Indexed OCR Text

Pages 181-200

٣ - كتاب الزكاة
(١٩) باب
(١٦١١ - ١٦١٣) حديث
حُرٍ أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين (١).
١٦١٢ - حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا محمد بن جهْضَم،
حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر
قال: فرض رسول الله وَ له زكاة الفطر صاعاً، فذكر بمعنى مالك، زاد: والصغير
والكبير، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة (٢).
قال أبو داود: رواه عبد الله العُمري عن نافع بإسناده، قال: على كل
مسلم، ورواه سعيد الجمحي عن عبيد الله عن نافع، قال فيه: من المسلمين،
والمشهور عن عبيد الله ليس فيه ((من المسلمين)).
١٦١٣ - حدثنا مُسدد، أن يحيى بن سعيد وبشر بن المفضل حدثاهم، عن
وفيه دليل على أنه لا يزكي عن عبيده الكفار، لقوله: ((من المسلمين)) فقيده بشرط الإسلام،
=
فدل أن عبده الذمي لا يلزمه، وهو قول مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وروي ذلك عن
الحسن البصري.
وقال الثوري وأصحاب الرأي: يؤدي عن العبد الذمي وهو قول عطاء والنخعي.
وفيه دليل على أن إخراج أقل من صاع لا يجوز، وذلك أنه ذكر في الخبر التمر والشعير،
وهما قوت أهل ذلك الزمان في ذلك المكان، فقياس ما يقتاتونه من البر وغيره من الأقوات
أنه لا يجزئ منه أقل من صاع.
وقد اختلف الناس في هذا فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجزيه من البُر أقل من
صاع، وروي ذلك عن الحسن وجابر بن زيد.
وقال أصحاب الرأي والثوري: يجزيه نصف صاع من بُر، فأما سائر الحبوب فلا يجزيه أقل
من صاع، غير أن أبا حنيفة قال: يجزيه من الزبيب نصف صاع كالقمح.
وروى جماعة من الصحابة إخراج نصف صاع من البر. (خطابي).
(١) وأخرجه البخاري في الزكاة باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين، ومسلم في
الزكاة باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير حديث ٩٨٤، والترمذي في الزكاة
باب زكاة الفطر حديث ٦٧٦، والنسائي في الزكاة باب فرض زكاة رمضان على المسلمين
حديث ٢٥٠٥، وابن ماجه في الزكاة حديث ١٨٢٦.
(٢) وأخرجه البخاري في الزكاة باب فرض صدقة الفطر (١٧٣/١) ومسلم في كتاب الزكاة باب
زكاة الفطر على المسلمين حديث ٩٨٤، والنسائي باب فرض زكاة رمضان على المسلمين
دون المعاهدین حديث ٢٥٠٥.
١٨١

٣ - كتاب الزكاة
(١٩) باب
(١٦١٣ - ١٦١٦) حديث
عبيد الله / ح/ وحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان، عن عبيد الله، عن نافع،
عن عبد الله، عن النبي ◌َّر، أنه فرض صدقة الفطر صاعاً من شعير أو تمر،
على الصغير والكبير والحر والمملوك، زاد موسى: والذكر والأنثى.
قال أبو داود: قال فيه أيوب وعبد الله - يعني العُمَري - في حديثهما عن
نافع: ((ذكر أو أُنثى)) أيضاً(١) .
١٦١٤ - حدثنا الهيثم بن خالد الجهني، حدثنا حسين بن علي الجعفي،
عن زائدة، حدثنا عبد العزيز بن أبي روادُ، عن نافع، عن عبد الله بن عمر،
قال: كان الناس يُخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله وَّر صاعاً من شعير
أو تمر أو سُلْتٍ ) أو زبيب، قال: قال عبد الله: فلما كان عمر رضي الله عنه
وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء(*) .
١٦١٥ - حدثنا مُسَدد وسليمان بن داود العَتكي، قالا: حدثنا حماد، عن
أيوب، عن نافع، قال: قال عبد الله فعدَل الناس بعد نصف صاع من بر، قال:
وكان عبد الله يعطي التمر فأغوَز أهل المدينة التمر عاماً فأعطى الشعير .
١٦١٦ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا داود - يعني بن قيس - عن
عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نُخرج إذ كان فينا
رسول الله ◌َ* زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك: صاعاً من
(١) وأخرجه البخاري في الزكاة باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين (١٧٣/١)
ومسلم في الزكاة حديث ٩٨٤.
(٢) قال المنذري: [وفي إسناده عبد العزيز بن أبي رواد، وهو ضعيف]. وقد وثقه يحيى القطان
وابن معين وأبو حاتم، ومن ضعفه تكلم فيه من قبل رأيه.
(٣) السلت: بضم السين وسكون اللام، نوع من الحب دون الشعير.
(٤) وأخرجه النسائي في الزكاة باب زكاة الفطر حديث ٢٥١٨.
(٥) وأخرجه البخاري في الزكاة، ومسلم في الزكاة، حديث ٩٨٤، والترمذي في الزكاة باب
زكاة الفطر حديث ٦٧٥. وأخرجه النسائي في الزكاة باب زكاة رمضان حديث ٢٥٠٢
مختصراً ومطولاً.
١٨٢

٣ - كتاب الزكاة
(١٩) باب
(١٦١٦) حديث
طعام(١)، أو صاعاً من أقِطٍ، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً
من زبيب، فلم نزل نُخرجه حتى قدم معاوية حاجاً، أو معتمراً، فكلم الناس على
المنبر، فكان فيما كلم به الناس أن قال: إِني أرى أن مُدَّيْن من سمْراء الشام
تعدل صاعاً من تمر، فأخذ الناس بذلك، فقال أبو سعيد: فأما أنا فلا أَزال
أُخرجه أبداً ما عشت(٢).
(١) قلت: قوله ((صاعاً من طعام)): زعم بعض أهل العلم أن الطعام عندهم اسم خاص للبر،
قال: ويدل على صحة ما تأولناه من ذلك أنه قد ذكر في الخبر الأقِط والشعير والتمر
والزبيب، وهي أقواتهم التي كانوا يقتاتونها في الحضر والبدو، ولم يذكر الحنطة وكانت
أغلاها وأفضلها كلها، فلولا أنه أرادها بقوله: ((صاعاً من طعام)) لكان يجزي ذكرها عند
التفصيل، كما جرى ذكر غيرها من سائر الأقوات.
وزعم غيره أن هذا جملة قد فصلت، والتفصيل لا يخالف الجملة، وإنما قال في أول
الحديث: ((صاعاً من طعام))، ثم فصله فقال: ((صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير)) أو كذا أو
كذا، واسم الطعام شامل لجميع ذلك، وإنما كان يجوز ما قاله من تأول الطعام على البر
خاصة، لو كان قال صاعاً من طعام أو صاعاً من كذا بحرف (أو)) الفاصلة بين الشيئين، ثم
نسق عليه ما بعده شيئاً فشيئاً.
قلت: قد رواه غير أبي داود بحرف ((أو)) الفاصلة من أول الحديث إلى آخره، حدثنا
الأصم، حدثنا الربيع، أخبرنا الشافعي، أخبرنا أنس بن عياض عن داود بن قيس سمع
عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح يقول: إن أبا سعيد الخدري قال: ((كنا نخرج في
زمان رسول الله ◌َّ/ صاعاً من طعام أو صاعاً من زبيب أو صاعاً من أقط أو صاعاً من شعير
أو صاعاً من تمر)) وذكر الحديث.
قلت: إن صح عن النبي وَالر أنه أمر أن يخرج صاعاً من قمح، فأخرج عنه نصف صاع على
سبيل البدل على ما رواه معاوية، فإنه لا يجزئ لما فيه من الربا، لأن حقيقته بيع صاع
قمح بنصف صاع منه، ولكنه إذا أخرج نصف صاع منه جزى عن نصف الحق، وعليه أن
يخرج النصف الآخر.
وفي الحديث دليل على أن إخراج القيمة لا يجوز، وذلك لأنه ذكر أشياء مختلفة القيم فدل
أن المراد بها الأعيان لا قيمتها.
وفيه دليل على أنه لا يجوز إخراج الدقيق والسويق ونحوهما، لأن هذه الحبوب كلها أموال
كاملة المنفعة لم يذهب من منافعها شيء، وهذا المعنى غير موجود في الدقيق والسويق
ونحوهما. (خطابي).
(٢) وأخرجه مطولاً ومختصراً: البخاري في الزكاة باب صاع من زبيب (١٧٤/١)، ومسلم في
الزكاة باب زكاة الفطر حديث ٩٨٥ [والمراد بالسمراء الحنطة] وأخرجه الترمذي في الزكاة=
١٨٣

