Indexed OCR Text

Pages 701-720

ومادته عندي جاهزة والحمد الله ، وهي تحت التأليف والترتيب ، وقد وصل حتى هذه
الساعة إلى نهاية حرف الطاء ، نسأل الله تمامه بفضله وكرمه(*) .
وأما المكان الآخر الذي أحال عليه فإنه هناك نقل شيئاً من كلام الحافظ في
انتقاده لابن حبان في «ثقاته))، ثم رد عليه بأمرين فصل القول فيهما ، لا يتسع
المجال الآن لتعقبه بتفصيل ؛ فذلك محله في مقدمة كتابي المشار إليه آنفاً ، ولكن
حسب القارئ دليلاً على بطلان رده على الحافظ ما نقله عن مقدمة ((صحيح ابن
حبان» أنه قال :
((لم نحتج فيه إلا بحديث اجتمع في كل شيخ من رواته خمسة أشياء :
الأول : العدالة في الدين بالستر الجميل .
والثاني : الصدق في الحديث بالشهرة فيه .
والثالث : العقل بما يحدث من الحديث .
والرابع : العلم بما يحيل من معاني ما يروي .
والخامس : المتعري خبره عن التدليس)).
قلت : وهذه الشروط لو التزمها ابن حبان في كل رجال ((ثقاته)) ؛ لكان كتابه
هذا - ((الثقات)) الذي عليه بنى كتابه الآخر ((الصحيح)) - في مقدمة الكتب المعتمدة
في التوثيق ؛ ولكن ليتأمل القارئ الكريم :
هل هذه الشروط الخمسة يمكن أن تنطبق على من قال فيه ما تقدم نقله من
(ثقاته))؛ كمن قال فيه: «لا أعرفه ولا أعرف أباه))، («لست أعرفه بعدالة ولا
(*) وقد أتمه الشيخ رحمه الله - فيما نعلم -، ولم يُطبع بعدُ. (الناشر).
٧٠١

جرح))! إلى غير ذلك من الأمثلة المتقدمة وغيرها؟!
كيف يمكن أن يظن في أمثال هؤلاء الذين صرح ابن حبان بجهالتهم
وضعفهم بعبارات مختلفة ، أنه اجتمع فيهم : العدالة ، والصدق ، والفهم بما
يحدث ، والعلم بما يفسد معنى الحديث ، ... ؟!
لا شك أن ما ادعاه من الشروط في رواة («صحيحه)) غير مطابق لواقعه ، ولا
الرواة ((ثقاته)) الذين عليهم أقام كتابه ((الصحيح)).
ثم ألا يكفي دلالة على جهل هذا المعلق بهذا العلم الشريف وقواعده أنه
خالف ما عليه أئمته في تراجم رواة الحديث؟! ففيهم المئات من وثقهم ابن حبان ،
ومع ذلك لم يوثقوهم ؛ يعلم ذلك كل من له عناية بعلم الجرح والتعديل ، وهذا هو
المثال بين أيدينا فإن الحفاظ: النباتي ، والذهبي ، والعسقلاني لم يوثقوا ابن
الهضهاض هذا؛ فلا أدري - والله ! - كيف طاوعت هذا المعلق نفسه على مخالفتهم
والتطاول عليهم بتخطئتهم ، وهو ابن هذا اليوم ؛ لَمَّا يتحصرم بعد؟!
وإن مما يؤكد حداثته بهذا العلم وجهله به أنه بعد أن جوّد إسناد الحديث - كما
تقدم نقله عنه - أخذ يخرجه من رواية الشيخين وغيرهما من طريق سعيد بن
المسيب وأبي سلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة . ولم يسق إسناده؛ فأوهم أن
فيه حديث الترجمة ، وهو في الحقيقة مما يوهن الحديث ويؤكد نكارته - كما أشرت
إلى ذلك في أول هذا التخريج -.
ثم إن الجملة الأخيرة من حديث الترجمة رواها أيوب عن أبي الزبير عن جابر
مختصراً جداً بلفظ :
إن النبي # ** لما رجم ماعز بن مالك؛ قال :
٧٠٢

