Indexed OCR Text

Pages 121-140

وقد يُستدلُّ من هذا الحديث في مواضعَ من المُعاملات وما يتصل بها؛
كمن أُكره على الكفر، فتكلَّم به، وهو ينوي خلافه؛ فإنه لا يَكْفُرُ، وكذلك
من أُكره على يمين بظُلم، أو على طلاق، إذا خالف باطنَ معناه ظاهرُ اللفظ
الذي تكلم به؛ كما [لو] نوى أنه طلقها من الوِثاق، أو ما رأيتُ فلاناً، وهو
ينوي أنه لم يصب رايته، أو ما كلَّمتُ عَمراً؛ يريدُ ما جرحته، ونحو ذلك من
الكلام المحتمِل للمعاني المختلفة(١).
(ط): يحمل قوله ((إنما لكل امرئ ما نوى)) على ما تثمره النيات من
القَبول والردِّ، والثواب والعقاب، وغير ذلك، ففهم من قوله: ((إنما
الأعمال بالنيات)): أنَّ الأعمال لا تكون مَحسوبةً ولا مُسقطةً للقضاء إلا إذا
كانت مقرونةً بالإخلاص، مُبْعدَةً عن الرِّياء، فالأول قصرَ المُسندَ إليه في
المُسند، والثاني عكسه، ويَقرُب منهما الصلاةُ في الأرض المغصُوبة؛ فإنها
مَحسوبةٌ مُسقطةٌ للقضاء، لكن إيقاعها فيها حرامٌ يستحِقُّ به العِقابَ، قاله
الإمام النَّووُّ نقلاً عن أصحاب الشافعي(٢).
* قوله ويلقى: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله
ورسوله» :
(ط): أصل الهجرة: مفارقة الأوطان والأهل، وقيل: الهجرة أنواع:
الأولى: الهجرةُ إلى الحبشة عندما آذى الكُفَّارُ الصحابةَ.
الثانية: الهجرة من مكَّةَ إلى المدينة .
(١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ١٠ - ١٣).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤١٨).
٢٧

الثالثة: هجرة القبائل إلى النبي وَله؛ لتعلُّم الشَّرائع، ثم يرجعون إلى
المواطن ویُعلِّمون قومهم.
والرابعة: هجرةُ من أسلم من أهل مكة؛ ليأتي إلى النبي ◌َّز، ثم
یرجعَ إلی مکة.
الخامسة: الهجرة من مَقامٍ لا يُمَكَّنُ فيه من الأمر بالمعروف، والنَّهي
عن المنكر، وإقامة حدود الله.
السادسة: الهجرةُ عَمَّا نهی الله عنه.
ومعنى الحديث وحُكمُه ثابتٌ مُتناول الجميع، غير أن حكاية أم قيس
تقتضي أن المراد بالحديث الهجرةُ من مكة إلى المدينة؛ ولهذا حَسُنَ في
الحديث ذكرُ المرأة دون سائر ما ينوي به الهجرةَ من أغراض الدنيا.
وأقول: إنَّ العِبرةَ بعُموم اللَّفظ لا بخُصوص السَّبب، وفي تكرير لفظة:
(إلى الله ورسوله) في الشرط والجزاء تعظيمٌ لمعنى تلك الهجرة، وتفخيمٌ
لشأنها؛ أي: هي الهجرة الكاملة التي تستحِقُّ أن تُسمَّى هجرة، وأن ما سواها
ليست بهجرة؛ كقوله: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبٌِّ وَإِن لَّمْ تَفْعَلّ ◌َا
بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ يعني: ارتكبت أمراً عظيماً، وخطاً جسيماً؛ ولهذا
السِّرِّ غَيَّرَ العبارة في مُتَعلَّق الجزاء الثاني بلفظة: (ما)؛ حَطّاً من منزلتها؛ أي:
ليست هجرةً من الله في شيء؛ فإنه ما طلب بها وجهَ الله، بل طلب الدُّنيا، فله
ما طلب؛ كما هو حال الرجل الذي طلب نكاحَ تلك المرأة. انتهى(١).
اتحادُ المبتدأ والخبر، أو الشَّرط والجزاء مُؤذِنٌ بنهاية التَّعظيم في
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢ / ٤١٩).
٢٨