٣ - كتاب الزكاة
(١٩ - ٢٠) باب
(١٦١٦ - ١٦١٩) حديث
قال أبو داود: رواه ابن عُلَيَّة، وعبدة، وغيرهما، عن ابن إسحاق، عن
عبد الله بن عبد الله بن عثمان بن حكيم بن حزام، عن عياض، عن أبي سعيد،
بمعناه، وذكر رجل واحد فيه عن ابن علية ((أو صاعاً من حنطة)) وليس بمحفوظ.
١٦١٧ - حدثنا مُسدد، أخبرنا إسماعيل، ليس فيه ذكر الحنطة.
قال أبو داود: وقد ذكر معاوية بن هشام في هذا الحديث، عن الثوري عن
زيد بن أسلم عن عياض عن أبي سعيد: ((نصف صاع من بر)) وهو وَهم من
معاوية بن هشام، أو ممن رواه عنه.
١٦١٨ - حدثنا حامد بن یحیی، أخبرنا سفيان /ح/ وحدثنا مسدد، حدثنا
يحيى، عن ابن عجلان، سمع عياضاً، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: لا
أُخرِجُ أبداً إِلا صاعاً، إِنا كنا نخرج على عهد رسول الله وَّر صاع تمرٍ أو شعير
أو أَقِطٍ أَو زبيب، هذا حديث يحيى، زاد سفيان: أو صاعا من دقيق، قال
حامد: فأنكروا عليه، فتركه سفيان.
قال أبو داود: فهذه الزيادة وَهم من ابن عيينة(١).
٢١
٢٠ - باب من روى نصف صاع مِنْ قمح
١٦١٩ - حدثنا مُسدد وسليمان بن داود العَتكي، قالا: حدثنا حماد بن
زيد، عن النعمان بن راشد، عن الزهري، قال مُسدد، عن ثعلبة [بن عبد الله]
ابن أبي صُعَير، عن أبيه، وقال سليمان بن داود: عن عبد الله بن ثعلبة - أو
ثعلبة بن عبد الله - بن أبي صُعيْر، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَله: ((صاع من
باب صدقة الفطر حديث ٦٧٣، وابن ماجه في الزكاة باب صدقة الفطر حديث ١٨٢٩،
=
والنسائي في الزكاة باب التمر في زكاة الفطر حديث ٢٥١٥.
(١) قال البيهقي: رواه جماعة عن ابن عجلان، منهم حاتم بن إسماعيل، ومن ذلك الوجه
أخرجه مسلم في الصحيح، ويحيى القطان وأبو خالد الأحمر وحماد بن مسعدة وغيرهم،
فلم يذكر أحد منهم (الدقيق)، غير سفيان، وقد أنكر عليه فتركه، وروي عن ابن سيرين عن
ابن عباس مرسلاً موقوفاً على طريق التوهم، وليس بثابت، وروي من أوجه ضعيفة لا تسْوى
ذكرها. (من مختصر المنذري).
١٨٤

٣ - كتاب الزكاة
(٢٠) باب
(١٦١٩ - ١٦٢١) حديث
بر أو قمح على كل اثنين، صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، أما غنيكم
فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله تعالى عليه أكثر مما أعطى))(١) زاد سليمان في
حديثه: غني أو فقير(٢).
١٦٢٠ - حدثنا علي بن الحسن الدرابجردي، حدثنا عبد الله بن يزيد،
حدثنا همام، حدثنا بكر - هو ابن وائل - عن الزهري، عن ثعلبة بن عبد الله، أو
قال: عبد الله بن ثعلبة، عن النبي وَالر، / ح/ وحدثنا محمد بن يحيى
النيسابوري، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا همام، عن بكر الكوفي، قال
[محمد] بن يحيى: هو بكر بن وائل بن داود، أن الزهري حدثهم، عن
عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير، عن أبيه، قال: قام رسول الله وَّيِ خطيباً فأمر بصدقة
الفطر، صاع تمر أو صاع شعير، عن كل رأس، زاد عليّ في حديثه: أو صاع بر
أَو قمح بين اثنين، ثم اتفقا: عن الصغير والكبير والحر والعبد(٣).
١٦٢١ - حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جُريْج،
قال: وقال ابن شهاب: قال عبد الله بن ثعلبة: قال [أحمد] بن صالح: قال
العدوي [قال أبو داود: قال أحمد بن صالح] وإِنما هو العذري: خطب
(١) قلت: في هذا حجة لمذهب من أجاز نصف الصاع من البر.
وفيه دليل على أنها واجبة على الطفل كوجوبها على البالغ، وفيه بيان أنها تلزم الفقير إذا
وجد ما يؤديه، ألا تراه يقول: ((وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى))، فقد أوجب
عليه أن يؤديها عن نفسه مع إجازته له أن يأخذ صدقة غيره.
وفي قوله: ((ذكر أو أنثى)) دليل لمن أسقط صدقة الزوجة عن الزوج، لأنه في الظاهر إيجاب
على المرأة، فلا يزول الفرض عنها إلا بدليل، وهو مذهب أصحاب الرأي وسفيان الثوري.
وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: يخرج الزوج عن زوجته لأنه
يمونها. وقد يروى فيه عن جعفر بن محمد عن أبيه أن النبي وَّر قال: ((عمن تمونون)).
قلت: إن صح قوله ((عمن تمونون)) وإلا فلا يلزمه ذلك عن زوجته، ولو كان لها عبيد كان
عليها إخراج الصدقة عنهم، فلأن يلزمها إخراجها عن نفسها أولى (خطابي).
(٢) قال المنذري: في إسناده النعمان بن راشد ولا يحتج بحديثه.
(٣) قال المنذري: [قال الإمام الشافعي: حديث المديني خطأ. وقال البيهقي: وقيل في هذا
الحديث: ((عن كل رأس))، وقيل: ((عن كل إنسان))، وبلغني عن محمد بن يحيى الذّهلي أنه
كان يميل إلى تصحيح رواية من رواه ((عن كل رأس، أو عن كل إنسان))].
١٨٥

