Indexed OCR Text
Pages 221-240
التوبة، وأن ذلك خفيَ على ملائكة العذاب، ولو اطَّلَعَتْ لَمَا صح لها أن تقول: إنه لم يعمل خيراً قط، لكن شهادة ملائكة الرحمة على إثبات، وشهادة ملائكة العذاب على نفي، والإثبات مُقدَّمٌ، فلا جَرَمَ لمَّا تنازعا وخرجا عن الشهادة إلى الدعاوي؛ بعث الله ملكاً حاكماً يفصِلُ بينهما، وصوَّره بصورة بني آدم إخفاءً عن الملائكة، وتنويهاً ببني آدم، وأن فيهم مَنْ يصلح لأن يفصِلَ بين الملائكة إذا تنازعوا. وفي قوله: ((فجعلوه بينهم)) حجةٌ لمالك: أن المُتخاصمَينِ إذا حَكَّما بينهما رجلاً يصلح للحكم؛ لزمهما ما يحكم به، خلافاً للشافعي. وفي قوله: ((قيسوا ما بين الأرضين)) دليل أن الحاكم إذا تعارضت الأقوالُ عنده، وأمكنه أن يستدل بالقرائن على ترجيح بعض الدَّعاوى؛ نَفَذ الحكمُ بذلك؛ كما فعله سليمان عليه السلام في قوله: ((ائتوني بالسِّكِّين أشقُّه بينكما)». قال القاضي: جعل الله قُربَه للقرية علامةً للملكين عند اختلافهم، مع عدم فهم معرفة حقيقة باطنه التي اطّلع الله عليها ولو تحقَّقوا توبته لم يختلفوا . قلت: هذه غفلة منه عن قول ملائكة الرحمة: ((جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله))، وهذا نصٌّ في أن ملائكة الرحمة علمت ما في قلبه، فلو علمته ملائكة العذاب لَمَا تنازعوا؛ لأن الملائكة (١) كلَّهم لا يخفى عليهم أن التوبةَ إذا صَحَّت مَقبولةٌ بفضل الله، وإنما جعل الله قُربَ تلك الأرض سبباً (١) في الأصل: ((تلك الأرض)). ١٢٧ مُرجِّحاً لحُجَّة ملائكة الرحمة، ومُصدِّقاً لصحة التوبة، وفيه: أن أعمال الظاهر عُنوانٌ على الباطن. ويُستفاد من قوله: ((أوحى الله إلى هذه أن تباعدي)) أن الرجل كان أقربَ إلى الأرض التي خرج منها، ولو تُرك الأرضُ على حالها؛ لَقبضتْهُ ملائكة العذاب، [لكن] غمرته الألطافُ الإلهيةُ فقرَّبت البعيدَ، وأَلَانت الحدیدَ. وفيه: أن الذنوب وإن عظُمت فعَفوُ الله أعظمُ منها، وأن من أُلهِم صدقَ التوبة فقد سُلِكَ به طريقُ الُّطف والقُرْبةِ(١). (مظ): وفيه: التحريض على التوبة، ومنع اليأس من الرحمة؛ إذ لا مَلْجأَ ولا مَنْجا، ولا مُجير للمذنبين سواه(٢). ٢١ - وعَنْ عَبْدِاللهِ بنِ کَعْبٍ بنِ مَالكٍ، وكَانَ قائِد گَعْبٍ مِن بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مَالكِ هِ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِهِ حِين تَخَلَّفَ عن رسول الله ◌َّهِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. قَالَ كَعْبٌ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رسول اللهِلَّهِ فِي غَزْوَة غَزَاهَا قَطُّ إلاَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي قَدْ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعَاتَبْ أحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهُ، إنَّمَا خَرَجَ رسولُ اللهِ نَّهِ وَالمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ عِيرَ قُرَيْش حَتَّى (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٩١). (٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ١٧٦). ١٢٨ جَمَعَ اللهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رسولِ اللهِّهِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ حينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإسْلامِ، وَما أُحِبُ أنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ في النَّاسِ مِنْهَا. وكَانَ مِن خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رسولِ اللهِ﴾ فِي غَزْوَةِ تَبُّوكَ: أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الغَزْوَةِ، وَاللهِ مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطَّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا في تِلْكَ الغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ نَّهِ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّ وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ نَِّ فِي حَرٍّ شَدِيد، وَاسْتَقْبَلَ سَفَراً بَعِيداً