الخبر والجزاء، أو بنهاية التحقير فيهما؛ كما في دُعاء بعضهم بعَرفاتٍ:
إلهي أنت أنت، وأنا أنا، وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَلِحًا
فَإِنَّهُ يَنُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴾ [الفرقان: ٧١]؛ أي: يكفيه في عُلِّ الشأن، وجزاءٍ
الإحسان بالإحسان، والقرُب عند الله والزُّلفى لديه: أن تكون هجرتُه إلیه،
وكذلك في ضِدِّه من قوله: ((فهجرته إلى ما هاجر إليه))؛ أي: كفاه من
رَكاكة الحال وخِسَّة المَقْصد، والخَيبةِ والحِرمان، والذُّلِّ والهَوان: أن
تكون هجرته إلى دنيا زائلة، وأعواض فانية، أو تزوُّجِ امرأة، عَلَّ فمَلَّ،
قيل في الأكثر منها: إنها لَذَّةُ شهر، وكَسْرُ ظَهْرٍ، ولُزومُ مَهرٍ، وغَصَّةُ دهر.
وإلى مثل هذا الغَبْن العظيم أشار القائل:
ومَنْ فُتُّهُ يكفِيهِ أَنِّي أَفوتُهُ
ومَنْ صَدَّ عنَّا حَسْبُهُ الصَّدُّ والقِلَى
(ك): فإن قلت: المبتدأ والخبر في قوله: «فهجرته إلى ما هاجر إليه))
مُتَّحدان، فما الفائدة في الإخبار؟
قلت: لا اتحاد؛ إذ الجزاءُ محذوف، وهو: فلا ثواب له عند الله،
والمذكور مُستلزِمٌ له دالٌّ عليه، أو فهي هجرةٌ قَبيحة خَسيسةٌ؛ لأن المبتدأ
والخبر، وكذا الشَّرطُ والجزاء، إذا اتحدا صورةً؛ يُعلم منه التَّعظيمُ؛ نحو:
أنا أنا، وشِعْري شِعْري، و((من كانت هجرته إلى الله ورسوله))، أو التحقير؛
نحو «فهجرته إلى ما هاجر إليه)).
قال الحافظُ الثَّميُّ: النية أبلغ من العمل؛ ولهذا تُقبل النية بغير العمل،
فإذا نوى حسنةً؛ فإنه يُجازى عليها، ولو عمل حسنة بغير نية؛ لم يُجازَ بها.
فإن قيل: رُوي عن النبيِّ أنه قال: ((مَنْ هَمَّ بحَسنةٍ فَلَم يَعمَلْها؛
٢٩

كُتبَ له واحدةٌ، ومَنْ عَمِلَها؛ كُتبَ له عَشرٌ)) (١)، وروي أيضاً أنه قال: ((ِيَّةُ
المُؤمنِ خَيرٌ من عَملِهِ))(٢)، فالنية في الحديث الأول دون العمل، وفي
الثاني فوق العمل، وخيرٌ منه.
قلت: أما الحديث الأول: فلأن الهامَّ بالحسنة إذا لم يعملها؛ خالف
العامل؛ لأن الهامّ لم يعمل، والعامل لم يعمل حتى همَّ، ثم عمل.
وأما الثاني: فلأنَّ تخليد الله العبدَ في الجنة ليس لعمله، إنما لنيته؛
لأنه لو كان لعمله؛ لكان خلودهُ فيها بقدر عمله أو أضعافِهِ، إلا أنه جازاه
بنيته؛ لأنه كان ناوياً أن يطيع الله تعالى أبداً لو بقي أبداً، فلما اخترمته مَنِيَّتُه
دون نيته؛ جزاه عليها، وكذا الكافر.
أقول: الظاهر أن المُرادَ منه أن النية خيرٌ من عمل بلا نیة؛ إذ لو كان
المرادُ خيراً [من] عمل مع النية؛ يلزم أن يكون الشيء خيراً من نفسه مع
غيره، أو المراد: أن الجُزء الذي هو النية خيرٌ من الجزء الذي هو العمل؛
لاستحالة دخول الرياء فيها .
فإن قلت: فهذا في الحسنة فما حُكمه في السيئة؟
قلت: المشهور أنه لا يُعاقب عليها بمُجرَّد النية، واستدلُّوا عليها
بقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ فإنَّ اللام
(١) رواه البخاري (٦١٢٦)، من حديث ابن عباس ﴾. ومسلم (١٢٨)، من حديث أبي
هريرة ﴾.
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥٩٤٢)، من حديث سهل بن سعد ﴾. قال
الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١ / ١٠٩): فيه حاتم بن عباد بن دينار ولم أعرفه، وبقية
رجاله ثقات. وضعف الحديث العراقيُّ في «المغني عن حمل الأسفار» (٢/ ١١٧١).
٣٠

للخير، فجاء فيها بالكَسْب الذي لا يحتاج إلى تَصرُّفٍ، بخلاف (على)
فإنها لمَّا كانت للشرِّ، جاء فيها بالاكتساب الذي لا بُدَّ فيه من التصرُّف
[و] المعالجة، لكنَّ الحقَّ أن السيئةَ أيضاً يُعاقبُ عليها بمُجرَّد النية، لكن
على النية لا على الفعل، حتى لو عزم أحدٌ على ترك الصَّلاة بعد عشر
سنين؛ يأثمُ في الحال؛ لأن العزمَ من أحكام الإيمان، ويُعاقب على العزم،
لا على ترك الصَّلاة، فالفرق بين الحسنة والسيئة: أن نية الحسنة يُثاب
النَّاوي على الحسنة، ونيةُ السيئة لا يُعاقب عليها، بل على نيتها.
فإن قلت: من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة، فله عشر أمثالها،
فيلزمُ أن من جاء بنية الحسنة؛ فله عشر أمثالها، فلا يبقى فرقٌ بين [نية]
الحسنة ونفس الحسنة.
قلت: لا نُسلِّم أن من جاء بنية الحسنة فقد جاء بالحسنة - وسيأتي في
(الحديث التاسع) تتمةٌ مُهِمَّة لهذا المقام عن كلام النووي والكرماني
عليهما الرَّحمة والإكرام، ثم أبسطُ من ذلك في (الحادي عشر) - بل يُئاب
على [نية] الحسنة، فظهر الفرقُ؛ أي: بالحسنة المَنْوية.
نعم؛ بنيته لتلك الحسنة حسنَةٌ تُحسب له بعشر نِيَّات؛ فإنها وإن لم
تندرج تحت قوله {آل﴾: ((مَنْ هَمَّ بِحَسنَةٍ فعَمِلَها)»(١)، لكنها تندرج في حديث
((الحَسنةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها)»(٢)، ونحوه، والله أعلم(٣) .
(١) تقدم تخريجه.
(٢) رواه البخاري (٤١)، من حديث أبي سعيد الخدري ظ
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٩/١ -٢٢).
٣١