((لقد رأيته يتخضخض في أنهار الجنة)).
أخرجه ابن حبان أيضاً (١٥١٥).
قلت : ورجاله ثقات ؛ لكنْ أبو الزبير مدلس ، وقد عنعنه .
والقصة في «الصحيحين)) وغيرهما من طريق أبي سلمة عن جابر أتمّ منه ،
وفيه :
فقال له رسول الله
خيراً ، ولم يصل عليه .
وهو مخرج في «الإرواء)) (٣٥٣/٧) ؛ فهذا يؤيد أن ما في حديث أبي الزبير
غير محفوظ . والله أعلم .
وفي حديث بريدة بن الحصيب في آخر هذه القصة : فقال رسول الله
:
((لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة؛ لوسعتهم)).
رواه مسلم وغيره. وهو مخرج في «الإرواء)» (٣٥٦/٧)؛ ففيه غنية عما لم يصح .
٦٣١٩ - (اللهمَّ! اغفرْ للأحنفِ بنِ قَيْسٍ) .
ضعيف. أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٥٠/٢/١) وفي ((الصغير))
(ص ٨٠ - هندية)، وابن سعد في ((الطبقات)) (٧٣/٧)، والحاكم (٦١٤/٣) ، وكذا
أحمد (٣٧٢/٥)، والطبراني في ((المعجم الكبير)» (٧٢٨٥/٣٢/٨)، وابن عساكر
في ((تاريخ دمشق)) (٤٢٤/٧) كلهم من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد
عن الحسن : أن الأحنف بن قيس قال :
بينا أنا أطوف بالبيت في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه ؛ إذ جاء رجل
من بني ليث ، فأخذ بيدي فقال : ألا أبشرك؟ قلت: بلى . فقال : هل تذكر إذ
٧٠٣

بعثني رسول الله :﴿ إلى قومك بني سعد؛ فجعلتُ أعرض عليهم الإسلام
وأدعوهم إليه ، فقلت أنت: إنك تدعو إلى الخير، وتأمر بالخير ، وإنه ليدعو إلى
الخير، ويأمر بالخير، فبلغتُ ذلك إلى النبي :{ 18، فقال :... فذكره. فكان
الأحنف رضي الله عنه يقول : ما من عملي شيء أرجى لي منه .
والسیاق للحاكم وبیض له ..
قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ الحسن - هو: البصري ، وهو -: مدلس وقد عنعنه .
وعلي بن زيد - وهو : ابن جدعان ، وهو -: ضعيف كما قال الحافظ في
((التقريب)). وقال في ((الإصابة)) - بعد أن عزاه لابن أبي عاصم فقط -:
((تفرد به علي بن زيد وفيه ضعف)).
ومما تقدم تعلم وهاء قول الهيثمي (٢/١٠) - بعد أن عزاه لأحمد والطبراني -:
((ورجال أحمد رجال الصحيح؛ غير علي بن زيد، وهو حسن الحديث)).
كذا قال ! وهو مدفوع بقول الحافظ المتقدم ، ولو سلمنا جدلاً بما قال ؛ فقد فاتته
العلة الأولى وهي العنعنة !
٦٣٢٠ - (من قال حينَ يَنْصَرِفُ من صلاته : [باسم الله] ، سبحان
اللهِ العظيم وبحَمْده ، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثلاثَ مراتٍ ؛ قام
مغفوراً له) .
منكر. أخرجه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٣٧٥/٤/٢) - معلقاً
والزيادة له -، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (١٢٦/٤٥)، والطبراني في
«الدعاء)) (٧٣٢/١١٣٦/٢) من طريقين عن نصر بن علي : ثنا خلف بن عقبة : ثنا
٧٠٤

أبو الزهراء خادم أنس بن مالك عن أنس بن مالك رضي الله عنه ... مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ فيه مجهولان :
أبو الزهراء : ذكره ابن أبي حاتم ، وساق له هذا الحديث ، وقال :
(روى عنه خالد (!) بن عقبة القشيري» . ولم یزد !
قلت : كذا وقع فيه : (خالد) .. وهو خطأ مطبعي ؛ فقد أورده على الصواب
في حرف الخاء ، فقال :
(«خلف بن عقبة القشيري ، روى عن أبي الزهراء خادم أنس عن أنس ، روى
عنه نصر بن علي الجهضمي)) .
قلت : فهو مجهول ؛ لتفرد الجهضمي بالرواية عنه .
قلت: ومن الغريب أن المعلق على ((الدعاء)) لم يقف عليه ! [فقد قال :]
(في إسناده خالد بن النضر - شيخ الطبراني - وخلف بن عقبة: لم أقف
عليهما)) !!
قلت : أما خلف : فقد أوقفناك عليه في كتاب من أشهر وأقدم كتب الجرح
والتعديل . ومن الظاهر أنه رجع إليه ؛ فلم يقع بصره عليه .
وأما خالد بن النضر : فهو أبو يزيد القرشي البصري ، روى له الطبراني في
(المعجم الأوسط)) حديثين فقط (٣٧٠٧/٢/٢٠٤/١ و٣٧٠٨)، وأحدهما في
((المعجم الصغير)) (٨٩ هندية، رقم ٣٥ - الروض النضير)))، فالظاهر أنه من مشايخه
المجهولين ؛ لقلة حديثه عنه ، لكنه قد توبع - كما تقدمت الإشارة إلى ذلك -؛ فهو
عند ابن السني عن شيخه محمد بن هارون الحضري ، وهو ثقة حافظ مشهور ،
أكثر عنه الطبراني .
٧٠٥