٣ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(١٦٢١ - ١٦٢٣) حديث
رسول الله وَّر الناس قبل الفطر بيومين، بمعنى حديث المقرئ.
١٦٢٢ - حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا سهل بن يوسف، قال: حُميد:
أخبرنا عن الحسن١)، قال: خطب ابن عباس رحمه الله في آخر رمضان على
منبر البصرة، فقال: أَخرجوا صدقة صومكم، فكأنَّ الناس لم يعلموا، فقال: مَنْ
هاهنا من أهل المدينة؟ قوموا إلى إِخوانكم فعلموهم فإنهم لا يعلمون، فرض
رسول الله وَّر هذه الصدقة صاعاً من تمر، أو شعير، أو نصف صاع [من] قمح،
على كل حر، أو مملوك، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، فلما قدم عليّ رضي الله
عنه رأَى رُخْصَ السّغْر٢ُ) قال: قد أَوْسع الله عليكم، فلو جعلتموه صاعاً من كل
شيء، قال حميد: وكان الحسن يرى صدقة رمضان على من صام ).
٢١ - بابٌ في تعجيل الزكاة
٢٢
١٦٢٣ - حدثنا الحسن بن الصباح، حدثنا شبابة، عن ورقاء، عن أبي
الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: بعث النبي ◌َّر عمر بن الخطاب على
الصدقة فمنع ابن جَميلٌ ، وخالد بن الوليد، والعباس، فقال رسول الله القَلّ:
حُميد: وهو الطويل. والحسن: وهو البصري.
(١)
رخص بضم الراء وسكون الخاء: ضد الغلاء.
(٢)
وأخرجه أحمد في المسند مختصراً ومطولاً حديث ٢٠١٨ و٣٢٩١، وأخرجه النسائي في
(٣)
الزكاة باب مكيلة زكاة الفطر حديث ٢٥١٠. قال المنذري: [وقال : - أي النسائي - الحسن
لم يسمع من ابن عباس، وهذا الذي قاله النسائي هو الذي قاله الإمام أحمد وعلي بن
المديني وغيرهما من الأئمة، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: الحسن لم يسمع من
ابن عباس، وقوله: (خطبنا ابن عباس) يعني خطب أهل البصرة ... وقال ابن المديني
أيضاً: الحسن لم يسمع من ابن عباس. وما رآه قط. كان بالمدينة أيام ابن عباس على
البصرة]. (المنذري).
وفي هامش المنذري: الذي يقطع بسماع الحسن من ابن عباس ولقائه إياه ما رواه أحمد في
المسند بإسناد صحيح ٣١٢٦ (عن ابن سيرين أن جنازة مرت بالحسن وابن عباس، فقام الحسن
ولم يقم ابن عباس فقال الحسن لابن عباس: قام لها رسول الله رَّة؟ فقال: قام وقعد)).
(٤)
قيل: اسمه عبد الله، وقيل: لا يعرف اسمه، ويقال: نقم ينقم، كضرب يضرب، وكنصر
ينصر: إذا جعل الإحسان مما يؤديه إلى كفر النعمة، أي: أداء غناه إلى كفر نعمة الله. (من
هامش المنذري).
١٨٦

٣ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(١٦٢٣) حديث
((ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً، فأغناه الله(١)، وأما خالد بن الوليد فإنكم
(١) قوله: (ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله)) فيه دليل على أن مانع الصدقة إذا لم
يكن ممتنعاً بقتال وقوة وسلاح فإنها تستخرج منه ولا يعاقب عليه.
وإنما كان قتال أبي بكر مانعي الزكاة لأنهم امتنعوا من أدائها واعترضوا دونها بالسلاح.
وقوله: ((إن خالداً احتبس أدراعه وعتاده في سبيل الله))، فإن العتاد كل ما أعده الرجل من
سلاح أو مركوب وآلة للجهاد. يقال: أعتدت الشيء إذا هيأته، ومن هذا سميت عتيدة العطر
والزينة .
وتأويل هذا الكلام على وجهين: أحدهما أنه إنما طولب بالزكاة عن أثمان الأدراع والعتاد،
على أنها كانت عنده للتجارة، فأخبر النبي ◌ّ أنه لا زكاة عليه فيها إذ قد جعلها حبساً في
سبيل الله .
وفيه دليل على وجوب الزكاة في الأموال التي ترصد للتجارة، وهو كالإجماع من أهل
العلم. وزعم بعض المتأخرين من أهل الظاهر أنه لا زكاة فيها وهو مسبوق بالإجماع.
وفي الحديث دليل على جواز أحباس آلات الحروب من الدروع والسيوف والحجف. وقد
يدخل فيها الخيل والإبل، لأنها كلها عتاد للجهاد، وعلى قياس ذلك، الثياب والبسط
والفرش، ونحوها من الأشياء التي ينتفع بها مع بقاء أعيانها.
وفيه دليل على أن الوقف والحبس قد يصح، من غير إخراج من يد الواقف والمحبس،
وذلك أن الشيء لو لم يكن في يده لم يكن لمطالبته بالزكاة عنه معنى.
والوجه الآخر: أن يكون معناه أنه قد اعتذر لخالد ودافع عنه، يقول: إذا كان قد أحبس
أدراعه وعتاده في سبيل الله تبرراً وتقرباً إليه سبحانه، وذلك غير واجب عليه فكيف يجوز
عليه منع الصدقة الواجبة عليه.
وقوله في صدقة العباس: ((هي عليَّ ومثلها)) فإنه يتأول على وجهين: أحدهما أنه كان قد
تسلف منه صدقة سنتين فصارت ديناً عليه.
وفي ذلك دليل على جواز تعجيل الصدقة قبل محلها. وقد اختلف العلماء في ذلك فأجاز
كثير منهم تعجيلها قبل أوان محلها، وذهب إليه الزهري والأوزاعي وأصحاب الرأي
والشافعي، وكان مالك بن أنس لا يرى تعجيلها عن وقت محلها، وروي عن الحسن
البصري أنه قال: إن للصلاة وقتاً، وللزكاة وقتاً، فمن صلى قبل الوقت أعاد، ومن زكّى قبل
الوقت أعاد.
قلت: قول الحسن البصري ظاهر، والمعنى بخلافه، لأن الأجل إذا دخل في الشيء رفقاً
بالإنسان، فإن له أن يسوغ من حقه ويترك الارتفاق به، كمن عجل حقاً مؤجلاً لآدمي،
وكمن أدى زكاة مال غائب عنه، وإن كان على غير يقين من وجوبها عليه لأن من الجائز أن
يكون ذلك المال تالفاً في ذلك الوقت.
والوجه الآخر: هو أن يكون قد قبض ◌َل منه صدقة ذلك العام الذي شكاه فيها العامل=
١٨٧

٣ - كتاب الزكاة
(٢١) باب
(١٦٢٣ - ١٦٢٤) حديث
تظلمون خالداً، فقد احتبس أدراعه وأعتُدَهُ (١) في سبيل الله، وأما العباس عم
رسول الله وَّر فهي عليَّ، ومثلها))، ثم قال: ((أما شعرت أن عم الرجل صِنوُ
الأب))(٢)، ((أو صنْوُ أبيه)(٣).
١٦٢٤ - حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن
الحجاج بن دينار، عن الحكم، عن حُجيّة، عن علي، أن العباس (٤) سأل النبي
و10َ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخّص له في ذلك، [قال مرة: فأذن له في
ذلك](٥).
قال أبو داود: روى هذا الحديث هشيم عن منصور بن زاذان، عن الحكم،
وتعجل صدقة عام ثان، وقال: ((هي عليَّ ومثلها)) أي الصدقة التي قد حلت، وأنت تطالبه
=
بها مع مثلها من صدقة عام واحد لم تحل، وذلك أن بعض من أجاز تعجيل الصدقة لم
يجوزها أكثر من صدقة عام واحد.
وقد يحتمل معنى الحديث أن يكون ◌َّي قد تحمل بالصدقة وضمن أداءها عنه لسنتين ولذلك
قال: ((إن عم الرجل صنو أبيه)) يريد: أن حقه في الوجوب كحق أبيه عليه، إذ هما شقيقان
خرجا من أصل واحد، فأنا أنزهه عن منع الصدقة والمطل بها، وأؤديها عنه، والأول
أصوب لأن الضمان فيما لم يجب على العباس ضمان مجهول، وضمان المجهول غير
جائز. وقد روي أنه استأذن رسول الله # أن يأذن له في تعجيل صدقته فرخص له في
ذلك. وقد رواه أبو داود [برقم ١٦٢٤]. (خطابي).
(١) في نسخة (وأعتاده).
(٢) صنو أبيه: معناه أن العم شقيق الأب، وأصل ذلك في النخلتين تخرجان من أصل واحد
يقال: صنو وصنوان، وقنو وقنوان، وقل ما جاء من الجمع على هذا البناء (خطابي).
(٣) وأخرجه البخاري في الجهاد باب ٨٩ وفي الزكاة باب ٣٣ - ٤٩، ومسلم في الزكاة باب
١١، والنسائي في الزكاة حديث ٢٤٦٦، وأحمد في المسند (٣٢٢/٢).
(٤) وقد روي حديث العباس على خلاف هذا الوجه، وهو أنه قال في صدقته: هي عليه ومثلها
معها، وقد رواه أبو عبيد وقال: أرى أنه كان أخر عنه الصدقة عامين وليس وجه ذلك إلا
أنه يكون من حاجة بالعباس إليها، فإنه يجوز للإمام أن يؤخرها إذا كان ذلك على وجه
النظر ثم يأخذها منه بعد. حدثنيه عبد الله بن محمد المسكي، حدثنا علي بن عبد العزيز
عن أبي عبيد (خطابي).
(٥) وأخرجه الترمذي في الزكاة باب في تعجيل الزكاة حديث ٦٧٨، وابن ماجه في الزكاة باب
تعجيل الزكاة حديث ١٧٩٥، وحجية بن عدي - بضم الحاء وفتح الجيم وتشديد الياء
المفتوحة - قال عنه أبو حاتم الرازي: شيخ لا يحتج بحديثه، شبيه المجهول.
١٨٨

