Indexed OCR Text

Pages 321-340

قلت : فالعجب من بعض المشتغلين بهذا العلم في العصر الحاضر ، من الذين
لا يعبأون باجتهادات الحفاظ الذين سبقونا في هذا المجال ، وتعقيباتهم على بعض
الحفاظ المتقدمين ، وبخاصة من كان معروفاً بالتساهل في التوثيق کابن حبان مثلاً!
فقد رأيت اتفاق رأي الحافظ ابن حجر مع الذين حكموا بجهالة ( أبي سليمان
الليثي ) ، وترجيحه لضعف الراوي عنه ، مع هذا كله ترى الأخ الداراني في تعليقه
على ((موارد الظمآن)) (٨ / ١٠٠) يعرض عن ذلك كله، ويقول: ((إسناده حسن))!
تقليداً لابن حبان! الذي لا يكاد يخالفه في توثيقه للمجهولين والضعفاء إلا فيما
ندر !
وليس هذا فقط ؛ بل زاد على ذلك ، فختم تخريجه - الذي سود به صفحتين -
بقوله :
(( ويشهد له حديث ابن عمر عند الرامهرمزي، ذكره صاحب (( الكنز)) فيه
برقم ( ١٣٣٢) وقال: وسنده صحيح )) !!
وهذا من تمام تقليده ، واتباعه لهواه! وإلا ؛ فما الذي جعله يركن إلى هذا
النقل والتصحيح ، وواقع إسناده يكذبه ؛ فإن فيه متهماً! وكتاب ( الرامهرمزي )
- وهو: ((الأمثال)) - مطبوع، ولا أعتقد إلا أنه في حوزته ، أو على الأقل يمكنه أن
يرجع إليه ليرَى وهاء سنده، فلم لم يفعل ؟! أو أنه فعل فرأى ما ذكرت ؛ أحلاهما مر!
قال الرامهرمزي في ((الأمثال)) (١٢٦ / ٣٩): حدثني قتادة بن رستم
الطائي : ثنا عبيد بن آدم العسقلاني : ثنا أبي عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن
عمر مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناده رجاله ثقات ، فكأنه مما ألصقه بهذا الحديث وركبه عليه
٣٢١

( قتادة) هذا؛ فإنه مجهول ليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، ولا في (( ثقات
ابن حبان))! وإنما ذكره الحافظ الذهبي في (( الميزان)) لحديث آخر له موضوع ، تقدم
تخریجه برقم ( ١٦٥٨ )، وقال فيه :
((هذا وإن كان معناه حقاً؛ فهو موضوع ... )).
فمثل هذا المجهول لا ينبغي الاستشهاد به ؛ فضلاً عن أن يصحح إسناده الذي
ركبه على هذا الحديث الضعيف ؛ ليروجه به .
ومن هنا يظهر خطأ الشيخ شعیب أيضاً الذي بعد أن ضعف إسناد حديث
الترجمة وخرجه ، أنهاه بقوله :
« وله شاهد یتقوی به من حديث ابن عمر عند الرامهرمزي ... » . ثم ساقه ؛
ولكنه صرح بجهالة ( قتادة ) وقال :
((ومع ذلك فقد أورده السيوطي في ((الجامع الكبير)) (٢ / ٧٤٠) عن
الرامهرمزي وصحح إسناده )» !!
٦٦٣٨ - (يبعثُ اللهُ الحجرَ الأسودَ والركنَ اليمانيَّ يومَ القيامةِ ولهما
عينانِ ولسانانِ وشفتانٍ ، يشهدان لمن اسْتلمهما بالوفاء ).
منكر بذكر: ( الركن اليماني). أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير))
(١١ / ١٨٢ / ١١٤٣٢) قال: حدثنا إبراهيم بن أحمد الوكيعي: ثنا بكر بن
محمد القرشي : ثنا الحارث بن غسان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس
مرفوعاً .
٣٢٢

