Indexed OCR Text
Pages 101-120
وهوَ سُبحانَهُ المُطَّلِعُ على السَّرائر، العَالِمُ بمَا تُكِنُّ الصُّدورُ والضَّمائر، لا رَبَّ غيرُهُ، ولا إلهَ سِواهُ، وهو حَسْبِي ونِعْمَ الحَسيب، عليه تَوَكَّلتُ وإليه أُنیب. ٧ مِن مَنَاقِبٍ مُؤَلّفٍ الكِتَاب أَفَاضَ اللهُ عَلَيهِ ذُوارَفَ عَوَارِفِهِ وَامِنَانِهِ وَأسْكَنَّهُ فَادِيسَ حِنَانِهِ وَجَعَلَهُ غَرِيقَ بِحَارٍ رَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ هو الشيخ الإمامُ العالم المُحقِّق، عُمدةُ الحُفَّاظ، عَلَمُ الأولياء، ذو الفُنون من العلوم المُتَكاثرات، والتَّصانيف النَّافعةِ المُستَجادات، الباذلُ نفسَهُ في نُصْرة دين الله، أحدُ عُبَّاد الله العَارفين الجَامِعين بين العِلم والعبَادة، والورَعِ والزَّهَادةِ، مُحبي السُّنَّةِ والدِّين أبو زكريّا يَحْيِى بنُ شرف [بن مُرِي] ابن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حِزَام الحزاميُّ النَّوويُّ، ثم الدِّمشقي الشافعيُّ. وحِزام بكسر الحاء المهملة وفتح الزاي، منسوبٌ إلى جَدِّه حزام، وليس هو الصحابيَّ المعروفَ. ولد ◌ُ بِنَوى قريةٍ من قرى دمشق، بينها وبين دمشق دون مرحلتين(١)، في العشر الأوسط من المُحرَّم سنة إحدى وثلاثين وست مئة. قال الذهبي في ((تاريخه)): والنسبة إليها بحذف الألف، ويجوز إثباتها(٢) . (١) بينها وبين دمشق (١٠٠) كم تقريباً. (٢) انظر: ((تاريخ الإسلام)) للذهبي (٥٠/ ٢٤٧). ٨ يُروى عن الشيخ تاج الدِّين السُّبكي أنه أنشد حين وَليَ تدریسَ دار الحدیث بعد الإمام النووي رحمه الله : أُطَوِّفُ فِي جَوانِبِهَا وَآوِي وفي دارِ الحَديثِ أُطِيلُ مُكْثِي مَكاناً مَسَّهُ قَدَمُ النَّواوِي(١) لعلِّي أَن أمَسَّ بخُرِّ وَجهِي قال والده رحمه الله: كان يحيى نائماً إلى جنبي، وقد بلغ من العُمر سبعَ سنين، وكانت ليلةَ السابع والعشرين من شهر رمضان، فانتبه نَحْواً من نصف الليل وقال: يا أبتِ! ما هذا الضَّوءُ الذي قد ملأ الدَّارَ؟ فاستيقظت أنا وأهلُنا فلم نر شيئاً، قال والده: فعلمت أنها ليلة القدر. عن المراكشي قال: رأيت الشيخ محيي الدِّين بقرية نوى، وهو ابن عشر سنين والصِّبيانُ يُكرهونه على اللَّعبِ معهم، وهو يهرب منهم ويبكي؛ لإلزامهم إياه، وهو في تلك الحالة يقرأ القُرآنَ، فوقع في قلبي [حبُّ]، وجعله أبوه في دُكَّانٍ، فجعل لا يشتغلُ بالبيع والشِّراء عن القرآن. قال: فأتيت مُقْرِيَهُ فوصَّيتُه به، وقلت: هذا الصبيُّ يُرجی أن يكون أعلمَ أهل زمانه وأزهدَهُم، وينتفعَ به الناسُ، فقال: أُمَنجِّمٌ أنت؟ فقلت: لا، وإنما أنطقني الله بذلك، فذكر ذلك لوالده، فحَرِصَ عليه إلى أن ختَم القُرآنَ، وقد ناهز الاحتلامَ. قال الشيخ محيي الدين: فلما كان عمري ثمان عشرة سنة؛ قَدِم بي والدي إلى دمشقَ سنة تسع وأربعين، فسكنت المدرسةَ الرَّواحيةَ، فبقيتُ (١) انظر: ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (٣٩٦/٨). ٩ نحوَ سنتين لم أضع جنبي على الأرض، وكان قُوتِي فيها جِرَايةَ المدرسة. قال: حفظتُ ((التَّنبيه)) في أربعة أشهر ونصف، وحفظت رُبٌعَ العبادات من ((المُهذَّب)) في باقي السنة، قال: وبقيتُ أشرح وأُصحَّحُ على شيخنا العالم الزَّاهد كمال الدين أبي إبراهيم إسحاقَ بن أحمد بن عُثمان المغربيِّ الشَّافعيِّ، ولازمته فأُعجب بي؛ لِمَا رأى من اشتغالي، وملازمتي له، وعدم اختلاطي بالناس، وأحبّني محبّةً شديدةً، وجعلني أعيدُ الدُّروسَ في حَلْقته لأكثر الجماعة، فلما كانت سنة إحدى وخمسين؛ حَجَجْتُ مع والدي وكانت وَقْقةً