Indexed OCR Text
Pages 361-380
ثم استدركت فقلت : عطاء عند أبي داود : هو ابن يزيد الليثي ، وليس ابن يسار، وقد رواه عنه الطحاوي (١ / ٢٦٧). ومما يؤكد ما ذكره من قلب ابن أبي فروة لمتنه : أن حديث أبي هريرة قد جاء عنه من طرق صحيحة مرفوعاً بلفظ : («يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب)) . أخرجه إسحاق بن راهويه في ((مسنده)) (٤ / ٣٩ / ١)، ومن طريقه مسلم (٢ / ٥٩)، وكذا البيهقي (٢ / ٢٧٤)، وأبو عوانة (٢ / ٥٢)، وابن ماجه (رقم ٩٥٠)، وأحمد (٢٩٩/٢، ٤٢٥ ) من طريقين عنه . فهذا هو المحفوظ عن أبي هريرة ، فهو يبطل حديث ابن أبي فروة . ولحديث أبي هريرة هذا شواهد من حديث أبي ذر: عند مسلم وغيره . وابن عباس : عند أبي داود وغيره . وهما مخرجان في (( صحيح أبي داود)) ( ٦٩٩، ٧٠٠)، وصححهما ابن خزيمة. وعبد الله بن مغفل : عند ابن ماجه وأحمد ( ٤ / ٨٦ و ٥ / ٥٧). وقد ساق ابن القيم هذه الأحاديث الصحيحة الأربعة ، وقال عقبها : ((ومعارض هذه الأحاديث قسمان : صحيح غير صريح ، وصريح غير صحيح ، فلا يترك العمل بها لمعارض هذا شأنه )). يعني بالصحيح كحديث عائشة في صلاته ### في الليل وهي معترضة بينه وبين القبلة راقدة على الفراش. متفق عليه ، وهو مخرج في (( صحيح أبي داود )) ٣٦١ (٧٠٥). قال الحافظ في ((الفتح)) (١ / ٥٩٠): (( والفرق بين المار وبين النائم في القبلة : أن المرور حرام؛ بخلاف الاستقرار نائماً كان أو غيره ، فهكذا المرأة يقطع مرورها دون لبثها )). ومثله: حديث ابن عباس في مروره بين يدي الصف ورسول الله عَ ليه يصلي في عرفة ، وإرساله الأتان ترتع . متفق عليه أيضاً، وهو مخرج أيضاً في المصدر السابق (٧٠٩)، قال ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢/ ٢٣ - ٢٥): « ليس فيه أن الحمار مر بين يدي النبي ﴿﴿ ، وإنما مر بين يدي أصحابه ، وسترة الإمام سترة لمن خلفه )) . وإن من شؤم التقليد والجمود على المذهب: أن المعلق على ((زاد المعاد)) لم يُقْنِعْهُ بصحة كلام ابن القيم عقب الأحاديث الصحيحة الأربعة المتقدمة ما أشار إليه من ضعف الأحاديث الصريحة المعارضة لها ؛ بل إنه عكس ذلك ؛ فعارض الصحيحة وأعرض عنها بالأحاديث الضعيفة ! وهي أربعة : الأوّل : حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً : (( لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان)). رواه أبو داود وغيره . قال المومی إلیه عقبه : ((وفي سنده مجالد بن سعيد . وهو سيئ الحفظ ، لكن يتقوى بما أخرجه الدارقطني ... )). قلت : مجالد مع سوء حفظه كان قد تغيَّر في آخر عمره ؛ كما قال النووي في ((المجموع)) (٣ / ٢٤٦)، وقال: ٣٦٢ ((وقد روى عنه أبو أسامة هذا - واسمه حماد بن أسامة - بعد أن تغير ؛ كما ذكر ابن مهدي)) . قلت : فمثله ينبغي التوقف عن الاستشهاد بحديثه خشية أن يكون أخطأ فيه وخالف فيه الثقات . وهذا هو الذي وقع