Indexed OCR Text
Pages 381-400
وأما المنذري: فأشار في ((الترغيب)) (٣ / ٢٠٩) إلى إعلاله بـ ( الحارث )
فقال :
((رواه الطبراني في ((الأوسط)) من رواية الحارث الأعور عنه)). وصرح بذلك
الهيثمي فقال (٨ / ١٨٩) :
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه الحارث، وهو ضعيف)).
ثم وجدت ما ينفي إعلال العقيلي الحديث بـ ( نعيم) وقوله: ((لا يتابع عليه))،
فقد تابعه سعيد بن محمد الجرمي : ثنا يعقوب بن أبي المتئد به .
أخرجه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٠ / ٢٣٥).
وسعيد بن محمد الجرمي ثقة من شيوخ الشيخين ، وذكر الحافظ المزي أنه روی
عن ( يعقوب بن أبي المتئد خال سفيان بن عيينة ) .
ثم رأيت المرسل الذي تقدم نقله مرسلاً عن ((علل ابن أبي حاتم)) قد أسنده
عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١١ / ١٧٢ / ٢٠٢٣٧)، ومن طريقه البيهقي في
((الشعب)) (٦ / ٣١٢ / ٨٣٠٠) عن معمر، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
(١٤ / ٤٣ / ١٧٥٠١)، وابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٦ / ٢٦) عن
أبي الأحوص ؛ كلاهما عن أبي إسحاق عن عبد الله بن أبي حسین به مرسلاً ،
وقال البيهقي :
((هذا مرسل حسن )).
ورأيت قد وصله بعض الضعفاء، فقال محمد بن سليمان (لُوَيْن ) : ثنا
محمد بن جابر عن أبي إسحاق عن [ ابن ] أبي الحسين عن كعب بن عجرة
٣٨١
*:... فذكره. قال (لوين): يقال - والله أعلم -: عبد الله
قال : قال رسول الله ـ
ابن أبي الحسين يكنى ( أبا الحسين ) .
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٩ / ١٥٥ / ٣٤٣).
ومحمد بن جابر، هو اليمامي السُّحيمي ، قال الذهبي في (( المغني)):
(( قال البخاري : ليس بالقوي عندهم . وقال أحمد : له مناكير . وقال ابن
معين : عمي واختلط . وقال أبو حاتم: هو أمثل من ابن لهيعة )).
ولخص هذه الكلمات في (( الكاشف)) فقال:
((سيئ الحفظ)).
ونحوه قول الحافظ في (( التقريب »:
(( صدوق ذهبت كتبه ؛ فساء حفظه ، وخلط كثيراً وعمي ؛ فصار يلقن ،
ورجحه أبو حاتم على ابن لهيعة )).
قلت : ومما ذكرنا من هذه الأقوال عن هؤلاء الأئمة الجبال يظهر أن الهيثمي
غلا - على خلاف عادته - حين قال (٨ / ١٨٩):
(( رواه الطبراني، وفيه محمد بن جابر السحيمي، وهو متروك)).
نعم ؛ لا أشك في وهمه في إسناده عن كعب ؛ مخالفته الثقات - كما تقدم -،
على أنهم لم يذكروا لابن أبي حسين رواية عن أحد من الصحابة ؛ إلا عن عامر
ابن واثلة، وقد تأخرت وفاته إلى سنة (١١٠). وذكر بعضهم أنه لم يسمع من
عثمان، وكعب مات بعد الخمسين ، فالظاهر أنه لم يسمع منه . والله أعلم .
٣٨٢
وقد يشهد للحديث رواية علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عن عقبة
ابن عامر مرفوعاً .
(( يا عقبة! ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟» ... فذكرهن.
أخرجه ابن أبي الدنيا (٥ / ١٩)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٧ /
٢٦٩ / ٧٣٩)، وفي ((مكارم الأخلاق)) (٥٦ / ٥٦)، ورواه أحمد (٤ / ١٤٨)
بنحوه .
وعلي بن يزيد - هو: الألهاني -، قال في ((المغني)) :
((ضعفوه، وتركه الدارقطني)).
وروي نحوه عن عطاء مرسلاً. وتقدم برقم ( ٥٩١٢).
٦٦٦١ - ( تجافَوا - وفي رواية: تجاوزوا - عن ذِئْبِ السَّخيّ، فإنّ الله
آخذٌ بيده كلما عَثُرَ ) .
ضعيف . روي عن عبد الله بن مسعود ، وعبد الله بن عباس .
١ - أما حديث ابن مسعود؛ فيروى من طريقين واهيين عن الأعمش عن
إبراهيم عن علقمة عنه .
أما الطريق الأولى ؛ فيرويها بشر بن عبيد الدارسي ، قال : حدثنا محمد بن
حمید العتکي عنه .
أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط)) (٢ / ١١٤ - ١١٥ / ١١٢١)، وعنه
أبو نعيم في ((الحلية)) (٥ / ٥٨ - ٥٩)، وقال الطبراني:
٣٨٣
(( لم يروه عن الأعمش إلا محمد بن حميد، تفرد به بشر)).
قلت: روى عنه جماعة من الثقات منهم أبو حاتم، وذكره ابن حبان في (( الثقات ))
(٨ / ١٤١) فما أبعد، وكذبه الأزدي ، وجرحه ابن عدي بما لا ينهض ؛ كما
حققته في (( تيسير الانتفاع))، فقول الهيثمي في ((المجمع)) (٦ / ٢٨٢):
((رواه الطبراني في «الأوسط))، وفيه عبيد الله (!) الدارسي؛ وهو ضعيف)).
قلت: فهو مما لا يعتمد عليه؛؛ وإنما علة هذه الطريق في نقدي ( محمد بن
حميد العتكي )؛ فإني لم أجد له ترجمة ، فالظاهر أنه من شيوخ ( بشر) المجاهيل
الذين أشار إليهم ابن عديفي ترجمته .
وقول الطبراني: ((لم يروه عن الأعمش إلا محمد بن حميد))، يخالفه ما
يأتي ، فأقول :
وأما الطريق الأخرى ؛ فيرويها عبد الرحمن بن حماد البصري ، قال : ثنا
الأعمش به .
هكذا أخرجه أبو نعيم (٤ / ١٠٨) من طريق إبراهيم بن حماد الأزدي،
والبيهقي في ((الشعب)) (٤٣٣/٧ / ١٠٨٦٧)(١)، والأصبهاني في (( الترغيب))
(٢ / ٦٣٦ / ١٥٢١) من طريق أبي خالد يزيد بن محمد العقيلي، كلاهما
قالا : ثنا عبد الرحمن البصري به . وقال أبو نعيم :
((غريب من حديث الأعمش ، لم نكتبه إلا من هذا الوجه)).
(١) وسقط من روايته ((عن علقمة))، ولذلك قال عقبه: ((هكذا جاء منقطعاً بين إبراهيم وابن
مسعود )) .
٣٨٤
قلت : هكذا وقع في رواية الأزدي والعقيلي : ( عبد الرحمن بن حماد ) ، ولم
أجد لهما ترجمة ؛ فكأنهما مجهولان ، وقال البيهقي :
(((وقيل: عبد الرحيم بن حماد عن الأعمش ... )) إلخ.
ثم ساق إسناده من طريق إبراهيم بن أحمد بن النعمان : نا عبد الرحيم بن
حماد البصري ... فذكره . وهذا إسناد مجهول ضعيف ، وعبد الرحيم ينفرد به ،
واختلف عليه في إسناده .
قلت: وعبد الرحيم هذا؛ قال العقيلي في ((الضعفاء)) (٣ / ٨٢).
(( روى عن الأعمش مناكير، وما لا أصل له من حديث الأعمش)).
قلت : وقد مضى له حديث آخر في المجلد الثاني عشر برقم ( ٥٧٥٩). وثالث
في المجلد السابع برقم ( ٣٠٠٩) ، وقال فيه أبو نعيم:
(متروك الحديث)).
وهذه فائدة لا تجدها في كتب الرجال .
وأما ابن حبان فلم يعرفه؛ فذكره في ((الثقات)) (٨ / ٤١٣)!
٢ - وأما حديث ابن عباس ؛ فيرويه تميم بن عمران القرشي عن محمد بن
عقبة المكي عن فضيل بن عياض عن ليث عن مجاهد عنه .
أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط)) (٦ / ٣٣٢ / ٥٧٠٦)، والبيهقي
(١٠٨٦٩) ، وقال الطبراني:
٣٨٥
(( لا يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد ، تفرد به محمد بن عبيد الله
الجدعاني)).
قلت : ولم أعرفه ، وكذا شیخه ( تمیم ) وشیخ هذا؛ ولكنه لم یتفرد به ، بل
تابعه أبو الفيض ذو النون بن إبراهيم المصري قال : حدثنا فضيل بن عياض به .
أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٠ / ٤)، والخطيب في ((التاريخ)) (٨ /
٣٣٤ - ٣٣٥) .
وذو النون هذا هو الزاهد العارف؛ تكلم فيه الدارقطني، انظر ((الميزان))
و((اللسان)). وعلة الحديث ليث - وهو: ابن أبي سليم الحمصي -؛ وكان اختلط ،
وقال البيهقي في إسناد الجدعاني :
(«في هذا الإسناد مجاهيل )) . وقال الهيثمي :
(رواه الطبراني في «الأوسط))، وفيه جماعة لم أعرفهم)).
قلت : والأولى إعلاله بالليث ؛ لما ذكرت من المتابعة . والله سبحانه وتعالى أعلم .
والحديث ذكره المنذري في ((الترغيب)) (٣ / ٢٤٩ / ٢٦) من حديث ابن
مسعود ، وأشار لضعفه ، وقال :
(( رواه ابن أبي الدنيا والأصبهاني . ورواه أبو الشيخ من حديث ابن عباس )).
ولعل أصل الحديث: ما رواه الطبراني في (( الأوسط)) (٧٥٥٨) من طريق
أخرى يستشهد بها عن ابن مسعود مرفوعاً بلفظ :
(( أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم».
٣٨٦
وله شاهد من حديث عائشة رضي الله عنها بإسناد قوي ؛ ولذلك خرجتهما
في (( الصحيحة)) (٦٣٨).
وروي بلفظ :
((أقيلوا السخي زلته ... )) الحديث، وقد مضى تخريجه برقم ( ٢٨٧٠).
٦٦٦٢ - (إذا جمعَ اللّهَ بين الخلائقِ يومَ القيامة؛ نادى منادٍ: أينَ أهلُ
الفضْلِ ؟ قال: فيقومُ ناسٌ؛ وهم يسيرٌ؛ فينطلقونَ سِراعاً إلى الجنّةِ ؛
فتلقاهم الملائكةُ، فيقولونَ: وما فضلكم؟ فيقولونَ : كنا إذا ظُلِمنا،
صَبَرَنا ، وإذا أُسيء إلينا؛ حَلِمنا . فيقالُ لهم: ادخُلوا الجنّةَ؛ ﴿فَنِعْمَ أجرُ
العَاملين﴾ ) .
ضعيف جداً. أخرجه الأصبهاني في (( الترغيب والترهيب)) (٩٧٢ / ٢٣٧٤)
من طريق أبي المطرف مغيرة الشامي عن العرزمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه
عن جده مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف جداً؛ آفته ( العرزمي ) هذا ، وهو متروك بالاتفاق ،
واسمه ( محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي )؛ ولأنه لم يسم في
الإسناد، لم يعرفه المعلقون الثلاثة على ((الترغيب)) للمنذري (٣ / ٤٠٥)،
ولذلك أعلوه بالراوي عنه ، فقالوا :
(( وفيه مغيرة بن بكار الشامي مجهول )).
وهذا الإعلال وإن كان في واقعه صحيحاً؛ لأنه قول ابن أبي حاتم (٨ / ٢١٩)
٣٨٧
عن أبيه ، ووافقه الذهبي والعسقلاني ، فهو في الوقت نفسه يدل على جهل هؤلاء
المعلقين بهذا العلم؛ لأنه لا يجوز فيه النزول بالإعلال ، وفي العلو علة أخرى ، ولا
سيما إذا كانت أقوى من العلة الدنيا ، - كما هو الشأن هنا -؛ ولكنها الجهالة ،
وادعاء العلم والتحقيق الذي يعبر عنه بعضهم بالتزبب قبل التحصرم ! والله
المستعان .
وقد أشار المنذري إلى تضعيف الحديث بقوله :
((وروي عن عمرو بن شعيب ... )).
ولقد كنت أتمنى له أن يفصح عن علته الأقوى ؛ حتى لا يتشبث بما دونها من
لا علم عنده .
٦٦٦٣ - (إنّ المسلمَ إذا لقيَ أخاه، فأخذَ بيده؛ تحاَّتْ ذنوبُهما كما
يتحاتُّ الورقُ اليابسُ من الشَّجَر في يوم عاصفٍ ، وإلا؛ غُفِرَ لهما، وإنْ
كانت ذنوبُهما مثْلَ زَد البحْرِ ) .