قلت : وهذا إسناد ضعيف ، رجاله كلهم ثقات ؛ غير بكر بن محمد القرشي ،
وشيخه الحارث بن غسان؛ فقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٣ / ٢٤٢)
بعدما عزاه للطبراني :
(( وكلاهما لم أعرفه )).
قلت : هذا الشيخ يحتمل أن يكون ( الحارث بن غسان المزني ) ؛ ذكره ابن
حبان في ( أتباع التابعين ) من كتابه (( الثقات)) (٦ / ١٧٥ ) برواية أخرى عنه ،
فإن يكن هو؛ فقد نص أبو حاتم أنه (( مجهول )).
ثم ترجح عندي أنه هو؛ فقد رأيت العقيلي قد أورده في ((الضعفاء)) (٢ /
٢١٨ - ٢١٩)، وذكر له حديثين أحدهما بالرواية الأخرى المشار إليها، والآخر
بروایته هذه عن ابن جريج .. بحدیث آخر ، وقال :
(( لا يتابع عليهما ، وقد حدث بمناكير)).
وأقره الذهبي والعسقلاني ، وذكر هذا توثيق ابن حبان إياه ، وقول الأزدي :
(( ليس بذاك)).
وإن مما يؤكد ضعف الحديث ونکارته : أنه صح من حدیث سعيد بن جبير عن
ابن عباس مرفوعاً دون ذكر الركن . حسنه الترمذي ، وصححه ابن خزيمة ، وابن
حبان، والضياء المقدسي في ((المختارة)) (٦٠ / ٢٣٠ / ١)، فانظر التعليق على
((المشكاة)) (٢٥٧٨)، و((صحيح ابن خزيمة)) (٢٧٣٥ و٢٧٣٦).
( تنبيه ): من أحاديث ( الحارث بن غسان) هذا : الحديث الأول من الحديثين
المشار إليهما - آنفاً - عند العقيلي ، وهو بلفظ :
٣٢٣

(( يجاء ( وفي رواية: يؤتى) يوم القيامة بصحف مختمة ... )) الحديث.
أخرجه من طريق عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي عن الحارث بن غسان
المزني ( الأصل : المري ) قال : ثنا أبو عمران الجوني عن أنس بن مالك مرفوعاً .
ومن هذا الوجه أخرجه الدارقطني في ((سننه)) (١ / ٥١ / ٢)، والأصبهاني
في ((ترغيبه)) (١ /٨٢ -٨٣)، والطبراني في «المعجم الأوسط)) (٣/ ٢٨٧ /
٢٦٢٤)؛ ولكن وقع عنده (: الحارث بن عبيد أبو قدامة )! ويغلب على ظني أنه
تحريف من بعض النساخ للأسباب الآتية :
أولاً : مخالفته لرواية العقيلي والدارقطني ، وهي من طريقين عن ( الحجبي )
عن ( الحارث بن غسان ) .
ثانياً : مخالفته لصنيع العقيلي ؛ فإنه أورده في ترجمة ( الحارث بن غسان )،
وصرح بأنه لا يتابع عليه ؛ كما تقدم .
ثالثاً: أن البزار أخرجه في ((مسنده)) (٣٤٣٥ - كشف الأستار)، والطبراني
أيضاً في ((الأوسط)) (٧ / ٨٢ / ٦١٢٩) ؛ كلاهما من طريق عمر بن يحيى
الرملي، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥ / ٣٣٥ / ٦٨٣٦) من طريق إبراهيم
ابن عرعرة، وأبو الشيخ في ((التوبيخ)) (١٩٢ / ١٦٠) عنهما قالا: ثنا الحارث بن
غسان : نا أبو عمران الجوني به . وقال البيهقي :
((كذلك رواه جماعة عن ( الحارث بن غسان))).
رابعاً : تصريح غير ما واحد من الحفاظ بتفرد ابن غسان هذا به .
أولهم العقيلي - كما تقدم ..
٣٢٤

ثانيهم : البزار ؛ فإنه قال عقبه :
(( لا نعلم يُروى عن أنس إلا من هذا الوجه)).
ثالثهم : الطبراني نفسه ؛ فإنه قال :
(( لم يروه عن أبي عمران الجوني إلا ( الحارث بن غسان))).
قلت : فهذا كله يؤكد أن ذكر ( الحارث بن عبيد ) مكان ( الحارث بن غسان )
في رواية الطبراني الأولى غير محفوظ .
وقد خفي هذا التحقيق على الحافظ المنذري ؛ فقال في ((الترغيب)) (١ / ٣٧ /
٣٠ ) :
((رواه البزار، والطبراني بإسنادين، رواة أحدهما رواة (الصحيح)، والبيهقي)).
وأقره المعلق على ((سنن الدارقطني))! وتبعه الهيثمي؛ فقال في ((مجمع الزوائد))
( ١٠ / ٣٥٠):
((رواه الطبراني في ((الأوسط)) بإسنادين، ورجال أحدهما رجال ( الصحيح )،
ورواه البزار»!
وقلدهما المعلقون الثلاثة على طبعتهم الجديدة لكتاب ((الترغيب)) (١ / ٨٩ /
٥٥) فأقروهما! ولا يسعهم إلا ذلك؛ لجهلهم بهذا العلم؛ بل وزادوا - ضغئاً على
إبالة - فقالوا :
(( حسن))!
أمّا لِمَ وكيفَ هو ( حسنٌ ) ، وليس بصحيح أو ضعيف ؟ فهذا مما لا يتعرضون
٣٢٥