الجمعة، وكان رحلتنا من أوَّل رجب، فأقمتُ بالمدينة النبوية نحواً من شهرين ونصف. قال والد الشيخ: لمَّا توجَّهنا من نوى للرحيل؛ أَخذَتْ يحيى الحُمَّى، فلم تفارقْهُ إلى عرفةَ، ولم يتأوَّة قَطُّ، ولمَّا قضينا المناسكَ ووصلنا إلى نوى، ونزل دمشق؛ صَبَّ الله عليه العلمَ صَبّاً. قال الشيخ رحمه الله: كنت أقرأ كل يوم اثني عشر درساً وتصحيحاً على مشايخَ مُتعدِّدةٍ: درسين في ((الوسيط))، ودرساً في (المُهذَّب))، ودرساً في ((الجمع بين الصحيحين))، ودرساً في ((صحيح مسلم))، ودرساً في ((اللُّمَعِ)) لابن جِنِّي في النحو، ودرساً في ((إصلاح المنطق)) لابن السِّكِّيت في اللغة، ودرساً في التَّصريف، ودرساً في أصول الفقه، تارة في ((اللُّمع)) لأبي إسحاق، وتارة في ((المُنْتُخب)) لفخر الدِّين الرَّازي، ودرساً في أسماء الرِّجال، ودرساً في [أصول الدِّين، وكنت أُعلِّق جميع ما يتعلق بها: من](١) (١) ما بين معكوفتين من ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (٤ / ٤٧). ١٠ شرح مُشْكل، ووضوح عبارة، وضبط لغة، ودرساً أظنه في ((الرافعي)). وبارك الله في أوقاتي واشتغالي، وأعانني علیه. قال: وخطر لي الاشتغالُ بعلم الطِّبِّ، فاشتريت ((القانون))، فأظلم عَليَّ قلبي، وبقيتُ أياماً لا أقدر على الاشتغال بشيء، فبعتُهُ في الحال، فرجع إليَّ حالي. كان رحمه الله كثيرَ الاشتغال والسَّهَر بالعلم والعبادة والتصنيف، لا يُضيِّعُ شيئاً من أوقاته حتى في طريقه، وعذَلَهُ بعضُ العلماء في عدم دخوله الحَمَّام، وضِيْقِ عيشه في أكله ولباسه، وقال: أخشى عليك مرضاً يُعَطِّلُ عليك أفضلَ ممَّا تقصِدُه، فقال: إنَّ فلاناً صامَ وعَبَدَ اللهَ حتى اخضرَّ عَظْمُه، قال: فعرفت أنه لا يلتفت إلى ما نحن فيه. وقشَرَ بعضُ أصحابه خِيارةً ليُطعمَه إياها، فامتنع من أكلها، وقال: أخشى أن تُرطِّبَ جسمي وتجلِبَ النَّومَ. وكان لا يأكل في الليل والنهار إلا أكلةً واحدة بعد العشاء الآخرة، وكان لا يشرب إلا شَرْبةً واحدة عند السَّحَر، وكان لا يأكل من فاكهة دمشق، وسُئل عن ذلك فقال: لأنها كثيرة الأوقافِ وأملاكِ مَنْ هو تحت الحَجْر شرعاً، والتصرُّفُ لهم لا يجوز إلا على وجه الغِبْطة والمصلحة، والمعاملةُ فيها على وجه المُساقاة، وفيها اختلافٌ بين العلماء، ومَنْ جَوَّزها يشترط الغِبْطَة والمصلحة لليتيم والمحجور عليه، والناس لا يفعلونها إلا [على] جزء من ألف جزء من الثمرة للمالك، فكيف تَطِيبُ نفسي بأكل ذلك؟! ١١ وكان يتقوَّتُ مِمّا یأتي من بلده من عند أبويه، وكان لا يقبل من أحد شيئاً، ولا يأخذ إلا ممَّن تحقق دينَه وورعه، ولا لديه عُلْقَةٌ من إِقْراءِ، أو انتفاع به . قال الإسنويُّ: إنه لم يتزوج، وكان آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر، يُواجه به المُلوكَ فمَنْ دونهم، وقام على الملك الظَّاهر في دار العدل في قَضِيَّة، وكان الملك يقول: أنا أَفزَعُ منه. حَجَّ مرَّتين، تولى دارَ الحديث الأشرفية بعد الشيخ شهاب الدين أبي شامة، فلم يأخذ من معلومها شيئاً إلى أن توفي، كان يلبس ثوباً قطناً وعمامة سَخْتِيانِيَّة (١) وكان في لحيته شعراتٌ بيض، وعليه سكينة ووقار في البحث مع الفقهاء. وذكر طالبه العَلامةُ علاء الدِّين بن العَطَّار أن بعض الصَّالحين رأى في النوم أنه قُطْبٌ، وأن الشيخ كاشفَهُ في ذلك، واسْتكتَمَهُ، والله أعلم. وقال: كنت جالساً بين يديه قبل انتقاله بشهرين أو نحوها، وإذا بفقيه، فدخل عليه وقال: الشيخُ فلان يُسلِّمُ عليك، وأرسل معي هذا الإبريقَ، فَقَبِلَهُ الشيخُ، وأمرني بوضعه في بيت حوائجهٍ، فتعجبت منه لِقَبوله، فشعر بتَعُّبي فقال: أرسل إليَّ بعضُ الفقراء زَرْبُولاً، وهذا إبريقٌ، فهذه آلةُ السفر. ثم بعد أيام يسيرة كنت عنده فقال: قد أُذن لي في السفر، فقلت: كيف أُذن لك؟ قال: بينا أنا جالسٌ هنا - يعني: ببيته في المدرسة الرَّواحيةِ - إذ مَرَّ شخصٌ في الهواء، وقُدَّامَهُ طاقةٌ مُشْرِفَةٌ عليها، مُستقبلَ القبلة، ومَرَّ (١) في الأصل: ((تحتانية))، والصواب المثبت. ١٢ كذا - يشير من غرب المدرسة إلى شرقها - وقال لي: قم سافر لزيارة بيت المقدس. وكنت حملت كلام الشيخ على سفر العبادة، فإذا سفرُ الحقيقةِ، ثم قال الشيخ: قُم حتى نودّع أصحابَنا وأحبابَنا، فخرجنا معه في القُبور التي دُفن فيها بعضُ مشايخه، فزارهم وقرأ شيئاً، ودعا وبكى، ثم زار أصحابَه الأحياءَ، ثم سافر ذلك اليوم إلى نوى، وزار القُدس والخليلَ عليه السلام. ثم رجع إلى نوى فمرض بها عَقيب زيارته في بيت والده، وتُوِّي بقرية نوى ليلة الأربعاء في الثلث الأخير من الليل، الرابع والعشرين من رجب، سنة ست وسبعین وست مئة، وقبره ظاهر یُزار. وأراد أهله أن يبنوا على ضريحه قُبَّة، فرأت عَمَّتُه في النوم أنه يقول لها: قولي لأخي والجماعة: لا يفعلوا هذا الذي عزموا من البُنيان؛ فإنهم كلَّما بنَوا شيئاً؛ يُهدَمُ عليهم، فامتنعوا من البُنيان، وحَوَّطُوا على قبره بحجارة تمنع الدَّوابَّ وغيرها. قال الشيخ ولي الدين أبو الحسن عليٍّ: كنت مريضاً بمرض يُسمَّى النِّقْرسَ في رجلي، فعادني الشيخ مُحيي الدِّين، فلمَّا جلسَ عندي؛ شرع يتكلم في الصَّبر، فلما تكلّم جعل الألمُ يذهبُ قليلاً قليلاً، فلم يزل يتكلم فيه حتى زال جميع الألم كأن لم يكن قَطُّ، وكنت قبل ذلك لم أنمِ اللَّيلَ من شدة الألم، فعرفت أنَّ زوالَ الألم كان من بركته رحمه الله ورضي الله عنه. ١٣ الإخلاصِ وإحضارِ النيّة في جميعِ الأعمالِ والأقوالِ والأحوالِ البارزة والخفيّة * قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ الَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةٌ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. وَقَالَ تَعَالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ اُلتَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: ٢٩]. (الباب الأول) (في الإخلاص في جميع الأعمال والأقوال والأحوال البارزة والخَفِيَّة) لمَّا علم أربابُ البصائر، وتَقَّنُوا أن سعادة الآخرة التي هي حياة بلا فناء، وغِنِىّ بلا عَناء، وصحَّةٌ من غير سُقْم، وشبابٌ غير مُكدَّرٍ بمجيء الهَرَم، لا تُنال إلا بالعلم والعمل؛ سارعوا أولاً إلى تحصيل علم الحال، ثم شمّروا لتزكية الأعمال، ولا يخفى افتقارُ العمل إلى النية، وإلا كان عَناءً، وافتقارُ النية إلى الإخلاص، وإلا كانت هباءً. فلهذا قدَّم المصنِّفُ رحمه الله (بابَ الإخلاص وإحضار النية). ١٤ تنوَّعت عباراتُ القوم في تفسير الإخلاص، والقصدُ واحد. فقال سهل : نظر الأکیاس في تفسیر الإخلاص، فلم يجدوا غير هذا: أن تکون حرکاتهُ وسکونه في سِرّه وعلانيته لله وحده لا شريك له، لا يمازجه شيء؛ لا نفسٌ، ولا هوَی، ولا دُنيا(١). وقال الجنيد: الإخلاص: سِرّ بين الله وبين العبد لا يعلمه ملَكٌ فيكتبُه، ولا هوَى فيُميلُه، ولا عدوٌّ فيفسدُه(٢). وقيل: الإخلاص: ما لا تَشْوبُه الآفات، ولا تَتبعُهُ رُخَصُ التأويلات. وقال أبو القاسم القُشَيْريُّ: الإخلاص: إفراد الحق سبحانه في الطاعة بالقصد، وهو: أن يريد بطاعته التقرُّبَ إلى الله دون شيء آخر؛ من تصنّعِ لمخلوق، أو اكتساب