٣ - كتاب الزكاة
(٢١ - ٢٣) باب
(١٦٢٤ - ١٦٢٦) حديث
عن الحسن بن مسلم، عن النبي وَّر، وحديث هشيم أصح(١)،
٢٣
٢٢ - باب في الزكاة، هل تحمّل من بلد إلى بلد؟
١٦٢٥ - حدثنا نصر بن علي، أخبرنا أبي، أخبرنا إبراهيم بن عطاء مولى
عمران بن حصين، عن أبيه، أَن زياداً، أو بعض الأمراء، بعث عمران بن حصين
على الصدقة، فلما رجع قال لعمران: أَين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناها
من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله وَليّة، ووضعناها حيث كنا نضعها على
عهد رسول الله وَاليوم (٢).
٢٤
٢٣ - باب من يعطى من الصدقة، وحدُّ الغِنى
١٦٢٦ - حدثنا الحسن بن علي، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا سفيان، عن
حكيم بن جُبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله،
قال: قال رسول الله وَلّى: ((من سأل وله ما يغنيه، جاءت يوم القيامة خُموش(٣)،
(١) قال المنذري: [وذكر البيهقي: أن هذا الحديث مختلف فيه، وأن المرسل فيه أصح].
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على هذا الحديث: الحديث رواه أحمد في المسند
حديث ٨٢٢ عن سعيد بن منصور بالإسناد الذي رواه به أبو داود وهو إسناد صحيح،
والوصل زيادة ثقة، وحجية تابعي ثقة معروف (ترجمه البخاري في الكبير جزء ٢ صفحة
١١٩ رقم ١ وقال: ((سمع علياً)).
(٢) وأخرجه ابن ماجه في الزكاة باب في عمال الصدقة حديث ١٨١١.
(٣) قلت: ((الخموش هي الخدوش)) يقال: خمشت المرأة وجهها إذا خدشته بظفر أو حديدة أو
نحوها، والكدوح: الآثار من الخدش والعض ونحوه، وإنما قيل للحمار مكدح، لما به من
آثار العضاض.
وأما تحديده الغنى الذي يحرم معه الصدقة بخمسين درهماً، فقد ذهب إليه قوم من أهل
العلم ورأوه حداً في غنى من تحرم عليه الصدقة، منهم سفيان الثوري وابن المبارك
وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وأبى القول به آخرون وضعفوا الحديث للعلة التي
ذكرها يحيى بن آدم، قالوا: وأما ما رواه سفيان فليس فيه بيان أنه أسنده، وإنما قال: فقد
حدثنا زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد حسب، قالوا: وليس في الحديث أن من
ملك خمسين درهماً لم تحل له الصدقة، إنما فيه أنه كره له المسألة فقط، وذلك أن المسألة
إنما تكون مع الضرورة، ولا ضرورة بمن يجد ما يكفيه في وقته إلى المسألة.
=
١٨٩

٣ - كتاب الزكاة
(٢٣) باب
(١٦٢٦ - ١٦٢٧) حديث
أو خُدوش، أو كدوح في وجهه))، فقال: يا رسول الله، وما الغنى؟ قال:
((خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب))(١).
قال يحيى: فقال عبد الله بن عثمان لسفيان: حفظي أن شعبة لا يروي عن
حكيم بن جبير، فقال سفيان: فقد حدثناه زبيد، عن محمد بن عبد الرحمن بن
یزید .
١٦٢٧ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن
عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد، أنه قال: نزلت أنا وأهلي ببقيع
الغَزْقَد(٢)، فقال لي أهلي: إِذْهب إلى رسول اللهِ وَلِّ، فسله لنا شيئاً نأكله،
فجعلوا يذكرون من حاجتهم، فذهبت إلى رسول الله مَّهِ، فوجدت عنده رجلاً
يسأله، ورسول الله وَالهم يقول: ((لا أجد ما أعطيك))، فتولى الرجل عنه وهو
مُغْضَبٌ، وهو يقول: لعمري إِنك لتعطي من شئت، فقال رسول الله ◌َالتيٍ :
(يغضب على أن لا أجد ما أُعطيه، من سأل منكم وله أوقية أو عِذْلها، فقد سأل
إلحافاً). قال الأسدي: فقلت: للقحةٌ (٣) لنا خير من أوقية، والأوقية أربعون
وقال مالك والشافعي: لا حد للغنى معلوم، وإنما يعتبر حال الإنسان بوسعه وطاقته فإذا
=
اكتفى بما عنده حرمت عليه الصدقة وإذا احتاج حلت له.
قال الشافعي: قد يكون الرجل بالدرهم غنياً مع كسب، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه
و کثرة عياله.
وجعل أصحاب الرأي الحد فيه مئتي درهم، وهو النصاب الذي تجب فيه الزكاة، وإنما أمرنا
أن نأخذ الزكاة من الأغنياء وأن ندفعها إلى الفقراء، وهذا إذا ثبت أنه غني يملك النصاب
الذي تجب عليه فيه الزكاة، فقد خرج من حد الفقر الذي يستحق به أخذ الزكاة. (خطابي).
(١) وأخرجه الترمذي في الزكاة باب من تحل له الزكاة حديث ٦٥٠، وابن ماجه في الزكاة باب
من سأل عن ظهر غنّى حديث ١٨٤٠، والنسائي في الزكاة باب حد الغنى حديث ٢٥٩٣.
وقال الترمذي: [حديث حسن وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث].
والحديث رواه أحمد أيضاً في المسند حديث ٣٦٧٥، والحاكم (١/ ٤٠٧).
(٢) هو مدفن أهل المدينة. والبقيع: المكان المتسع من الأرض، وقيل: لا يسمى بقيعاً إلا إذا
كان فيه شجر من ضروب شتى. والغرقد من شجر العضاة: شجر له شوك، وقيل: الطلح
والسدر، وكان فيه ذلك قبل فذهب وبقي اسمه. (من هامش المنذري).
(٣) اللقحة: الناقة المرية: وهي التي تمري أي التي تحلب وجمعها لقاح، والأوقية عند أهل=
١٩٠

