Indexed OCR Text
Pages 121-140
٩ - كتاب الجهاد (١٥٦) باب (٢٧٣٧ - ٢٧٤٠) حديث فتح الله عليهم قال المشيخة: كنا رِذءاً لكم، لو انهزمتم لَفِئْتُم إلينا، فلا تذهبوا بالغنم ونبقى، فأبي الفتيان وقالوا: جعله رسول الله وَله لنا، فأنزل الله ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِّ﴾(١) إلى قوله: ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ (9) يقول: فكان ذلك خيراً لهم، فكذلك أيضاً فأطيعوني فإني أعلم بعاقبة هذا منكم(٢). ٢٧٣٨ - حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا هشيم، أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله وَّ﴿ل قال يوم بدر: ((مَن قَتَل قَتِيلاً فله كذا وكذا، ومن أَسر أَسيراً فله كذا وكذا))، ثم ساق نحوه، وحديث خالد أتم. ٢٧٣٩ - حدثنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال، قال: حدثنا يزيد بن خالد بن مَوْهب الهَمْداني، قال: حدثنا يحيى [بن زكريا] بن أبي زائدة، قال: أخبرني داود، بهذا الحديث بإسناده، قال: فقسمها رسول الله وَّله بالسَّوَاء، وحديث خالد أتم. ٢٧٤٠ - حدثنا هناد بن السري، عن أبي بكر، عن عاصم، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: جئت إلى النبي ◌َّ﴿ يوم بدر بسيف، فقلت: يا رسول الله، إن الله قد شَفَى صدري اليوم من العدو، فَهَب لي هذا السَّيْفَ، قال: (([إن] هذا السَّيْف لَيْسَ لي ولاَ لَكَ)) فذهبت وأنا أقول: يُعطَاهُ اليوم مَنْ لَمْ يُبْلِ وتعويضاً لهم عما يصيبهم من المشقة والكآبة، ويجعلهم أسوة الجماعة في سُهمان الغنيمة، = فيكون ما يخصهم به من النفل كالصلة والعطية المستأنفة، ولا يفعل ذلك إلا بأهل الغناء في الحروب وأصحاب البلاء في الجهاد. وقد اختلفت مذاهب العلماء في هذا الباب وفي تأويل ما روي فيه من الأخبار، فكان مالك بن أنس لا يرى النفل ويكره أن يقول الإمام: من قاتل في موضع كذا، أو قتل من العدو عدداً فله كذا، أو يبعث سرية في وجه من الوجوه فيقول: ما غنمتم من شيء فلكم نصفه، ويكره أن يقاتل الرجل ويسفك دم نفسه في مثل هذا، وأثبت الشافعي النفل، وقال به الأوزاعي وأحمد بن حنبل، وقال الثوري: إذا قال الإمام: من جاء برأس فله كذا، ومن أخذ شيئاً فهو له، ومن جاء بأسير فله كذا، جاز (خطابي). (١) [الآية: ١ من سورة الأنفال]. (٢) ونسبه المنذري للنسائي أيضاً. ١٢١ ٩ - كتاب الجهاد (١٥٦ - ١٥٧) باب (٢٧٤٠ - ٢٧٤٢) حديث بَلاَئي، فبينما أنا إِذا جاءني الرسول، فقال: أجب، فظننت أنه نزل في شيء بكلامي، فجئت، فقال لي النبي ◌َّ: ((إِنك سألتَنِي هذا السيف، وليس هو لي ولا لك، وإن الله قد جعله لي، فهو لك)) ثم قرأ ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إِلى آخر الآية. قال أبو داود: قراءة ابن مسعود (يسألونك [عن] النفل)(١). ١٤٥ ١٥٧ - باب في نفل السرية تخرج من العسكر ٢٧٤١ - حدثنا عبد الوهاب بن نَجْدَةً، حدثنا الوليد بن مسلم، / ح/، وحدثنا موسى بن عبد الرحمن الأنطاكي، قال: حدثنا مبشر، /ح/، وحدثنا محمد بن عوف الطائي، أن الحكم بن نافع حدثهم، المعنى، كلهم عن شعيب بن أبي حمزة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: بعثنا رسول الله وَلّ في جيش قِبلَ نَجد، وانْبعثت سرية من الجيش (٢)، فكان سُهْمَان الجيش اثني عشر بعيراً [اثني عشر بعيراً]، ونفل أهل السَريّة بعيراً بعيراً، فكانت سُهُمانهم ثلاثة عشر ثلاثة عشر. ٢٧٤٢ - حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي، قال: قال الوليد - يعني ابن مسلم -: (١) وأخرجه مسلم في الجهاد حديث ١٧٤٨ باب الأنفال، والترمذي في التفسير حديث ٣٠٨٠ تفسير سورة الأنفال، والنسائي. (٢) قلت: في هذا من الفقه أن السرية إذا انفصلت من الجيش فجاءت بغنيمة فإنها تكون مشتركة بينهم وبين الجيش لأنهم رِدةٌ لهم. واختلفوا في هذه الزيادة التي هي النفل من أين أعطاهم إياها فكان ابن المسيب يقول: إنما ينفل الإمام من الخمس يعني سهم النبي وَلّ - وهو خمس الخمس من الغنيمة - وإلى هذا ذهب الشافعي وأبو عبيد، وذلك أن النبي وَ ◌ّ كان يضعه حيث أراه الله عز وجل في مصالح أمر الدين ومعاون المسلمين. قال الشافعي: فإذا كثر العدو واشتدت شوكتهم وقل من بإزائهم من المسلمين نفل منه الإمام اتباعاً للسنة، وإذا لم يكن ذلك لم ينفل. وقال أبو عبيد: الخمس مفوض إلى الإمام، ينفل منه إن شاء، ومن ذلك قول النبي وَلَّ: (ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم)). وقال غيرهم: إنما كان النبي وَرَ ينفلهم من الغنيمة التي يغنمونها كما نفل القاتل السلب من جملة الغنيمة. قلت: وعلى هذا دل أكثر ما روي من الأخبار في هذا الباب. (خطابي). ١٢٢ ٩ - كتاب الجهاد (١٥٧) باب (٢٧٤٢ - ٢٧٤٥) حديث حدثت ابن المبارك بهذا الحديث، قلت: وكذا حدثنا ابن أبي فروة، عن نافع، قال: لا تعدل(١) من سميت بمالكٍ، هكذا أو نحوه، يعني مالك بن أنس. ٢٧٤٣ - حدثنا هناد، قال: حدثنا عبدة [يعني ابن سليمان الكلابي] عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، قال: بعث رسول الله وَل سرية إِلى نجد، فخرجت معها، فأصبنا نَعَماً كثيراً، فنفلنا أميرنا بعيراً بعيراً لكل إنسان(٢)، ثم قدمنا على رسول الله وَلَرَ فَقَسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيراً بعد الخمس، وما حاسبنا رسول الله صل#ل بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه [بعد] ما صنع، فكان لكل [رجل] منا ثلاثة عشر بعيراً بنقله . ٢٧٤٤ - حدثنا عبد الله بن مسلمة [القعنبي] عن مالك، / ح/، وحدثنا عبد الله بن مسلمة ويزيد بن خالد بن موهب، قالا: حدثنا الليث، المعنى، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله وَلّ بعث سَرِيَّةً فيها عبد الله بن عمر قِبلَ نجد، فغنموا إِيلاً كثيرة، فكانت سُهْمانُهُمْ اثني عشر بعيراً، ونُفلُوا بعيراً بعيراً، زاد ابن موهب: فلم يغيره رسول الله وَال﴾(٣). ٢٧٤٥ - حدثنا مُسَدد، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، قال: حدثني نافع، عن عبد الله، قال: بعثنا رسول الله وَلّ في سرية، فبلغت سُهْمانُنَا اثني عشر بعيراً، ونفلنا رسول الله وَالل بعيراً بعيراً(٤) . قال أبو داود: رواه بُرْدُ بن سِنان عن نافع مثل حديث عبيد الله، ورواه أيوب عن نافع مثله إلا أنه قال: ونُفلنا بعيراً بعيراً، لم يذكر النبي ◌َّر. (١) لا تعدل ... إلخ أي: لا تسو أحداً منهم بمالك. (٢) قلت: في هذا بيان واضح أن النفل إنما أعطاهم إياه من جملة الغنيمة