ضعيف جداً. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٦ / ٣١٥ / ٦١٥٠):
حدثنا الحسين بن إسحاق التستري : ثنا عبيد الله بن عمر القواريري : ثنا سالم بن
غيلان قال : سمعت جعداً أبا عثمان يقول : حدثني أبو عثمان النهدي عن سلمان
الفارسي رضي الله عنه أن النبي
ثُ قال :... فذكره .
وأخرجه البيهقي في (( الشعب)) (٦ / ٤٧٣ / ٨٩٥٠) من طريق ابن أبي
قماش قال : نا القواريري قال : نا سالم بن غيلان بن سالم به .
٣٨٨
قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات ؛ غير سالم بن غيلان - وهو: البصري -، لا
المصري، قال البرقاني في ((سؤالات البرقاني)) (٣٥ / ٢٠٥):
(( وسألته عن ( سالم بن غيلان)؛ يروي عنه ابن وهب ؟ فقال : بصري
متروك )» .
قلت : هكذا وقع فيه : ( بصري ) ، ولا أدري إذا كان محفوظاً ؛ فإن ابن وهب
مصري مشهور ، فإذا صحت هذه النسبة فيه ؛ فهو نص من الدارقطني أنه لا يعني
( سالم بن غيلان التجيبي المصري )؛ فإن هذا قد وثقه جمع ، ويشكل عليه أن
البخاري وابن أبي حاتم ذكرا ابن وهب في ترجمته ، وتبعهما على ذلك من جاء
بعدهما كصاحب (( تهذيب الكمال )» وفروعه ، وفيها ذكر هؤلاء قول الدارقطني
المذكور! فإما أن يقال : إن الدارقطني شذ بتركه إياه عن الذين وثقوه ، وإما أن
يقال : إنه عنى غيره ؛ فلم يشذ . وهذا لعله أرجح ؛ لأنه يوافق ما جاء في التعليق
على (( تهذيب الحافظ المزي)) ( ١٠ / ١٦٩ - ١٧٠ ):
(( وجاء في حاشية النسخة من تعقبات المؤلف ( المزي) على صاحب ((الكمال))
قوله : وذکر في الأصل أنه يروي عن الجعد أبي عثمان أيضاً ، ويروي عنه عبيد الله
ابن عمر القواريري أيضاً. وذلك وهم ؛ إنما ذلك رجل آخر من أهل البصرة متأخر
عن طبقة هذا، يقال له : ( أبو الفيض سالم بن عبد الأعلى )، وبعضهم يقول :
( سالم بن غيلان )، وهو أحد الضعفاء المشهورين بالضعف )) .
قلت: سالم بن عبد الأعلى ذكره الذهبي بكنيته هذه في ((المقتنى )) وقال :
((سمع عطاء، واه )).
٣٨٩
وذكر في (( الميزان )» أنه روى عن نافع أيضاً .
فقول المزي: (( متأخر ... )) فيه نظر .
والمقصود : أن المزي صرح بأن ( سالم بن غيلان ) الذي روى عن ( الجعد )
وعنه ( القواريري ) هو غير ( سالم بن غيلان ) الذي روى عن غير ( الجعد ) وعنه
ابن وهب وغيره ، فكان ينبغي على من جاء بعده أن يميزوا بينهما ؛ حتى لا يختلط
الأمر ، ويتميز الثقة من الواهي ، وهذا ما لم يتنبه له الحافظ المنذري ، ثم الهيثمي
فقال الأول في ((الترغيب)) (٣ / ٢٧١) :
(( رواه الطبراني بإسناد حسن))!
وقال الهيثمي (٨ / ٣٧) :
((رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح؛ غير سالم بن غيلان وهو ثقة))!
وقلده المعلقون الثلاثة على ((الترغيب)) (٣ / ٤٢٥)!
ولعل ما في إسناد البيهقي ( سالم بن غيلان بن سالم) مما يرجح أنه غير
( سالم بن غيلان ) الثقة .
وإن مما يؤكد أنه الضعيف الواهي ؛ أنه زاد في آخر الحديث :
((( وإن كانت ذنوبهما مثل زبد البحر)).
فإنها لم ترد في الأحاديث التي بمعناه وفيها ما هو صحيح، وقد خرجت
بعضها في ((الصحيحة)) (٢٢٥، ٢٢٦، ٢٦٩٢).
٣٩٠
٦٦٦٤ - ( إذا غضبَ أحدُكم وهو قائمٌ؛ فليجْلس ، فإنْ ذهبَ عنه
الغضبُ ، وإلا ؛ فلْيضطجعْ ) .