لبيانه البتة ، ولا يعرف القراء هل هو تقليد منهم لغيرهم ، أو من كيسهم - كما
ظهر لي - ! ولا يعتمدون في ذلك على هذا العلم ! وإنما مجرد الدعوى التي لا يعجز
عنها أجهل الناس ، فهم یصححون ويحسنون ، ویضعفون ( علی کیفھم ) - كما
يقولون في سوريا ، وهم سوريون فيما أظن -!
والحقيقة : أنني ما رأيت في العصر الحاضر فيمن حشروا أنفسهم في زمرة
المعلقين والمحققين في هذا العلم - على كثرتهم - أجرأ منهم على إصدار الأحكام
المشار إليها ارتجالاً بالرأي والهوى ؛ فما أكثر الأحاديث التي حسنوها - بل
وصححوها - وهي ضعيفة ، وعلى العكس أيضاً! وأنا على علم بما أقول ، إن لم
أقل : أعلم الناس بذلك! ويطول الكلام جداً ؛ لو أردت أن أبين سبب ذلك والإكثار
من الأمثلة ، فحسبي الآن - بالإضافة إلى ما تقدم - مثالان؛ فإني في هذه
الأيام معني بتصحيح تجارب المجلد الثاني من كتابي (( صحيح الترغيب
والترهيب)) وإعادة النظر فيه ؛ لبعد العهد به ، وقد كنت علقت على أصله :
((التعليق الرغيب)) بعض الملاحظات والانتقادات على تعليقات الثلاثة المشار
إليهم ، فأنقل خلاصة المهم منها إلى التجارب ، ولذلك ؛ فقد وجدت في تعليقاتهم
العجب العجاب ، وهاك المثالين :
الأول : حديث ابن عمر الطويل في فضل من يؤم البيت ، وركعتي الطواف
وغير ذلك ؛ قال المنذري - وقد صدّره بلفظ ( عن ) - :
((رواه الطبراني في «الكبير))، والبزار واللفظ له ، وقال: وقد روي هذا الحديث
من وجوه، ولا نعلم له أحسن من هذا الطريق )).
فقالوا في التعليق عليه (٢ / ١١٨):
٣٢٦

(( ضعيف؛ رواه ابن حبان ( ١٨٨٧)، والبزار (١٠٨٢)، وقال الهيثمي في
(«مجمع الزوائد» (٣ / ٢٧٤): رواه الطبراني في (( الكبير)) بنحوه .
ورجال البزار موثقون. قلنا: بل فيهم عبد الوهاب بن مجاهد ضعيف)).
قلت : وهذا كذب ! فليس في رواية ابن حبان والبزار عبد الوهاب هذا ، وإن
من جرأتهم في الكذب عزوهم إليهما بالأرقام ، موهمين القراء أنهم رجعوا إليهما !
ولو فعلوا ؛ لم يجدوا عندهما الضعيف المذكور ، وإنما أخذوا الأرقام من الفهارس أو
غيرها !
المثال الثاني : جاءوا إلى الحديث الصحيح :
((الطواف بالبيت صلاة ... )) الحديث؛ فضعفوه بقولهم (٢ / ١٤٣ / ١٧١٢):
((ضعيف، رواه الترمذي (٩٦٠)، وابن حبان (٣٨٢٥))).
قلت : وهم - كعادتهم - أطلقوا التضعيف ، ولم يبينوا السبب ؛ تغطية لجهلهم !
ولذلك ؛ فلا نستطيع الجزم بتعيين سبب تضعيفهم إلا الظن بأنهم رأوا إشارة
المنذري إلى إعلاله بـ ( عطاء بن السائب ) ، ولعلهم يعلمون أنه كان قد اختلط ،
فإن كان كذلك ؛ فقد فاتهم أنه رواه عنه سفيان الثوري ، وقد سمع منه قبل
الاختلاط؛ كما ذكرت في ((صحيح الترغيب)) (٢ / ٢٧) الذي هو تحت
الطبع(*) .
( تنبيه آخر ) : حول الحداثة أيضاً :
١ - نقل المعلق (م) على كتاب (( التوبيخ)) كلام الهيثمي المتقدم في قوله:
(*) وقد طُبع. والحمد لله (الناشر) .
٣٢٧