٦٣٢١ - (إذا دَخَلَ أحدُكم على أخيه المسلم، فأطعَمَهُ ؛ فليأكلْ
من طعامه ، ولا يسأله عنه ، وإن سقاه شَرَاباً؛ فليشرب من شرابه ، ولا
يسأله عنه ، فإن خَشي منه ؛ فَلْيَكْسِرْه بالماءِ) .
ضعيف بزيادة: (الخشية). أخرجه ابن الجعد في ((مسنده)) (٣٠٧١/١٠٦٣/٢)،
ومن طريقه الدارقطني في ((سننه)) (٦٥/٢٥٨/٤)، وكذا ابن عدي في ((الكامل))
(٣٠٩/٦). قال ابن الجعد: أخبرني الزّنْجِيُّ: أخبرني زيد بن أسلم [عن سمي]
عن أبي صالح عن أبي هريرة ... مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ وله علتان :
الأولى : الزنجي هذا - واسمه : مسلم بن خالد المكي ، وهو -: مختلف فيه ،
والمتقرر فيه عند الحفاظ المتأخرين أنه صدوق سيئ الحفظ ؛ ولذلك أورده الذهبي
في ((الميزان))، وحكى أقوال الأئمة المختلفة فيه ، وساق له بعض الأحاديث مما أنكر
عليه ، ثم ختم ترجمته بقوله :
(«فهذه الأحاديث وأمثالها تُردُّ بها قوة الرجل ويُضَعَّف)). وقال في ((الكاشف)»:
((وُثِّق، وضعفه أبو داود لكثرة غلطه)). وقال الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق كثير الأوهام)) .
وقد ذكر ابن عدي في ترجمته أنه تفرد بروايته عن زيد بن أسلم ، وقال :
«وقد روي عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة من رواية عبد الرحمن بن
زید بن أسلم عن أبیه» .
قلت : ولم أقف على لفظ رواية عبدالرحمن هذا مع كونه ضعيفاً ، وبعضهم
٧٠٦

ضعفه جداً، وهو راوي حديث توسل آدم بالنبي { ** ، وقد تقدم في المجلد الأول
(٢٥ - ح).
وأما العلة الأخرى : فهي الاختلاف على الزنجي في الجملة الأخيرة من
الحدیث :
((فإن خشي منه ؛ فليكسره بالماء)) ؛ فإن ابن عدي لم يذكرها في الحديث ،
وكذلك أخرج الحديث جمع من الأئمة من طرق صحيحة عن الزنجي دونها .
وكذلك رواه ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة دونها ؛ ولذلك أخرجته في
((الصحيحة)) (٦٢٧) من رواية أحمد وغيره دونها .
ثم هي مفسدة للمعنى الظاهر من سياق الحديث . والله سبحانه وتعالى أعلم .
ثم رأيت لابن الجعد متابعاً عند الطحاوي في ((شرح المعاني)) (٣٢٩/٢) من
طريق أسد بن موسى قال : حدثنا مسلم بن خالد ... به .
٦٣٢٢ - (كان إذا رَفَعَ رأسَه إلى سَقْفِ البيتِ؛ قال: سبحانك اللهم
وبِحَمْدِك ، أستَغْفرُك وأتوبُ إليك . قالتْ عائشةُ: فسألتُه عنهن؟ فقال :
أُمِرْتُ بهن) .
منكر. أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط)) (٧٣١٤/١/١٥٠/٢) من طريق
أحمد بن المقدام العجلي : ثنا النضر بن أبي النضر عن عمرو بن عبد الجبار عن
الحكم بن عتيبة عن مسروق عن عائشة قالت : ... فذكره . وقال :
i
((لم يروه عن الحكم إلا عمرو بن عبدالجبار، ولا عن عمرو إلا النضر بن أبي
النضر ، تفرد به أبو الأشعث)) .
٧٠٧

قلت : وهو ثقة ؛ وهو أحمد بن المقدام . لكن النضر بن أبي النضر : لم أجد له
ترجمة .
وعمرو بن عبدالجبار - الظاهر أنه السنجاري -: قال ابن عدي في ((الكامل))
(١٤١/٥) :
(روى عن عمه عبيدة بن حسان مناكير)).
ثم ساق له عدة أحاديث عن عمه بأسانيد له ، ثم قال :
((كلها غير محفوظة)) .
والحديث أورده الهيثمي في ((المجمع)) (١٤٢/١٠) وقال:
((رواه الطبراني في «الأوسط))، وفيه من لم أعرفه)).
قلت : والحديث صحيح دون رفع الرأس إلى السقف ، كذلك رواه الشعبي عن
مسروق ... أتم منه بنحوه ، وفيه أن ذلك كان في آخر أمره . رواه مسلم وغيره . وهو
مخرج في ((الصحيحة)) (رقم ٣١٥٧).
ولعائشة حديث آخر : أنه كان يقول ذلك إذا ختم المجلس وقام منه ، وهو المسمى
بكفارة المجلس ، وقد خرجته أيضاً هناك (٣١٦٤) .
٦٣٢٣ - (إن شرارَ الرَّوايا رَوايا الكَذب ، ولا يَصْلُحُ من الكذب
جدٌّ ولا هَزْلٌ ، ولا يَعِد الرجلُ ابنَه ، ثم لا يُنْجزُ له . إن الصدقَ یھْدي
إلى البِرِّ ... ).
ضعيف . أخرجه الدارمي في «سننه» (٢٩٩/٢ - ٣٠٠) من طريق إدريس
٧٠٨