لا من الخمس الذي هو سهمه ونصيبه، وظاهر حديث ابن عمر أنه أعطاهم هذا النفل قبل الخمس، كما نفلهم السلب قبل الخمس، وإلى هذا ذهب أبو ثور. (خطابي). (٣) وأخرجه - بنحوه - البخاري في الجهاد باب ومن الدليل على أن الخمس النوائب المسلمين ... الخ، وفي المغازي باب السرية التي قبل نجد، ومسلم في الجهاد حديث ١٧٤٩ باب الأنفال، والموطأ في الجهاد باب جامع النفل في الغزو. (٤) وأخرجه مسلم حديث ١٧٤٩. ١٢٣ ٩ - كتاب الجهاد (١٥٧ - ١٥٨) باب (٢٧٤٦ - ٢٧٤٩) حديث ٢٧٤٦ - حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: حدثني أبي، عن جدي، ،ح/ ، وحدثنا حجاج بن أبي يعقوب، قال: حدثني حُجَیْن، قال: حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله رَّهُ قد كان يُنَفِلُ بعضَ من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة النفل سوى قسم عامة الجيش، والخمس في ذلك واجب كله. ٢٧٤٧ - حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا حُييّ، عن أبي عبد الرحمن الحُبُليّ، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله رَّ خرج يوم بدر في ثلثمائة وخمسة عشر(١)، فقال رسول الله وَّر: ((اللهم إنهم حُفَاةٌ فاخمِلهم، اللهم إِنهم عُراةٌ فَاكْسُهُم، اللهم إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ)) ففتح الله لهُ يوم بدر، فانقلبوا حين انقلبوا وما منهم رجل إِلا [و] قد رجع بجمل أو جملين، واكْتَسَوا، وشبعوا. ١٤٦ ١٥٨ - باب فيمن قال: الخمس قبل النَّفَلِ ٢٧٤٨ - حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن يزيد بن يزيد بن جابر الشامي، عن مكحول، عن زياد بن جارية التميمي، عن حبيب بن مسلمة الفهري أنه قال: كان(٢) رسول الله وَّ يُنَفل الثلث بعد الخمس". ٢٧٤٩ - حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة الجشمي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن ابن جارية، عن حبيب بن مسلمة: أن رسول الله و8َ* كان ينفل (١) كانت وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة يوم الجمعة السابع عشر من رمضان، وكانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً بعدة أصحاب طالوت. وبدر: اسم ماء سمي باسم صاحبه، بدر بن بجدد بن النضر بن كنانة، وقيل: هو رجل من بني ضمرة. (من هامش المنذري). (٢) قلت: وفي هذا الحديث أنه أعطاهم ذلك بعد أن خمس الغنيمة، فيشبه - والله أعلم - أن يكون الأمران معاً جائزين، وفيه أنه قد بلغ بالنفل الثلث. وقد اختلف العلماء في ذلك، فقال مكحول والأوزاعي: لا يجاوز بالنفل الثلث، وقال الشافعي: ليس في النفل حَدٍّ لا يجاوز، وإنما هو إلى اجتهاد الإمام. (خطابي). (٣) وأخرجه ابن ماجه في الجهاد حديث ٢٨٥١ باب النفل. ١٢٤ ٩ - كتاب الجهاد (١٥٨ - ١٥٩) باب (٢٧٤٩ - ٢٧٥١) حديث الربع بعد الخمس، والثلث بعد الخمس، إِذا قَفَلَ(١). ٢٧٥٠ - حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان ومحمود بن خالد الدمشقيَّانِ، المعنى، قالا: حدثنا مروان بن محمد، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، قال: سمعت أبا وهب يقول: سمعت مكحولاً يقول: كنت عبداً بمصر لامرأة مِن بني هُذيل فأعتقتني، فما خرجتُ من مصر وبها عِلْم إِلا حَويتُ عليه فيما أُرَى، ثم أتيتُ الحجاز فما خرجت منها وبها علم إِلا حويت عليه فيما أُرى، ثم أتيت العراق فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فَغَرْبَلتُها، كل ذلك أسأل عن النّفل، فلم أجد أحداً يخبرني فيه بشيء، حتى لقيت شيخاً يقال له زياد بن جارية التميمي، فقلت له: هل سمعت في النفل شيئاً؟ قال: نعم، سمعت حبيب بن مسلمة [الفهرِي] يقول: شهدت النبي وَثّ نقّل الربع (٢) فِي الْبَدْأَةِ، والثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ(٣). ١٩٧ ١٥٩ - باب في السرية [تردُّ على أهل العسكر] ٢٧٥١ - حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن أبي عدي، عن ابن إسحاق [هو محمداً ببعض هذا، /ح/، وحدثنا عبيد الله بن عمر [بن ميسرة]، حدثني هُشَيْم، عن يحيى بن سعيد، جميعاً عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، (١) قفل: رجع من الغزو. (٢) قلت: أخبرني الحسن بن يحيى عن ابن المنذر - وروى هذا الحديث - ثم قال: قد قيل إن النبي ( إنما فرق بين البدأة والقفول حتى فضل إحدى العطيتين على الأخرى لقوة الظهر عند دخولهم وضعفه عند خروجهم، لأنهم وهم داخلون أنشط وأشهى للسير والإمعان في بلاد العدو وأجم، وهم عند القفول تضعف دوابهم وهم أشهى للرجوع إلى أوطانهم وأهاليهم لطول عهدهم بهم وحبهم للرجوع إليهم، فنرى أنه زادهم في القفول لهذه العلل. قلت: كلام ابن المنذر في هذا ليس بالبيِّن لأن فحواه يوهم أن معنى الرجعة هو القفول إلى أوطانهم، وليس هو معنى الحديث، والبدأة: إنما هي ابتداء سفر الغزو إذا نهضت سرية من جملة العسكر فأوقعت بطائفة العدو، فما غنموا كان لهم منه الربع ويشركهم سائر العسكر في ثلاثة أرباعه، فإن قفلوا من الغزاة ثم رجعوا فأوقعوا بالعدو ثانية كان لهم مما غنموا الثلث، لأن نهوضهم بعد القفل أشق والخطر فيه أعظم. (خطابي). (٣) وأخرجه - بمعناه - ابن ماجه في الجهاد حديث ٢٨٥٢ باب النفل. ١٢٥ ٩ - كتاب الجهاد (١٥٩) باب (٢٧٥١) حدیث قال: قال رسول الله وَالرّ: ((المسلمون تَتَكَافأُ دِمَاؤُهُمْ(١): يَسْعَى بذمتهم أدناهم، (١) قلت: قوله: ((تتكافأ دماؤهم)) معناه أن أحرار المسلمين دماؤهم متكافئة في وجوب القصاص والقَود لبعضهم من بعض لا يفضل منهم شريف على وضيع، فإذا كان المقتول وضيعاً وجب القصاص على قاتله، وإن كان شريفاً لم يُسقِط القودَ عنه شرفه، وإن كان القتيل شريفاً لم يقتص له إلا من قاتله حسْبٌ. وكان أهل الجاهلية لا يرضون في دم الرجل الشريف بالاستقادة من قاتله ولا يرونه بواءً به حتى يقتصوا من عدة من قبيلة القاتل، فأبطل الإسلام حكم الجاهلية وجعل المسلمين على التكافؤ في دمائهم وإن كان بينهم تفاضل وتفاوت في معنى آخر. وقوله: ((يسعى بذمتهم أدناهم)) يريد أن العبد ومن كان في معناه من الطبقة الدنيا كالنساء والضعفاء الذي لا جهاد عليهم، إذا أجاروا كافراً أمضي جوارهم ولم تخفر ذمتهم. قوله: ((ويجير عليهم أقصاهم)) معناه أن بعض المسلمين - وإن كان قاصي الدار - إذا عقد للكافر عقداً لم يكن لأحد منهم أن ينقضه وإن كان أقرب داراً من المعقود له. قلت: وهذا إذا كان العقد والذمة منه لبعض الكفار دون عامتهم فإنه لا يجوز له عقد الأمان لجماعتهم، وإنما