((ورجال أحدهما رجال ( الصحيح )))؛ فقال رداً عليه :
(( قلت: وهذا ليس بصحيح ؛ لما بينا من حال الحارث بن غسان (م))).
قلت: وهذا يشبه - إلى حد كبير - ما صنعه المعلقون الثلاثة في المثال الثاني ،
من حيث إنَّ هذا الراد لم يقف على إسناد الطبراني الآخر، فحمله على إسناد
الآخرین !!
٢ - أورد الدكتور (قلعجي) حديث الصحف هذا في ((فهرس الأحاديث
الصحيحة)) الذي ألحقه بآخر ((الضعفاء)) للعقيلي (٤ / ٥٢٥)، مع الإشارة إلى
موضعه من (( الضعفاء )) جزءاً وصفحة . ولا أجد لهذا الخطأ الفاحش [ مبرراً ] إلا
الجهل الفاضح بهذا العلم ! ولعله رأى قول الهيثمي المتقدم :
(( ورجال أحدهما رجال ( الصحيح )))، فظن أنه يعني أنه صحيح ! وليس
كذلك - كما هو معلوم -، ونبهت على ذلك أكثر من مرة ، وهذا؛ لو سلم من الخطأ
الذي سبق بيانه . فليتأمل القراء ضرر الحداثة في هذا العلم ، فهذا يصحح الحديث
الضعيف لجهله ، وسوء فهمه لعبارة الهيثمي ، وذاك يخطئه لعدم وقوفه على إسناده
الآخر ، وإن كان خطأ هذا أقل من الأول - كما هو ظاهر -.
وللدكتور في هذا الفهرس أحاديث أخرى ضعيفة صححها ! كما أنه
على العكس من ذلك: أورد أحاديث صحيحة في ((فهرس الأحاديث الضعيفة)) !
ولا أستبعد أن يكون هذا الجهل المزدوج من صبيانه الذين يستأجرهم
بدريهمات معدودات - كما يقول البعض -، وهذا ؛ إذا أُحسن الظن بعلم
الدكتور (!) . والله أعلم .
٣٢٨

٦٦٣٩ - ( هَنيئاً لك يا عبدَ الله! أبوكَ يطيرُ مع الملائكةِ في السّماءِ ).
ضعيف. أخرجه الطبراني في (( المعجم الكبير)) ( ١٣ / ٧٧ / ١٩٠): حدثنا
زكريا بن يحيى الساجي قال : ثنا عبد الله بن هارون بن موسى الأودي (!)
قال : حدثنا قدامة بن محمد الأشجعي عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن علي
ابن عبد الله بن جعفر عن أبيه مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ فیه علل ثلاث :
الأولى : علي بن عبد الله بن جعفر ، مجهول لا يعرف في شيء من كتب
التراجم ، ولم يذكروه حتى ولا في أبناء ( عبد الله بن جعفر) والرواة عنه ، ولا في
شيوخ ( بكر) - وهو: ابن عبد الله الأشج -، ولا هو في (( ثقات ابن حبان » الذي
جمع مئات المجهولین !
الثانية: قدامة بن محمد الأشجعي؛ قال الذهبي في (( المغني)):
((جرحه ابن حبان، ومشاه غيره)). وقال الحافظ في ((التقريب)):
(( صدوق يخطئ)).
الثالثة: عبد الله بن هارون بن موسى الأودي؛ كذا وقع في ((المعجم))، وأظنه
محرفاً من ((الفروي))؛ فإنه هكذا في كتب الرجال؛ قال الذهبي في ((الميزان)):
((له عن القعنبي وغيره مناكير ، ولم يترك)).
وذكر له ابن عدي في ((الكامل)) (٤ / ٢٦٠) حديثين، وقال في كل منهما:
((باطل )) . وقال ابن أبي حاتم :
٣٢٩