الأودي عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص : أن عبدالله يرفع الحديث إلى النبي
قلت : وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ؛ غير أن البخاري إنما
روى لأبي الأحوص في ((الأدب المفرد)) - واسمه : عوف بن مالك بن نضلة -، إلا
أن أبا إسحاق - وهو: عمرو بن عبدالله السَّبيعي - مدلس وكان اختلط .
وإدريس الأودي لا يعرف أنه روى عنه قبل الاختلاط ، وقد خالفه شعبة ؛
فجعله موقوفاً إلا جملة الصدق ؛ فقال أحمد في «مسنده)) (٤١٠/١): ثنا عفان :
ثنا شعبة قال : أبو إسحاق : نا عن أبي الأحوص قال : كان عبدالله يقول :
إن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل ... إلى قوله : ثم لا ينجز له . قال :
وإن محمداً قال لنا :
((لا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عندالله صدِّيقاً ، ولا يزال الرجل يكذب
حتی یکتب عند الله كذاباً)) .
قلت : وهذا إسناد صحيح ؛ لأن شعبة قد روى عن أبي إسحاق قبل الاختلاط ،
وقد فرَّق بين قول ابن مسعود الموقوف، وقول النبي ﴿ المرفوع، وقد أخرج هذا
المرفوع وحده الطيالسي في «مسنده)) (٣٠١/٣٩) قال: حدثنا شعبة قال : أخبرني
أبو إسحاق قال: سمعت أبا الأحوص يحدث عن عبدالله قال: إن محمداً قال :
((إن الرجل ليصدق ... )) الحديث .
وأخرجه مسلم (٢٨/٨ - ٢٩) من طريق أخرى عن شعبة ... به .
ولشعبة فيه إسناد آخر: فقال الطيالسي (٢٤٧/٣٣): حدثنا شعبة عن
له قال :
منصور عن أبي وائل عن عبدالله عن النبي
٧٠٩

((لا يزال العبد يصدق ... )) الحديث .
وأخرجه أحمد (٣٩٣/١) ، وابن حبان (٢٧٢/٢٤٥/١) من طريق محمد بن
جعفر : حدثنا شعبة ... به .
وتابعه جرير عن منصور ... به ؛ وفيه زيادة .
أخرجه البخاري (٦٠٩٤/٥٠٧/١٠)، ومسلم (٢٩/٨)، وابن حبان (٢٤٦/١/
٢٧٣ و٢٧٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٩٩/٤).
وتابعه أبو الأحوص عن منصور ... به ؛ أتم منه .
أخرجه مسلم .
وتابع منصوراً الأعمش ... به .
أخرجه مسلم والبخاري في ((الأدب المفرد)» (٣٨٦)، وابن حبان (رقم ٢٧٢)،
وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٥٩٠/٨ - ٥٩١)، وكذا أبو داود في ((السنن)) (٤٩٨٩)،
وأحمد (٣٨٣/١) من طرق عنه .
قلت : فهذه الطرق الصحيحة عن أبي إسحاق السبيعي وغيره تدل على أنه
خلط حديث ابن مسعود الموقوف بحديثه المرفوع ، وأنه لما حدَّث بالحديث قبل
اختلاطه وتلقاه عنه شعبة ؛ فرَّق بين الموقوف والمرفوع ، وهذا هو الصواب .
ويؤيد ذلك أن هذا الموقوف جاء من طرق أخرى عن ابن مسعود : فقال البخاري
في ((الأدب المفرد)) (٣٨٧): حدثنا قتيبة قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن
مجاهد عن أبي معمر عن عبدالله قال : ... فذكره ؛ مثل رواية عفان المتقدمة .
وتابعه وكيع عن الأعمش ... به .
٧١٠