٢ - وَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمَّ عَبْدِ اللهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ:
قَالَ رَسُولُ اللهِلَّهِ: ((يَغْزُو جَيْشُ الكَعْبَةَ، فَإِذا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ
الأَرْض، يُخْسَفُ بأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ)). قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله!
كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاتُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ!؟
قَالَ: ((يُخْسَفُ بِأَوَِّهِمْ وآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَِّهِمْ) مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ.
هَذا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
(الثَّانِى))
رواه البخاري في (كتاب البيوع)(١)، ومسلم في (كتاب الفتن وأشراط
الساعة)(٢)، وذكره في ((المصابيح)) في (باب حرم مكة) من (كتاب الحج)(٣)،
قوله : ((يغزو جيش الكعبة)) :
(ك): أي: يقصد عسكرٌ من العساكر تخريبَ الكعبة(٤).
(ن): (البيداء): كلُّ أرض مَلساء لا شيء فيها، وبيداء المدينة:
الشَّرفُ الذي قُدَّامَ ذي الحُلَيفة(٥).
(ق): هل هي بيداء المدينة أم لا؟ اختلف في ذلك أبو جعفر، وعبد العزيز
(١) رواه البخاري (٢٠١٢).
(٢) رواه مسلم (٢٨٨٢).
(٣) الحديث رقم (١٩٨٤).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٠ / ١٣).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٥).
٣٢

ابن رُفَيع؛ كما ذكره مسلم في ((صحيحه)(١).
(نه): البيداء: المَفَازة، وهي هاهنا: اسم موضع مخصوص بين مكة
والمدينة، ومنه الحديث: ((إِنَّ قَوماً يَغْزُون البيتَ، فإذا نَزَلُوا بالبَيداءِ؛ بعثَ اللهُ
جِبْريلَ فيقولُ: يا بَيداءُ؛ أَبِيديهمْ، فَيُخسفُ بهِمْ))(٢)؛ أي: أهلكيهم، والإبادة:
الإهلاك(٣).
(مظ): ((يخسف بأولهم وآخرهم))؛ أي: أُدخلوا قَعْرَ الأرض كلُّهم
جميعاً، و(أسواقهم)) إن كان جمع (سُوق)؛ فتقديره: وفيهم أهل أسواقهم،
وإن كان جمع (سُوقَة)، فلا حاجة إلى التقدير (٤).
(نه): السُّوقَة من الناس: الرَّعِيَّة، ومَن دون المَلِك. انتهى(٥).
ويؤيد الوجه الأول أن البخاري في ((صحيحه)) ترجمَ لهذا الحديث
بقوله: (باب ما ذُكر في الأسواق)(٦).
و((من ليس منهم)؛ أي: مِمَّن لم يقصد تخريبَ الكعبة، بل رافقهم
في الطريق، ووافقهم في مُجرد السَّفر إلى مَقصِدٍ شرعي، أو من الذين
أُكرهوا في الخروج معهم، أو غَزَوْهم واستضعفوهم ... إلى غير ذلك.
(ك): فإن قلت: لم يُفهم منه العُمومُ؛ إذ حُكم الوسط غير مذكور.
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٧ / ٢٢٦).
(٢) رواه نعيم بن حماد في ((الفتن)) (١٩٧٦) عن محمد بن علي قوله.
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (١ / ١٧١).
(٤) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٣٦٢).
(٥) انظر: (النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٢ / ٤٢٤).
(٦) انظر: ((صحيح البخاري)) (٢ / ٧٤٥).
٣٣