(( كتبت عنه بالمدينة ، وقيل لي : إنه يتكلم فيه )) . وأما ابن حبان ؛ فذكره في
((الثقات)) (٨ / ٣٦٧) وقال:
((يخطئ ويخالف)). وذكره الحافظ في كنى ((التهذيب)) تمييزاً:
(( أبو علقمة الفروي الصغير: عبد الله بن هارون ... ))، وذكر فيه ما قدمته عن
الحفاظ الثلاثة ، وزاد :
((وقال الدارقطني في ((غرائب مالك)): متروك الحديث)). ولخص ذلك كله
في (( التقریب )» بقوله :
((ضعيف)).
قلت: فالعجب بعد هذا كله قول الحافظ المنذري في ((الترغيب)) (٢ / ١٩١ /
١٣) - وتبعه الهيثمي (٣ / ٢٧٣) -:
(( رواه الطبراني بإسناد حسن)) !
وقلدهما المعلقون الثلاثة (٢ / ٢٨٧ / ٢٠٣٥) فحسنوه! ولا غرابة في ذلك؛
فإنهم لا يحسنون حتى التقليد ، فكثيراً ما يخالفونهما والصواب معهما !!
٦٦٤٠ - ( ما أذنَ اللهُ لشيءٍ كَأَذَنِه لِرَجُلٍ حَسَنِ الترنّمِ بالقرآنِ ).
منكر بلفظ ( الترنيم). أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٦ / ٢٦١) من طريق
محمد بن أبي حفصة : ثنا عمرو بن دينار عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً :
أورده في ترجمة ( محمد ) هذا ، واسم أبيه ( ميسرة ) ، وروی فیه عن ابن
معين روايتين مختلفتين ، قال في إحداهما :
٣٣٠

( صويلح ، ليس بالقوي )) . والأخرى :
((ثقة)).
وتبنى هو الرواية الأولى ؛ فإنه بعد أن ساق له أحاديث مما أنكر عليه - هذا
أحدها - قال :
(( وهو من الضعفاء الذين يكتب حديثهم )). وذكر الذهبي الخلاف فيه في
(«الميزان)) ، وقال :
((فيه شيء، ولهذا وثقه ابن معين مرة ، وقال مرة : صالح . وقال مرة : ليس
بالقوي . وقال مرة: ضعيف .. )) إلخ .
ثم ساق له هذا الحديث مشيراً إلى نكارته . وقال الحافظ في (( التقريب)) :
((صدوق يخطئ)).
ويتلخص مما تقدم أنه وسط ، والأصل في مثله أنه حسن الحديث إذا لم
يخالف ، ولم يكن فيه ما ينكر ، والواقع هنا خلافه ؛ فقد خولف في إسناده ومتنه .
أما الإسناد ؛ فقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي سلمة قال : قال
رسول الله :... فذكره هكذا مرسلاً لم يذكر فيه أبا هريرة .
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٠ / ٤٦٤ / ٩٩٩٢)، وكذا عبد الرزاق
(٢/ ٤٨٢ / ٤١٦٩)؛ كلاهما عن ابن عيينة .
وتابعه عنده ( ٤١٦٨ ) ابن جريج قال : أخبرني عمرو بن دينار به .
فهذا يؤكد خطأ ( محمد بن أبي حفصة ) في ذكره ( أبا هريرة ) فيه ، ويبيِّن
٣٣١

أن الصواب مرسل .
وأما المتن ؛ فقد رواه أربعة من الثقات؛ منهم الإمام الزهري عن أبي سلمة عن
أبي هريرة مرفوعاً بلفظ :
((يتغنى)) مكان: (( يترنم)).
رواه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في (( صفة الصلاة / الأصل))، و((صحيح
أبي داود)) ( ١٣٢٤).
وقد وجدت للحدیث شاهدین ، ولکنهما واهیان جداً ، فرأيت أنه لا بد من
ذكرهما ، والكشف عن علتهما ؛ خشية أن يغتر بهما من لا علم عنده ، فأقول :
أحدهما : يرويه إبراهيم بن أبي حميد : حدثنا عبد العظيم بن حبيب
الحمصي : حدثنا محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري عن علي بن حسين عن
أبيه عن جده مرفوعاً :
(( ما أذن الله لشيء قط أَذَنه للحسن الترغم بالقرآن)).
أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (١ / ٢٧١) في ترجمة إبراهيم هذا،
وسمى أباه ( أحمد بن عبد الكريم الحراني الضرير ) ، وقال :
((سمعت أبا عروبة يقول: كان يضع الحديث)).
واعتمده الذهبي في ((الميزان))، والحافظ في ((اللسان)).
وعبد العظيم بن حبيب الحمصي ؛ قال الذهبي :
((قال الدارقطني: ليس بثقة)).
٣٣٢