أخرجه ابن أبي شيبة (٥٦٥٣/٥٩١/٨) .
وهذا إسناد صحيح أيضاً على شرط الشيخين ، وأبو معمر اسمه عبدالله بن
سَخبرة الكوفي .
وأخرجه أيضاً من طريق الأعمش عن إبراهيم عن عبدالله ، وعن عمرو بن مرة
عن أبي البختري عنه ، وزاد :
ثم تلا عبدالله : ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ .
وكأنَّ البخاري رحمه الله أشار إلى هذه الرواية بترجمته بقوله :
(«باب قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾،
وما ینهى عن الكذب)».
ثم ساق الحديث المرفوع ، ولم يشر الحافظ إلى ذلك على خلاف عادته .
ثم رأيت لحديث الترجمة طريقاً أخرى عند ابن ماجه (٤٦/١٨/١) من طريق
عبيد بن ميمون المدني عن محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن
أبي إسحاق به مطولاً مرفوعاً بلفظ :
((إنما هما اثنتان: الكلام والهدى ... )) الحديث بطوله ، وفيه حديث الترجمة .
وعبيد هذا مجهول - كما قال أبو حاتم - ، وأما ابن حبان فذكره على قاعدته
في ((الثقات)» !
وأخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٤٧٨٨/٢٠١/٤) من طريق عبد الرزاق : أنا
معمر عن أبي إسحاق ... به موقوفاً علیه بتمامه ،لكن وقع فيه :
«وشر الرؤيا الرؤيا الكذب» !
٧١١

وهو خطأ مطبعي .
ورواه عبدالرزاق في ((المصنف» (٢٠١٩٨/١٥٩/١١) عن معمر قال : قال غير
جعفر بن برقان : عن ابن مسعود ... به نحوه ، وفيه حديث الترجمة موقوفاً أيضاً .
وكذلك رواه البيهقي أيضاً برقم (٤٧٨٦) من طريق عبدالرزاق ... به . وهو ظاهر
الانقطاع .
(تنبيه) : عزا بعضهم حديث الترجمة لكتاب مسلم ، زيادة في حديث ابن
مثنى وابن بشار؛ يعني : من طريق شعبة المتقدمة عن أبي إسحاق عن أبي
الأحوص ... ذكره الحافظ في ((الفتح)) (٥٠٩/١٠) ثم قال :
((قلت: لم أر شيئاً من هذا في ((الأطراف)) لأبي مسعود، ولا في ((الجمع بين
الصحیحین)) للحميدي)) . قال :
و((الروايا)» جمع رويَّة .. بالتشديد ، وهو ما يتروى فيه الإنسان قبل قوله أو فعله .
وقيل : هو جمع (راوية)؛ أي: للكذب ، والهاء للمبالغة)) .
٦٣٢٤ - (سيُقْتَلُ بـ (عذراءَ) ناسٌ يَغْضَبُ اللهُ لهم، وأهلُ السماءِ).
ضعيف . أخرجه البيهقي في «دلائل النبوة» (٤٥٧/٦)، وابن عساكر في
(«تاريخ دمشق)» (٢٧٢/٤) كلاهما من طريق يعقوب بن سفيان : حدثنا حرملة :
أخبرنا ابن وهب : أخبرنا ابن لهيعة عن أبي الأسود قال :
دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل (عذراء): حُجر
وأصحابه؟ فقال : يا أمَّ المؤمنين! إني رأيت قتلهم صلاحاً للأمة ، وبقاءهم فساداً
للأمة. فقالت: سمعت رسول الله :﴿﴿ يقول : ... فذكره .
٧١٢

قلت : وهذا إسناد ضعيف . رجاله كلهم ثقات ، لكنه معضل ؛ فإن أبا الأسود
هذا - واسمه : محمد بن عبدالرحمن بن نوفل - من أتباع التابعين ؛ ولذلك قال
ابن كثير عقبه في «البداية» (٥٥/٦):
((وهذا إسناد ضعيف منقطع)) .
وبالانقطاع أعله الحافظ أيضاً في ترجمة حجر من ((الإصابة)).
وأعله ابن عساكر بعلة أخرى وهي الوقف ؛ فقال عقبه :
((ورواه ابن المبارك عن ابن لهيعة فلم يرفعه)) .
ثم ساق إسناده إليه عن ابن لهيعة : حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن
أبي هلال :
أن معاوية حج ، فدخل على عائشة رضي الله تعالى عنها فقالت : يا معاوية !
قتلت حجر بن الأبرد وأصحابه؟! أما والله ! لقد بلغني أنه سيقتل بـ(عذراء) سبعة
رجال يغضب الله تعالى لهم وأهل السماء .
قلت : وهذا منقطع أيضاً سعيد بن أبي هلال من أتباع التابعين أيضاً ، على
أن أحمد وغيره رماه بالاختلاط .
٦٣٢٥ - (إن العَجَمَ - أو: العَدوَّ - لا ينصروني على قوم).
منكر. أخرجه البخاري في ((التاريخ)) (٣٨٧/١/٤) معلقاً في ترجمة مسلمة
ابن محارب الزيادي عن أبيه أن معاوية كتب إلى زياد : سمعت النبي
يقول : ... فذكره .
قلت : وهذا إسناد مجهول ؛ مسلمة هذا لم يذكر البخاري مع حديثه هذا
٧١٣