٣ - كتاب الزكاة
(٢٣) باب
(١٦٢٧ - ١٦٢٩) حديث
درهما، قال: فرجعت ولم أسأله، فقدم على رسول الله وَّر بعد ذلك شعير
[أو](١) زبيب، فقسم لنا منه، أو كما قال، حتى أغنانا الله عز وجل!(٢).
قال أبو داود: هكذا رواه الثوري كما قال مالك.
١٦٢٨ - حدثنا قتيبة بن سعيد، وهشام بن عمار، قالا: حدثنا
عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غَزِيَّة، عن عبد الرحمن بن أَبي
سعيد الخدري، عن أبيه [أبي سعيد] قال: قال رسول الله وَالر: ((من سأل وله
قيمة أوقية فقد ألحف))، فقلت: ناقتي الياقوتة هي خير من أوقية، قال هشام:
خير من أربعين درهما، فرجعت، فلم أسأله [شيئاً]. زاد هشام في حديثه:
وكانت الأوقية على عهد رسول الله (َّ أربعين درهما(٣) .
١٦٢٩ - حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا مسكين، حدثنا محمد بن
المهاجر، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي كبشة السلولي، حدثنا سهل بن
الحنظلية(٤)، قال قدم على رسول الله رَُّ عُيينة بن حصن، والأقرع بن حابس،
فسألاه، فأمر لهما بما سألا، وأمر معاوية فكتب لهما بما سألا، فأما الأقرع فأخذ
كتابه، فلفه في عمامته وانطلق، وأما عيينة فأخذ كتابه، وأتى النبي ◌َّ مكانه،
فقال: يا محمد، أتراني حاملاً إلى قومي كتاباً لا أدري ما فيه كصحيفة(0)
الحجاز أربعون درهماً. وذهب أبو عبيد القاسم بن سلام في تحديد الغني إلى هذا الحديث،
وزعم أن من وجد أربعين درهماً حرمت عليه الصدقة. وقوله: أو عدلها، يريد: قيمتها،
يقال: هذا عدل الشيء أي: ما يساويه في القيمة وهذا عدله، بكسر العين، أي: نظيره
ومثله في الصورة والهيأة. (خطابي).
(١) ليست في النسخة الهندية؛ وعند النسائي [شعير وزبيب].
(٢) وأخرجه النسائي في الزكاة باب الإلحاف في المسألة حديث ٢٥٩٧.
(٣) وأخرجه النسائي في الزكاة باب الإلحاف في المسألة حديث ٢٥٩٦.
(٤) هو سهل بن الربيع الأنصاري، الأوسي. والحنظلية: أمه.
(٥) صحيفة المتلمس لها قصة مشهورة عند العرب، وهو المتلمس الشاعر، وكان هجا عمرو بن
هند الملك، فكتب له كتاباً إلى عامله يوهمه أنه أمر له فيه بعطية، وقد كان كتب إليه يأمره
بقتله فارتاب المتلمس به ففكه وقُرئ له، فلما علم ما فيه رمى به ونجا فضربت العرب
المثل بصحيفته بعده (خطابي).
١٩١

٣ - كتاب الزكاة
(٢٣) باب
(١٦٢٩ - ١٦٣٠) حديث
المتلمس(١)، فأخبر معاوية بقوله رسول الله وَ له، فقال رسول الله وَلير: ((من سأل
وعنده ما يُغنيه فإنما يستكثر من النار))، وقال النفيلي في موضع آخر: ((من جمر
جهنم))، فقالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟ وقال النفيلي في موضع آخر: وما
الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: ((قدر ما يغدِّيه ويُعشيه))(٢)، وقال النفيلي
في موضع آخر: ((أن يكون له شبع يوم وليلة، أو ليلة ويوم)) وكان حدثنا به
مختصراً على هذه الألفاظ التي ذكرت.
١٦٣٠ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد الله - يعني ابن عمر بن
غانم - عن عبد الرحمن بن زياد أنه سمع زياد بن نُعيم الحضرمي، أنه سمع
زياد بن الحارث الصُّدائي، قال: أتيت رسول الله اَلر، فبايعته، فذكر حديثاً
طويلاً [قال]: فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله وعليه :
((إِن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو،
فجزّأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء(٣)
(١) المتلمس: هو جرير بن عبد المسيح الضبعي، شاعر جاهلي مشهور، هجا هو وطرفة بن
العبد، عمرو بن هند ملك الحيرة، فكتب لهما كتابين إلى عامله، أوهمهما أنه كتب لهما
بجوائز، وهو إنما كتب إليه بقتلهما، فأما المتلمس ففض الكتاب وعرف ما فيه فهرب ونجا،
وأما طرفة فذهب ورفع الكتاب إلى العامل يطمع في الجائزة فقتل. وسمي المتلمس لبيته
الذي قاله، وهو:
وتأبيره والأزرق المتلمس
فهذا أوان العرض جر ذبابه
(٢) وقوله: ((ما يغديه ويعشيه))، فقد اختلف الناس في تأويله فقال بعضهم: من وجد غداء يومه
وعشاءه لم تحل له المسألة على ظاهر الحديث.
وقال بعضهم: إنما هو فيمن وجد غداء وعشاء على دائم الأوقات، فإذا كان عنده ما يكفيه
لقوته المدة الطويلة فقد حرمت عليه المسألة.
وقال آخرون: هذا منسوخ بالأحاديث التي تقدم ذكرها.
قلت: وإنما أعطاهما رسول الله وَ ل من سهم المؤلفة قلوبهم، فإن الظاهر من حالهما أنهما
ليسا بفقيرين وهما سيدا قومهما ورئيسا قبائلهما (خطابي).
(٣) قلت في قوله: ((فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك))، دليل على أنه لا يجوز جمع الصدقة
كلها في صنف واحد، وأن الواجب تفرقتها على أهل السهمان بحصصهم ولو كان معنى الآية
بيان المحل دون بيان الحصص، لم يكن للتجزئة معنى، ويدل على صحة ذلك قوله: ((أعطيتك
حقك)) فبين أن لأهل كل جزء على حِدة حقاً وإلى هذا ذهب عكرمة وهو قول الشافعي.
١٩٢

٣ - كتاب الزكاة
(٢٣) باب
(١٦٣٠ - ١٦٣١) حديث
أَعطيتك حقَّك (١).
١٦٣١ - حدثنا عثمان بن أبي شيبة وزهير بن حرب، قالا: حدثنا جرير،
عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال ◌َ له: ((ليس المسكين
الذي ترده التمرة والتمرتان والأكلة والأكلتان (٢)، ولكن المسكين الذي لا يسأل
وقال إبراهيم النخعي: إذا كان المال كثيراً يحتمل الأجزاء قسمه على الأصناف، وإن كان
=
قليلاً جاز أن يوضع في صنف واحد.
وقال أحمد بن حنبل: تفريقها أولى ويجزئه أن يضعه في صنف واحد.
وقال أبو ثور: إن قسمه الإمام قسّمه على الأصناف، وإن تولى قسمه رب المال فوضعه في
صنف واحد رجوت أن يسعه.
وقال مالك بن أنس: يجتهد ويتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأولى فالأولى من أهل
الخلة والفاقة فإن رأى الخلة في الفقراء في عام أكثر قدمهم. وإن رآها في أبناء السبيل في
عام آخر حولها إليهم.
وقال أصحاب الرأي: هو مخير يضعه في أي الأصناف شاء. وكذلك قال سفيان الثوري،
وقد روي ذلك عن ابن عباس، وهو قول الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح.
وفي قوله: ((إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو) دليل
على أن بيان الشريعة قد يقع من وجهين: أحدهما: ما تولى الله بيانه في الكتاب وأحكم
فرضه فيه، فليس به حاجة إلى زيادة من بيان النبي وَّر وبيان شهادات الأصول.
والوجه الآخر: ما ورد ذكره في الكتاب مجملاً ووكل بيانه إلى النبي بَّه فهو يفسره قولاً
وفعلاً، أو يتركه على إجماله ليتنبه فقهاء الأمة ويستدركوه استنباطاً واعتباراً بدلائل الأصول،
وكل ذلك بيان مصدره عن الله سبحانه وتعالى وعن رسوله وَّة.
ولم يختلفوا في أن السهام الستة ثابتة مستقرة لأهلها في الأحوال كلها، وإنما اختلفوا في سهم
المؤلفة، فقالت طائفة من أهل العلم: سهمهم ثابت يجب أن يعطوه، هكذا قال الحسن البصري.
وقال أحمد بن حنبل: يعطون إن احتاج المسلمون إلى ذلك. وقالت طائفة: انقطعت المؤلفة
بعد رسول الله ◌َّ روي ذلك عن الشعبي. كذلك قال أصحاب الرأي.
وقال مالك: سهم المؤلفة يرجع على أهل السهام الباقية.
وقال الشافعي: لا يعطى من الصدقة مشرك يتألف على الإسلام. وأما العاملون فهم السعاة
وجباة الصدقة فإنما يعطون عمالة قدر أجرة مثلهم. فأما إذا كان الرجل هو الذي يتولى
إخراج الصدقة وقسمها بين أهلها فليس فيها للعاملين حق (خطابي).
(١) فيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وقد تكلم فيه غير واحد.
(٢) قلت: الأكلة مضمومة، اللقمة، والأكلتان: اللقمتان، فأما الأكلة مفتوحة فهي: الواحدة
والمرة من الأكل.
=
١٩٣