له في هذا الحديث ، فرواه جمع من الثقات عن أبي سعيد بلفظ آخر، ليس فيه هذه الزيادة: «لا يقطع الصلاة شيء))؛ كما تقدم في أول هذا التخريج ، فهي منكرة إذاً ، لا يستشهد بها . والثاني : حديث الترجمة هذا ، وقد عرفت أنه ضعيف جداً ، فلا يستشهد به أيضاً . والثالث: مثله - كما سيأتي بيانه - هو والحديث الرابع بعد هذا إن شاء الله تعالى . فقول المعلق عقبها : ((وهذه الشواهد يشد بعضها بعضاً فيتقوى بها الحديث)) ! فأقول : كلا ! فإن شرط التقوّي أن لا يشتد ضعف مفرداتها؛ كما هو معلوم في ((المصطلح))، وليس الأمر كذلك هنا كما بينا، ولذلك؛ لم يتجرأ على التصريح بعللها خلافاً لما صنع في حديث الخدري ! فلو فعل ؛ لتبين للقارئ شدة الضعف والنكارة . ولهذا؛ لم يُقَوِّ الحافظُ الحديثَ بطرقه المذكورة وغيرها ، وإنما اكتفى بتضعيفها في (( الفتح)) بقوله (١ / ٥٨٨ ) - بعد أن أشار إليها ، ومنها حديث أنس المذكور تحت الحديث التالي : ((وفي إسناد كل منها ضعف)). ٣٦٣ على أنه لو سلمنا جدلاً ارتقاء الحديث إلى مرتبة الصحة بلفظ: (( لا يقطع الصلاة شيء))؛ فلا يكون صريحاً في معارضة أحاديث القطع ؛ لأنه عام وتلك خاصة ، فيبنى العام على الخاص ، ويكون الناتج من ذلك ( لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديه سترة ) ، وهذا قد جاء مصرحاً به في بعضها ؛ كحديث أبي هريرة : ((يقطع الصلاةَ المرأةُ والكلبُ والحمارُ، ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل )). رواه مسلم کما تقدم ، ونحوه حديث أبي ذر . وقد بحث الشوكاني في (( النيل)) هذا الموضوع بتفصيل ، وناقش أدلة المختلفين في هذه المسألة ، وبيَّن صحيحها من سقيمها ، وانتهى كلامه إلى هذا الجمع ، فليراجعه من أراد التفصيل ؛ إلا أن موقفه من حديث الترجمة كان ضعيفاً ؛ لأنه بعدما ساقه من رواية الدارقطني لم يزد على قوله عقبه (٣ / ١٢): (( فإن صح كان صالحاً للاستدلال به على النسخ ( يعني : لحديث القطع ) إن صح تأخُّر تأريخه )) . فهذا وما تقدم نقله عن المعلق على ((الزاد )) كان من دواعي كتابة هذا التخريج والتحقيق . والله تعالى ولي التوفيق . وإليك الآن تحقيق الكلام على الحديث الثالث من الأحاديث المشار إليها آنفاً : ٥٦٦١ - ( لا يَقْطَعُ الصَّلاةَ شيءٌ ). منكر. أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨ / ١٩٣ / ٧٦٨٨)، والدارقطني في ((السنن)) (١ / ٣٦٨) من طريق عفير بن معدان عن سليم بن عامر عن أبي أمامة مرفوعاً . ٣٦٤ قلت : وهذا إسناد ضعيف جداً؛ آفته عفير هذا؛ فقد اتفقوا على تضعيفه ، وقد بسط الحافظ المزي أقوال جارحيه في ((تهذيب الكمال))، وهو ممن سقطت ترجمته من ((تهذيب التهذيب)) للعسقلاني، وأورده الذهبي في ((الضعفاء)) وقال : ((ضعفوه. وقال أبو حاتم: لا يشتغل بحديثه)). قلت: ونص قول أبي حاتم في رواية ابنه عنه في ((الجرح)) (٣ / ٢ / ٣٦): (( ضعيف