مَحْمَدةٍ من الخَلْقِ، أو معنَى من المعاني سوى التقرُّبِ إلى الله . وقال الفضيل: ترك العمل لأجل الناس رياءٌ، والعملُ لأجل الناس شِرْكٌ، والإخلاص: أن يعافيك الله منهما. وقيل: الإخلاص: نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق، ومَنْ تزيَّنَ للناس بما ليس فيه؛ سقط عن عين الله. وقال أبو عبد الرحمن السُّلَميُّ: سمعت أبا عثمان المَغربيَّ يقول: الإخلاص: ما لا يكون للنفس فيه خَطَرٌ بحال، وهذا إخلاص العَوامِّ، وإخلاص الخَواصِّ: ما جرى عليهم لا بهم، تبدو عنهم الطاعات، وهم (١) رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٦٨٧٨). (٢) انظر: ((الرسالة القشيرية)) للقشيري (ص: ٢٠٩). ١٥ عنها بمَعْزِل، ولا يقع لهم عليها رُؤية، ولا بها اعتدادٌ. وقال ذو النون: ثلاثٌ من علامات الإخلاص: استواءُ المدح والذمِّ من العامة، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال؛ نظراً إلى الله، و[نسيان] اقتضاء ثواب العمل في الآخرة. وقيل: مَن شهد في إخلاصه الخلاصَ(١)؛ احتاج إخلاصُه إلى إخلاص، فنقصان كل مخلص في إخلاصه رؤيةُ إخلاصه، فإذا سقط من نفسه رؤيةُ إخلاصه؛ صار مُخْلَصاً [لا] مُخْلِصاً. وقيل: الإخلاصُ: أن لا تطلبَ على عملك شاهداً غيرَ الله، ولا مُجازياً سواه. وقال بعضهم: الإخلاص: أن لا يَطَّلِعَ على عملك إلا الله، ولا ترى نفسك فيه، وتعلم أن المِنَّ لله عليك في ذلك حيث أَهَّلك لعبادته، ووفقك لها، ولا تطلب من الله ثواباً علیه(٢). (خط): النية: قصدُك الشيءَ بقلبك، وتحرِّي الطلب منك له، وقيل: عزيمةُ القلب(٣). (قض): النية: عبارة عن انبعاث القلب نحوَ ما تراه موافقاً لغرض؛ من جَلْب نفع، أو دفع ضُرٍّ، حالاً أو مالاً، والشرع خصصها بالإرادة المتوجهة نحو الفعل؛ ابتغاءً لوجه الله، وامتثالاً لحُكْمِهِ(٤). (١) في الأصل: ((إخلاص))، والصواب المثبت. (٢) انظر هذه الأقوال في ((الرسالة القشيرية)) للقشيري (ص: ٢٠٧ -٢٠٩). (٣) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٩). (٤) انظر: ((تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة)) للبيضاوي (١ /١٩ - ٢٠). ١٦ قال الرَّاغبُ: النية: تكون مصدراً واسماً؛ من نويت، وهي: توجه القلب نحو العمل(١). * قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ لَهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ... ﴾ [البينة: ٥] الآيةَ. (الثعلبي): يعني: ما أمروا في التوراة والإنجيل إلا بإخلاص العبادة لله مُوحِّدين، ﴿حُنَفَآءَ﴾ ؛ أي: مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، ﴿وَيُقِيمُواْ الصَّلَوةَ﴾ التي هي أشرف عبادات البدن، ﴿ وَيُؤْتُواْ الزَّكَوَةَ ﴾ وهي: الإحسان إلى الفقراء والمَحاويج، ﴿ وَذَلِكَ ﴾ الذي أمروا به ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾؛ أي: المِلَّة والشَّريعة المُستقيمة، أضاف (الدين) إلى (القيِّمة) وهي نَعْتُه؛ لاختلاف اللفظين، وأنث (القيمة) رَداً بها إلى المِلَّة، وقيل: الهاء فيها للمبالغة . وقيل : القَيِّمةُ: هي الكتب التي جرى ذكرها؛ أي: وذلك دين الكتب القيمة فيما تدعو إليه وتأمر به. وقال الخليل بن أحمد: القَيِّمة: جمع القَيِّم، والقائم والقَيِّم واحد؛ أي: وذلك دين القائمين لله بالتوحيد(٢). (م): في الآية إشارة إلى أن العبادةَ لازمة لمَحْضِ العُبودية، فمَنْ عَبَدَ الله للثواب، أو للهرب من العقاب؛ فعبادته دَخيلة، و(مخلصين) حال من الضمير في (يعبدوا). (١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٨٣١). (٢) انظر: ((تفسير الثعلبي)) (١٠ / ٢٦١). ١٧ وفيه: تنبيه على ما يجب من الإخلاص من ابتداء العمل إلى انتهائه، والمُخلص: هو الذي يأتي ما يَحْسُن لحُسنه، لا رياءَ فيها ولا سُمْعة، ولا غرضاً آخر، ولا عوضاً. وفي التوراة: ما أُريد به وجهي؛ فقليلُه كثيرٌ، وما أُريد به غيرُ وجهي؛ فکثیرُه قلیل(١). * قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج: ٣٧]: (قض): أي: لن يُصيبَ رضاه، ولن يقع موقع القَبول منه لحومُ الأضاحي، ولا دماؤُها المهرَاقةُ بالنحر من حيث إنها لحومٌ ودماء، ولكن يصيبه ما يَصْحبُهُ من تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى تعظيم أمر الله، والتقرُّب إليه، والإخلاص له(٢). قال ابن كثير: روى ابن أبي حاتم عن ابن جُرَيْجِ قال: كان أهلُ الجاهلية يَنْضَحُون البيتَ بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحابُ رسول الله بَّ: فنحن أحَقُّ أن ننضَح، فأنزل الله: ﴿ لَنْ يَنَالَ اَللَّهَ لُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى مِنكُمْ﴾؛ أي: يتقبّلُ ذلك، ويَجزي عليه؛ كما في الصحيح: ((إِنَّ الله لا ينظرُ إلى صُوَرَكُم، ولا إلى أَلَوانِكُم، ولكن ينظرُ إلى قُلوبِكُمْ وأَعْمالِكُمْ))(٣). وما جاء في الحديث: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ لَنَقَعُ في يدِ الرَّحمنِ قبلَ أنَ تقعَ في يَدِ السَّائِلِ، وإِنَّ الدَّمَ لَيَقعُ منَ الله بمكانٍ قبلَ أن يقعَ في الأرضِ)) رواه الترِّمذيُّ (١) انظر: ((تفسير الرازي)) (٤ / ١٢٨). (٢) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (٤ / ١٢٨). (٣) رواه مسلم (٢٥٦٤ / ٣٤)، من حديث أبي هريرة ضه. ١٨ وحَسَّنه وابنُ ماجه(١)، فمعناه: تحقيق القَبول من الله لِمَنْ أخلص في عمله(٢). * قوله تعالى: ﴿قُلّإِن تُخْفُواْ مَا فِ صُدُورِكُمْ أَوْ تُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّهُ ﴾ [آل عمران: ٢٩]؛ أي: إن تخفوا ما في قلوبكم من مَودَّة الكُفَّار، أو تبدوه من مُوالاتهم قولاً أو فعلاً؛ يعلمه الله، و﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِى﴾ [آل عمران: ٢٩] رُفع على الاستئناف؛ يعني: إذا كان لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض؛ فكيف يخفى عليه ما في قلوبكم؟! ١ - وَعَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ بنِ نُقَيْلٍ ابنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ رِيَاحٍ بِنِ عَبْدِ اللهِ بنِ قُرْطِ بنِ رَزَاحِ بنِ عَدِيٍّ ابْنِ كَعْبٍ بنِ لُؤَيٍّ بنِ غَالِبٍ القُرَشِيِّ العَدَوِيِّ ◌َ﴾ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَ﴿ يَقُولُ: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوَ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاجَرَ (١) روى الجزء الثاني منه الترمذي (١٤٩٣)، وابن ماجه (٣١٢٦)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال الترمذي: ((حديث حسن غريب)). لكن قال ابن الجوزي في ((العلل)) (٢ / ٥٧٠) بعد أن أخرجه: هذا حديث لا يصح، قال يحيى: عبدالله بن نافع (أحد رجال الإسناد) ليس بشيء. وقال النسائي: متروك. وقال البخاري منكر الحديث. وقال ابن حبان: لا يحتج بأخباره. وأما قوله ((إن الصدقة ... إلخ)) فرواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨٥٧١) موقوفاً على ابن مسعود ظه، و(١٢١٥٠) عن ابن عباس موقوفاً أيضاً. (٢) انظر ((تفسير ابن كثير)) (١٠ / ٧). ١٩ إِلَيْهِ) مُتَّفَقٌ عَلَى صِخَتِهِ. رواهُ إِمَاما المُحَدِّثِينَ: أَبُو عَبدِ الله مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْن المُغِيرَةِ بْنِ بَرْدِزْبَةُ الجُعْفِيُّ البُخَارِيُّ، وَأَبُو الحُسَيْنِ مُسْلمُ بْنُ الحَجَّاجِ بْنِ مُسْلمِ القُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ ﴾﴾ فِي ((صَحِيحَيْهِما)) اللَّذَيْنِ هُمَا أَصَحُّ الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ. (الأَوْلُ) * قوله : ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ، ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحُها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه)). متفق علی صحته، رواه إماما المحدثین أبو عبدالله محمدُ بن إسماعيل ابن إبراهيمَ بن المُغيرة بن بَرْدِزْبَه الجُعفيُّ البخاري، وأبو الحُسين مسلمٌ بن الحجاج بن مسلم القُشيري النَّيسابوريُّ، ﴿﴾ في كتابيهما الذين هما أصحُّ الكتب المُصنَّة. (ن): أجمع المسلمون على عظم موقع هذا الحديث، وكثرة فوائده وصِحَّته. قال الشافعيُّ وأحمد بن حنبل وآخرون: هو ثلث الإسلام. قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمدُ بن الحسين بن علي بن موسى البيهقيُّ : لأن كَسْبَ العبد بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد الأقسام الثلاثة، وهي أرجحها؛ لأنه يكون عبادة بانفرادها بخلاف القسمين الآخرين؛ ولذلك كانت نيةُ المؤمن خيراً من عمله، ولأن القول والعمل يدخلُهما الفسادُ بالرياء، ٢٠ بخلاف النية، والله أعلم. وقال الشافعيُّ: هذا الحديث يدخل في سبعين باباً من الفقه. وقال الآخرون: هو رُبُع الإسلام. وقال عبدُ الرحمن بن مَهْديٍّ وغيرُه: ينبغي لمن صَنَّف كتاباً أن يبدأ فيه بهذا الحديث؛ تنبيهاً للطالب على تصحيح النية (١). (خط): كان المتقدمون من شيوخنا يستحِبُّون تقدُّمَ هذا الحديث أمام كل شيء يُنشأ ويُبدأ من أمور الدين؛ لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها، انتھی(٢). روي [عن] ابن عباس ◌َ ﴾ أنه قال: إنما يحفظُ الرجلُ على قَدْر نيَّتِه(٣). وقال غيره: إنما يُعطى الناسُ على قَدْر ◌ِنِيَّاتهم. وذكر الحافظ أبو الفرج عبدُ الرحمن [بن] الجَوْزيِّ رحمه الله عن ابن دَاسَةَ قال: سمعت أبا داودَ سليمان بنَ الأَشْعَث رحمه الله يقول: كتبتُ عن رسول الله وَ﴿ خمسَ مئة ألف حديث، وانتخبت منها ما ضمَّنتُه كتابَ (١) انظر: ((شرح مسلم) للنووي (١٣ / ٥٣). (٢) انظر: ((أعلام الحديث)) للخطابي (١ / ٥). (٣) رواه الدارمي في ((سننه)) (٣٧٥)، وفيه: (إنما يُحفظ حديث الرجل ... إلخ). وفي إسناده المنهال بن خليفة العجلي، قال عنه الحافظ في ((التقريب)) (ص: ٥٤٧): ضعيف. وفيه أيضاً مطر الوراق، قال عنه الحافظ في ((التقريب)) (ص: ٥٣٤): صدوق كثير الخطأ . ٢١ ((السنن))، جمعت فيها أربعة آلاف وثمان مئة حديث، ويكفي الإنسانَ لدينه لذلك أربعةُ أحاديث : أحدها: قوله ◌َّهِ: ((الأَعمالُ بالنَِّاتِ))(١). والثاني: قوله ◌َِّ: ((مِنْ حُسْن إسلامِ المَرْء تركُهُ ما لا يَعْنِيه))(٢). والثالث: ((لا يكونُ المَرْءُ مُؤمناً حتَّى يَرضى لأخيهِ ما يرَضى لِنَفْسِهِ)(٣). والرابع: ((الحَلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبَيْنهُما أُمُورٌ مُشْتبهاتٌ)) الحدیث(٤)، انتهى . قال بعض العلماء: إن مدار الإسلام على أربعة أحاديث مُشارٍ إليها في قول القائل - وهو أبو الحسن طاهر بن مُفَوِّزٍ -: أَربعٌ قالهُنَّ خَيرُ البَريَّهْ عُمدةُ الدِّينِ عندَنا كلماتٌ ليسَ يَعْنِيكَ واعْمَلَنَّ بِنِيَّهْ اتّقِّ المُشْبِهِاتِ وازهَدْ ودَعْ ما فلم يذكر الحديث الثالثَ، وذكر بدله قولَهُ وَّهِ: ((ازهَدْ فِي الدُّنيا؛ (١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧)، من حديث عمر بن الخطاب (٢) رواه الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٢٢٩)، من حديث أبي هريرة ◌ُه. قال الترمذي: حديث غريب، ثم رواه الترمذي (٢٣١٨) عن علي بن الحسين عن النبي ◌َّ مرسلاً وقال: وهذا عندنا أصح من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة. وكذا قال الدار قطني في ((العلل)) (٣/ ١٠٨): والصحيح قول مَن أرسله عن علي بن الحسين عن النبي وَ له. (٣) رواه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥)، من حديث أنس بن مالك رضيته بلفظ: ((لا يؤمن أحدکم حتی یحب لأخيه ما يحب لنفسه)). (٤) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩)، من حديث النعمان بن بشير رة ٢٢ يُحِبُّكَ اللهُ، وازهَدْ فيما عندَ النَّاسِ؛ يُحبُّكَ النَّاسُ))(١). (ن): قال جماهيرُ العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهم: لفظ (إنما) موضوعٌ للحصر، يُثبت المذكور وينفي ما عداه، فمعنى الحديث: أن الأعمال تُحسَبُ إذا كانت بنيّةٍ ولا تُحسب إذا كانت بلا نية، وفيه: دلیل على أن الطهارة - وهي: الوضوءُ والغُسل والتَّيِهُمُ - لا تصح إلا بالنية، وكذا الصلاة، والزكاة، والصوم، والحَجُّ، والاعتكاف، وسائر العبادات. وأما إزالة النجاسة: فالمشهورُ عندنا أنها لا تفتقر إلى نية؛ لأنها من باب التُّروك، والتُّروك لا تحتاج إلى نية، وقد نقلوا الإجماعَ فيها، وشَذَّ بعضُ أصحابنا فأوجبها، وهو باطل(٢). (ك): فإن قلت: التُّروك أيضاً عمل؛ لأن الأصحَّ أن التُّروك كَفتُّ النفس، فیحتاج إلى نية. قلت: نعم إذا كان المقصودُ منه امتثالَ أمر الشارع، وتحصيلَ الثواب، أما في إسقاط العقاب: فلا، فالثَّاركُ للزِّنا يحتاج فيه لتحصيل الثواب إلى النية، وما اشتُهر أن التُّروكَ لا تحتاج إليها؛ يريدون به في الإِسْقَاط. (١) رواه ابن ماجه (٤١٠٢)، والحاكم في «المستدرك» (٧٨٧٣)، من حديث سهل ابن سعد ◌ُبه. وقال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٤ / ٧٤): وقد حسن بعض مشايخنا إسناده، وفيه بُعدٌ؛ لأنه من رواية خالد بن عمرو القرشي، وخالد هذا قد تُرك واتهم ولم أر من وثقه، لكن على هذا الحديث لامعةٌ من أنوار النبوة، ولا يمنع کون راویه ضعيفاً أن یکون النبي ێ قد قاله، وقد تابعه علیه محمد بن كثير الصنعاني عن سفيان، ومحمد هذا قد وثقه على ضعفه، وهو أصلح حالاً من خالد. (٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (١٣ / ٥٤). ٢٣ واعلم أنه تقرَّر في الأُصول: أن الجمع إذا ذُكر في مُقابلة الجمع يفيد التوزيع، فمعناه: كلُّ عمل إنما هو بالنية. فإن قلت: فإن احتاج كلُّ عمل إلى نية، فالنية أيضاً تحتاج إلى نية؛ لأنها عملٌ من أعمال القلب، وهَلُمَّ جَرّاً. قلت: المرادُ بالعمل عملُ الجوارح؛ نحو الصَّلاة، والزكاة، والنيةُ إذ ذاك خارجةٌ عنه بقرينة العقل؛ دفعاً للتسلسل. فإن قلت: النيات جمع قِلَّة كالأعمال، وهي للعشرة فما دُونَها، لكن المعنى: أن كلَّ عمل إنما هو بنية، سواء كان قليلاً أو كثيراً. قلت: الفرق بالقِلَّة والكَثْرة إنما هو في النَّكرات، لا في المَعارف(١). (ط): كلٌّ من الأعمال والنيات جمعٌ مُحَلَّى بلام الاستغراق، فإما أن يُحملا على عُرف اللغة، فيكون الاستغراق حقيقيًّا، أو على عُرف الشَّرع، وحينئذ إما أن يُراد بالأعمال الواجباتُ والمندوباتُ والمُباحات، وبالنِّيات الإخلاصُ والرِّياءُ، أو أن يُراد بالأعمال الواجباتُ، وما لا يصِحُّ إلا بالنية؛ كالصلاة، ولا سبيل إلى اللُّغويِّ؛ لأنه ◌َّ ما بُعث إلا لبيان الشرع، فحينئذ يُحمل: ((إنما الأعمال بالنيات)) على ما اتفقت عليه أصحابنا؛ أي: ما الأعمالُ مَحسوبةً بشيء من الأشياء - كالشروع فيها والتلبُّس بها - إلا بالنيات، وما خلا عنها؛ لم يُعتَدَّ بها. فإن قيل: لم خَصَّصْتَ مُتعلَّق الخبر، والظاهر العموم؛ كـ: مُستقِرٍّ أو حاصل؟ (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٩). ٢٤ والجوابُ: أنه حينئذ يكون بياناً للُّغة، لا إثباتاً لحكم الشرع، وقد سبق بطلانه(١). (ك): قال التَّيميُّ: إنَّ العمل إنما يكون عملاً ويُرجى فيه القَبولُ إذا وَجَّهْتَ قلبك وقصدْتَ به التقرُّبَ إلی الله تعالی. أقول: حاصلُه أن التقدير: إنما الأعمال تَكمُل بالنيات، وتُقبل بالنيات، والباء للاستعانة. ذكر الإمام النووي وجهاً ثالثاً لمُتعلَّق لفظ (بالنيات) فقال: إن الأعمال تُحسبُ إذا كانت بنية، ولا تُحسبُ إذا كانت بلا نية، ثم لا يخفى أن: ((إنما الأعمال بالنيات)» قصَرَ المُسنَد إليه على المُسنِدِ، و ((إنما لكل امرئ ما نوى)) قصَرَ المُسنَدَ على المُسندِ إليه؛ إذ المراد: إنما يعمل كلُّ امرئ ما نوى؛ [إذ] القصرُ بـ (إنما) لا يكون إلا في الجزء الآخِر. وإذا قلنا: تقديم الخبر على المبتدأ يفيدُ القَصْرَ؛ ففي ((إنما لكل امرئ ما نوى» نوعان من الخَصْر (٢). · قوله : ((وإنما لكل امرئ ما نوى)): (ك): (الامرؤ): الرجل، وفيه لغتان: امرئ؛ نحو: زِبْرجٍ، ومَرْء؛ نحو فَلْس، ولا جمع له من لفظه، وهو من الغرائب؛ لأن عينَ فعله تابع لِلأَمهِ في الحركات الثلاث دائماً، وكذا في مُؤنثه أيضاً لغتان: امرأة، ومرأة، وفي هذا الحديث استعمل اللغة الأولى منهما من كلا النَّوعين؛ إذ (١) انظر: ((شرح المشكاة)) للطيبي (٢/ ٤١٨). (٢) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ٢١ -٢٢). ٢٥ قال: ((لكل امرئ))، و((إلى امرأة))(١). (خط): ((إنما لكل امرئ ما نوى)) تفصيلٌ لبيان ما تقدم ذكره، وتأكيدٌ له، وفيه معنى خاصٌّ لا يُستفاد من الأول، وهو إيجاب تعيين النية للعمل الذي يُباشِره، فلو نوی أن یصلي أربع ركعات؛ تكون عینَ فرضه إن فاته، وإلا؛ فهي تَطوُعٌ لم يُجْزِه عن فرضه؛ لأنه لم يُمَخِّض النية له، ولم يعينه بأن لا يَشْرُك معه غيره، وإنما داول في النية بين الفرض وبدله، فلم تجد النية قراراً. وكذا فيمن نوى آخر ليالي شعبان: أن يصوم غداً عن فرض رمضان إن أهَلَّ الهلالُ، وإلا؛ فهو تطوُّعٌ، فصادفَ صومُه الشَّهرَ؛ لم يُجْزِه عن فرضه. وأما مواضعُ النيات: فمنها ما يجب مقارنتُها للعمل؛ كالصلاة، والطهارة. ومنها ما يجوز تقديمُها على العمل؛ كالصيام. وقد تتأخر نيةُ الثَّعيين عن وقت إنشاء الإحرام، ثم يَصْرِفُه إلى ما أَحبَّ من الحَجّ والعُمْرة، مُفْرِداً لكل واحد منهما، أو جامعاً بها بينهما، وقد يقع في بعض الأحوال على إِيهَامِ، ثم يقعُ التعيين لموضعها فيما بعدُ؛ كمَنْ عليه كَفَّارتان من قتل وظِهَار، فأعتق رقبةً، ثم عَيَّتها لأحدهما. وعلى كل حال: فلا يَنفُّ عملٌ من أعمال العبادات عن نية، وإنما جاز التقديم والتأخير لأسباب ليس هنا موضعُ ذكرها. ومما يجبُ عليك أن تُحْكِمَهُ في هذا الباب: أن تعرف الشيء الذي تُعُبِّدتَ به، وأن تعلم أنك مأمورٌ به، وأن تطلب موافقة الآمر فيما تَعَبَّدك به، أو في جُملة المأمورين به، وهذا جُملةٌ من أمر عِلْم النية . (١) انظر: ((الكواكب الدراري)) للكرماني (١ / ١٨). ٢٦