٣ - كتاب الزكاة
(٢٣) باب
(١٦٣١ - ١٦٣٢) حديث
الناس شيئاً ولا يفطنون به فيعطونه))(١).
١٦٣٢ - حدثنا مُسدد وعبيد الله بن عمر وأبو كامل، المعنى، قالوا: حدثنا
عبد الواحد بن زياد، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي
= وفي الحديث دليل على أن المسكين في الظاهر عندهم والمتعارف لديهم: هو السائل
الطواف، وإنما نفى وَّلتر عنه اسم المسكنة لأنه بمسألته تأتيه الكفاية، وقد تأتيه الزيادة عليها
فتزول حاجته ويسقط عنه اسم المسكنة، وإنما تدوم الحاجة والمسكنة ممن لا يسأل ولا
يفطن له فيعطى.
وقد اختلف الناس في المسكين والفقير والفرق بينهما، روي عن ابن عباس أنه قال:
((المساكين هم الطوافون، والفقراء فقراء المسلمين»، وعن مجاهد وعكرمة والزهري: أن
المسكين الذي يسأل، والفقير الذي لا يسأل.
وعن قتادة: أن الفقير: الذي به زمانة، والمسكين: الصحيح المحتاج.
وقال الشافعي: الفقير من لا مال له ولا حرفة تقع منه موقعاً زمناً كان أو غير زَمن،
والمسكين من له مال أو حرفة لا تقع منه موقعاً ولا تغنيه، سائلاً كان أو غير سائل، وقال
بعض أهل اللغة: المسكين الذي لا شيء له، والفقير من له البلغة من العيش، واحتج بقول
الراعي :
وفق العيال فلم يترك له سيد
أما الفقير الذي كانت حلوبته
قال: فجعل للفقير حلوبة، وقال غيره من أهل اللغة: إنما اشترط له الحلوبة قبل الفقر، فلما
انتزعت منه ولم يترك له سبد صار فقيراً لا شيء له، قال: والمسكين أحسن حالاً من
الفقير، واحتج بقول الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ ﴾ [الكهف:
٧٩] فأثبت لهم مع المسكنة ملكاً وكسباً، وهما: السفينة والعمل بها في البحر. وقال بعض
من ينصر القول الأول: إنما سماهم مساكين مجازاً وعلى سبيل الترحم والشفقة عليهم إذ
كانوا مظلومين، وقيل: إن المسكنة مشتقة من السكون والخشوع اللازمين لأهل الحاجة
والخصاصة، والميم زيادة في الاسم.
وقيل: إن الفقير مشبه بمن أصيب فقاره فانقصف ظهره، من قولهم: فقرت الرجل إذا
أصبت فِقاره كما يقال: بطنته إذا أصبت بطنه، ورأسته إذا أصبت رأسه، إلى ما أشبه ذلك
من نظائر هذا الباب. ويشبه أن يكون الفقير أشدهما حاجة ولذلك بدئ بذكره في الآية على
سائر أصناف أهل الفاقة والخلة. والفقر هو الذي يقابل الغنى، إذا قيل فقير وغني، فصار
أصلاً للفاقة وعنه يتفرع المسكنة وغيرها من وجوه الحاجة (خطابي).
(١) وأخرجه البخاري في الزكاة باب لا يسألون الناس إلحافاً (١٥٣/٢)، ومسلم في الزكاة باب
المسكين الذي لا يجد غنّى حديث ١٠٣٩، والنسائي في الزكاة باب تفسير المسكين حديث
٢٥٧٣.
١٩٤

٣ - كتاب الزكاة
(٢٣) باب
(١٦٣٢ - ١٦٣٤) حديث
هريرة، قال: قال رسول الله وَي مثله، قال: ((ولكن المسكين المتعفف)) زاد
مُسدد في حديثه ((ليس له ما يستغني به، الذي لا يسأل ولا يُعلم بحاجته فيُتصدَّق
عليه فذاك المحروم)) ولم يذكر مُسدد ((المتعفف الذي لا يسأل)) (١).
قال أبو داود: روى هذا [الحديث] محمد بن ثور وعبد الرزاق عن معمر،
وجعلا المحروم من كلام الزهري، وهو أصح.
١٦٣٣ - حدثنا مُسدد، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا هشام بن عروة، عن
أبيه، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي وَّل
في حَجَّة الوداع وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها، فرفع فينا البصر وخفَضَه، فرآنا
جَلَدَيْن، فقال: ((إِن شئتما أعطيتكما(٢)، ولا حظّ فيها لغني ولا لقوي مُكتسِب)) (٢).
١٦٣٤ - حدثنا عباد بن موسى الأنباري الخُتَّليُّ، حدثنا إبراهيم - يعني ابن
سعد - قال: أخبرني أبي، عن ريحان بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي
وَّله قال: ((لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة سَوِيٍ)) (٤).
قال أبو داود: رواه سفيان عن سعد بن إبراهيم كما قال إبراهيم، ورواه
شعبة عن سعد قال: ((لذي مِرَّة قوي))، والأحاديث الأخر عن النبي ◌َّ بعضُها
((لذي مرة قوي))، وبعضها ((لذي مرة سوي))، وقال عطاء بن زهير: إِنه لقي
(١) وأخرجه النسائي حديث ٢٥٧٤ بنحوه وليس فيه (فذلك المحروم).
(٢) وأخرجه النسائي في الزكاة باب القوي المكتسب حديث ٢٦٩٩.
(٣) قلت: هذا الحديث أصل في أن من لم يعلم له مال فأمره محمول على العدم.
وفيه أنه لم يعتبر في منع الزكاة ظاهر القوة والجلد دون أن يضم إليه الكسب، فقد يكون
من الناس من يرجع إلى قوة بدنه، ويكون مع ذلك أخرق اليد لا يعتمل، فمن كان هذا
سبيله لم يمنع من الصدقة بدلالة الحديث. وقد استظهر ◌َّ* مع هذا في أمرهما بالإنذار
وقلدهما الأمانة فيما بطن من أمرهما (خطابي).
(٤) قلت: معنى المِرّة القوة، وأصلها: من شدة فتل الحبل، يقال: أمررت الحبل إذا أحكمت فتله،
فمعنى المرة في الحديث: شدة أسر الخلق، وصحة البدن التي يكون معها احتمال الكد والتعب.
وقد اختلف الناس في جواز أخذ الصدقة لمن يجد قوة يقدر بها على الكسب، فقال
الشافعي لا تحل له الصدقة، وكذلك قال إسحاق بن راهويه وأبو عبيد.
وقال أصحاب الرأي: يجوز له أخذ الصدقة إذا لم يملك مائتي درهم فصاعداً (خطابي).
١٩٥