الحديث ، يكثر الزواية عن سليم بن عامر عن أبي أمامة بالمناكير مما لا أصل له ، لا يشتغل بروايته )). قلت: فمثله لا يصلح للاستشهاد به ؛ خلافاً لما فعله المعلق على ((زاد المعاد)) كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الحديث الذي قبله ، وكذلك فعل في تعليقه على ((شرح السنة)) (٢ / ٤٦١ - ٤٦٢)! ولم يكتف بذلك؛ بل إنه نقل عن الهيثمي في ((المجمع)) (٢ / ٦٢) أنه حسّن إسناده وأقره ! وأغلب الظن أنه لا يخفى عليه أن ذلك من أوهام الهيثمي أو تساهله . فلم أقره ؟! الجواب في قلب كل قارئ لبيب . وهذا هو الحديث الثالث مما كان المعلق المشار إليه ذكره کشاهد لحديث الترجمة من رواية أبي سعيد الخدري الذي سبق بيان ضعف إسناده ونكارة متنه أيضاً في الذي قبله . وأما الحديث الرابع الذي استشهد به ؛ فهو حديث الدارقطني عن أنس مرفوعاً مثل حديث الترجمة . ٣٦٥ وسكت المومى إليه عنه أيضاً ، فلم يتكلم عليه بشيء أيضاً؛ مكتفياً بادِّعاء كونه شاهداً . ولا يصلح لذلك ؛ لضعف في إسناده ونكارة في متنه ، وإليك البيان : أخرجه الدارقطني (١ / ٣٦٧)، والبيهقي (٢ / ١٧٧ - ١٧٨)، والحافظ ابن المظفر في ((زياداته على مسند عمر بن عبد العزيز)) لابن الباغندي ( ص ١٧ ) من طريق إبراهيم بن منقذ الخولاني : نا إدريس بن يحيى أبي عمرو المعروف بـ ( الخولاني ) عن بكر بن مضر عن صخر بن عبد الله بن حرملة : أنه سمع عمر ابن عبد العزيز يقول : عن أنس : صلى بالناس ، فمر بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي أن رسول الله ربيعة: سبحان الله ( ثلاثاً)، فلما سلَّم رسول الله ﴿ٍ قال : ((من المسبِّح آنفاً: سبحان الله؟)) قال: أنا يا رسول الله! إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة . قال : ((لا يقطع الصلاة شيء)). قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات من رجال (( التهذيب ))؛ غير إدريس بن يحيى هذا؛ قال ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٢٦٥): ((صدوق ، سئل عنه أبو زرعة؛ فقال: رجل صالح من أفاضل المسلمين )). قال يونس بن عبد الأعلى : (( ما رأيت في الصوفية عاقلاً سواه)). وصحح له الحاكم . توفي سنة (٢١١)؛ كما قال الذهبي في ((الأعلام)) (١٠ / ١٦٦). وذكر ٣٦٦ أنه كان أحد الأ بدال ، كان يشبه ببشر الحافي في فضله وتألَّهِهِ . وغفل عن هذا الشيخ أحمد شاكر، فقال في تعليقه على الترمذي ( ٢ / ١٦٥): (( ولم أجد ترجمة لإدريس هذا))! ولعله أراد الراوي عنه : إبراهيم بن منقذ ، فسبقه القلم؛ فإن إبراهيم هذا عزيز الترجمة ؛ فقد ذكره الذهبي في ((العبر))، وتبعه ابن العماد في ((الشذرات)) في وفيات سنة ( ٢٦٩ ) ؛ قالا : ((وفيها توفي إبراهيم بن منقذ الخولاني المصري صاحب ابن وهب ، وكان ثقة)). وهذا خلاصة ترجمته في (( سير أعلام النبلاء)) (١٢ / ٥٠٣)، ووصفه فيه بـ ((الإمام الحجة الخولاني