٍ يُطَالِبُه
(تو): الضّاء أقوى من النُّور، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾ [يونس: ٥].
فالصبر: حبسُ النفس عما تتمنَّى وتشتهي، وحبسُها على ما يَشُقُّ
عليها، وبذلك يخرج العبد عن عُهْدة التكاليف الشرعية، وبه يَتقوَّى على
مُخالفة الهوى، ومحاربة الشيطان، فبه يُتِمُّ الصلاةَ وغيرها من التكاليف؛
فلهذا قال: ((الصبر ضياء)).
وفي قوله: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْةِ﴾ [البقرة: ٤٥] إشارةٌ إلى هذا
المعنى .
فإن قلت: هل في تخصيص الصلاة بالنور والصبر بالضياء فائدة؟
قلت: أَجَلْ؛ لأن الضياءَ فَرْطُ الإنارة، ولَعَمْري إن الصبرَ بُنيت عليه
أركانُ الإسلام، وبه أُحكمت قواعدُ الإيمان؛ لأنه تعالى لما مدح عبادَه
المُخلصين بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ إلى قوله:
﴿وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣ - ٧٤]؛ عَقَّبه بقوله: ﴿أُوْلَمِنَ
يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَاصَبَرُواْ﴾ [الفرقان: ٧٥]، فوضع الصبرَ موضعَ تلك الأعمال
الفاضلة والأخلاق المَرْضيّة؛ لأنه مِلاكُها، وعليه يدور قُطْبُها.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٧٧).
١٨٢
* وقوله: ((والقرآن حجة لك أو عليك)»:
(ن): أي: تنتفع به إن تَلَوْتَهُ وعملت به، وإلا فهو حُجَّة عليك(١).
(ق): أي: [إن] امتثلت أوامره واجتنبت نواهيه؛ كان حُجَّةً لك في
المواقف التي تُسأل فيها عنه؛ كمُساءلة الملَكين في القبر، والمُساءلة عند
الميزان، وفي عَقَبات الصِّراط، وإن لم تمتثل ذلك احتُجَّ عليك.
ويَحتملُ أن يراد به: أن القرآنَ هو الذي يُنْهَى إليه عند التَّنازع في
المباحث الشَّرعية، والوقائع الحُكْمية؛ فبه يُستدلُّ على صحة دعواك، وبه
يَستدِلُّ عليك خَضْمُك (٢).
* قوله {يافر: ((كل الناس يغدو)):
(ق): يقال: غدا: إذا خرج صباحاً في مصالحه، يَغْدو؛ يعني: كل
إنسان يصبح ساعياً في أموره مُتصرِّفاً في أغراضه، ثم إما أن تكون تَصرُّفاتُه
بحسَب دواعي الشرع والحق؛ فهو الذي يبيع نفسَه من الله، وهو بيع آیلٌ
إلى عِثْقٍ وحُريةٍ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ
وَأَمْوَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةٌ﴾ [التوبة: ١١١]، وإما أن تكونَ تصرفاتُه بحسَب
دواعي الهوى والشَّيطان؛ فهو الذي باع نفسه من الشَّيطان فأوبقها؛ أي:
أهلكها، ومنه: ﴿أَوْ يُوِقْهُنَّ بِمَاكَسَبُواْ﴾ [الشورى: ٣٤].
ومثله قولُ ابن مسعود: النَّاسُ غاديان: فبائعٌ نفسَه فمُوبِقُها، أو
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٠٢).
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٧٧).
١٨٣
مُفاديها فمُعْتِقُها(١).
لمَّا كان من عادة كل واحد من المُتبايعين أن يختار ما في يد صاحبه
على ما في يده؛ وُضعَ البيعُ والشِّرى مكانَ إيثار المَرْء الشيءَ واختياره
لنفسه أو علی نفسه.
فالبيعُ هاهنا: كنايةٌ عن صَرْف الأنفاس في غرض ما يتوجَّه عليه من
الاكتساب، ومعناه: أنه يؤثر على نفسه؛ إما آخرتَه أو دنياه، فإن باعها
بآخرته أعتقها، وإن باعها بدنياه أهلكها .
(ط): فإن قلت: ما وجه اتصال هذه الجملة بما قبلها؟
قلت: هي استئنافية، على تقدير سؤال سائل: قد تَبَيَّن من هذا التقدير
الرُّشْدُ من الغَيِّ، فما حال الناس بعد ذلك؟
فأُجيب: (كُل الناس يغدو ... إلى آخره))، فمَوقعُ هذا السؤال مَوقعُ
الفاء في قوله: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالَّاغُوتِ﴾ الآيةَ، بعد قوله: ﴿قَد تَبَّنَ الرُّشْدُمِنَ
اٌلْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦](٢).