شيئاً يدل على حاله . ونحوه ابن أبي حاتم ، سوى أنه قال :
(روى معتمر بن سليمان عن رجل من أهل الكوفة عنه ، وروى أبو الحسن
المدائني عنه)) .
وأما ابن حبان فذكره في ((أتباع التابعين من الثقات)) (٤٩٠/٧) على قاعدته
في توثيق المجهولين ! وقال :
(«يروي عن أبيه عن معاوية ، روى عنه إسماعيل ابن علية)).
قلت : فكأنه أشار إلى هذا الحديث .
وأبوه محارب الزيادي : لم أجد له ترجمة .
وأما أبو الحسن المدائني - الذي روى عن مسلمة الزيادي فهو : علي بن محمد
الأخباري المشهور صاحب التصانيف ، وهو -: صدوق ضعفه ابن عدي بقوله :
((ليس بالقوي)).
فاعلم أنه يروي عنه الإمام الطبري في ((تاريخه)) كثيراً من الحوادث والوقائع
بواسطة شيخه عمر بن شبّة عنه عن مسلمة بن محارب هذا ، ولما كان لم يدرك
عصر الصحابة لكونه من أتباع التابعين - كما تقدم عن ابن حبان -؛ فتكون كل
رواياته ووقائعه التي يرويها عن الصحابة منقطعة لا تصح ، وبخاصة وهو نفسه ممن
لم تثبت عدالته وحفظه - كما سبق - ؛ فمن الجهل بل الجهالة بمكان ما صنعه
ذلك (السخاف) في تعليقه على ((دفع شبه التشبيه)) (ص٢٣٦ - ٢٣٧) من الطعن
في معاوية رضي الله عنه بروايات ساقها دون تمييز ما صح منها مما لم يصح ، وما
صح منها - وله تأويل صحيح عند العلماء ؛ فهو - لا يذكره، وما لم يصح منها
يذكره، ويكتم علته ؛ لأن الغاية تبرر الوسيلة عنده ، ومن ذلك ما نقله من ((تاريخ
٧١٤

الطبري)) و((كامل ابن الأثير)) أن سبب موت عبدالرحمن بن خالد بن الوليد كان
معاوية ! وذلك أنه أمر نصرانياً أن يدس في شرابه سماً فشربه فمات !!
و(السخاف) هذا شديد الطعن في معاوية رضي الله عنه ، وقد سوَّد في تعليقه
المشار إليه ثماني صفحات في ذم معاوية ، ويتهمه بما ليس فيه ، ويحرِّف الروايات
التاريخية ، ويحمِّلها من المعاني ما لا تتحمل ؛ فلعل الله ييسر له مؤمناً يكشف
للناس ما في كلامه من الدس والافتراء على هذا الصحابي الجليل ، صاحب
الفتوحات الإسلامية التي لا تنسى .
وأما افتراؤه عليَّ وتحريفه لكلامي ، ورميه إياي ولغيري بالتجسيم والجهل
فشيء یصعب حصره ! عامله الله بما يستحق !
٦٣٢٦ - (ثلاثةُ أصوات يحبُّها اللهُ: صوتُ الملائكة ، وصوتُ
الذي يَقْرأُ القرآن ، وصوتُ المستغفرينَ بِالأَسْحارِ) .
موضوع. أخرجه الديلمي في («مسنده)) (٦٤/١ - الغرائب) من طريق وهب
ابن حفص : حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن عنبسة عن محمد بن زاذان عن
أم محمد بنت سعد بن زيد بن ثابت قالت: قال رسول الله :... فذكره .
قلت : وهذا موضوع ؛ آفته أحد من دون أم محمد هذه .
أولاً : محمد بن زاذان: قال الحافظ في ((التقريب)):
((متروك)) .
ثانياً : عنبسة - وهو : ابن عبدالرحمن الأموي -: قال الحافظ :
((متروك ، رماه أبو حاتم بالوضع)).
٧١٥