ضعيف . أخرجه أحمد (٥ / ١٥٢) : ثنا أبو معاوية: ثنا داود بن أبي هند
عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبي ذر قال :
كان يسقي على حوض له ، فجاء قوم ، فقال: أيكم يورد على أبي ذر
ويحتسب شعرات من رأسه ؟ فقال رجل : أنا ، فجاء الرجل ، فأورد عليه الحوض
فدقه ، وكان أبو ذر قائماً فجلس ، ثم اضطجع ، فقيل له : يا أبا ذر ! لم جلست ثم
اضطجعت ؟ قال: فقال: إن رسول الله ﴿ قال لنا :... فذكره .
قلت : وهذا إسناد ظاهره الصحة ؛ فإن رجاله كلهم ثقات رجال مسلم ؛ لكن له
علة خفية لم أرمن تنبه لها؛ ولذلك قال الحافظ العراقي في (( تخريج الإحياء))
(٣ / ١٧٤) :
( رواه أحمد بإسناد جيد ، وأبو داود ، وفيه عنده انقطاع ، سقط منه ( أبو
الأسود ) )).
قلت : وهنا تكمن العلة ؛ فإن أبا داود أخرجه (٤٧٨٢ ) ، ومن طريقه البيهقي
في ((الشعب)) (٦ / ٣٠٩ / ٨٢٨٤)، وكذا البغوي في ((شرح السنة)) (١٣ /
١٦٢ / ٣٥٨٤)، فقال - أعني: أبا داود -: حدثنا أحمد بن حنبل: حدثنا أبو
معاوية .
قلت: فذكره دون قوله: ((عن أبي الأسود))، فهو منقطع - كما تقدم عن
العراقي -؛ لكن الحافظ المزي ، وهَّم أبا داود في روايته هذه، فإنه ساق في (( تهذيبه ))
(٣٣ / ٢٣٥) رواية أحمد المتصلة ، ثم أشار لرواية أبي داود هذه، وقال :
٣٩١
((ولم يقل: ((عن أبي الأسود))، وذلك معدود من أوهامه )) .
فأقول : ليس من السهل توهيم أبي داود لثقته وحفظه وضبطه الذي عرف به ،
مع احتمال أن الوهم على الإمام أحمد من أحد رواة (( مسنده )) ، وبخاصة منهم :
الحسن بن علي بن محمد ابن المذهب ، راويه عن أبي بكر القطيعي أحمد بن
جعفر بن حمدان الراوي له عن عبد الله بن أحمد عن أبيه ؛ فإنهما مع اعتماد
العلماء على روايتهما إياه ، فقد قال الحافظ الذهبي في آخر ترجمة ( ابن المذهب ) :
(( قلت : الظاهر من ابن المذهب أنه شيخ ليس بمتقن ، وكذلك شيخه ابن
مالك، ومن ثم وقع في ((المسند)) أشياء غير محكمة المتن ، ولا الإسناد . والله
أعلم)). وأقره الحافظ في ((اللسان)). هذا ما يتعلق بالعلة الخفية.
وفي الإسناد علة أخرى ؛ وهي الاختلاف على داود بن أبي هند ، فقد أخرجه
أبو داود عقب روایته عن أحمد من طریق خالد عن داود عن بکر :
** بعث أبا ذر بهذا الحديث . وقال أبو داود :
أن النبي
(( وهذا أصح الحديثين)).
يعني : أنه مرسل .
وقد خولف ( خالد ) - وهو: ابن عبد الله الواسطي الطحان -؛ فقد أخرجه
الديلمي في (( مسنده)) من طريق ابن أبي شيبة : حدثنا عبد الرحيم بن سليمان
عن داود عن بكر عن أبي ذر. فأسنده عن أبي ذر! قال الحافظ في ((الغرائب
الملتقطة)) (١ / ١/٣٥):
((قلت : بكر عن أبي ذر منقطع)).
٣٩٢
والخلاصة ؛ أن مدار الحديث على داود بن أبي هند ، وأنه اختلف عليه على
وجوه ثلاثة :
الأول : أبو معاوية عنه عن أبي حرب عن أبي ذر منقطعاً .
الثاني : خالد عنه عن بكر - وهو: ابن عبد الله المزني - مرسلاً .
الثالث : عبد الرحيم بن سليمان عنه عن بكر عن أبي ذر منقطعاً .