وَمَفَازاً، وَاسْتَقْبَلَ عَدَداً كَثِيراً، فَجَلَّى للمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ؛ ليتَهَبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِمُ الَّذِي يُريدُ، وَالمُسْلِمُونَ مَعَ رسولِ اللهِ كثيرٌ، وَلاَ يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ - يُرِيدُ بذلِكَ: الدِّيوَانَ -، قالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلُ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إلاَّ ظَنَّ أَنَّ ذِلِكَ سَيَخْفَى بِهِ مَا لَمْ يَنْزِل فيهِ وَحْيٌّ مِنَ اللهِ، وَغَزَا رسول الله ﴿ تِلْكَ الغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثَّمَارُ والظِّلالُ، فَأَنَ إِلَيْهَا أَصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللهِ لَّهِ وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئاً، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أنَ قَادِرٌ عَلَى ذلكَ إِذَا أَرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمادَى بِي حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الجِدُّ، فأصْبَحَ رَسُولُ اللهِ وَِّ غَادِياً وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضٍ مِنْ جِهَازِي شَيْئاً، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضٍ شَيْئاً، فَلَمْ يَزَلْ ١٢٩ يَتَمَادَى بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي، فَطَفِقْتُ إذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِوَّه يَحْزُنِنِي أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسْوَةً، إلاَّ رَجُلاً مَغْمُوصاً عَلَيْه في النِّفَاقِ، أَوْ رَجُلاً مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ تعالَى مِنَ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ حَتَّى بَلَغَ تَبُّوكَ، فقالَ وَهُوَ جَالِسٌ في القَوْمِ بِتَبوكَ: ((مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟))، فقالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يا رَسُولَ اللهِ! حَسَهُ بُرْدَاهُ، وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ. فقالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﴾: بِشْسَ مَا قُلْتَ! وَاللهِ يا رسول الله مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّ خَيْراً، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ. فَبَيْنَا هُوَ عَلَى ذلكَ، رَأَى رَجُلاً مُبَيِّضاً يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فقالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((كُنْ أَبَا خَيْئَمَةَ))، فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْئَمَةَ الأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ الثَّمْرِ حِينَ لَمَزَّهُ المِنَافِقُونَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلاً مِنْ تَبُوكَ، حَضَرَنِي بَِّي، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَداً؟ وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذلكَ بِكُلِّ ذِي رَأْىٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَدْ أَظَلَّ قادماً، زَاحَ عَنِّي البَاطِلُ، حَتَّى عَرَفْتُ أَنِّي لَمْ أَنْجُ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَداً، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وأَصْبَحَ رَسُولُ اللهِن ◌َّهِ قَادِماً، وكَانَ إذا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، بَدَأَ بِالمَسْجِدِ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ، جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ ١٣٠ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعاً وَثَمَانِينَ رَجُلاً، فَقبِلَ مِنْهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى الله تعالَى، حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَتَّمَ تَبَهُمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: (تَعَالَ، تَعَالَ))، فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فقالَ لِي: (مَا خَلَّفَكَ، أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟))، قَالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله! إنِّي واللهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيًا، لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ؛ لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلاً، وَلَكِنَِّي - وَاللهِ - لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي، لَيُّوشِكَنَّ اللهُ [أَنْ] يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وإِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى الله عَّ، وَاللهِ! مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرِ، وَاللهِ! مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. قالَ: فقالَ رَسُولُ اللهِ نَِّ: ((أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فيكَ))، وَسَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللهِ! مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبَّتَ ذَنْباً قَبْلَ هَذَا، لَقَدْ عَجَزْتَ في أنْ لا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ بِمَا اعْتَذَرَ إليهِ المُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللهِ لَكَ. قَالَ: فَوالله! مَا زَالُوا يُؤْنَبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِيَ مِنْ أَحَدِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ قَالا مِثْلَ مَا قُلْتَ، وَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ، ١٣١ قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمَا؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ العَمْرِيُّ، وهِلالُ ابْنُ أُمََّ الوَاقِيُّ؟ قالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْراً فِيهمَا أُسْوَةٌ. قالَ: فَمَضَيْتِ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي. وَنَهَى رَسُولُ اللهِ وَلَى عَنْ كَلامِنَا - أَيُّهَا الثَّلاثَةُ - مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، قَالَ: فَاجْتَبَّنَ النَّاسُ - أوْ قالَ: تَغَيَّرُوا لَنَا - حَتَّى تَتَكَّرَتْ لي فِي نَفْسِي الأَرْضُ، فَمَا هيَ بِالأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً. فَأْمَّا صَاحِبَايَ، فَاسْتَكَانَاَ، وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا، فَكُنْتُ أَشَبَّ القَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلاَةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ، وَلا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللهِ وَه فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ أَمْ لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَريباً مِنْهُ، وَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أقْبَلْتُ عَلَى صَلاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، وَإِذَا التَّفْتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَال ذلكَ عَلَيَّ مِنْ جَفوَةِ المُسْلِمِينَ، مَشَيْت حَتَّى تَسَوَّرْت جدَارَ حَائِطٍ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنِ عَمِّ، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْت عَلَيْهِ، فَوَاللهِ! مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلْت لَه: يَا أَبَا قَتَادَةَ! أَنْشُدْكَ بِاللهِ! هَلْ تَعْلَمُني أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَه ◌ِّهِ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتِ فَنَاشَدْتُهُ، فَسَكَتَ، فَعُدْتِ فَنَاشَدْتِهِ، فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ. فَبَيْنَا أَنَ أَمْشِي فِي سُوقِ المَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ منْ نَبَطِ أَهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ قَدِمَ ١٣٢ بالطّعَامِ يَبيعُهُ بالمدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبٍ بْنِ مَالكِ؟ فَطَفقَ النَّاسُ يُشيرُونَ لَهُ إِلَيَّ حَتَّى جَاءَنِي، فَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً مِنْ مَلِكِ غَسَانَ، وَكُنْتُ كَاتِباً، فَقَرَأْتُهُ فَإِذَا فِيهِ: أمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلا مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُهَا: وَهَذِهِ أَيْضاً مِنَ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَُّّورَ فَسَجَرْتُهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أرْبَعُونَ مِنَ الخَمْسِينَ، وَاسْتَلْبَثَ الوَحْيُ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللهِ لَّهِ يَأْتِنِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا، أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لا، بَلْ اعْتَزِلْهَا فَلا تَقْرَبَنَّهَا، وَأَرْسَلَ إلَى صَاحِبَيَّ بِمِثْلِ ذلِكَ. فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: الحَقِي بِأَهْلِكِ فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِي هَذَا الأَمْرِ، فَجَاءَتِ امْرَأَةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللهِ وَِّ، فَقَالَتْ لَهُ: يا رَسولَ اللهِ! إنَّ هِلالَ بْنَ أُمَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قَالَ: ((لا، وَلَكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ)). فَقَالَتْ: إِنَّهُ وَالله! مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَى شَيْءٍ، وَوَاللهِ! مَا زَالَ يَيْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا. فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَو اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللهِ ◌ِّ فِي امْرَأَنِكَ، فَقَدْ أَذِنَ لامْرَأَةِ هِلالِ بْنِ أُمَّةً أَنْ تَخْدُمَهُ؟ فَقُلْتُ: لا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ نَّهِ، وَمَا يُدْريني مَاذَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ وَأنَاَ رَجُلٌ شَابٌّ! فَلَبِئْتُ بِذلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نُهُيَ عَنْ كَلاَمِنَا. ١٣٣ ثُمَّ صَلَّيْتُ صَلاةَ الفَجْرِ صَبَاحَ خَمْسينَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرٍ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَاَ أنَاَ جَالسٌ عَلَى الحَالِ الَّتِي ذكَرَ اللهُ تَعَالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى على سَلْعِ يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ! أَبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِداً، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ. فَآذَنَ رَسُولُ اللهِ﴿ِ الناسَ بِتَوَبَةِ اللهِ وَكْ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَساً، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْنَى عَلَى الجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَِّي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ، فَكَسَوْتُهُمَا إِيَّهُ ببشارَتِهِ، وَاللهِ! مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللهِ، يَتَلَقَّانِ النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهَنُِّونَنَي بالتَّوْبَةِ، وَيَقُولُونَ لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللهِ عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَإِذا رَسُولُ اللهِ وَّهِ جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ حظّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي، وَهَنَّأَنِي، واللَّهِ! مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، فَكَانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ، قالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُور: ((أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُذْ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ))، فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يا رَسُولَ اللهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ الله؟ قَالَ: ((لا، بَلْ مِنْ ١٣٤ عِنْدِ الله ◌ِمْ))، وَكَانَ رَسُولُ اللهِوَهِ إذا سُرَّ، اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ))، فقلتُ: إنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَر. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ الله تَعَالَى إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ، وإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لا أُحَدِّثَ إلاَّ صِدْقاً مَا بَقِيتُ، فَوَاللهِ! مَا عَلِمْتُ أَحَداً مِنَ المُسْلِمِينَ أبْلاهُ الله تعالى في صِدْقِ الحَديثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذِلِكَ لِرَسُولِ الله ◌ِوَ﴿ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلانِي الله تعالى، وَاللهِ! مَا تَعَمَّدْتُ كِذْبَةً منذُ قلتُ ذلِكَ لِرسولِ اللهِهِ إِلَى يَوْمِي هَذا، وإنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللهُ تعالى فيمَا بَقِيَ. قال: فَأَنْزَلَ الله تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيّ وَالْمُهَجِين وَاُلْأَنصَارِ الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَ عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِفُواْ حَتَّىَ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿أَثَّقُوا اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّدِقِينَ ﴾ [التوبة: ١١٧ - ١١٩]. قَالَ كَعْبٌ: واللهِ! ما أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِن نِعمَةٍ قَطَّ بَعْدَ إِذْ هَداِي اللّهُ لِلإِسْلامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللهِ أَنْ لا أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كما هَلَكَ الَّذِينِ كَذَبُوا؛ إِنَّ الله تعالى قال لِلَّذِينَ ١٣٥ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الوَحْيَ شَرَّ مَا قالَ لأَحَدٍ، فقالَ الله تعالی: : سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إَِّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَنَّمُ جَزَّاءُ بِمَا كَانُو ◌ْيَكْسِبُونَ ) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْ عَنْهُمَّ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ اُلْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ -٩٦]. قالَ كَعْبُ: كُنَّا خُلِّقْنَا - أَّهَا الثَّلاَثَةُ - عَنْ أَمْرٍ أُولِئِكَ الَّذِين قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ، وَاَسْتَغْفَرَ لهم، وأَرَجَأ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى الله تعالَى فيه بذلك؛ قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِقُواْ﴾، وَلَيْسَ الَّذِي ذكَرَ مِمَّا خُلِّفْنَا تَخَلُّفَنَا عن الغَزْوٍ، وإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانا وإرْجاؤُهُ أَمْرَنَاَ عَمَّنْ حَلَفَ له، واعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقبِلَ مِنْهُ. متفقٌ عليه. وفي رواية: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ خَرَجَ فِي غَزْوَةٍ تَبُوكَ يَوْمَ الخِمِيسِ، وكانَ يُحِبُّ أنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الخمِيسِ. وفي رواية: وَكانَ لا يَقْدَمُ من سَفَرِ إلَّ نَهَاراً في الضُّحَى، فإذَا قَدِمَ، بَدَأَ بالمِسْجِدِ، فَصَلَّی فیهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ فِيهِ. (التّ (ق): (العير): الإبل التي عليها أحمالها(١). (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٩٤). ١٣٦ (ن): (ليلة العقبة): هي التي [بايع نبيُّ] الله (١) وَِّ الأنصارَ فيها على الإسلام، وأن يُؤووه ويَنصُروه، وهي العقبة التي [في] طرف مِنىّ، التي تضاف إليها جمرة العقبة، وكانت بيعةُ العقبة مرتين في سنتين؛ في السنة الأولى كانوا اثني عشر، وفي الثانية كانوا سبعين، كلهم من الأنصار . ((وتواثقنا على الإسلام)): تبايعنا