ثالثاً : عثمان بن عبدالرحمن ، وهو الوقاصي ، قال الحافظ :
((متروك، وكذبه ابن معين)).
رابعاً: وهب بن حفص - وهو: البجلي الحراني -: قال الذهبي في («الميزان»:
((كذبه الحافظ أبو عروبة ، وقال الدارقطني: كان يضع الحديث)).
قلت : ولعل ذلك لم يكن عن قصد منه ، وإنما أدركته غفلة الصالحين ؛ فقد
قال ابن حبان في ((الضعفاء)) (٧٦/٣) :
((كان شيخاً مغفلاً، يقلب الأخبار ولا يعلم ، ويخطئ فيها ولا يفهم)) .
وأما أم محمد هذه: فلم أعرفها ، والظاهر أنه خطأ من الناسخ ، وأن الصواب :
((أم سعد بنت زيد بن ثابت)) .. بإسقاط: ((محمد بنت))، وعلى الصواب وقع في
(«كنز العمال)» (٣٥٢٨٥/٣٣٥/١٢) معزواً لـ ((الديلمي))، وكذا في ((الفردوس)» لأبيه
(٢٥٣٨/١٠١/٢)، لكنه لم ينسبها؛ بل قال: ((أم سعد)). ووقع في مصورة ((الجامع
الكبير)) التي عندي وفي مطبوعته أيضاً (رقم ١٣٠٧٥):
((أم محمد بنت زيد بن ثابت))، وذكر المعلق عليه أنه كذلك في الأصول
- يعني: نسخ ((الجامع)) الخطية -. وأشار إلى أنه خطأ، وأنه في ((تسديد القوس))
على الصواب .
٦٣٢٧ - (كان يأمر بدفن الدم إذا احتجم).
موضوع. أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٨٦٩/٢/٥٠/١)، وابن منده
- كما في ((الإصابة)) - من طريق عنبسة بن عبد الرحمن بن سعيد بن العاص
عن محمد بن زاذان عن أم سعد امرأة (!) زيد بن ثابت قالت : ... فذكره .
وقال الطبراني :
٧١٦

((لا يروى عن أم سعد إلا بهذا الإسناد ، تفرد به عنبسة)).
قلت : وهو متهم بالوضع - كما تقدم في الحديث الذي قبله -، وقد تقدمت
له بعض الأحاديث الموضوعة ؛ فانظر إن شئت الأرقام : (٤٣٥ و٥١٨ و٦٦٤ و٨٣٧
و٨٦١) ، وهذا الأخیر من روایته عن محمد بن زاذان هذا عن أم سعد هذه عن زيد
ابن ثابت !
ومحمد بن زاذان : متروك - كما تقدم أيضاً آنفاً -، وأزيد هنا فأقول :
قال ابن عبدالبر في ترجمة أم سعد بنت زيد بن ثابت الأنصاري هذه :
((روى عنها محمد بن زاذان، يقال: إنه لم يسمع منها؛ وبينهما عبدالله بن
أحاديث ؛ منها أنه أمر بدفن الدم إذا احتجم)).
خارجة . لها عن النبي
قال الحافظ عقبه :
((قلت: وصله ابن ماجه والحسن بن سفيان وأبو يعلى وابن منده وغيرهم)).
قلت : وهذا وهم من الحافظ رحمه الله ؛ فإن ابن ماجه لم يرولها - هذا الحديث -
ولا غيره سوى حديث واحد في فضل الخل ، وأنه كان إدام الأنبياء ؛ من هذه الطريق ،
وقد خرجته في «الصحیحة) تحت حدیث :
((نعم الإدام الخل)). رقم (٢٢٢٠).
وقد ساق لها الحافظ عدة أحاديث أخرى من هذا الوجه من رواية ابن منده
أيضاً وختمها بقوله :
((وعنبسة بن عبدالرحمن من المتروكين)).
قلت : وغفل عنه الهيثمي ؛ فأعله بمن دونه فقال (٩٤/٥) :
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه هياج بن بسطام، وهو ضعيف)).
٧١٧

قلت : وهذا إعلال قاصر ؛ لأمرين :
الأول : أنه لم يتفرد به - كما أشار إلى ذلك الطبراني فيما نقلته آنفاً عنه -،
وقد رواه ابن منده من غير طريقه - كما أشرت إلى ذلك في التخريج -، وعلقه ابن
الأثير في ((أسد الغابة)) (٢٣٨/٦) من وجه ثالث عن عنبسة .
والآخر : أن عنبسة شر بكثير من هياج بن بسطام ، فإن هذا قد وثق ، وقال
الحافظ في ((التقريب)»:
((ضعيف)) .. فأين هذا من قوله المتقدم في عنبسة : أنه من المتروكين؟! ونحوه
محمد بن زاذان - كما تقدم أيضاً ..
وقد روي في دفن الدم مطلقاً حديث آخر ، ولكن لا يعرف له إسناد ، وقد
سبق ذكره تحت الحديث المتقدم (٢٣٥٧) .
ولعنبسة هذا بإسناده المذكور حديث آخر في وضع القلم على الأذن ؛ تقدم
برقم (٨٦٥) ، إلا أنه قال :
((عن أم سعد عن زيد بن ثابت)) !
٦٣٢٨ - (كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب مسكراً؛
بُخستْ صلاته أربعين صباحاً ، فإن تاب ؛ تاب الله عليه ، فإن عاد
الرابعة ؛ كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال . قيل : وما طينة
الخبال؟ قال : صديد أهل النار .
ومن سقاه صغيراً لا يعرف حلاله من حرامه ؛ كان حقاً على الله
أن يسقيه من طينة الخبال) .
منكر بجملة : (إسقاء الصغير) . أخرجه أبو داود (٣٦٨٠)، ومن طريقه البيهقي
٧١٨