قلت: العُرف في مثل هذا التركيب يُحكم به، أو إن الوسط آخِرٌ
بالنسبة إلى الأول، أوَّلٌ بالنسبة إلى الآخِرِ (١).
(مظ): أي: ممن لم يقصد تخريبَ الكعبة، بل هم الضُّعفاء والأَسارى(٢).
(ك): فالعطف في (ومن ليس منهم) للتفسير والبيان، وقوله: ((ثم
يبعثون على نياتهم))؛ أي: يُخسف الكلُّ بشُؤم الأشرار، ثم إنه تعالى يُعامل
كلاً منهم في الحشر بحسب نيته وقصده، إن خيراً فخيرٌ، وإن شراً فشَرٍ (٣).
وفي ((الصحيح)): أَنَهِكُ وفينا الصَّالِحُون؟! قال: (نَعَمْ إذا كَثُرِ الخَبَثُ)) (٤).
(ك): فإن قلت: لم لا يكون الأمر بالعكس؛ كما قال: ((لا يَشْقَى
بِهِمْ جَلِيسُهِمْ)) (٥) وتغلَّبُ بركةُ الخير على شُؤْمِ الشَّرِّ؟
قلت: هو في القليل كذلك، بخلاف ما إذا كثر الخَبَثُ؛ فإن الأكثر
يَغْلِبُ الأقلَّ، وحاصله: أن الغلبة للأكثر في الصُّورتين(٦).
(ن): في هذا الحديث من الفقه: التباعدُ من أهل الظلم، والتَّحذيرُ
من مُجالستهم، ومجالسةِ البغايا ونحوهم من المُبطلين؛ لئلا ينالَه ما يُعاقبون
به .
وفيه: أن من كَثَّر سوادَ قوم؛ جرى عليه حُكمهم في ظاهر عقوبات
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٠ / ١٤).
(٢) انظر: ((المفاتيح في شرح المصابيح)) للمظهري (٣/ ٣٦٢).
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١٠ /١٤).
(٤) رواه البخاري (٦٦٥٠)، من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها.
(٥) رواه مسلم (٢٦٨٩)، من حديث أبي هريرة ﴾.
(٦) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٢٤ / ١٩٠).
٣٤

الدُّنيا(١). وفي رواية لمسلم: ((إنَّ أناساً من أُمَتِي يَؤُمُّون بالبيتِ برجُلٍ من قُریشٍ
قد لجأَ بالبيت، حتَّى إذا كَانُوا بالبَيداءِ؛ خُسِفَ بِهِمْ)) فقُلنا: يا رَسُول الله؛ إنَّ
الطَّريقَ قد يَجمِعُ الناسَ، قال: (نَعَمْ فيهِمْ المُستَبَصِرُ، والمَجْبورُ، وابنُ السَّبِيلِ،
يَهلِكُون مَهْلَكاً واحداً، ويَصدُرونَ مصادرَ شَتَّى، يَبعثُهُمُ الله على نِيَّتِهِمْ))(٢).
وفي رواية له أيضاً: ((سَيعوذُ بهذا البيتِ - يعني: الكعبةَ - قومٌ ليست
لَهم مَنَعَةٌ [ولا عَددٌ] ولا عُدَّةٌ، يُبعثُ إِلَيْهِمْ جَيشٌ))(٣)، وفي رواية له عن
حفصةَ: ((يُخسفُ بأَوَسَطهمْ، ويُنادِي أوَّلُهم آخرَهُم، ثمَّ يُخسفُ بِهِمْ، فلا
يَبقى إلا الشَّريدُ الذي يُخِبِرُ عَنْهُم))(٤).
(ن): المستبصر: هو المستبين لذلك، القاصد له عمداً، والمجبور:
المُكْرَه، يقال: أجبرته فهو مُجْبَر، هذه هي اللغة المشهورة، ويقال أيضاً:
جبرته فهو مَجبورٌ، حكاها الفرَّاءُ وغيره، وأما ابنُ السبيل: فالمراد به سالكُ
الطريق معهم، وليس منهم، انتهى(٥).
وذكر الإمام أبو حامد الغزالي في ((الإحياء)): أن عيسى عليه السلام
مَرَّ على قرية، فوجد أهلها أمواتاً مُلْقَون على أفنيتهم وطُرقهم، فقال:
يا معشرَ الحَواريِّين؛ إن هؤلاء ماتوا عن سُخْط، ولو ماتوا على غير ذلك
تدافنوا، فقالوا: يا رُوحَ الله! وددنا أنَّا علمنا خبرهم، فسأل ربّه جل جلاله،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٧).
(٢) رواه مسلم (٢٨٨٤)، من حديث عائشة رضي الله عنها .
(٣) رواه مسلم (٢٨٨٣ / ٧)، من حديث حفصة رضي الله عنها .
(٤) رواه مسلم (٢٨٨٣ / ٦).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٨ / ٧).
٣٥

فأوحى الله تعالی إلیه: إذا کان اللیل؛ فنادهم يُجیبوك، فلما كان الليلُ؛
أشرف على نَشْزِ، ثم نادى: يا أهل القرية! فأجابه مَيْت: لَبِّك يا روح الله،
فقال: ما حالُكم؟ قال: بتنا في عافية، وأصبحنا في الهاوية، قال: وكيف
ذلك؟ قال: لحُبِّنا الدنيا، وطاعة أهل المعاصي، قال: وکیف کان حُبّکم
للدنيا؟ قال: حُبَّ الصَّبي لأُمه، إذا أقبلت فرحنا، وإذا أدبرت حَزِناً وبكينا،
قال: فما بال أصحابك لم يجيبوني؟ قال: إنهم مُلْجَمون بلجام من نار
بأيدي ملائكة غلاظِ شِدَاد، قال: كيف أجبتني أنت من بينهم؟ قال: لأني
كنت فيهم، ولم أكن منهم، فلمَّا نزل بهم العذابُ؛ أصابني معهم، فأنا
مُعلَّقٌ على شَفير جهنمَ، لا أدري أنجو منها أم أُكَبكبُ فيها؟ فقال المسيح
للحَواريِّين: لأَكلُ خُبز الشَّعير بالملح الجَريش، ولُبسُ المُسوح، والنومُ
على المزابل؛ كثيرٌ مع عافية الدنيا والآخرة(١).
٣ - وعَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ٍَّ:
( هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمَعْنَاهُ: لَا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ؛ لأَنَّهَا صَارَتْ دَارَ إِسْلاَمٍ.
(الثَّالِثُ))
* قوله ريفي: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم
فانفروا)) متفق عليه، ومعناه: لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام.
(١) انظر: ((إحياء علوم الدين)) للغزالي (٣/ ٢٠٥).
٣٦