عليه وتعاهدنا. وقوله: ((أذْكَر في الناس))؛ أي: أشهرَ عند الناس بالفضيلة. وقوله: ((ورّى بغيرها))؛ أي: أَوْهَمَ غيرها، وأصله مِنْ وراء، كأنه جعل البيانَ وراء ظهره. وقوله: ((سفراً بعيداً))؛ أي: بَرِّيةً طويلة، أو قليلةَ الماء يخاف فيها الهلاك. وقوله: ((فجلى للمسلمين أمرهم)) هو بتخفيف اللام؛ أي: كشفَه وبيَّه وأوضحه، وعرَّفهم ذلك على جهته من غير تَوْريةٍ، يقال: جلوت الشيء: کشفته . و ((أهبة غزوهم)) بضم الهمزة وإسكان الهاء؛ أي: لِيَسْتعدُّوا بما يحتاجون إليه في سفرهم ذلك، وحُكي فتحها، وهو فارسي مُعرَّب، وقيل: عربي . وقوله: ((بوجههم))؛ أي: بمقصِدهم. و((الديوان)) بكسر الدال على المشهور، وحُكي فتحها، فارسي مُعرَّب، وقيل: عربي . (١) في الأصل: ((التي في طرف الله)). ١٣٧ قال أبو زُرعة الرَّازيُّ: كانوا سبعين ألفاً. قال ابن إسحاق: ثلاثين ألفاً، وهو المشهور، وجمع بينهما بعضُ الأئمة: بأن أبا زرعة عَدَّ التابعَ والمَتْبوعَ، وابن إسحاق عَدَّ المَتْبوعَ فقط. قوله: ((أَصْعَر))؛ أي: أميل. ((استمر بالناس الجد)) بكسر الجيم، و((جهازي)) بكسر الجيم وفتحها: أُهْبَةُ سفري. و(تفارط الغزو))؛ أي: تَقَدَّمَ الغزاة، وسبقوا وفاتوا(١). و((مغموصاً عليه بالنفاق))؛ أي: مُتَّهَماً به، وهو بالغَيْنِ المعجمة والصاد المهملة. وقوله: ((حتى بلغ تبوكاً)، هكذا هو في أكثر النسخ من ((صحيح مسلم)) :* (تبوكاً) بالنصب، وكأنه صرفها لإرادة المَوْضع دون البُقْعةِ (٢). (ق): ((البردان))؛ يعني به: الرِّداءَ والإزار، أو الرِّداء والقَميص، وسمَّاهما بُردين لأن القميص والإزار قد يكونان من بُرْد، والبرود: ثياب من اليمن فيها خُطوطٌ، ويحتمل أن تسميتهما بُرْدَين على طريقة العُمَرين والقَمَرين(٣). (ن): ((وعطفيه))؛ أي: جانبيه، وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه. وفي قوله: ((بئس ما قلت)): دليلٌ لرَدِّ غيبة المسلم الذي ليس بمُنْهَمِكٍ (١) في الأصل: ((قالوا)). (٢) في الأصل: ((قالوا)). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٨٧) فما بعدها. ١٣٨ في الباطل، وهو من مُهمَّات الآداب، وحقوق الإسلام. و ((المبيض)) بكسر الياء: لابسُ البياض، يقال: هم المُبيِّضة والمُسوِّدة بالكسر فيهما؛ أي: لابسو(١) البيض والسود. و((يزول به السراب))؛ أي: يتحرَّك وينهَضُ، والسراب: ما يظهر للإنسان في الهواجر في البراري كأنه ماءٌ. و((كن أبا خيثمة)): معناه: أنت أبو خيثمة؛ قال ثعلب: العرب تقول: کن زيداً؛ أي: أنت زید. قال القاضي: الأشبه عندي: أن (كن) هنا للتحقيق والوجود؛ أي: لتُوجَدْ يا هذا الشخصُ أبا خيثمة حقيقة. وهذا الذي قاله القاضي هو الصوابُ، وهذا معنى قول صاحب ((التحرير)): [تقديره]: اللهم اجعله أبا خيثمة، واسمه: عبدالله(٢)، وقيل: مالك بن قیس. و((لمزه المنافقون))؛ أي: عابوه واحتقروه، انتهى(٣). قال ابن إسحاق: ثم إن أبا خيثمة رجع بعدما سار رسول الله وَ ليل أياماً إلى أهله في يوم حارٍّ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، قد رَشَّت كل واحدة منهما عريشَها، وبَرَّدت له فيه ماءً، وهيأت له فيه طعاماً، فلمَّا دخل؛ قام على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: (١) في الأصل: (لا بس)). (٢) في الأصل: ((عبد الرحمن))، والتصويب من ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٩٠). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٨٩). ١٣٩ رسولُ اللهِوَهُ في الضُّحِّ(١) والرِّيح والحَرِّ، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مُهيأ، وامرأة حسناء، في ماله مُقِيمٌ، ما هذا بالنَّصَف، ثم قال: والله لا أدخل عريشَ واحدة منكما حتى ألحقَ برسول اللهِ وَّهِ، فَهَيًُّا زاداً، ففعلتا، ثم قَدم ناضِحَهُ فارتحله، ثم خرج حتى أدركه بتبوك، فلمّا بلغ؛ أقبل فسلَّم على رسول الله وَّةِ، فقال له: ((أَوْلَى لكَ يا أبا خَيْثَمَةَ))، ثم أخبر رسولَ اللهِوَ﴿ الخبرَ، فقال له خيراً، ودعا له بخير(٢). قال ابن هشام: وقال أبو خيثمة في ذلك: أَنَيتُ الَّتِي كَانت أَعزَّ وأَكْرَما ولمَّا رأيتُ النَّاسَ في الدِّين