ثم ساق له الذهبي حديثاً ، وقال :
((إنه من بلاياه)). وأقره الحافظ في ((اللسان)).
وإن من عجائب وغرائب ابن حبان أنه أورد ( عبد العظيم) هذا في (( الثقات))
(٨ / ٤٢٤) من رواية إبراهيم بن أبي حميد هذا!
وهذا مما يؤكد المعروف عنه ، أنه يوثق المجهولين الذين لا يعرفهم ، وأن هذا
يجعلنا لا نثق بتوثيقه الذي تفرد به ، ولا يعرف من وثقه إلا بالراوي الواحد الذي
ذكره . وقد ذكر ( عبد العظيم ) هذا نفسه دون نسبة ( الفهري ) من رواية سليمان
ابن سلمة الخبائري ، وقال عقبه :
((إن لم يكن الأول فلا أدري من هو؟)).
قلت: ويقال فيه ما قلت في الأول ، فإن ( الخَبائري ) هذا متروك ، ومع ذلك
لم يعرفه، كما لم يعرف ( إبراهيم بن أبي حميد)، وإلا؛ لأوردهما في ((الضعفاء))!
والآخر : یرویه سلیمان بن داود الشاذکوني : حدثنا داود بن أبي سليمان
عن علي بن زيد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله مرفوعاً - مختصراً -
بلفظ :
((إن الله لم يأذن كأَذَنه للمترنم بالقرآن)).
أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٨ / ٢٠٧ / ٧٤٢٥) وقال :
((لم يروه عن علي بن زيد إلا داود بن أبي سليمان، تفرد به الشاذكوني)).
قلت: وهو كذاب؛ كما قال الهيثمي في («مجمع الزوائد » (٧ / ١٧٠).
٣٣٣

وداود بن أبي سليمان ؛ لم أعرفه .
وعلي بن زيد ؛ هو : ابن جدعان ، ضعيف .
وجملة القول؛ أن الحديث منكر بلفظ: ((الترنم)) ، وأن هذين الشاهدين لا
يعطيانه قوة، وأنه محفوظ صحيح بلفظ: ((التغني)) . وبالله التوفيق.
وهنا تنبيهات لا بد من ذکرها :
الأول: أن الحديث أورد منه الحافظ في ((الفتح)) (٩ / ٧١) جملة: ((حسن
الترغم بالقرآن)) من تخريج ابن أبي داود ، والطحاوي من رواية عمرو بن دينار عن
أبي سلمة عن أبي هريرة . وسكت عنه! وما أظن إلا أنه من طريق ( محمد بن
أبي حفصة ) ؛ وقد عرفت ما فيه .
وأورده أيضاً من تخريج الطبري من رواية عبد الأعلى عن معمر عن ابن شهاب
في حديث الباب ( يعني : حديث البخاري من طريق عقيل عنه ) بلفظ :
(( ما أذن لنبي في الترنم في القرآن ».
وسكت عنه أيضاً، وذكره المنذري في ((الترغيب)) (٢ / ٢١٥) بنحوه،
وقال :
( رواه الطبري بإسناد صحيح))!
وفي هذا التصحيح والسكوت نظر قوي عندي ؛ لأن ( معمراً) - وإن كان ثقة
ومن رجال الشيخين ؛ فقد - تكلموا فيما حدث به بالبصرة ، وقالوا : إنه حدث من
حفظه بالبصرة بأحاديث غلط فيها. ولذلك قال الحافظ في ((مقدمة الفتح)) ( ص
٤٤٤ - ٤٤٥ ) :
٣٣٤

((لم يخرج له البخاري من رواية أهل البصرة عنه ؛ إلا ما توبعوا عليه عنه)).
قلت : وهذا من رواية أهل البصرة عنه ؛ فإن ( عبد الأعلى ) - وهو : ابن
عبد الأعلى السامي - بصري .
يضاف إلى ذلك مخالفته لرواية الجماعة عن الزهري ، منهم عقيل - كما تقدم
عند البخاري -، وثلاثة آخرون عند مسلم وحده ، وغيرهم عند غيره، كلهم لم
يذكروا لفظ : الترنم عن الزهري .
وإن مما يؤكد خطأ معمر فيه: أن عبد الرزاق قد رواه في ((مصنفه)) (٢ / ٤٨١ -
٤٨٢) عن معمر بلفظ الجماعة: ((يتغنى)) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد
(٢ / ٢٧١) .
فثبت يقيناً شذوذ رواية الطبري هذه وعدم صحتها . وبالله التوفيق ، وهو الهادي
إلى أقوم الطريق .
الثاني: أن حديث الطبراني في ((الأوسط)) عزاه إليه في ((المجمع)) بلفظ:
((إن الله لم يأذن لمترنم بالقرآن)).
فسقط منه قوله: (( كأذنه))؛ ففسد المعنى؛ كما هو ظاهر بغض النظر عن
النكارة التي فيه ، والضعف الشديد الذي في إسناده .
وقد كنت أوردته فيما تقدم برقم (٥٦١) هكذا نقلاً عن ((المجمع)) منذ
عشرات السنين ، قبل أن يطبع (( المعجم الأوسط)) ، فلما وقفت عليه فيه ؛ بادرت
إلى تخريجه هنا ، والتنبيه على السقط المذكور .
٣٣٥