٢٦ - وَعَنْ أَبِي سعيد سَعْدِ بْنِ مَالكِ بْنِ سِنَانِ الخُدْرِيِّ
أَنَّ نَاساً منَ الأنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ وَهَ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ،
فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفَدَ مَا عِنْدَه، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ أَنْفَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِيَدِهِ:
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٧٧ - ٤٧٨).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٣/ ٧٤٣).
١٨٤
(مَا يَكُنْ عِنْدِي مِن خَيْرٍ، فَلَنْ أَذَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ، يُعِقَّهُ
اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ، يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبِّرْ، يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ
أَحَدٌ عَطَاءً خَيْراً وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» متفقٌ عليه.
(الثَّانِى))
قوله: ((حتى نفد)» :
(النفاد): الفناء، ونفِد بكسر العين في الماضي، وفتحها في المستقبل،
ففي قوله:
(ما يكن)): (ما) شرطية؛ فلذا جزم الفعل بحذف العين، وأدخل الفاء
في ((فلن أدخره))، وفيه من المبالغة ما انتهى غايتُها؛ لأنه رَّب عدمَ الادِّخار
على جمع المال؛ إذ لا يصدر مثلُ هذا إلا عن مِبْذالٍ أَرْيَحِيٍّ لا يخاف
الفقر .
(ك): ((لن أدخره))؛ أي: لن أجعلَه ذخيرةً لغيركم مُعْرضاً عنكم،
والفصيح فيه إهمالُ الدال، وجاء بإعجامها مدغماً وغير مُدغم، لكن بقلب
التاء دالاً مهملة؛ ففيه ثلاث لغات(١).
(ق): ومن استعفف عن السؤال للخلق؛ ((يعفه الله))؛ أي: يُجازِه
[فضيلةَ التعفُّفِ] على استعفافه؛ بصيانة وجهه ورفع فاقته، ((ومن يستغن))؛
أي: بالله وبما أعطاه؛ ((يغنه الله))؛ أي: يخلُق في قلبه غِنىٌ، أو يُعطِه
ما يستغني به عن الخلق، ((ومن يتصبر))؛ أي: يستعمل الصبرَ، ويصبر
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٨ / ١٥).
١٨٥
بقوة، ويُمَكِّنه من نفسه حتى تنقاد له، وتُذْعِنَ لتحمل الشدائد؛ فعند ذلك
يكون الله معه، فيُظْفِرُه بمَطلوبه، ويُوصلُه إلى مَرغُوبِه(١).
(مظ): ((ومن يستعفف))؛ أي: ومن طلب العِفَّةَ من الله؛ أعطاه الله
العِفَّةَ، وجعله عفيفاً، والعِفَّةُ: حفظ النفس عن المَنْهِيَّات(٢).
(ط): يريد أنَّ مَنْ طلبَ من نفسه العِفَّةَ عن السُّؤال، ولم يُظهر
الاستغناء؛ ((يعفه الله))؛ أي: يُصيِّره عفيفاً، ومن ترقّى من هذه المرتبة إلى
ما هو أعلى من إظهار الاستغناء عن الخلق، لكن إنْ أُعطيَ شيئاً لم يَرُدُّه،
فيملأ الله قلبه غِنِىّ، ومَنْ فاز بالقَدَح المُعلَّى وتَصبَّر، وإن أعطي لم يقبل؛
فهو هو.
قوله: ((خيراً وأوسع من الصبر)): في جميع نسخ مسلم: (خير)
مرفوع، وهو صحيح، تقديره: وهو خيرٌ؛ كما وقع في رواية البخاري(٣)،
وفي رواية : (خیرا)(٤).
(ط): وقوله: ((عطاء)): بمعنى مُعْطَى شيئاً، وقوله: ((هو خير)) صفتُه،
وكذلك ((خيراً) نصباً صفةٌ، فالمعنى: أن الله تعالى أعطى كلَّ شيء خلقه، وما
أعطى أحداً شيئاً خيراً من الصبر؛ لأنه جامعُ مكارم الأخلاق(٥).
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣ / ٩٩).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٢ / ٥١٧).
(٣) انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (١١ / ٣٠٤).
(٤) رواه البخاري (١٤٠٠).
(٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٥ / ١٥١٥).
١٨٦