قلت : ورواة هذه الوجوه عنه كلهم ثقات ، وهذا يعني أن داود بن أبي هند لم
يتقن إسناده، وقد وصفه بعض الحفاظ بشيء من الوهم مع اتفاقهم على توثيقه ،
فقال ابن حبان في ((الثقات)) (٦ / ٢٧٨) :
((كان من خيار أهل البصرة من المتقنين في الروايات ؛ إلا أنه كان يهم إذا
حدث من حفظه )) . وقال أحمد :
((كان كثير الاضطراب والخلاف)). ولذلك قال الحافظ في «التقريب)):
(( ثقة متقن، وكان يهم بأخَرة )) .
وثمة وجه آخر من الخلاف عليه سنداً ومتناً ؛ إلا أن راويه من لا يوثق به ، وهو
إسحاق بن عبد الواحد الموصلي : ثنا خالد بن عبد الله عن داود بن أبي هند عن
بكر بن عبد الله المزني عن عمران بن حصين قال: سمعت النبي {م يقول :
((إذا غضبت ؛ فاجلس)).
أخرجه الخرائطي في ((مساوئ الأخلاق)) (١٦١ / ٣٤٢).
وإسحاق هذا: قال الذهبي في (( الميزان)):
٣٩٣
(( واه ، قال أبو علي الحافظ: متروك)).
هذا ؛ وقد كنت ذهبت قديماً إلى تصحيح الحديث جرياً على ظاهر إسناد
أحمد ، وتبعاً لمن قواه من سلف ، والآن وقد تبينت علته ، فأنا راجع عنه ، وقد
يعجب هذا ناساً ، ويغضب آخرين ، وليس يهمني هذا ولا هذا ، وإنما إرضاء رب
العالمين ، وهو ولي التوفيق .
٦٦٦٥ - ( من اعتذرَ إلى أخيه ، فلم يعذِرْ، أو يقبلْ عذْرَه؛ كان عليه
٥
مثلُ خَطیئةٍ صاحبٍ مَكْسٍ ) .
ضعيف . روي من حديث جابر بن عبد الله بلفظين ، هذا أحدهما ؛ أخرجه
الطبراني في « المعجم الأوسط)) (٩ / ٢٩٣ / ٨٦٣٩)، والبيهقي في ((شعب
الإيمان)) (٦ / ٣٢١ - ٣٢٢ / ٨٣٣٨) من طريق عبد الله بن صالح: حدثني
الليث قال : حدثني إبراهيم بن أعين عن أبي عمرو العبدي عن أبي الزبير
عنه به .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ مسلسل بالعلل :
الأولى : عنعنة أبي الزبير .
الثانية : جهالة أو ضعف أبي عمرو العبدي هذا ؛ فإني لم أجد من ذكره في
((الكنى)) أو سماه. ولكن يغلب على ظني أنه المذكور في ((تهذيب الكمال)) وما
تفرع عنه :
((عقبة بن عبد الله الأصم الرفاعي العبدي البصري ، روى عن ... ( فذكر
جمعاً)، روى عنه إبراهيم بن أعين، و ... )).
٣٩٤
ثم ساق أقوال الحفاظ فيه ، وأكثرها على تضعيفه . مثل قول ابن معين
والنسائي :
((ليس بثقة)) . وذكر في الحاشية : أن الحافظ يعقوب الفسوي قال :
((ضعيف)).
وهو الذي تبناه الحافظ الذهبي في ((الكاشف))، والعسقلاني في «التقريب)):
الثالثة : إبراهيم بن أعين - وهو: العجلي البصري نزيل مصر -: قال ابن أبي
حاتم (١/١ / ٨٧) عن أبيه:
(( شيخ بصري ، ضعيف الحديث ، منكر الحديث ، وقع إلى مصر)).
وقال البخاري في ((التاريخ)) (١ / ٢٧٢ / ٨٧٥):
(( فيه نظر في إسناده )) .
وأما ابن حبان فذكره في ((الثقات)) (٨ / ٥٧). وفرق بينه وبين (إبراهيم
ابن أعين الشيباني الرملي ) . وهو الظاهر . والله تعالى أعلم .
الرابعة : عبد الله بن صالح - وهو: كاتب الليث -: فيه ضعف معروف ؛ مع
كونه من شيوخ البخاري .
ومع كل هذه العلل ، فقد اقتصر الهيثمي على العلة الثالثة فقال في ((المجمع ))
( ٨ / ٨١ ) :
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه (إبراهيم بن أعين)، وهو ضعيف)).