في ((السنن)) (٢٨٨/٨)، وابن عبدالبر في ((التمهيد)) (٢٥٥/١) قال : حدثنا
محمد بن رافع النيسابوري : حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعاني قال : سمعت
:... فذكره .
النعمان یقول : عن طاوس عن ابن عباس عن النبي
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، رجاله كلهم ثقات ؛ غير إبراهيم بن عمر الصنعاني ،
وهو مجهول الحال ؛ لم يرو عنه مع النيسابوري هذا غير نوح بن حبيب ، ولم يوثقه
أحد حتى ولا ابن حبان! ولذلك بيَّض له الذهبي في ((الكاشف)»، وقال الحافظ
في ((التقريب)) :
((مستور)) . وقال في ((تهذيبه)) :
((وليس هو ابن كيسان؛ فإنه متأخر عنه ، روى عن النعمان بن أبي شيبة ...
أخرج له أبو داود حديثاً واحداً في (الأشربة) من رواية طاوس عن ابن عباس)).
يعني: هذا - كما هو ظاهر -، وأشار بقوله: ((وليس هو ابن كيسان)) - لأن هذا
صنعاني أيضاً - دفعاً للالتباس ؛ فإنهما من طبقة واحدة ، وقد جعلهما في
((التقريب))، من الطبقة السابعة ، وابن كيسان ثقة ؛ فكان التنبيه على أنه غيره
ضرورياً جداً ، وهذا مما لم يتنبه له كثيرون ؛ فظنوه ابن كيسان ، وعليه صححوا
الحديث! ومنهم أنا شخصياً؛ فقد كنت خرجته في ((الصحيحة)) برقم (٢٠٣٩)،
فأستغفر الله وأتوب إليه ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾.
ولقد كان سبب انتباهي لهذا الخطأ أنني رأيت الحديث في كتاب ((الوهم
والإيهام)) لابن القطان (١/١٧٢/٢ -٢) ، أورده تحت (باب ذكر أحاديث ضعفها
(يعني: عبدالحق) وهي صحيحة أو حسنة ، وما أعلها به ليس بعلة) (ق١/١٥٤)،
وفي النسخة المصورة بياض ؛ لم أعرف بماذا أعله عبدالحق ، لكن يظهر من كلام
٧١٩

ابن القطان الآتي أن عبدالحق كان ساق الحديث بسند أبي داود ؛ فإنه قال :
((فإنه عهد فيما هو صحيح ، بل فيما هو حسن ؛ بل فيما هو ضعيف من
الترغيب والترهيب يكتبها مقتصراً على صحابيها ، فمتى ذكر حديثاً بسنده ؛ فقد
عرّضه لنظرك ، وتبرأ لك من عهدته . وليس هذا الحديث عندي بضعيف ؛ بل هو
صحيح ، فقد كان يجب أن يذكره بغير إسناد . والنعمان - هو : ابن أبي شيبة
الجَنَدي الصنعاني - ثقة مأمون كيس ، وإبراهيم بن عمر الصنعاني ثقة أيضاً،
وسائرهم لا يسأل عنه ، فاعلم ذلك» !
ومن الواضح أن ابن القطان توهم أن إبراهيم هذا هو ابن كيسان الثقة - لما
تقدم -، وبخاصة أن من مذهبه أن المستور ومجهول الحال لا يحتج به بحال - كما
ذكر ذلك في أماكن عديدة من كتابه -؛ فهو الذي وقع في (الوهم) وليس عبد الحق .
وفي قوله : ((فمتى ذكر حديثاً بسنده ... وتبرأ لك من عهدته)) فائدة مهمة
طالما كنا ولا نزال نلفت نظر القراء إليها ونقول :
إنه لا يلزم من سكوت المؤلف على حديث ما ساقه بسنده أنه قوي عنده ،
كلا؛ فإن ذِكْرَه لإسناده يعني بلسان الحال - ولسان الحال أنطق من لسان المقال -:
انظر فيه لتتبين أصحيح هو أم لا؟ وهذا ما يغفل عنه كثير [من] المؤلفين اليوم،
وفيهم بعض الدكاترة ؛ فيتوهمون من السكوت عن السند الصحة ! وهذا مما يقع فيه
كثيراً الشيخان الحلبيان اللذان اختصرا ((تفسير ابن كثير))؛ فإنهما قد صححا كثيراً
من أحاديث ((التفسير)) في ((مختصريهما))، وطالما نبهت على الكثير من أحاديثهما
الضعيفة في هذه ((السلسلة)) وغيرها ، وهذا الحديث بالذات من تلك الأحاديث
التي أوردها الشيخ نسيب الرفاعي في «مختصره)) (٨٣/٢) مغتراً بسكوت ابن كثير
علیه ، مع أنه ساقه بإسناد أبي داود بتمامه قائلاً:
٧٢٠