٣ - كتاب الزكاة
(٢٣ - ٢٤) باب
(١٦٣٤ - ١٦٣٥) حديث
عبد الله بن عمرو فقال: إِن الصدقة لا تحل لقوي ولا لذي مرة سوي(١) .
٢٥
٢٤ - باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني
١٦٣٥ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن
عطاء بن يسار، أن رسول الله وسلم قال: ((لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة(٢):
لغازٍ في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل
كان له جار مسكين فتُصدِّق على المسكين فأداها المسكين للغني)(٣) .
(١) وأخرجه الترمذي باللفظ الأول، في الزكاة باب من لا تحل له الصدقة حديث ٦٥٢ وقال:
[حديث حسن، وذكر أن شعبة لم يرفعه] ا.هـ.
وقال المنذري: وفي إسناده ريحان بن يزيد. قال يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم
الرازي: شيخ مجهول.
(٢) هذا الحديث أخرجه ابن ماجه مسنداً في الزكاة: باب من تحل له الصدقة حديث ١٨٤١
مسنداً عن أبي سعيد الخدري.
(٣) قلت: فيه بيان أن للغازي وإن كان غنياً أن يأخذ الصدقة ويستعين بها في غزوه، وهو من
سهم سبيل الله. وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال
أصحاب الرأي: لا يجوز أن يعطى الغازي من الصدقة إلا أن يكون منقطعاً به.
قلت: سهم السبيل غير سهم ابن السبيل، وقد فرق الله بينهما بالتسمية، وعطف أحدهما
على الآخر بالواو الذي هو حرف الفرق بين المذكورين المنسوق أحدهما على الآخر،
فقال: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِّ﴾ [التوبة: ٦٠] والمنقطع به، هو ابن السبيل، فأما
سهم: السبيل فهو على عمومه وظاهره في الكتاب. وقد جاء في هذا الحديث ما بينه ووكد
أمره فلا وجه للذهاب عنه.
وفي قوله: ((أو رجل اشتراها بماله)) دليل على أن المصدق إذا تصدق بالشيء، ثم اشتراه من
المدفوع إليه، فإن البيع جائز، وقد كرهه أكثر العلماء مع تجويزهم البيع في ذلك، وقال
مالك بن أنس: إن اشتراه فالبيع مفسوخ.
وأما الغارم الغني، فهو الرجل يتحمل الحمالة ويدَّان في المعروف وإصلاح ذات البين، وله
مال إن بيع فيها افتقر، فيوفر عليه ماله ويعطى من الصدقة ما يقضي به دينه، وأما الغارم
الذي يدَّان لنفسه وهو معسر فلا يدخل في هذا المعنى لأنه من جملة الفقراء.
وأما العامل فإنه يعطى منها عمالة على قدر عمله وأجرة مثله فسواء كان غنياً أو فقيراً فإنه
يستحق العمالة إذا لم يفعله متطوعاً، وأما المهدي له الصدقة فهو إذا ملكها فقد خرجت عن
أن تكون صدقة، وهي ملك لمالك تام الملك جائز التصرف في ملكه.
وقد روي أن بريرة أهدت لعائشة لحماً تُصدق به عليها فقربته لرسول الله وُّلُ وأخبرته=
١٩٦

٣ - كتاب الزكاة
(٢٤ - ٢٥) باب
(١٦٣٦ - ١٦٣٨) حديث
١٦٣٦ - حدثنا الحسن بن علي، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن
زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله
وَالر، بمعناه.
قال أبو داود: ورواه ابن عيينة عن زيد كما قال مالك، ورواه الثوري عن
زيد قال: حدثني الثّبْتُ عن النبيِ وَّر .
١٦٣٧ - حدثنا محمد بن عوف الطائي، حدثنا الفريابي، حدثنا سفيان، عن
عمران البارقي، عن عطية(١)، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَّةٍ: ((لا
تحل الصدقة لغني، إلا في سبيل الله، أو ابن السبيل، أو جار فقير يُتصدَّق عليه
فيهدي لك أو يدعوك)).
قال أبو داود: ورواه فِراسٌ وابن أبي ليلى عن عطية [عن أبي سعيد عن
النبيِ وَل﴾ِ مثله].
٢٦
٢٥ - باب، كم يُعطى الرجل الواحد من الزكاة؟
١٦٣٨ - حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا أبو نعيم، حدثني
سعيد بن عبيد الطائي، عن بشير بن يسار، زعم أن رجلا من الأنصار يقال له
سهل بن أبي حثْمَة أخبره، أَن النبي ◌َّ وَدَاه بمائة من إِبل الصدقةُ(١١ - يعني ديَة
بشأنها، فقال: ((هذا أوان بلَغَت حِلَّها)) وكان رسول الله ◌َّةٍ لا تحل له الصدقة (خطابي).
=
(١) عطية أحد رواته: هو ابن سعد، أبو الحسن، العوفي الكوفي، ولا يحتج بحديثه (المنذري).
(٢) قلت: يشبه أن يكون النبي 85* إنما أعطاه ذلك من سهام الغارمين، على معنى الحمالة في
إصلاح ذات البين، إذ كان قد شجر بين الأنصار وبين أهل خيبر في دم القتيل الذي وجد
بها منهم، فإنه لا مصرف لمال الصدقات في الديات.
وقد يحتج بهذا من يرى جمع الصدقة في صنف واحد من أهل السهام الثمانية، وهذا
محتمل، ولكن في وسع رسول الله 85* أن يسوي بين الأصناف من صدقات مختلفة، ولعله
قد كان يجتمع عنده من سهم الغارمين مئون وألوف، فليس فيما يحتج به من ذلك كبير
درك .
وقد اختلف الناس في قدر ما يعطاه الفقير من الصدقة، فكره أصحاب الرأي أن يبلغ به
مائتي درهم إذا لم يكن عليه دين أو له عيال. وكان سفيان الثوري يقول: لا يدفع إلى
الرجل من الزكاة أكثر من خمسين درهماً، وكذلك قال أحمد بن حنبل. وعلى مذهب=
١٩٧

٣ - كتاب الزكاة
(٢٥ - ٢٦) باب
(١٦٣٨ - ١٦٤٠) حديث
الأنصاري الذي قتل بخيبر _ (١).
٢٦
٢٦ - باب ما تجوز فيه المسألة
١٦٣٩ - حدثنا حفص بن عمر النمري، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن
عمير، عن زيد بن عقبة الفزاري، عن سمرة، عن النبي ◌َالي(٢) قال: ((المسائل
كُدوحٌ يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إِلا
أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بداً)) (٣).
١٦٤٠ - حدثنا مُسدد، حدثنا حماد بن زيد، عن هارون بن رباب، قال:
حدثني كنانة بن نعيم العدوي، عن قبيصة بن مُخارق الهلالي، قال: تحمَّلت
حَمالة، فأتيت النبي وَلير، فقال (٤): ((أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك
بها)) ثم قال: ((يا قبيصة، إِن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل
حمَالة، فحلت له المسألة، فسأل حتى يصيبها ثم يمسك، ورجلٌ أصابته جائحة،
فاجتاحت ماله فحلت له المسألة فسأل حتى يصيب قِواماً من عيش)) أو قال:
((سداداً من عيش)) ((ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من
= الشافعي يجوز أن يعطى على قدر حاجته من غير تحديد فإذا زال اسم الفقر عنه لم يعط
(خطابي).
(١) وأخرجه مطولاً ومختصراً، البخاري في الصلح والجزية والأحكام والديات. ومسلم في
الحدود .
وسيأتي عند أبي داود في الديات باب القتل بالقسامة حديث ٤٥٢١، والنسائي في القسامة،
والترمذي في الديات، باب في القسامة حديث ١٤٢٢، وابن ماجه في الديات، باب القسامة
حديث ٢٦٧٧، ومالك في القسامة حديث رقم (١).
(٢) وأخرجه الترمذي في آخر كتاب الزكاة حديث ٦٨١، والنسائي في الزكاة باب مسألة الرجل
ذا سلطان حديث ٢٦٠٠.
(٣) قلت: قوله: ((إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان أو في أمر لا يجد منه بدآ)) هو أن يسأله حقه
من بيت المال الذي في يده، وليس هذا على معنى استباحة الأموال التي تحويها أيدي بعض
السلاطين من غصب أملاك المسلمين (خطابي).
(٤) وأخرجه مسلم في الزكاة باب من تحل له المسألة حديث ١٠٤٤، والنسائي في الزكاة باب
الصدقة لمن تحمل بحمالة حديث ٢٥٨٠.
١٩٨