٣٩٥
وكذا عزاه شيخه العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٢ / ١٨٤) وقال:
(( ... بسند ضعيف)).
والحديث ساقه ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢ / ٣١٥ - ٣١٦ / ٢٤٦١) عن
أبيه هكذا : حدثنا أبو صالح كاتب الليث عن الليث عمن حدثه عن أبي الزبير
عن جابر .
فأسقط من الإسناد رجلاً ، ولم يسم الآخر .
وبهذا ينتهي الكلام على اللفظ الأول من حديث جابر .
وأما اللفظ الآخر؛ فيرويه علي بن قتيبة الرفاعي قال : حدثنا مالك بن أنس
عن أبي الزبير به ، ولفظه :
((من اعتُذِر إليه فلم يقبل؛ لم يرد علي الحوض)).
أخرجه الطبراني في «الأوسط)) أيضاً (٢ / ٢١ / ١٠٣٣)، وأبو القاسم
الأصبهاني في ((الترغيب)) (١ / ٢٠٩ / ٤٣٧)، وقال الهيثمي:
(( رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه علي بن قتيبة الرفاعي، وهو ضعيف)).
قلت : حاله أسوأ مما قال ؛ فقد قال ابن عدي (٥ / ٢٠٧) فيه :
« منکر الحدیث )) . ثم ساق له حدیثین هذا أحدهما ، ثم قال :
((وهذه الأحاديث باطلة عن مالك)). ونحوه قول ابن عبد البر في ((التمهيد))
(٢ /٣٠٩) :
٣٩٦
(( حديث غريب من حديث مالك ، ولا أصل له في حديث مالك عندي)).
وأول حديثه عند ابن عدي والأصبهاني :
(( بروا آباءكم ، تبركم أبناؤكم ، وعفَوا تعفّ نساؤكم ، ومن تُنصِّل إليه فلم
يقبل ؛ لم يرد عليَّ الحوض)).
وقد ذكر المنذري في ((الترغيب)» (٣ / ٢٩٣) رواية التنصل هذه عقب رواية
الطبراني اللفظ الأول ؛ دون أن يعزوها لأحد بقوله :
((وفي رواية، قال رسول الله عَليهٍ: من تُنُصِّل ... )).
فأوهم أنها من رواية الطبراني ، وليس كذلك .
ثم وجدت لرواية ( أبي عمرو العبدي ) متابعاً من الحسن بن عمارة عن أبي
الزبير به .
أخرجه الحارث بن أبي أسامة في ((مسنده)) ( ق ١٠٦ / ٢ - بغية الباحث ).
والحسن بن عمارة : متروك ؛ فلا يفرح بمتابعته .
وقد عزاه الحافظ في ((المطالب العالية)) إليه (٢ / ٣٩٥ / ٢٥٦٠)، وسكت
عنه .
وروي الحدیث بإسناد فيه عنعنة ابن جريج .. عن ( جودان ) رفعه .
وهو مرسل ضعيف ، و( جودان ) : لم تثبت صحبته ، وهو مجهول . وقول
المنذري : إنه رواه أبو داود في (( المراسيل )) وابن ماجه بإسنادين جيدين ؛ فهو من
أوهامه ؛ كما حققته في (( التعليق الرغيب )).
٣٩٧
٦٦٦٦ - (إنّ النّميمةَ والحقدَ - وفي رواية: النميمةَ؛ وهو الكذب -
والشتيمةَ والحقيبةَ في النّار، لا يجتمعانِ في قلُّب مسْلمٍ) .
ضعيف جداً. أخرجه أبو أمية الطرسوسي في (( مسند عبد الله بن عمر ))
(٢٥ /١٩)، والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٥ / ٣٣٠ - ٣٣١ /٤٦٥٠)
- والسياق له -، وابن عدي في ((الكامل)) (٥ / ٣٨١) - والرواية الأخرى له -
من طريق عفير بن معدان قال : حدثنا عطاء بن أبي رباح قال : سمعت ابن عمر
يقول : ... فذكره مرفوعاً .
ذكره ابن عدي في ترجمة ( عفير بن معدان ) في أحاديث أخرى ساقها له ،
وختمها بقوله :
(( وله غير ما ذكرت من الحديث ، وعامة رواياته غير محفوظة)).