نافَقُوا فَلَمْ أَكتسِبْ إِثْماً ولم أَغْشَ مَحْرَما وبايعتُ باليُمنى يَدِي لمُحَمَّدٍ ١ صَفَايا كِراماً بُسْرُها قد تَحَمَّما تركتُ خَضِيِباً في العَريشِ وصِرْمةً إلى الدِّين نفسِي شَطْرَهُ حيثُ يَمَّما وكنتُ إذا شَكَّ المُنافقُ أَسْمحَتْ (ن): و(البث): أشدُّ الحُزن، و(«أظلَّ قادماً»: دنا قدومُه كأنه أُلقيَ على ظِلِّه، و((زاح))؛ أي: زال، و((أجمعت صدقه))؛ أي: عزمت عليه، يقال: أجمع على أمره وعزم عليه بمعنّى، انتهى(٣). * قوله: «بدأ بالمسجد فرکع فیه رکعتین)) : (ق): إنما كان يفعل ذلك ليبدأ بتعظيم بيت الله قبل بيته، وليقومَ (١) في الأصل: ((النضح))، والضُّّ: عكس الظل. (٢) انظر: ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥/ ٢٠٠ - ٢٠١). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٩٠). ١٤٠ بشكر نعمة الله عليه في سلامته، ويُسلِّم عليه الناسُ، وليَسُنَّ ذلك في شرعه(١). (ن): ((جدلاً))؛ أي: فصاحة وقوة في الكلام وبراعة؛ بحيث أخرج عن عُهْدَةِ ما يُنسبُ إليَّ إذا أردت. * و ((المغضب)) بفتح الضاد؛ أي: الغَضْبانُ. * و (ليوشكن)) بكسر الشين؛ أي: لِيُسْرِعَنَّ. * و((عقبى الله))؛ أي: يُعقبني خيراً، وأن يُثيبني عليه. و((يؤنبونني)) بهمزة بعد الياء ثم نون ثم مُوخَّدة؛ أي: يلومونني أشدَّ اللَّوم. وقوله: ((مرارة بن ربيعة العامري))، كذا وقع: (ابن ربيعة [العامري]) في ((مسلم) (٢)، وهو غلط، وصوابه: (ابن الربيع العَمْري) بفتح العين وإسكان الميم؛ كما في ((البخاري))(٣). (ق): منسوبٌ لعمرو بن عَوْف(٤). (ن): (الواقفي) بقاف ثم فاء، منسوبٌ إلى بني وَاقِف، بطنٍ من الأنصار. و((أيتها الثلاثة)) بالرفع صفة لـ (أيّ)، وموضعه النَّصبُ على الاختصاص، (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٩٧). (٢) انظر: ((صحيح مسلم)) (٢٧٦٩). (٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٩٢)، و((صحيح البخاري)) (٣٧٦٨). (٤) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٩٧). ١٤١ روى سيبويه: اللهم اغفر لنا أيَُّّها العِصابةُ، وهذا مثله. وفي هذا هِجْرانُ أهل البِدَعِ والمَعاصي(١). (ق): هو دليل على هِجْران مَنْ ظهرت معصيتُه، فلا يُسلَّم علیه إلى أن يُقلِعَ ويُظهرَ توبته(٢). (ن): ((فما هي بالأرض التي أعرف)) معناه: تَغيَّر عليَّ كلُّ شيء حتى الأرضُ، فإنها توخَّشت عليَّ، وصارت كأنها أرضٌ لم أعرفها؛ لتوخُّشها عليَّ. * ((فاستكانا))؛ أي: خَضَعا. * ((أشب القوم وأجلدهم))؛ أي: أصغرُهم سِنّاً وأقواهم. * و (تسورت جدار حائط أبي قتادة)): عَلَوْتُهُ وصَعِدتُ سُورَه، وهو، أعلاه . وفيه: دليلٌ لجواز دُخول الإنسان بستانَ صديقه وقريبه الذي يُدِلُّ عليه(٣)، ويعرف أنه لا يَكْره له ذلك بغير إذنه، بشرط أن يعلم أنه ليس هناك زوجةٌ مَکشوفةٌ أو نحو ذلك. وقوله: ((فوالله ما رد علي السلام)): إنما لم يردّ عليه؛ لعموم النَّهْيِ عن كلامهم . وفيه: أنه لا يُسلَّم على المبتدعة ونحوهم. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٩٢). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٩٨). (٣) أي: ينبسط عليه، كتدلل. ١٤٢ وفيه: أن السَّلام كلامٌ، وأن من حلف: لا يُكلِّم إنساناً، فسلم عليه، أو رد عليه سلاماً؛ حَنِثَ. و((أنشدك)) بفتح الهمزة وضم الشين؛ أي: أسألك بالله، ومنه: النَّشيد، وهو رفع الصوت بالشعر وغيره. وقوله: ((الله ورسوله أعلم)): قال القاضي: لعل أبا قتادة لم يَقصِدْ بهذا تكليمَه؛ لأنه مَنْهيٌّ عن كلامه، وإنما قال لنفسه لمَّا ناشده اللهَ، فقال أبو قتادة مُظْهراً لاعتقاده، لا ليسمعه، ولو حلف رجل لا يُكلِّم رجلاً فسأله عن شيء، فقال: الله أعلم، يريدُ إسماعَهُ وجوابَه؛ حَنِثَ(١). (ق): يحتمل أن أبا قتادة فهم أن الكلامَ المَنْهيَّ عنه هو المُباسطةُ معه، وإفادةُ المعاني، فأما مثل هذا الكلام الذي يقتضي الإبعادَ والمُنافرةَ: فلا، ألا ترى أنه لم يَرُدَّ عليه السلامَ، ولم يلتفت لحديثه؟