(خط): كانت الهجرة على معنيين :
أحدهما: الهجرة من دار الكُفر إلى دار الإسلام، فأُمر من أسلم منهم
بالهجرة معهم؛ ليسلم دينُهم، وليزول أذى المشركين عنهم، ولئلا يَفتتِنُوا.
والمعنى الثاني: الهجرة من مكة إلى المدينة؛ فإن أهلَ الدِّين
بالمدينة كانوا قليلين ضعيفين يومئذٍ، فأُوجبت الهجرةُ إلى النبي ◌َّز على
كل من أسلم يومئذ في أيٍّ موضع كان؛ ليستعينَ النبي ◌ِّرِ بهم إن حدث
حادث، وليتفقهوا في الدِّين، فيُعلِّموا أقوامَهم أمرَ الدِّين وأحكامه، فلما
فُتحت مكة وأسلموا؛ استغنى النبي ◌َّ وأصحابه عن ذلك؛ إذ كان مُعظمُ
خوف المؤمنين من أهل مكة، فلما أسلموا؛ أمن المسلمون أن يُغزوا في
قعر دارهم، فقيل لهم: أقيموا في أوطانكم، وقَرُّوا على نية الجهاد(١).
(ط): (لكن) تقتضي مخالفة ما بعدها لما قبلها، والمعنى: أن
مُفارقةَ الأوطان إلى الله ورسوله التي هي الهجرةُ المعتبرةُ الفاضلة المُميِّزة
لأهلها من بين الناس امتيازاً ظاهراً انقطعت، لكن مفارقةُ الأوطان بسبب نية
خالصة لله؛ كطلب العلم، والفِرار بدينه من دار الكُفر، أو مِمَّا لا يُقام فيها
الأمرُ بالمعروف والنَّهيُ عن المنكر، وزيارةُ بيت الله وحَرمِ رسول الله ◌ِّر،
أو المسجد الأقصى وغيرها = باقيةٌ مدى الدَّهر(٢).
(ن): الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقيةٌ إلى يوم القيامة،
وتأولوا هذا الحديث تأويلين:
(١) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (٢ / ٦٩٦).
(٢) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨ / ٢٦٤٣).
٣٧

أحدهما: لا هجرة بعد الفتح من مكة؛ لأنها صارت دارَ الإسلام،
فلا يُتصوَّر منها الهجرة.
والثاني - وهو الأصح -: أن الهجرة الفاضلة المُهِمَّة المطلوبةَ التي يمتاز
بها أهلُها امتيازاً ظاهراً انقطعت بفتح مكة، ولكن حَصّلُوه بالجهاد والنية
الصَّالحة، وفيه: الحَثُّ على نية الخير مُطلقاً، وأنه يثاب على النية(١).
(ق): أي: لا وجوبَ هجرة بعد فتح مكة، وكانت الهجرة واجبةً
على أهل مكة، واختُلف على من كان بغيرها، فقيل: كانت على كل
مسلم؛ تَمسُّكاً بمطلق الأمر بالهجرة، وذَمِّ مَن لم يُهاجر، وبيعته بَّر على
الهجرة؛ كما جاء في حديث مُجَاشِع(٢)، وقيل: بل كانت مندوباً إليها،
حكاهُ أبو عُبيد، ويُستدلُّ لهذا بقوله مَّر للأعرابي الذي استشاره في
الهجرة: ((إنَّ شَأْنَها لَشدِيدٌ، فاعمَلْ مِنْ وراءِ البحَارِ؛ فإنَّ اللهَ لن يَتِرِكَ مِنْ
عَمِلكَ شيئاً) وأذن له في مُلازمة مكانه(٣).
وبدليل أنه لم يأمر الوُفودَ عليه قبل الفَتح بالهجرة.
وقيل: إنما كانت واجبةً على من لم يُسلم جميعُ أهل بلده؛ لئلا يبقى
تحت أحكام الشِّرك.
قلت: ولا يُختَلَفُ في أنه لا يحِلُّ لمسلم المُقام في بلاد الكفر مع التمكن
من الخروج منها؛ لجريان أحكام الكفر عليه، ولخوف الفتنة على نفسه،
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٨/١٣).
(٢) رواه البخاري (٢٨٠٢)، ومسلم (١٨٦٣).
(٣) رواه البخاري (١٣٨٤)، ومسلم (١٨٦٥)، من حديث أبي سعيد الخدري
٣٨