الثالث: كنت أوردت متن الحديث في (( صفة الصلاة )) من رواية الشيخين
ضاماً إليه الزيادات والألفاظ - كما جريت عليه فيه - وكان في المتن قولي: ((وفي
لفظ: حسن الترنم )) ؛ اعتماداً مني يومئذ على الحافظ وسكوته عنه ، قبل أن ييسر
الله لي الوقوف على إسناده، وأرى أن هذا أمر لا بد منه ، أن يستفيد المتأخر من
المتقدم من أهل العلم ، ولا يغتر بما عنده؛ كما عليه كثير من الناشئين اليوم! ومن
نافلة القول أن أذكر الشرط في ذلك ، وهو ما لم يظهر خطؤه .
ولهذا أقول: والآن وقد تبين بوضوح لا غموض فيه أن الحديث بلفظ: (( الترم))
منكر، أو شاذ غير محفوظ؛ فقد حذفته من متن الحديث في ((صفة الصلاة))،
راجياً ممن كان عنده هذا الكتاب أن يحذفه منه ليوافق تصحيح المؤلف . وجزاه الله
خيراً !
٦٦٤١ - ( قالَ اللهُ تعالى: لا يذْكُرني عبدي في نفْسه ؛ إلاّ ذكرتُه في
ملأ من ملائكتي ، ولا يذْكرني في ملأ؛ إلّ ذكَرْتُه في الرَّفيقِ الأَعلى ).
منكر. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٠ / ١٨٢ / ٣٩١ - ٣٩٣)
من طريق ابن لهيعة ورشدين بن سعد عن زيّان بن فائد عن سهل بن معاذ عن
أبيه ... مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ زبان بن فائد ؛ ضعفه جمع ، أحدهم أحمد وقال :
((أحاديثه مناكير)). ولم يوثقه أحد، وأما قول المنذري في آخر ((الترغيب)):
((وثقه أبو حاتم)) . فهو تسامح وتساهل منه في التعبير؛ لأن أبا حاتم إنما قال
فيه :
٣٣٦

((صالح)) . وقد أفصح أبو حاتم نفسه عن مقصده هذا في أول كتابه (١ / ٣٧)
فقال :
((وإذا قيل: (( صالح الحدیث ))؛ فهو ممن یکتب حديثه للاعتبار )) . وقال قبل
ذلك :
((وإذا قيل للواحد: إنه ثقة، أو متقن، [ أو ] ثبت؛ فهو ممن يحتج بحديثه)).
فهذا وذاك يفيدنا أن الرجل ليس ثقة عنده ، وأن حديثه مرشح ليكون حسناً
إذا لم يخالف ، وهذا يقال : إذا لم يكن هناك جرح مفسر ؛ كقول أحمد المتقدم ،
وحينئذٍ؛ فقول المنذري في هذا الحديث (٢ / ٢٢٧ / ٢) - وتبعه الهيثمي (١٠ /
٧٨):
((رواه الطبراني بإسناد حسن))!
فهو من تساهلهما ، لا سيما ، وهو مخالف لحديث أبي هريرة ، الذي هو قبل
هذا في (( الترغيب )) بلفظ :
(( يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني، فإذا ذكرني في
نفسه ؛ ذكرته في نفسي ، وإذا ذكرني في ملأ؛ ذكرته في ملأ خير منهم .. ))
الحديث .
أخرجه الشيخان عنه ، وفي معناه عن ابن عباس ، وأنس ، وقد خرجتهم في
((الصحيحة)) (٢٠١١).
ففي هذه الأحاديث الثلاثة قولُ الله تعالى: ((ذكرته في نفسي)) ، وفي
حديث الترجمة: (( ذكرته في ملأ من ملائكتي)) !
٣٣٧

وفيها: ((ذكرته في ملأ خير منهم))، وفيه: (( ذكرته في الرفيق الأعلى)).
وبأقل من مثل هذه المخالفة للأحاديث الصحيحة تثبت النكارة ؛ كما لا يخفى على
العلماء المهرة .
وأما المعلقون الثلاثة المدعون العلم والتحقيق ؛ فقد تقلدوا التحسين المذكور
مصرحين به !
وأما أخونا الفاضل حمدي السلفي ؛ فقد تنبه لخطأ التحسين ، ونبه عليه في
تعليقه على الطبراني ، ولكنه لم يتنبه للنكارة التي في متنه ، والمخالفة للأحاديث
الصحيحة ؛ فقال :
« قلت : قد علمت ـ فیما تقدم - ما في إسناده ، ولکنه حسن لشواهده من
حديث أبي هريرة في الصحيح وابن عباس عند البزار)) !
٦٦٤٢ - ( من قالَ: لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله
الحمْدُ بيده الخير، يحيي ويميت وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ أَلْفَ مرّةٍ؛
جاءتْ يومَ القيامةِ فوقَ كلِّ عملٍ ، إلا نبيّ أو رجلٌ زادَ في التّهليلِ ).
باطل أو منكر بهذا التمام. أخرجه الطبراني في ((الدعاء)) (٣ / ٩٤٩ /
٣٣٥) من طريق أبي جابر محمد بن عبد الملك : ثنا الحسن بن أبي جعفر عن
محمد بن جُحادة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله
قال : ... فذكره .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، وفيه علتان :
الأولى : أبو جابر هذا؛ فقد قال أبو حاتم :
٣٣٨

((ليس بالقوي )) .
واعتمده الذهبي في ((المغني)).
وأما ابن حبان فذكره في كتابه «الثقات)» (٩ / ٦٤)!
والأخرى : الحسن بن أبي جعفر ، قال الذهبي :
-:
((ضعفوه)). وقال الحافظ :
(( ضعيف الحديث مع عبادته وفضله )).
والحديث منكر ، بل باطل ؛ لأنه قد جاء من طرق عن عمرو بن شعيب به
- مختصراً - بلفظ :
((مئتي مرة)) مكان: ((ألف مرة))، والباقي نحوه، وليس فيه: ((بيده الخير
يحيي ویمیت )» .
فهو من تخاليط ( الحسن بن أبي جعفر ) أو ( أبي جابر) .
وفي لفظ آخر :
(( مئة مرة إذا أصبح، ومئة مرة إذا أمسى)).
وهو مخرج في (( الصحيحة)) ( ٢٥٦٢).
ومع هذا الفرق الكبير بين حديث الترجمة ، واللفظين الثابتين قال المعلق على
((الدعاء)) :
(( إسناده حسن لغيره ، الحسن بن أبي جعفر ضعيف ، وقد توبع في الروايتين
السابقتين )) !
٣٣٩

قلت : وهذه غفلة شديدة ؛ لأن الروايتين اللتين يشير إليهما هما باللفظين
المذكورين ، ودون تلك الزيادة ، فكيف يصح تقوية الإسناد المخالف متنه لمتن الثقات ؟!
بل العكس هو الصواب ، وهو أن تجعل اللفظين شاهداً على ضعف هذا المتن
وبطلانه ؛ كما لا يخفى على من مارس هذا العلم الشريف .
* لمن قال: يا رسولَ
٦٦٤٣ - ( غمسُه يدَه في العدوِّ حاسراً . قاله
الله ! ما يضحكُ الربَّ من عبْدِه؟ ).
منكر. أخرجه ابن إسحاق في ((السيرة)) (٢ / ٢٦٨): حدثني عاصم بن
عمر بن قتادة :
أن عوف بن الحارث - وهو : ابن عفراء - قال: يا رسول الله ! ما يضحك ..
إلخ ، فنزع درعاً كانت عليه فقذفها ، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل ، رحمه الله .
ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥ / ٣٣٨): حدثنا يزيد بن هارون: أنا
محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال : قال معاذ بن عفراء ..
كذا قال ( معاذ بن عفراء )، وهو خطأ، والظاهر أنه سقط منه: ((الحارث ، وهو
أخو ... )).
وأخرجه أبو نعيم في ((المعرفة)) (٢ / ١٢٩ / ١) من طريق إبراهيم بن سعد
عن محمد بن إسحاق به معنعناً مثل رواية (( السيرة)) .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، رجاله ثقات ، وفيه علتان ، إحداهما ظاهرة وهي
الإرسال ؛ فإن ( عاصم بن عمر ) تابعي لم يدرك القصة ، فالله أعلم بمن أخبره بها .
٣٤٠