٣ - كتاب الزكاة
(٢٦) باب
(١٦٤٠) حديث
قومه: قد أصابت فلاناً الفاقة، فحلت له المسألة، فسأل حتى يصيب قِواماً من
عيش، أو سداداً من عيش، ثم يمسك، وما سواهن من المسألة يا قبيصَةُ سُخْتٌ
يأكلها صاحبها سُحتاً))(١).
(١) قلت: في هذا الحديث علم كثير وفوائد جمة، ويدخل في أبواب من العلم والحكم، وذلك
أنه قد جعل من تحل له المسألة من الناس أقساماً ثلاثة: غنياً وفقيرين، وجعل الفقر على
ضربين، فقراً ظاهراً، وفقراً باطناً.
فالغني الذي تحل له المسألة: هو صاحب الحمالة، وهي: الكفالة، والحميل الكفيل
والضمين، وتفسير الحمالة أن يقع بين القوم التشاجر في الدماء والأموال، ويحدث بسببهما
العداوة والشحناء، ويخاف منها الفتق العظيم، فيتوسط الرجل فيما بينهم ويسعى في إصلاح
ذات البين، ويتضمن مالاً لأصحاب الطوايل، يترضاهم بذلك حتى تسكن الثائرة وتعود بينهم
الألفة، فهذا الرجل صنع معروفاً وابتغى بما أتاه صلاحاً، فليس من المعروف أن تورّك
الغرامة عليه في ماله، ولكن يعان على أداء ما تحمله منه، ويعطى من الصدقة قدر ما يبرئ
به ذمته ويخرج من عهدة ما تضمنه منه.
وأما النوع الأول من نوعي أهل الحاجة: فهو رجل أصابته جائحة في ماله فأهلكته،
والجائحة في غالب العرف هي ما ظهر أمره من الآفات: كالسيل يغرق متاعه، والنار تحرقه،
والبرد يفسد زرعه وثماره، في نحو ذلك من الأمور، وهذه أشياء لا تخفى آثارها عند كونها
ووقوعها، فإذا أصاب الرجل شيء منها فذهب ماله وافتقر حلت له المسألة، ووجب على
الناس أن يعطوه الصدقة من غير بينة يطالبونه بها على ثبوت فقره واستحقاقه إياها.
وأما النوع الآخر: فإنما هو فيمن كان له ملك ثابت وعرف له يسار ظاهر، فادعى تلف ماله
من لص طرقه، أو خيانة مما أودعه، أو نحو ذلك من الأمور التي لا يبين لها أثر ظاهر في
المشاهدة والعيان، فإذا كان ذلك، ووقعت في أمره الريبة في النفوس لم يعط شيئاً من
الصدقة إلا بعد استبراء حاله والكشف عنه بالمسألة عن أهل الاختصاص به والمعرفة بشأنه،
وذلك معنى قوله: حتى يقول ثلاثة من ذوي الجحى من قومه: قد أصابت فلاناً الفاقة،
واشتراطه الحجى تأكيد لهذا المعنى، أي لا يكونوا من أهل الغباوة والغفلة ممن يخفى
عليهم بواطن الأمور ومعانيها، وليس هذا من باب الشهادة ولكن من باب التبين والتعرف،
وذلك أنه لا مدخل لعدد الثلاثة في شيء من الشهادات، فإذا قال نفر من قومه أو جيرانه أو
من ذوي الخبرة بشأنه: إنه صادق فيما يدعيه أعطي الصدقة.
وفيه من العلم: أن من ثبت عليه حق عند حاكم من الحكام فطلب المحكوم له به حبسه،
وادعى المطلوب الإفلاس والعدم، فإن الواجب في ذلك أن ينظر، فإن كان الطالب إنما
استحقه عليه بسبب فيه تمليك مثل أن يقرضه مالاً أو يبيعه متاعاً فيقبضه إياه فإنه يحبس،
ولا يقبل قوله في العُذْم لأنه قد ثبت له ملك ما صار إليه، وحصل في يده من ذلك،
فالظاهر من حاله الوجد واليسار، حتى تقوم دلالة على إفلاس حادث بعده، فإن أقام البينة=
١٩٩

٣ - كتاب الزكاة
(٢٦) باب
(١٦٤١) حديث
١٦٤١ - حدثنا عبد الله بن مسلمة، أخبرنا عيسى بن يونس، عن
الأخضر بن عجلان، عن أبي بكر الحنفي، عن أنس بن مالك، أن رجلاً من
الأنصار أتى النبي ◌َّ يسأله، فقال: ((أما في بيتك شيء)»؟ قال: بلى، حِلْسٌ:
نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقَعْبٌ نشرب فيه من الماء، قال: ((ائتني بهما»، قال:
فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله وَل# بيده وقال: ((من يشتري هذين))؟ (١) قال
رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال: ((من يزيد على درهم))؟ مرتين أو ثلاثا، قال
رجل: ((أنا آخذهما بدرهمين))، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما
الأنصاري، وقال: ((اشتر بأحدهما طعاماً، فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدُوماً
فأتني به)) فأتاه به، فشدّ فيه رسول الله وَ ل ◌َّ عوداً بيده، ثم قال له: ((اذهب
على ذلك لم يحبس، وخلي عنه وإن كان ذلك مستحقاً عليه بجناية من إتلاف مال أو أرش
=
جراحة جرحه بها في بدنه، أو من قبل مهر امرأة، أو ضمان، أو ما أشبهها، مما لم يتقدم
فيه تمليك ولا إِقباض، فإنه لا يحبس له، وينظر فإن كان له ملك ظاهر انتزع له منه، أو
بيع عليه، وإلا أُنظر إلى الميسرة.
وأصل الناس العدم والفقر، وقد روي عن رسول الله وَ 8* قال: ((إن أحدكم يسقط من بطن
أمه ليس عليه قشرة ثم يرزقه الله تعالى ويغنيه)) أو كما قال. وثبت عن رسول الله وَلقر أنه
قال: ((مطل الغني ظلم)). وقال: ((ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته)) فإنما جعله ظالماً مع
الوجد والغنى فلا يجوز حبسه وعقوبته وهو ليس بظالم.
وفي قوله: ((أقم حتى تأتينا صدقة فنأمر لك بها)» دليل على جواز نقل الصدقة من بلد إلى
أهل بلد آخر. وفيه: أن الحد الذي ينتهي إليه العطاء في الصدقة، هو الكفاية التي يكون بها
قوام العيش وسداد الخلة، وذلك يعتبر في كل إنسان بقدر حاله ومعيشته، ليس فيه حد
معلوم يحمل عليه الناس كلهم مع اختلاف أحوالهم (خطابي).
(١) في هذا الحديث من الفقه، جواز بيع المزايدة، وأنه ليس بمخالف لنهيه أن يبيع الرجل على
بيع أخيه، لأن ذلك إنما هو بعد وقوع العقد ووجوب الصفقة وقبل التفرق من المجلس،
وهذا إنما هو في حال المراودة والمساومة وقبل تمام المبايعة.
وفيه: إثبات الكسب والأمر به. وفيه: أنه لم ير الصدقة تحل له مع القوة على الكسب.
وقوله: ((فقر مدقع)) فهو الفقر الشديد، وأصله من الدقعاء، وهو التراب، ومعناه الفقر الذي
يفضي به إلى التراب، لا يكون عنده ما يقي به التراب. ((والغرم المفظع)): هو أن تلزمه
الديون الفظيعة الفادحة حتى ينقطع به، فتحل له الصدقة، فيعطى من سهم الغارمين. (والدم
الموجع) هو أن يتحمل حمالة في حقن الدماء وإصلاح ذات البين فتحل له المسألة فيها،
وقد فسرناه فيما مضى (خطابي).
٢٠٠