الأمر في بذل الأمان وعقد الذمة للكافة منهم إلى الإمام على سبيل الاجتهاد وتحري المصلحة فيه دون غيره، ولو جعل لإفتاء الناس، ولآحادهم أن يعقدوا لعامة الكفار كلما شاءوا، صار ذلك ذريعة إلى إبطال الجهاد وذلك غير جائز. وقوله: ((وهم يَدّ على من سواهم)) فإن معنى اليد: المعاونة والمظاهرة، إذا استنفروا وجب عليهم النفير، وإذا استنجدوا أنجدوا ولم يتخلفوا ولم يتخاذلوا. والمُشِد: المقوي، والمضعف: من كانت دوابه ضعافاً، وجاء في بعض الحديث ((المضعف أمير الرَّفقة)) يريد أن الناس يسيرون بسير الضعيف، لا يتقدمونه فيتخلف عنهم ويبقى بمضيعة . والمُتسرِّي: هو الذي يخرج في السرية، ومعناه أن يخرج الجيش فينيخوا بقرب دار العدو ثم ينفصل منهم سرية فيغنموا فإنهم يردون ما غنموه على الذين هم رِذة لهم لا ينفردون به، فأما إذا كان خروج السرية من البلد فإنهم لا يردون على المقيمين في أوطانهم شيئاً. وقوله: ((لا يقتل مؤمن بكافر)) فإنه قد دخل فيه كل كافر له عهد وذمة، أو لا عهد له ولا ذمة . وقوله: ((ولا ذو عهد في عهده)) فإن العهد للكفار على ضربين: أحدهما عهد متأبد كمن حقن دمه للجزية. والآخر من كان له عهد إلى مدة، فإذا انقضت تلك المدة عاد مباح الدم كما كان. وقد تأوله من ذهب من الفقهاء إلى أن المسلم يقتل بالذمي، على أن قوله: ((ولا ذو عهد في عهده)) معطوف على قوله: ((لا يقتل مؤمن بكافر)) ويقع في الكلام على مذهبه تقديم وتأخير، فيصير كأنه قال: لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر، وإلى هذا ذهب= ١٢٦ ٩ - كتاب الجهاد (١٥٩) باب (٢٧٥١ - ٢٧٥٢) حدیث ويُجيرُ عليهم أقْصَاهم، وهم يَدّ عَلَى مَنْ سِوَاهم، يَرُد مُشِدُهُمْ على مُضْعِفِهِمْ، ومتسريهم على قاعدهم، لا يُقْتَل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» ولم يذكر ابن إسحاق القود والتكافؤ (١). ٢٧٥٢ - حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عكرمة، حدثني إِياس بن سلمة، عن أبيه، قال: أغار عبد الرحمن بن عيينة على إِبل رسول الله وسلّ فقتل راعيها، فخرج يطردها هو وأناس معه في خيل، فجعلت وجهي قبل المدينة، ثم ناديت ثلاث مرات: يا صبَاحَاهُ، ثم اتبعت القوم فجعلت أرمي وأغْقِرهُمُ، فإذا رجع إِليَّ فارسٌ جلست في أصل شجرة، حتى ما خلق الله شيئاً من ظهر النبي وَيّ إِلا جعلته وراء ظهري، وحتى ألْقَوْا أكثر من ثلاثين رمحاً وثلاثين بردة يستخفّون منها، ثم أتاهم عيينة مَدَداً فقال: ليقم إليه نفر منكم، فقام إلي أربعة [منهم] فصعدوا الجبل، فلما أسمعتهم قلت: أتعرفوني؟ قالوا: ومن أنت؟ قلت: أنا ابن الأكوع، والذي كرم وجه محمد رَلو لا يطلبني رجل منكم فيدركني، ولا أطلبه فيفوتني، فما برحت حتى نظرت [إِلى] فَوَارِسٍ رسول الله مي لا يتخللون الشجر أولهم الأخرم الأسدي فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة ويعطف عليه عبد الرحمن، فاختلفا طعنتين، فعقر الأخرم عبد الرحمن وطعنه عبد الرحمن فقتله، فَتَحَوَّلَ عبد الرحمن على فرس الأخرم، فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة، فتحوَّل أبو قتادة على فرس الأخرم، ثم جئت إلى رسول الله وَ لقر وهو على الماء الذي جَلَّيْتُهُم عنه (٢) ذو قرَدٍ، فإذا نبي الله وَ لَّ في خمسمائة، فأعطاني سهم الفارس أصحاب الرأي. وقال الشافعي: لا يقتل مسلم بوجه من الوجوه بأحد من الكفار على ظاهر = الحدیث وعمومه. قال: وقوله: ((لا يقتل مسلم بكافر)) كلام تام بنفسه، ثم قال على أثره: ((ولا ذو عهد في عهده)) أي لا يقتل معاهد ما دام في عهده، قال: وإنما احتيج إلى أن يجري ذكر المعاهد ويؤكد تحريم دمه ههنا لأن قوله: ((لا يقتل مؤمن بكافر» قد يوهم ضعفاً وتوهيناً لشأنه، ويوقع شبهة في دمه فلا يؤمن أن يُستباح إذا علم أن لا قود على قاتله، فَوكَّد تحريمه بإعادة البيان لئلا يعرض الاشكال في ذلك. (خطابي). (١) وأخرجه ابن ماجه في الديات حديث ٢٦٨٥ باب المسلمون تتكافأ دماؤهم. (٢) في النسخة التي شرح عليها الخطابي [حلأتهم عنه]. ١٢٧ ٩ - كتاب الجهاد (١٥٩ - ١٦١) باب (٢٧٥٢ - ٢٧٥٥) حديث والراجل(١). ١٤٨ ١٦٠ - باب [في] النفل من الذهب والفضة ومن أول مغنم ٢٧٥٣ - حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى، أخبرنا أبو إسحاق الفزاري، عن عاصم بن كليب، عن أبي الجويرية الجَزمي، قال: أصبت بأرض الروم جَرَّةً حمراء فيها دنانير في إِمْرَةٍ معاوية وعلينا رجل من أصحاب النبي ◌ََّ من بني سُليم يقال له مَغْن بن يزيد، فأتيته بها، فقسمها بين المسلمين وأعطاني منها مثل ما أعطى رجلاً منهم، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله بَ لَّ يقول: ((لا نَفَلَ إلا بعد الخمس)) لأعطيتك، ثم أخذ يعرض علي من نصيبه فأبيت. ٢٧٥٤ - حدثنا هناد، عن ابن المبارك، عن أبي عوانة، عن عاصم بن کلیب، بإسناده ومعناه. ١٤٩ ١٦١ - باب في الإمام يستأثر بشيء من الفيء لنفسه ٢٧٥٥ - حدثنا الوليد بن عتبة، قال: حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن العلاء، أنه سمع أبا سَلاَّم الأسود، قال: سمعت عمرو بن عبسة قال: صلى بنا رسول الله وَ﴿ إِلى بَعير [من المغنم]، فلما سَلَّم أخذ وَبَرَةً من جَنْبِ البعير، ثم قال: ((ولا يَحِلَّ لي من غنائمكم مثلُ هذا، إِلا الخمس، والخمس مردود فیکم))(٢) . قوله: (حلأتهم عنه) معناه طردتهم عنه، وأصله الهمز، يقال: حلأت الرجل عن الماء إذا = منعته الورود، ورجل مُحَلاً: أي مَذود عن الماء مصدود عن وروده، ومنه قول الشاعر: محلاً عن سبيل الماء مطرود لِحائم حام حتى لا حراك به وقوله: (أعطاني سهم الفارس والراجل) فإنه يشبه أن يكون إنما أعطاه من الغنيمة سهم الراجل حسْبُ، لأن سلمة كان راجلاً في ذلك اليوم وأعطاه الزيادة نفلاً لما كان من حسن بلائه. (خطابي). (١) وأخرجه مسلم - بأتم منه - في الجهاد حديث ١٨٠٦ باب غزوة ذي قَرَد. وَقَرَد: ماء على نحو يوم من المدينة، مما يلي بلاد غطفان، وأخرجه البخاري أيضاً في الجهاد وفي المغازي. (٢) وأخرجه - بنحوه عن عبادة بن الصامت - النسائي حديث ٤١٤٣ في قسم الفيء، وابن ماجه في الجهاد حديث ٢٨٥٠ باب الغلول. ١٢٨ ٩ - كتاب الجهاد (١٦٢ - ١٦٣) باب (٢٧٥٦ - ٢٧٥٨) حديث ١٥٠ ١٦٢ - باب في الوفاء بالعهد ٢٧٥٦ - حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله وَّلٍ قال: ((إِن الغادر يُنْصَبُ له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غَدْرَةُ فلان ابن فلان))(١). ١٥١ ١٦٣ - باب في الإمام يُسْتَجنُّ به في