قلت : وهو ممن اتفقوا على تضعيفه ، واتهمه أبو حاتم ، وتقدمت له أحاديث
موضوعة تدل على حاله ، فانظر على سبيل المثال رقم (٢٩٣ و٨١٧). وقال
الهيثمي عقب الحديث ( ١ / ١٠٢ ) :
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه - عفير بن معدان -: أجمعوا على
ضعفه )) .
وأحياناً يقول فيه: ((ضعيف جداً)) ــ كما في الحديث (٢٩٣) المشار إليه
آنفاً ..
وأما تعقيب الطبراني على الحديث بقوله :
((لم يروه عن عطاء إلا عفير، ولا يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد)).
٣٩٨
قلت: فيرده أنه أخرجه هو في ((المعجم الكبير)) (١٢ / ٤٤٥ / ١٣٦١٥)،
وكذا ابن عدي ( ٧ / ٢٧١ ) من طريق أبي فروة يزيد بن محمد بن سنان
الرهاوي : حدثني أبي عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح ، قال :
سمعت عبد الله بن عمر ... فذكره بلفظ :
:
((النميمة، والشتيمة، والحمية في النار، ولا يجتمعن في صدر مؤمن)).
وقال ابن عدي :
(( هذا الحديث عن عطاء غير محفوظ ؛ يرويه ( يزيد بن سنان ) عنه )).
قلت : ضعيف ، وهو الجد ، ويكنى بـ ( أبي فروة ) أيضاً كحفيده الذي في هذا
الإسناد ؛ وهو ( یزید بن محمد بن يزيد بن سنان أبو فروة الرهاوي ) كما ساقه ابن
أبي حاتم (٤ / ٢/ ٢٨٨)، وقال :
(( كتب إلى أبي وإليّ )) .
ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً .
وأورده كذلك ابن حبان في «الثقات)»، وقال (٩ / ٢٧٦):
((حدثنا عنه أبو عروبة، مات سنة (٢٦٩))).
وأما ابنه ( محمد بن يزيد بن سنان ) ، فقال ابن أبي حاتم :
(( سألت أبي عنه ؟ فقال : ليس بالمتين ، هو أشد غفلة من أبيه ، مع أنه كان
رجلاً صالحاً لم يكن من أحلاس الحديث ، صدوق يرجع إلى ستر وصلاح ، وكان
النفيلي پرضاه )) .
٣٩٩
٦٦٦٧ - ( إيّاكِم والكِبْرَ؛ فإنّ الكِبْرَ يكونُ في الرّجلِ، وإنّ عليه
العباءة)(*).
ضعيف جداً. أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (١ / ٣٢٩ /٥٤٧):
حدثنا أحمد بن القاسم قال : حدثنا عمي عيسى بن المساور قال : حدثنا سويد
ابن عبد العزيز قال : حدثنا عبد الله بن حميد قال : حدثنا طاوس عن عبد الله
ابن عمر مرفوعاً . وقال :
«لم يروه عن طاوس إلا عبد الله بن حميد ، تفرد به سويد )) .
قلت : وهو ضعيف متروك ، ضعفه الجمهور ، وتركه أحمد والبخاري ، وذكره
ابن حبان في (( الضعفاء » (١ / ٣٥٠)، وقال :
((كان كثير الخطأ، فاحش الوهم ، يجيء في أخباره من المقلوبات أشياء ؛
يتخايل إلى من سمعها أنها عملت تعمداً ، والذي عندي : تنكّب ما خالف
الثقات ، والاحتجاج بما وافق الثقات ، وهو ممن أستخير الله فيه ؛ لأنه يقرب من
الثقات)). وقال الذهبي في (( الميزان)):
(( وقد هَرَتَ ( أي: طعن ) ابن حبان سويداً ، ثم آخر شيء قال: وهو ممن
أستخير الله فيه ؛ لأنه يقرب من الثقات . قلت : لا ، ولا كرامة ؛ بل هو واه جداً)).
وأقول : الذي فهمته من ترجمة ابن حبان إياه بما قدم وأخر : أنه لما كان ( سويد )
قريباً من الثقات في عدالته وعلمه(١)؛ استخار الله تعالى في إيراده إياه في ((الضعفاء))
بعد أن سبر حديثه ، وتبين له سوء حفظه . فإذا كان كذلك ؛ فتعقيب الذهبي عليه
(*) كتب الشيخ رحمه الله فوق هذا المتن: ((تقدم تخريجه مختصراً برقم (٥٢٦٣))) (الناشر).
(١) وصفه الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) (١٣ / ٢٢٠) بأنه كان من كبار العلماء.
٤٠٠