وهذا حكمٌ ثابت مُؤبَّد إلى يوم القيامة، وعلى هذا: فلا يجوز لمسلم دخولُ
بلاد الكفر لتجارة وغيرها مِمَّا لا يكون ضرورياً في الدِّين؛ كالرسل، وكافتكاك
المسلم، وقد أبطل مالكٌ رحمه الله شهادةَ مَنْ دخل بلادَ الهند للتجارة.
وقوله: ((ولكن جهاد ونية))؛ يعني: باقيان؛ أي: نية في الجهاد، أو
في فعل الخيرات، وهو يدُلُّ على استمرار حُكم الجهاد إلى يوم القيامة،
وأنه لم يُنسخ، لكنه يجب على الكفاية، وإنما يجب إذا دهَم العدوُ بلداً من
بلاد المسلمين، فيتعيَّن على كل من تَمكَّن من نُصرتهم، وإذا استَنْفرهُم
الإمامُ؛ تعيَّن على كلِّ مَن استنفره(١).
(ن): الجهادُ اليومَ فرض كفاية، إلا أن ينزل الكُفَّار ببلد المسلمين،
فيتعَيَّنُ عليهم الجهاد، وإن لم يكن من أهل ذلك البلد كفايةٌ؛ وجب على
من يليهم تَتميمُ الكفاية، وأما في زمن النبي ◌َّهِ: فالأصحُ عند أصحابنا:
أنه کان أيضاً فرضَ کفایة؛ لأنه کان یغزو السَّرایا وفيها بعضهم دون بعض،
وقيل: كان فرضَ عین(٢).
(نه): في حديث آخر: ((لا تَنَقِطِعُ الهِجْرةُ حَتَّى تَنْقِطِعَ الثَّوبةُ)) (٣)،
والجمع بينهما: أن الهجرة هجرتان:
إحداهما: التي وعد الله سبحانه عليها الجنَّةَ في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٦٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٩).
(٣) رواه أبو داود (٢٤٧٩)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٧١١)، من حديث معاوية
ابن أبي سفيان . وفي إسناده أبو هند البجلي، قال عنه ابن القطان في ((بيان الوهم
والإيهام)) (٣/ ٢٥٨): مجهول لا يعرف بغير هذا.
٣٩

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، فكان
الرجلُ يأتي النبيَّ ◌َّهِ، ويدَعُ أهلَه ومالَه لا يرجع في شيء منه، وكان النبي ◌ِّل
يَكرهُ أن يموت الرجلُ بالأرض التي هاجر منها.
فِمِنْ ثَمَّ قال: ((لكنِ البائسُ سَعدُ بنُ خَولةَ)) (١) يرئي له أَنْ مات بمكة.
وقال حين قدم مكة: ((اللَّهُمَّ؛ لا تَجعلْ مَنايَانا بِها))(٢)، فلما فُتحت
مكةُ صارت دارَ إسلام كالمدينة، وانقطعت الهجرة.
الثانية: مَنْ هاجر من الأعراب، وغزا مع المسلمين، ولم يفعل كما
فعل أصحابُ الهجرة الأولى؛ فهو مُهاجر، وليس بداخل في فضل مَن
هاجر تلك الهجرةَ، وهو المرادُ بقوله: ((لا تَنْقِطِعُ الهِجْرةُ حَتَّى تَنْقطِعَ
الثَّوبةُ)) (٣).
٤ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيِّ ◌َ﴾، قَالَ:
كُنَّا مَعَ النَّبِّ ◌َهِ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: ((إنَّ بِالمَدِينَةِ لَرِ جَالاً مَا سِرْتُمْ
مَسِيراً وَلا قَطَعْتُمْ وَادِياً إلاَّ كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ المَرَضُ))، وَفِي
روايَةٍ: ((إلاَّ شَرَكُوكُمْ فِي الأَجْرِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ورواهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسِ ◌َهِ، قَالَ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةٍ تَبُوكَ
(١) رواه البخاري (١٢٣٣)، ومسلم (١٦٢٨)، من حديث سعد بن أبي وقاص ظه.
(٢) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٢/ ٢٥)، من حديث ابن عمر مھما.
(٣) انظر: ((النهاية في غريب الحديث)) لابن الأثير (٥/ ٢٤٣)، والحديث تقدم تخريجه.
٤٠

مَعَ النَّبِيِّ وَ﴿، فَقَالَ: ((إنَّ أَقْوَاماً خَلْفَنَا بِالمَدِينَةِ مَا سَلَكْنَا شِعْباً
وَلا وَادِياً إِلَّ وَهُمْ مَعَنَا، حَبَسَهُمُ العُذْرُ)).
٤٧
* قوله يتلقى: ((إلا شركوكم في الأجر)»:
(ن): قال أهل اللغة: (شَرِكه) بكسر الراء بمعنى شاركه.
فيه فضيلة النية في الخير، وأن من نوى الغزو أو غيره من الطَّاعات،
فعرض له عُذرٌ منعه؛ حصل له ثوابُ نيته، وأنه كلَّما أكثر التأسُّفَ على
فوات ذلك، وتمنى كونَهَ من الغُزاة أو نحوهم؛ كان أكثرَ ثواباً(١).
والمعذورون؛ أي: مَن له عذرٌ ابتداء، لا من نوى فحبسه العُذرُ عن
المَنْوي: ليس لهم ثوابُ المجاهدين، بل لهم ثواب نِيَّتهم إن كانت لهم نية
صالحة؛ كما قال رَّ: ((ولكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ))(٢).
(ط): في قوله: ((شركوكم)) دلالة على أن القاعدين الأضِرَّاء يشاركون
المجاهدين في الأجر، ولا يدل على استوائهما فيه، والدالُّ على نفي
الاستواء: قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اَللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةً ﴾
[النساء: ٩٥]؛ أي: على الأَضِرَّاء منهم وقوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ
أَجْرَاً عَظِيمًا (٥) دَرَجَتٍ﴾ [النساء: ٩٥ -٩٦]؛ أي: على غير الأَضِرَّاء، وفَضَّل الله
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٥٧).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٤٢)، والحديث رواه البخاري (١٧٣٧)،
من حديث ابن عباس فـ
٤١