العهود ٢٧٥٧ - حدثنا محمد بن الصباح البزاز، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله أَالت: ((إِنما الإِمام(٢) جُنَّةٌ يُقاتلُ به)) (٣). ٢٧٥٨ - حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا [عبد الله] بن وهب، أخبرني عمرو، عن بكير بن الأشج، عن الحسن بن علي بن أبي رافع، أن أبا رافع أخبره قال: بَعثْنِي قريش إِلى رسول الله ◌ٍَّ، فلما رأيت رسول الله احَّهِ أَلْفي في قلبي الإِسلام، فقلت: يا رسول الله، إني والله لا أرجع إليهم أبداً، فقال رسول الله وَلِ: ((إِني لا أَخِيسُ بالعهْدِ (٤) ولا أحبس البُرُدَ، ولكن ارجع فإن كان (١) وأخرجه البخاري في الجزية باب إثم الغادر (١٢٧/٤) باب رقم ٢٢، وفي الأدب باب ما يدعى الناس بآبائهم باب رقم ٩٩ وفي الحيل باب رقم ٩ وفي الفتن باب رقم ٢١، ومسلم في الجهاد باب رقم ٨، وابن ماجه في الجهاد باب رقم ٤٢، والترمذي في السير حديث ١٥٨١ باب لكل غادر لواء. (٢) قلت: معناه أن الإمام هو الذي يعقد العهد والهدنة بين المسلمين وبين أهل الشرك، فإذا رأى ذلك صلاحاً وهادنهم فقد وجب على المسلمين أن يجيزوا أمانه وأن لا يعرِضوا لمن عقد لهم في نفس أو مال، ومعنى الجنة: العصمة والوقاية، وليس لغير الإمام أن يجعل للأمة بأسرها من الكفار أماناً، وإنما معنى قوله ◌َّةٍ: ((يسعى بذمتهم أدناهم)) أن يكون ذلك في الأفراد والآحاد، أو في أهل حصن أو قلعة ونحوها، فأما أن يجوز ذلك في جيل وأمة منهم فلا يجوز. وقد ذكرنا هذا فيما مضى. (خطابي). (٣) وأخرجه البخاري في الجهاد باب رقم ١٠٩، ومسلم في الإمارة حديث ١٨٤١ باب الإمام جنة، والنسائي في البيعة حديث ٢٤٠١. (٤) قلت: قوله: ((لا أخيس بالعهد)) معناه: لا أنقض العهد ولا أفسده من قولك: خاس الشيء في الوعاء: إذا فسد. ١٢٩ = ٩ - كتاب الجهاد (١٦٣ - ١٦٤) باب (٢٧٥٨ - ٢٧٥٩) حديث في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع)) قال: فذهبت، ثم أتيت النبي وَالثّ فأسلمت، قال بكير: وأخبرني أَن أبا رافع كان قِبْطِياً(١). قال أبو داود: هذا كان في ذلك الزمان، فأما اليوم فلا يصلح. ١٦٤ - باب في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إِليه ١٥٢ ٢٧٥٩ - حدثنا حفص بن عمر النمري، قال: حدثنا شعبة، عن أبي الفيض، عن سليم بن عامر - رجل من حمير - قال: كان بين معاوية وبين الروم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو بِزْذَوْنٍ(٢) وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا فإذا عمرو بن عَبَسَةَ، فأرسل إليه معاوية، فسأله، فقال: سمعت رسول الله وَ ل يقول: ((مَنْ كان بَيْنَهُ وبين قوم عهد فلا يَشُدُّ عُقدةً ولا يحلها حتى يَنْقَضِيَ أَمَدُها(٣) أو وفيه من الفقه أن العقد يرعى مع الكافر كما يرعى مع المسلم، وأن الكافر إذا عقد لك عقد = أمان فقد وجب عليك أن تؤمنه، وأن لا تغتاله في دم ولا مال ولا منفعة. وقوله: ((لا أحبس البُرُد)» فقد يشبه أن يكون المعنى في ذلك أن الرسالة تقتضي جواباً، والجواب لا يصل إلى المرسل إلا على لسان الرسول بعد انصرافه، فصار كأنه عقد له العهد مدة مجيئه ورجوعه، والله أعلم. (خطابي). (١) ونسبه المنذري للنسائي أيضاً، وأخرجه أحمد (٨/٦). (٢) البِزْذون: ضرب من الدواب، يخالف الخيل العراب، عظيم الخلقة، غليظ الأعضاء، جمع برازین. (٣) الأمد: الغاية، قال النابغة: سَبْق الجواد إذا استولى على الأمْدِ ومعنى قوله: ((ينبذ إليهم على سواء)) أي يعلمهم أنه يريد أن يغزوهم وأن الصلح الذي كان بينهم قد ارتفع فيكون الفريقان في ذلك على السواء. وفيه دليل على أن العهد الذي يقع بين المسلمين وبين العدو ليس بعقد لازم، لا يجوز القتال قبل انقضاء مدته، ولكن لا يجوز أن يفعل ذلك إلا بعد الإعلام به والإنذار فیه، ويشبه أن يكون عمرو إنما كره مسير معاوية إلى ما يتاخم بلاد العدو والإقامة بقرب دارهم من أجل أنه إذا هادنهم إلى مدة وهو مقيم في وطنه فقد صارت مدة مسيره بعد انقضاء المدة كالمشروط مع المدة المضروبة في أن لا يغزوهم فيها فيأمنونه على أنفسهم. فإذا كان مسيره إليهم في أيام الهدنة حتى ينيخ بقرب دارهم كان إيقاعه بهم قبل الوقت الذي يتوقعونه فكان ذلك داخلاً عند عمرو في معنى الغدر. (خطابي). ١٣٠ ٩ - كتاب الجهاد (١٦٤ - ١٦٦) باب (٢٧٥٩ - ٢٧٦٢) حديث يَتْبِذَ إِليهم على سَوَاء)) فرجع معاويةٌ(١) . ١٥٣ ١٦٥ - باب في الوفاء للمُعَاهد وحرمة ذمته ٢٧٦٠ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن عُيّينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بكرة، قال: قال رسول الله مَ الَ: ((مَنْ قَتَلَ مُعَاهداً في غير كُنْهِهِ حَرَّمَ الله عليه الجنة))(٢) . ١٦٦ - باب في الرُّسُل ١٥٤ ٢٧٦١ - حدثنا محمد بن عمرو الرازي، حدثنا سلمة - يعني ابن الفضل - عن محمد بن إسحاق، قال: كان مُسَيلمة كتب إِلى رسول اللهِ وَّر، قال: وقد حدثني محمد بن إسحاق عن شيخ من أشْجَعَ يقال له: سعد بن طارق، عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي، عن أبيه نعيم، قال: سمعت رسول الله وَله يقول لهما حين قرأ كتاب مُسَيْلمة: ((ما تَقُولاَنِ أَنْتَمَا))؟ قالا: نقول كما قال، قال: ((أمَا وَاللَّهِ لولا أنَّ الرُّسل لا تقتل لضربت أعناقكما))(٣). ٢٧٦٢ - حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضَرّب أنه أتى عبد الله فقال: ما بيني وبين أحد من العرب حِنَةٌ (٤)، (١) وأخرجه الترمذي في السير حديث ١٥٨٠ باب في الغدر وقال: [حسن صحيح]، ونسبه المنذري للنسائي أيضاً. (٢) وأخرجه النسائي (٢٤/٨، ٢٥) في القسامة باب تعظيم قتل المعاهد، وسنده حسن، وأراد بقوله: ((في غير كنهه)) في غير وقته الذي يجوز فيه قتله. (٣) انظر مسند أحمد (٤٨٧/٣). (٤) قوله: حِنّة - يريد الوتر والضغن - واللغة الفصيحة إحنة بالهمزة، قال الشاعر: فلا تستثرها سوف يبدو دفينها إذا كان في نفس ابن عمك إحنة ويقال: فلان مواحن لفلان: إذا كان مضمراً له على عداوة، ويشبه أن يكون مذهب ابن مسعود في قتله من غير استتابة أنه رأى قول النبي ◌ِّله: ((لولا أنك رسول لضربت عُنقك)) حكماً منه بقتله لولا علة الرسالة فلما ظفر به وقد ارتفعت العلة أمضاه فيه ولم يستأنف له حکم سائر المرتدين. وفيه حجة لمذهب مالك في قتل المستَسرِ بالكفر وترك استتابته، ومعلوم أن هؤلاء= ١٣١ ٩ - كتاب الجهاد (١٦٦ - ١٦٧) باب (٢٧٦٢ - ٢٧٦٣) حديث وإني مررت بمسجد لبني حنيفة فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله، فجيء بهم فاستتابهم، غير