(٢) (ن): النَّبَطُ والأَنباطُ والنَّبِيطُ: هم فَلَأَحو (٣) العجم (٤). (ق): سُمّوا بذلك؛ لأنهم يَنبِطُون المياهَ؛ أي: يستخرجونها(٥). (ن): ((المضيعة)): فيها لغتان، كسر الضاد وإسكان الياء، وإسكان الضاد وفتح الياء؛ أي: في موضعٍ أو حالٍ يُضاع فيه حقُّك. (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٩٢). (٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٩٩). (٣) في هامش الأصل: ((ملاحوا)). (٤) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي: (١٧ / ٩٣). (٥) انظر: ((المفهم)) (٧ / ٩٩). ١٤٣ ((نواسك)): معناه: نشاركك فيما عندنا، وفي بعض نسخ مسلم: (نواسيك) بزيادة الياء، وهو صحيحٌ؛ أي: ونحن نواسيك، وقطعه عن جواب الأمر. و((تيممت)): معناه: قصدت. * و((سجرتها))؛ أي: حَرَقْتُها، أَنَّثَ الضميرَ إرادةً لمعنى الكتاب، وهو الصحيفة، انتهى (١) . قوله: ((وهذه أيضاً من البلاء))؛ أي: ما كنتُ فيه من تَخلُّفي عن هذا(٢) المشهد العظيم ثم إعراضِ المُصْطَفَيْنَ عنِّي بلاءٌ، وطمَعُ أعداء الله في رجوعي عن ديني بلاءٌ أعظمُ من ذلك، فكأنه خاف على نفسه الاستدراجَ؛ لأن الجِنْسيةَ عِلَّةُ الضَّمِ(٣). (ن): ((استلبث الوحي))؛ أي: أبطأ. وفي قوله: ((الحقي بأهلك)): دليلٌ على أن هذا(٤) اللفظَ ليس صريحاً في الطلاق، وإنما هو كِنايةٌ، ولم يَنْوِ به الطلاقَ فلم يقع. وقوله: ((وأنا رجل شاب)): معناه: إني قادرٌ على خِدْمة نفسي، (١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٩٤). (٢) في الأصل: ((هذه)). (٣) يعني: أن شبيه الشيء منجذب إليه، فمثلاً المشركون واليهود والنصارى لما اشتركوا في العداوة لهذا الدين، صارت هذه الجهة موجبةً لانضمام بعضهم إلى بعض، وقرب بعضهم من بعض. انظر: ((تفسير الرازي)) (١٥ / ١٦٨). (٤) في الأصل: ((هذه)). ١٤٤ وأخافُ على نفسي أن أُصيبَ امرأتي وقد نُهيت عنها. وقوله: «و کمل لنا خمسون ليلة) هو بفتح الميم وضمها وکسرها. و (بما رحبت))؛ أي: بما اتسعت، ومعناه: ضاقت عليَّ الأرضُ مع أنها مُتَّسعةٌ. و((أوفى على سلع))؛ أي: صَعِده وارتفع عليه، و((سلع)): بفتح السين المهملة وإسكان اللام: هو جبل بالمدينة معروف. وقوله: ((يبشروننا)): فيه دليل الاستحباب التبشير والتهنئة لمن(١) تَجدَّدت له نعمةٌ ظاهرة من أمر الدِّين والدُّنيا، وكذلك [من] اندفعت عنه كُربةٌ شديدة، ونحو ذلك. في قوله: ((فخررت ساجداً) دليلٌ للشَّافعيِّ ومُوافقيه في استحباب سُجود الشُّكر في كلِّ نعمة ظاهرة حصلت، أو نِقْمةٌ ظاهرة اندفعت(٢). وقال أبو حنيفة وطائفة: لا تُشرع. (ق): أحد قولي مالك: استحبابُ سجدة الشُّكر، ومشهورُ مذهبه: الكراهةُ. وكِسْوةُ البشير ثوبَيه مع كونه ليس له غيرُهما دليلٌ على جواز مثل ذلك إذا ارتجى حصولَ ما يستتر به، وهو دليل على جواز إظهار الفرح بأمور الخير والدِّين، وجواز البذل والهبات عندها، وقد نحر عمرُ عَلُه لمّا (١) في الأصل: ((لتهنئة من)). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٩٤). ١٤٥ حفظ (سورةَ البقرة) جَزُوراً(١). (ن): فيه: استحبابُ إجازة البشير بخِلْعةٍ، وإلا فبغيرها، والخِلْعةُ أحسنُ، وهي المُعتادة. وفيه: جواز عارية الثوب لِلُبْسٍ. و ((أتأمم))؛ أي: أقصد. و((الفوج)): الجماعة. وفي قوله: ((فقام طلحة)): استحبابُ مُصافحة القادم، والقيام له إكراماً، والهَرْولةِ إلى لقائه بَشاشةً وفرحاً(٢). (ق): ((لا ينساها لطلحة))؛ أي: تلك القَوْمةَ والبَشاشةَ التي صدرت له منه، ومعناه: أن تلك الفِعْلةَ أكدت في قلبه محبَّته، وألزمته حُرمتَه،، حتى عدَّها من الأيدي الجَسِيمة، والمِننِ العظيمة(٣). (ن): ((أبشر بخير يوم مر عليك)): معناه: سوى يوم إسلامك، وإنما لم يستثنیه؛ لأنه معلومٌ ولا بُدَّ منه. ومعنى: ((أنخلع من مالي)): أخرج عنه وأَتصدَّق به. وفيه: استحبابُ الصدقة شكراً للنِّعم المُتجدِّدة، ولاسيَّما [ما] عظُمَ منها، وإنما أمره وَّه بالاقتصار [على الصدقة] ببعضه؛ خوفاً من تضرُّره بالفقر، وخوفاً أن لا يصبرَ على الإضافة، ولا يخالفُ هذا صدقةُ أبي بكر تُته (١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٠١). (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٧ / ٩٥ - ٩٦). (٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ١٠٢). ١٤٦