المجاهدين على القاعدين الأَضِرَّاء درجةً، وهي: الغنيمة، ونُصْرة دين الله
في الدنيا، وفَضَّل الله عليهم درجاتٍ في العُقبى، انتهى(١).
هذا الذي ذكره الطُّيبي رحمه الله أحدُ الوجهين في تفسير الآية،
وضعَّفه غيرُ واحد من أئمة التفسير؛ منهم مُحيي السنة، والحافظ إسماعيل
بن كثير، وصحَّحوا الوجهَ الآخر المَرْويَّ عن الحَبْر والبحر تَرْجُمان القرآن
عبد الله بن عباس ﴾: أن أُولي الضَّرر يُساوون المجاهدين؛ لأن العُذْرَ
أقعدهم، واحتجوا بهذا الحديث، وبما روى أحمدُ وأبو داود: ((لَقَدْ تَركُم
بِالمَدينةِ أَقواماً ما سِرْتُم مَسيراً، ولا أَنفقتُم مِنْ نَفَقَةٍ، ولا قَطعتُم من وادٍ إلاَّ
وهُم مَعَكُم فيه)) قالوا: وكيفَ يا رَسولَ الله يَكونُون معَنا، وهم بالمدينةِ؟
قال: ((حَبسَهُمُ العُذْرُ))(٢).
وإلى هذا المعنى أشار القائل:
سِرْتُم جُسوماً وسِرْنَا نَحنُ أَزْواحًا
يا رَاكبينَ إلى البَيتِ العَتيقِ لَقَدْ
ومَنْ أقامَ على عُذْرٍ فَقدْ رَاحا
إِنَّا أَقمنا على عُذرٍ وعَنْ قَدَرٍ
(ق): ظاهر الحديث: أن للمعذور من الأجر ما يساوي أجرَ الفاعل؛
بدليل أن الثواب على الأعمال إنما هو تفضّلٌ من الله تعالى، فيهبُه لمن يشاء
على أيِّ شيء صدر عنه؛ لأن النية الصادقةَ هي أصل الأعمال، فإذا صَحَّت
(١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٨/ ٢٦٤١).
(٢) انظر: ((معالم التنزيل)) للبغوي (١ / ٤٦٨)، و((تفسير ابن كثير)) (٤ / ٢٢٤)،
والحديث رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ١٠٣)، وأبو داود (٢٥٠٨)، من
حديث أنس بن مالك . ورواه البخاري (٤١٦١).
٤٢

في فعلِ طاعة، فعجَز عنها لمانع منع منها؛ فلا بُعدَ في مُساواة أجر ذلك
العاجز لأجر القادر الفاعل، أو يزيد عليه، وقد دل على هذا قولُهُ وَلِ: ((نيَةُ
المُؤمنِ خَيْرٌ مِنْ عَملِهِ)(١)، وقوله في هذا الحديث: ((إلاَّ كانُوا مَعَكُم، حَبسهُمُ
العُذرُ))، وأيضاً ما في هذا الباب؛ حديثُ أبي كبشة الأنماري قال: قال
النبيِ نَّهِ: ((إنَّما الدُّنيا لأربعة نفرٍ: رَجُلٍ آتاه اللهُ مالاً وعِلْماً، فهو يَتَّقي ربَّهُ،
ويَصِلُ فيه رَحِمَه، ويعلم لله حَقّاً، فهذا بأَفضلِ المَنازلِ، ورَجُلٍ آتاه الله عِلْماً،
ولم يُؤْته مالاً، يقول: لو أنَّ لي مالاً؛ لعملتُ فيه بعَملِ فُلانٍ، فهو نِيَّةِ،
فأجرُهما سَواءٌ، ورَجُلٍ آتاه الله مالاً، ولم يُؤْتِهِ عِلْماً، فهو لا يتَّقي فيه ربّه، ولا
يَصِلُ فيه رَحِمَه، ولا يعلمُ لله حَقّاً، فهذا بأخبثِ المَنازلِ، ورَجُلٍ لم يُؤته اللهُ
مالاً ولا عَملاً، فهو يقولُ: لو أنَّ لي مالاً لعَمِلتُ فيه بعَمَلِ فُلان، فهو نِيََّهُ،
فوِزْرُهما سَواء)(٢).
وسيأتي لهذا الحديث مزيدُ بيان في (الباب العشرين) في قوله ◌َّه:
((مَنْ دَلَّ على خيرٍ فلهُ مثلُ أَجرِ فَاعِلِهِ)(٣).
٥ - وَعَنْ أَبِي يَزِيدَ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَخْتَسِ ﴾، وَهُوَ وَأَبُوهُ
وَجَدُّهُ صَحَابِتُّونَ، قَالَ: كَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا،
(١) تقدم تخريجه .
(٢) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٣/ ٧٢٨)، والحديث رواه الترمذي (٢٣٢٥)، والإمام
أحمد في «المسند» (٤ / ٢٣١). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) رواه مسلم (١٨٩٣)، من حديث أبي مسعود الأنصاري ظ
٤٣

فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا، فَأَنَيُهُ بِهَا، فَقَالَ:
وَاللهِ! مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رسولِ اللهِ، فَقَالَ: ((لَكَ
مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ ما أخَذْتَ يَا مَعْنُ)) رواه البخاريُّ.
, ,,
رواه البخاري في (كتاب الزكاة) في (باب إذا تصدَّق على ابنه وهو
لا یَشعُر).
وأوَّلُ الحديث: (قال: بايعتُ رسولَ الله وََّ أنا وأبي وجَدِّي،
وخطب عليَّ، فَأَنكَحنِي، وخاصمتُ إليه) الحديثَ(١).
(ك): ((معن)) بفتح الميم وسكون العين المُهملة، وبالنون ((ابن یزید))
من الزيادة(٢) السُّلَمي الكُوفي، يقال: إنه شهد بدراً مع أبيه وجَدِّه، ولم
يَتَّفق ذلك لغيرهم .
ومعنى: (خطب عليَّ)؛ أي: طلب من وليِّ المرأة أن يُزوِّجَها مني.
وقوله: ((لك ما نويت)) من أجر الصَّدقة؛ لأنك نويت أن تتصدق بها
على من يحتاجُ إليها، وابنك يحتاج إليها.
((ولك ما أخذته يا معن)) لأنك أخذتها مُحتاجاً إليها (٣).
وسيأتي بيانُ الصدقة على الأصول والفروع، وصدقة الزوجة على
(١) رواه البخاري (١٣٥٦).
(٢) في الأصل: ((بالزيادة))، والصواب المثبت.
(٣) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧/ ١٩٢).
٤٤

زوجها في (الباب السادس والثلاثين).
٠٠
٦ - وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكِ بْنِ أُهَيْب
بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلابِ بْنِ مُزَّةَ بْنِ كَعْبٍ بْنِ لُؤَيِّ القُرَشِيِّ
الزُّهْرِيَِّبِهِ، أَحَدِ العَشَرَةِ المَشْهُودِ لَهُمْ بِالجَنَّة ◌ِ﴾، قَالَ: جَاءَتِي
رسولُ الله ◌َ﴿ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّة الوَداعِ مِنْ وَجَعِ اشْتَدَّبِي، فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ! إنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعْ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مَالٍ،
وَلَا يَرِثُنِي إلَّ ابْنَةٌ لِي، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُنَيْ مَالِي؟ قَالَ: ((لا))، قُلْتُ:
فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فقَالَ: ((لا))، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ يَا رَسول الله؟ قَالَ:
((الثُّلُثُ، والقُّلُثُ كَثِيرٌ - أَوْ كَبِيرٌ -، إنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ
مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا
وَجْهَ الله إلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ)). قَالَ:
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: ((إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ
فَتَعْمَلَ عَمَلاً تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ الله إلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ
أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتُفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ، وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ. اللَّهُمَّ أَمْضٍ
لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمٍ، وَلا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْتَابِهِمْ، لَكِنِ البَائِسُ سَعْدُ
ابْنُ خَوْلَةَ)) يَرْثِي لَهُ رسولُ اللهِ وَلِ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ. متفقٌ عليه.
(السَّادِيُ)
١١٧٠
* قوله: ((عام حجة الوداع)): هو بفتح الحاء، وسيأتي سبب إضافتها
٤٥

إلى (الوداع) في (الباب السادس والعشرين).
* قوله: ((بلغ بي من الوجع ما ترى)):
(ك): أي: أثَّرَ الوجعُ فيَّ ووصلَ غايته(١).
(ن): الوجع: اسمٌ لكُلِّ مرض(٢).
(خط): ((إلا ابنة لي))؛ أي: ليس لي وارثٌ من أصحاب الفُروض إلا
ابنتي، وليس المراد أنه لا وارثَ له غير ابنته، بل كانت له عصبةٌ كثيرة (٣).
(ك): اسم ابنته عائشة، ثم جاءه بعد ذلك أولادٌ(٤).
(ط): لعل تخصيص البنت بالذِّكر لعجزها، المعنى: ليس يرثني مِمَّن
أخاف عليه إلا ابنتي(٥) .
(ق): ثم عُوفي، [و]حصل له ثلاثةٌ من الولد ذكوراً، أحدُهم: اسمُه
عامر، راوي هذا الحدیث عن أبيه(٦).
* قوله: ((الثلث والثلث کثیر)»:
(ن): وقع في بعض الروايات (كثير) بالمثلثة، وفي بعضها بالموحدة،
وكلاهما صحيح.
(١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧/ ٨٩).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١١ / ٧٦).
(٣) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٨٣).
(٤) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (٧ / ٨٩).
(٥) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٧/ ٢٢٥١).
(٦) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٤ / ٥٤٣).
٤٦