ابن النّوَّاحة قال له: سمعت رسول الله وَّل يقول: (لولا أنك رسول لضربت عنقك)) فأنت اليوم لست برسول، فأمر قَرَظَة بن كعب فضرب عنقه في السوق، ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلاً بالسوقُ(١) . ١٦٧ - باب في أمان المرأة ١٥٥ ٢٧٦٣ - حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عياض بن عبد الله، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس، قال: حدثتني أم هانيء بنت أبي طالب أنها أجارت رجلاً من المشركين يوم الفتح١، فأتت النبي ◌َّة، فذكرت ذلك له، فقال: ((قَدْ أَجَزْنَا مَنْ أَجَرْتٍ وَأَمَّنَّا مِن أَمَّنْتٍ))(٣). لا يمكنهم إظهار الكفر بالكوفة في مسجدهم وهي دار الإسلام، وإنما كانوا يستبطنون الكفر = ويسرون الإيمان بمسيلمة، فاطلع على ذلك منهم حارثة فرفعهم إلى عبد الله وهو وال عليها فاستتاب قوماً منهم وحقن بالتوبة دماءهم، ولعلهم قد كانت داخلتهم شبهة في أمر مسيلمة ثم تبينوا الحق فراجعوا الدين فكانت توبتهم مقبولة عند عبد الله، ورأى أن أمر ابن النواحة بخلاف ذلك لأنه كان داعية إلى مذهب مسيلمة فلم يعرض عليه التوبة ورأى الصلاح في قتله. وإلى نحو من هذا ذهب بعض العلماء في أمر هؤلاء القرامطة الذين يلقبون بالباطنية. وأما قوله: ((لولا أنك رسول لضربت عنقكِ)) فالمعنى فى الكف عن دمه أن الله سبحانه قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكٌ فَأَجِرْءُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَِّ ثُمَّ أَبِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] فحقن له دمه حتى يبلغ مأمنه ويعود بجواب ما أرسل به فتقوم به الحجة على مرسله. (خطابي). (١) (٢) ونسبه المنذري للنسائي أيضاً. قلت: في هذا حجة لمن ذهب إلى أن مكة فتحت عنوة. لأنه لو كان صلحاً لوقع به الأمان العام فلم يحتج إلى إجازة أمان أم هانىء ولا إلى تجديد الأمان من رسول الله وَية. وأجمع عوام أهل العلم على أن أمان المرأة جائز، وكذلك قال أكثر الفقهاء في أمان العبد، غير أن أصحاب الرأي فرقوا بين العبد الذي يقاتل والذي لا يقاتل، فأجازوا أمانه إن كان ممن يقاتل ولم يجيزوا أمانه إن كان لم يقاتل، فأما أمان الصبي فإنه لا ينعقد لأن القلم مرفوع عنه. (خطابي). وأخرجه البخاري في الغسل باب التستر عن الناس وفي الصلاة في الثياب باب الصلاة في= (٣) ١٣٢ ٩ - کتاب الجهاد (١٦٧ - ١٦٨) باب (٢٧٦٤ - ٢٧٦٥) حديث ٢٧٦٤ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: إِن كَانَتِ المرأة لَتُجيرُ عَلَى المؤمنين (١) فيجوز(١). ١٦٨ - باب في صلح العدو ١٥٦ ٢٧٦٥ - حدثنا محمد بن عبيد، أن محمد بن ثور حدثهم، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، قال : خرج النبي الثوب الواحد ملتحفاً به، وفي الجهاد باب أمان النساء وجوارهن وفي الأدب باب ما جاء = في زعموا، ومسلم في الحيض حديث ٣٣٦ باب تستر المغتسل بثوب ونحوه. وفي صلاة المسافرين وقصرها باب استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، والموطأ (١٥٢/١) في قصر الصلاة باب صلاة الضحى، والترمذي في الاستئذان حديث ٢٧٣٥ باب في ما جاء في مرحباً، وسبق عند أبي داود برقم ١٢٩٠ في الصلاة باب صلاة الضحى، والنسائي (١/ ١٢٦) في الطهارة باب ذكر الاستتار عند الاغتسال، والدارمي في سننه (٣٣٩/١) في الصلاة باب صلاة الضحى، وأحمد (٣٤٣/٦، ٤٢٣، ٤٢٥). (١) ونسبه المنذري للنسائي أيضاً. (٢) قلت: اختصر أبو داود هذا الحديث اختصاراً ذهب فيه شطر من فوائد هذا الحديث، فرأيت أن أذكر الحديث والقصة على وجهها وأبين ما فيها من السنن والمعاني ليستفاد علمه ويحصر نفعه، والله الموفق له. أخبرنا محمد بن هاشم حدثنا الدُّبري عن عبد الرزاق عن معمر أخبرني الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم - يصدق كل واحد منهما صاحبه - قالا: خرج رسول الله رَّه زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قَلّد رسول الله رَّ الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة يخبره عن قريش، وسار رسول الله وَّ حتى إذا كان بغدير الأشطاط - قريباً من عسفان - أتاه عينه الخزاعي فقال: إن كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعاً كثيرة وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت، فقال النبي ◌َّر: ((أشيروا عليّ، أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين وإن نجوا يكن عنقاً قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه)) فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا نبي الله إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه، قال رسول الله رَّ: ((فروحوا إذا)). قال معمر: قال الزهري: وكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحداً قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله الحَطهر . ١٣٣ = ٩ - كتاب الجهاد (١٦٨) باب (٢٧٦٥) حديث قال الزهري في حديث المسور ومروان بن الحكم: فراحوا وساق الحديث. = قال: وسار رسول الله ◌َ﴿ حتى إذا كانوا بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فقال رسول الله وَّر: ((ما خلأت القصواء، وما كان لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل)) ثم قال: ((والذي نفسي بيده لا يسألوني خُطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)) ثم زجرها فوثبت به، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَد قليل الماء إنما يتبرَّضه الناس تبرُّضاً، فلم يلبث الناس أن نزحوه، فشكي إلى رسول الله (83* العطش، فانتزع سهماً من كنانته؛ ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه، فبينا هم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة - وكانوا عَيْبَةَ نصح رسول الله وَّر من أهل تهامة - فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي أعداد مياه الحديبية، معهم العُوذ المطافيل وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت فقال رسول الله وَله: ((إنا لم نجىء لقتال أحد ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشاً قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم فإن شاؤوا هادنتهم مدة طويلة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاؤوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا قد جُموا، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي أو ليُنْفِذَنَّ الله أمره)» فقال بديل بن ورقاء: سأبلغهم ما تقول، فانطلق حتى أتى قريشاً، وساق الحديث إلى أن ذكر مجيء عروة بن مسعود رسول الله وَّ، قال: فجعل يكلم النبي 43# إلى أن قال له: قد والله أرى وجوهاً وأوشاباً من الناس خليقاً أن يفروا وَيدَعوك، فقال أبو بكر رضي الله عنه: امصص بَظْرَ اللات أنحن نَفِرُّ منه وندعه؟ فقال: من ذا؟ فقالوا: أبو بكر، فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يَدّ لك عندي لم أجزكَ بها لأجبتك، قال: وجعل يكلم النبي 83* فكلما كلمه أخذ بلحيته والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله صل* ومعه السيف وعليه المغفر فكلما أهوى عُروة بيده إلى لحية النبي ◌َّ# ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخر يَدك عن لحية رسول الله وَّر، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة، فقال: أي غُدَزْ، أو لستُ أسعى في غُدرتك؟ - وكان المغيرة قد صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم - فقال النبي ◌َّة: ((أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه في شيء)) ثم إن عروة جعل يرمق صحابة النبي ◌َ﴿ه بعينيه، قال: فوالله ما تَنَخْم رسول الله وَلَهَ نُخامة إلا وقعت في يد رجل منهم فَدلَكَ بها وجهه وَجِلده، وإذا أمرهم ابتدروا إلى أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون النظر إليه تعظيماً له، قال: فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، وذكر القصة إلى أن قال لهم: إنه - يعني النبي ◌َّ - قد عَرَض عليكم خطة رشد فاقبلوها منه، وساق الحديث إلى أن قال: فبينا مكرز بن حفص يكلمه إذا جاء سُهيل بن عمرو، وقال معمر: قال أيوب عن عكرمة: إنه لما جاء سهيل قال النبي ◌َّر: ((قد سهل لكم من أمركم)) قال معمر: قال الزهري في= ١٣٤ ٩ - كتاب الجهاد (١٦٨) باب (٢٧٦٥) حديث حديثه: فجاء سهيل بن عمرو، فقال: هاتٍ اكتب بيننا وبينكم كتاباً، فدعا الكاتب فقال = رسول الله وَّر: ((اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)) فقال سهيل: أما الرحمن فوالله ما أدري ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبي ◌َّر: (اكتب باسمك اللهم)) ثم قال: ((هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله))، فقال سهيل: واللهِ لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولكن اكتب: محمد بن عبد الله. فقال النبي ◌َّ 98: ((أن تخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به)). فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن لك من العام المقبل فكتب. قال سهيل: وعلى أن لا يأتيك منا رجل، وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، فقال المسلمون: سبحان الله كيف يُردُّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينا هو إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يَرسُف في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أَظهُر المسلمين، فقال سهيل: هذا أول ما نُقاضيك عليه أن ترده إليَّ فقال النبي ◌َّ: ((إنا لم نقض الكتاب بعدُ)) قال: فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً، قال النبي ◌َّ: ((فَأَجِزْه لي)) قال: ما أنا بمجيره لك. قال: ((بلى فافعل))، قال: ما أنا بفاعل. فقال مكرز: بلى قد أجرناه لك، فقال أبو جندل: أيْ معاشر المسلمين أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مسلماً ألا ترون ما لقيت؟ - وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله - فقال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ فأتيت النبي ◌َّيهز فقلت له: ألست نبيّ الله حقاً؟ قال: (بلى)) قلت: ألسنا على الحق وعدوُّنا على الباطل؟ قال: ((بلى)) قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذاً؟ قال: ((إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري)) قلت: أو لست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوَّف به؟ قال: ((بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟)) قلت: لا، قال: ((فإنك آتيه ومطوف به))، قال فأتيت أبا بكر - يعني فقلت له مثل مقالتي لرسول الله وَص84 * - فقال: أيها الرجل إنه رسول الله وَل# وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق، وساق الحديث إلى أن قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله مَ: ((قوموا فانحروا، ثم احلقوا)) قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم أحد منهم قام فدخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بُذْنك وتدعو بحالقك فيحلقك، فقام فخرج فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك - نَحَرَ بُدنه ودعا حالقه - فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غماً، ثم جاءه نسوة مؤمنات فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتِ﴾ [الممتحنة: ١٠] حتى بلغ ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع رسول الله وَ* إلى المدينة فجاءه أبو بَصير - رجل من قريش - وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه= ١٣٥ ٩ - کتاب الجهاد (١٦٨) باب (٢٧٦٥) حديث رجلين، فقالوا: العهد الذي جعلت لنا، فدفعه النبي وم # إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا = الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فأخذ أبو بصير سيف أحدهما فضربه حتى برد وَفَرَّ الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله وَ ل# حين رآه: ((لقد رأى هذا ذُعر)»، فلما انتهى إلى النبي وَ ل# قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا نبي الله، قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم، فقال النبي ◌َّل: ((ويلُ أمّه مُسْعِرَ حَرْب لو كان له أحد)) فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة، قال: فوالله ما يسمعون بعير لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، وأرسلت قريش إلى النبي و # يناشدونه الله والرحم إلا أرسل إليهم فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي وَ﴿ إليهم فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَبْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ﴾، حتى بلغ: ﴿ ... حَمِيَّةَ الْجَهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤] وكانت حميتهم: أنه لم يُقِرُوا بأنه نبيّ الله، ولم يقرُّوا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت. قلت: جمع هذا الحديث أنواعاً من السنن والآداب وضروباً من الفقه والأحكام، وقد تكلم عليها بعض أهل العلم ففسر بعضها وترك بعضها، ونحن نقول في ذلك بمبلغ علمنا، ومن الله التوفيق. قوله: (حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد الهدي وأشعر وأحرم بالعمرة). فيه بيان أن ذا الحليفة ميقات أهل المدينة لمن أراد أن يحج أو يعتمر، وفيه بيان أن تقليد الهدي سنة سواء كان عن واجب أو عن نفل، وفيه أن الإشعار سنة وأنه ليس من باب ما نهي عنه من المُثلة، وقد تكلمنا في هذا في كتاب المناسك. وقوله: (وبعث بين يديه عيناً له من خزاعة) فيه استحباب تقديم الطلائع وبعث العيون بين يدي الجيوش والأخذ بالحزم والاحتياط في أمر العدو لئلا ينالوا فرصة فيهجموا على المسلمين في حال غِرَّة وأوان غفلة. وفيه أن النبي ◌َّ أرسل الخزاعي وبعثه عيناً ثم صدقه في قوله وقبل خبره وهو كافر، وذلك - لأن خزاعة كانوا عَيْبة نصح رسول الله وَّ مؤمنهم وكافرهم لِحِلْفٍ كانت بينهم في الجاهلية - ولعله أيضاً لم يجد من المسلمين من ينوب عنه في تعرف الخبر والتجسس والبحث عن أمر العدو، ثم إن ذلك أمرٌ لا يكاد يتحققه إلا من لابس العدو وداخلهم واستبطن سرهم، وهذا المعنى متعذر وجوده غالباً في المسلمين. وفيه دليل على جواز قبول قول المتطبب الكافر فيما يخبر به عن صفة العلة ووجه العلاج إذا كان غير متهم فيما يصفه وكان غير مظنون به الريبة في ذلك. وقوله: (وجمعوا لك الأحابيش) فإن الأحابيش يقال إنهم أحياء من القارَة انضموا إلى بني= ١٣٦ ٩ - كتاب الجهاد (١٦٨) باب (٢٧٦٥) حديث لَيْث في محاربتهم قريشاً. والتَّحَبُش: التجمع. = وفي قوله لأصحابه: ((أشيروا عليّ)) دليل على استحباب استشارة ذوي الرأي والنصح في الأمور المهمة، وقد كان ◌َّ يستعملها كثيراً فيما لم ينزل عليه فيه وحي، وقد يحتمل أن يكون ذلك ليستن به من بعده في حوادث الأمر فينالوا بركتها وينكشف لهم وجه الرأي الملتبس فيها. وفي قوله: ((أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم)) دليل على جواز سبي ذراري المشركين قبل قتال الرجال. وفي قوله: ((أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا عنه قاتلناه)) دليل على جواز قتال المحرم من صَّدَّه عن البيت ومنعه عن بلوغ النسك. وفي القصة أيضاً دليل على أن العدو الذي يريد أن يصدك عن الحج إذا كان كافراً فإنه يجوز ترك الاشتغال بقتاله وطلب الخلاص من يده. فأما إذا كان الصاد لك مسلماً فقد قال بعض العلماء: يجوز قتاله وتركه أولى. وقوله: (بركت به راحلته فقال الناس: حَلْ حَلْ) فإنها كلمة معناها الزجر، يقال في زجر البعير حل - بالتخفيف - ويقال: حَلْحَلْتُ الإبل إذا زجرتها لتنبعث. وفي قوله: (فألحت) يريد أنها لزمت المكان فلم تنبعث، ويقال: تلحلح الرجل بالمكان إذا لزمه فلم يبرح، وتحلحل عنه: إذا زال وفارقه. وأما قوله: (خلأت القصواء) فإن الخلا في الإبل كالحران في الخيل، ومنه قول زهير: قطاف في الركاب ولا خلاء بارزة الفقارة لم يخنها والقصواء: اسم ناقته، وكانت مَقْصُوَّة الأذن - وهو أن يقطع طرفاً من الأذن - يقال: ناقة قصواء ولم يقولوا جمل أقصى، ومعناه المقصوة، جاء بلفظ فاعل ومعناه مفعول. وقوله: (ما خلأت، [وليس لها بخلق]، ولكن حبسها حابس الفيل))، يريد أن الخلاء لم يكن لها بخلق فيما مضى، ولكن الله حبسها عن دخول مكة كما حبس الفيل حين جاء به أبرهة الحبشي يريد هدم الكعبة واستباحة الحرم، ويشبه أن يكون المعنى في ذلك، وفي التمثيل بحبس الفيل أن أصحابه لو دخلوا مكة لوقع بينهم وبين قريش قتال في الحرم وأريق فيه دماء وكان منه الفساد والفناء، ولعل الله سبحانه قد سبق في علمه ومضى في قضائه أنه سيسلم جماعة من أولئك الكفار في غابر الزمان وسيخرج من أصلابهم قوم مؤمنون يعبدون الله ويوحدونه، فلو استبيحت مكة وأتى القتل عليهم لانقطع ذلك النسل ولبطلت تلك العواقب. وقوله: ((والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها)) يريد - والله أعلم - المصالحة والجنوح إلى المسالمة وترك القتال في الحرم والكف عن إراقة الدم فيه وهو معنى تعظيم حرمات الله. ١٣٧ = ٩ - كتاب الجهاد (١٦٨) باب (٢٧٦٥) حديث وقوله: (حتى نزل على ثَمد)، فالثمد: الماء القليل، ويقال ماء مثمود إذا كثرت عليه الشفاه = حتى يفنى وينزف. وقوله: (نتبرضه تبرضاً) معناه نأخذه قليلاً قليلاً، والبرض: اليسير من العطاء وقوله: (ما زال يجيش لهم بالري) معناه يفور ماؤه ويرتفع كما يجيش المرجل بما فيه. قوله: (وكان عيبة نصح رسول الله (38) يريد أنه موضع سر رسول الله صل﴿ والثقة الذي يستنصحه ويأتمنه على أمره، وذلك أن الرجل إنما يودع عيبته حُرَّ المتاع ومصون الثياب ونحو ذلك، فوقع التشبيه له بالعيبة من أجل ذلك. وقوله: (العوذ المطافيل) فإن معنى العوذ: الحديثات النتاج، يقال لواحدتها عائذ، والمطافيل: الأمهات التي معها أطفالها، يريد أن هذه القبائل قد احتشدت لحربك ومقارعتك فساقت أموالها مع أنفسها. وقوله: (نهكتهم الحرب)) أي أبلغت فيهم وأضرت بهم، ومن ذلك قولهم: نهكته الحمى إذا هزلته وأنحلته. وقوله: ((جَمُّوا)) يريد الجمام والاستراحة. وقوله: ((حتى تنفرد سالفتي)) معناه حتى تبين رقبتي والسالفة مقدمة العنق، وسالف كل شيء أوله، ومنه سلافة الخمر وهي ما يُعصر أولاً منها، وقوله: (إني أرى وجوهاً وأوشاباً من الناس) فإن الأوشاب: الأخلاط من الناس، يقال: هم أوشاب وأشابات إذا كانوا من قبائل شتى مختلفين، وفي قول أبي بكر رضي الله عنه - حين ذكر اللات وسبها - ما يدل على أن التصريح باسم الأعضاء التي هي عورات وذكرها عند الحاجة إليه ليس من الفحش ولا قائله خارج عن حد العدالة والمروءة، وقد قال رسول الله مح له: ((من تَعزَّ بعزاء الجاهلية فأعِضوه ولا تكْنُوا)). [أي قولوا له: عض بظر اللات - مثلاً - ولا تكنوا، أي صرحوا]. وأما مس عروة بن مسعود لحية رسول الله وَّلغير في أثناء مخاطبته وتناوله إياها بيده، فإن ذلك شكل من أشكال العرب وعادة من عاداتهم يفعل الرجل ذلك بصاحبه إذا حدثه ويجري ذلك مجرى الملاطفة من بعضهم، وكان ◌َّهر لا يدفعه عن ذلك، استمالة لقلبه، ولما كان يرجوه من إسلامه، ثم هداه الله بعد فحسن إسلامه وكان رئيساً في ثقيف، وكان المغيرة بن شعبة يمنعه من ذلك الفعل تعظيماً لرسول الله وَ*ل وتوقيراً له وإجلالاً لقدره. إنما يفعل الرجل ذلك بنظيره وخليطه المساوي له في الدرجة والمنزلة. قال أبو سليمان: وفي قيام المغيرة على رأس رسول الله ﴿ دليل على أن إقامة الرئيس الرجال على رأسه في مقام الخوف ومواطن الحروب جائز، وأن الذين نهى عنه وتوعد فيه من قوله وَله: ((من أراد أن يمثُلَ له الرجال صفوفاً فليتبوأ مقعده من النار)) إنما هو فيمن فعل ذلك قاصداً به الكبر وذاهباً فيه مذاهب النخوة والجبرية. وقوله: (أي غُدَر) فهو نعت يُنعتُ الرجل به عند المبالغة في الغدر، وفي قوله مهد للمغيرة: ((أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء)» دليل على أن أموال أهل الشرك وإن = ١٣٨ ٩ - كتاب الجهاد (١٦٨) باب (٢٧٦٥) حديث كانت مباحة للمسلمين مغنومة إذا أخذوها منهم قهراً، فإنها ممنوعة بالأمان لهم، مردودة إلى = أربابها إذا أخذت في حال المسالمة والأمان، وذلك أن المغيرة إنما صحبهم صحبة الرفقاء في الأسفار، والرفيق في السفر يأمن رفيقه على نفسه وماله، فكان ما أتاه المغيرة من سفك دمائهم وأخذ أموالهم غدراً منه، والغدر محظور غير جائز، والأمانة مؤداة إلى البر والفاجر. وفي قوله: (ما يتنخم نخامة إلا وقعت في يد رجل) دليل على طهارة النخامة والبزاق. وفيه دليل على طهارة الماء الذي يتطهر به وهو الماء المستعمل. وفي قوله حين جاء سهيل: ((قد سهل لكم من أمركم)) دليل على استحباب التفاؤل بالاسم الحسن، وإنما المكروه من ذلك الطيرة وهو التشاؤم. وفي امتناع سهيل بن عمرو على رسول الله وَّر أن يصدر كتاب الصلح ببسم الله الرحمن الرحيم ومطالبته إياه أن يكتب باسمك اللهم، ومساعدة رسول الله وَّلهو إياه على ذلك، باب من العلم فيما يجب من استعمال الرفق في الأمور ومداراة الناس فيما لا يلحق دين المسلم به ضرر ولا يبطل معه لله سبحانه حق، وذلك أن معنى باسمك اللهم: هو معنى بسم الله الرحمن الرحيم، وإن كان فيها زيادة ثناء. قال النحويون (اللهم) يجمع نداء ودعاء، كأنه يقول: يا الله أَمَّ بنا خيراً أو أمنا بخير وما أشبه ذلك فحذف بعض الحروف لما كثر استعماله في كلامهم، إرادة للتخفيف واختصاراً للكلام، وكذلك المعنى في تركه أن يكتب محمد رسول الله، واقتصاره على أن يكتب محمد بن عبد الله لأن انتسابه إلى أبيه عبد الله لا ينفي نبوته ولا يسقط رسالته، وفي إجابته إياهم إلى ذلك أن يرد إلى الكفار من جاءه منهم مسلماً دليل على جواز أن يقر الإمام فيما يصالح عليه العدو ببعض ما فيه الضيم على أهل الدين إذا كان يرجو لذلك فيما يستقبله عاقبة حميدة سيما إذا وافق ذلك زمان ضعف المسلمين عن مقاومة الكفار وخوفهم الغلبة منهم. وقد تكلم العلماء في هذا الباب وتأولوا ما كان من رده أبا جندل بن سهيل إليهم على وجهين، أحدهما: أن الله تعالى قد أباح التقية للمسلم إذا خاف الهلاك على نفسه، ورخص له أن يتكلم بالكفر مع التورية وإضمار الإيمان في رده إليهم: إسلاماً له للهلاك مع وجود السبيل إلى الخلاص منه بما رخص له فيه من التقية، والوجه الآخر: أنه إنما رده إلى أبيه، ومعلوم أن أباه لا يقتله ولكن يستبقيه وينتظر به الرجعى، وفي ذلك أمان له وصلاح لعامة المسلمين ودرك لما راموه في عقد الصلح وقصدوه من البغية فيه، وكذلك الأمر في رد أبي بصير إليهم. وذلك أنه كان يأوي إلى عشيرة يذبون عنه وموالي يحامون عليه، فأما ما يخاف عليهم من الفتنة فإن ذلك امتحان يبتلي الله به صبر عباده ليثيب المجتهدين ويمحص بذلك ما في صدور المسلمين وهو أعلم بالسرائر، ولله عاقبة الأمور. وفي مراجعة عمر بن الخطاب رسول الله وَّ ومحاجته إياه في رده أبا جندل بن سهيل - وقد جاء مسلماً - وتعجبه من ذلك الصنيع، وضيق صدره بما خفي عليه من حكمته ولم= ١٣٩ ٩ - كتاب الجهاد (١٦٨) باب (٢٧٦٥) حدیث يدركه من علم مغيبه، وفيما كان من جواب أبي بكر إياه، وخروج قوله في ذلك مطابقاً = الجواب رسول الله # دليل واضح على أن أبا بكر أعلم الناس برسول الله وَّليل وأعرفهم بمعاني أموره وأشدهم اطلاعاً على ما في نفسه، وإنما كانت تلك المحاجة والمساءلة من عمر على وجه الكشف عن الشبهة، وعلى سبيل الاستبانة لوجه الحكمة فيما شاهده من ذلك الصنيع، ولم يكن ذلك منه اعتراضاً على رسول الله يسلم ولا اتهاماً له في شيء كان منه، وإنما حرك عمر على ذلك القول شدة حرصه على قوة أمر الدين وغلبة محبته أن يكون الظهور والغلبة للمسلمين، وفي قوله وَ ال# لعمر: ((افخبرتك أنك تأتيه العام)) وجوابه عنه بلا وقوله: ((فإنك آتيه ومطوف به)» دليل على أن من حلف بالله ليفعلن كذا وليطلقن امرأته من غير تحديد له بوقت معلوم أنه لا يحنث مدى عمره ما عاش. وفي قوله: ((هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله)) دليل على إغفال من زعم أنه لا يصح أن يكتب في كتب الشروط: هذا ما اشترى فلان من فلان، وهذا ما شهد عليه الشهود لزعمه أن [ما]: ههنا بمعنى الجحد، وهو يبطل العقد. قلت: هذا شيء قاله بعض الفقهاء من المتأخرين، وليس الأمر كما توهمه، وجل ما في هذا الموضع محل الأخبار، لا محل الجحد. ومعنى قوله: قاضى أي فصل الأمر بالقضاء والإحكام له، ووزنه فاعل من قضيت الشيء. وفي أمر رسول اللّه ◌َ ل# أصحابه بعد فراغه من الكتاب أن ينحروا ويحلقوا رؤوسهم دليل أن من أحرم بحج أو عمرة فأحصر بعدو فإنه ينحر الهدي مكانه ويحل وإن لم يكن بلغ هديه الحرم، والموضع الذي نحر رسول الله و # هديه فيه بالحديبية حل إذ كان مصدوداً عن دخول الحرم. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْحَدْىَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. وقال الشافعي: الشجرة التي بايع الناس تحتها رسول الله وَ # في الحل، وبنى المسجد في موضعها، وموضعها باق، وكان سبب البيعة أن رسول الله وَ ل بعث عثمان إلى أهل مكة فجاء الخبر بأنهم قتلوه فعزم حينئذ على قتالهم، وبايعه أصحابه على ذلك تحت تلك الشجرة، وهي بيعة الرضوان وهم أصحاب الشجرة وكانوا ألفاً وأربع مائة. وفي قبول رسول الله وَ ر إشارة أم سلمة عليه بأن يبدأ بنحر هديه وحلق رأسه، دليل على جواز مشاورة النساء وقبول قولهن إذا كن مصيبات فيما يُشرْن به، وإنما كان توقف الصحابة عن أمره الأول - فلم ينفذوا له - انتظاراً أن يحدث الله سبحانه لرسوله وَّل أمراً خلاف أمره الأول فيتم لهم حُزْمهم وقضاء نسكهم، إذ كان لا ينكر في زمانه أن يؤمروا بالشيء ثم يتبعه النسخ، فلما رأوه قد فعل النحر والحلاق في أمر نفسه علموا أنه ليس وراء ذلك عاقبة تنتظر، فبادروا إلى الائتمار لقوله والاتساء بفعله. وقوله - في قصة أبي بصير -: (فضربه بالسيف حتى برد) معناه حتى مات وسكنت منه حرارة الحياة، وأصل البرد، السكون والثبوت. = ١٤٠