أبو إسحاق ، مولاهم المصري العصفري)). وذكر أنه روى عنه جماعة من الحفاظ وغيرهم ، قال أبو سعيد بن يونس : (( هو ثقة رضيّ)) . فالظاهر أنه في كتابه (( تاريخ مصر))، ولم يطبع بعد فيما علمت ، فهو - والله أعلم - عمدة الذهبي في توثيقه، وذكر السمعاني في ((الأنساب))، مادة ( العصفري ): (( كانت كتبه احترقت قديماً ، وبقيت له منها بقية ، كان يحدث بما بقي له من كتبه )) . قلت : وبالجملة ؛ فرجال هذا الإسناد ثقات كما تقدم منا ؛ ولكن متن الحديث منكر؛ لما سبق بيانه ، وفي هذه الحالة لا بد للباحث أن يربط علته بأحد رجاله ، فأرى - والله أعلم - أن أولاهم بها إنما هو صخر بن عبد الله بن حرملة ؛ فإنه وإن وثقه ٣٦٧ ابن حبان (٦ / ٤٧٣)، والعجلي (٢٢٧ / ٦٩٤)، وقال النسائي: ((صالح))؛ كما في (( تهذيب التهذيب)) لابن حجر، وكأنه وقف عند هذا التوثيق حين قال في كتابه (( الدراية)) (١ / ١٧٨): (( وإسناده حسن )) ! وتبعه في ذلك الشيخ الفاضل بديع الدين الراشدي في تعليقه على (( مسند عمر بن عبد العزيز)) (ص ١٦)، وقلده المعلق الحلبي على ((المسند)) (ص ٥٥)، ولم يتنبهوا جميعاً إلى أن التوثيق المذكور مما لا يقبل ، وبخاصة عند تعارض الأحاديث ؛ فإنه صادر ممن عرف بتساهله في التوثيق في راو ليس بالمشهور بالرواية ، ولذلك؛ سكت عنه البخاري في ((التاريخ الكبير))، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل))، وقال الذهبي في (« الميزان »: (( قليل الحديث ، لا يكاد يعرف ، قال ابن القطان : مجهول الحال لا يعرف ، ما روى عنه غير بكر بن مضر)». ولهذا؛ قال في «الكاشف»: ((وثق))! وهذا التعبير منه يعني أن توثيق من ذکرنا غير موثوق به ؛ کما یعرف ذلك من له ممارسة بتعابير الذهبي ودقته فيها . وكذلك قول الحافظ ابن حجر فيه في (( التقريب)» : ((مقبول)). يعني: أن التوثيق المشار إليه غير مقبول عنده ، وإلا؛ لقال فيه هو والذهبي: (( ثقة)) . أو نحو ذلك من العبارات التي تؤدي معناه، ويؤكد ذلك بالنسبة للحافظ أنه صرح في مقدمته بمقصوده بقوله: ((مقبول))؛ فقال : (( حيث ٣٦٨ يتابع، وإلا؛ فليِّن الحديث)). وفي نقل تلميذه الحافظ الناجي عنه: ((إن لم يتابع ؛ فليِّن الحديث)) . فلما لم يكن لصخر هذا متابع ، فحديثه - والحالة هذه - لين عند الحافظ ، وهو الذي يتفق مع تضعيفه إياه في ((الفتح)) كما تقدم ، وعبارته صريحة في ذلك . وأما قول ذاك الحلبي : إنها توهم تضعيفه له ؛ فمن تحريفه لكلام العلماء ؛ اتباعاً لهواه؛ فإن عبارته بعد أن ذكر أن حديث الترجمة ورد عن جمع من الصحابة سماهم - منهم أنس - قال : (وفي إسناد كل منها ضعف)). فأين التوهيم المزعوم ؟! ومن تهوّر هذا الزاعم وجرأته على العلماء قوله ( ص ٥٥ ) - بعد أن نقل ما سبق من التوثیق عن ابن حبان وغيره - : (ولم ينقل فيه غير ذلك، فهو ثقة، وليس كما قال في ((التقريب)): مقبول))! کأن الحافظ لا علم عنده بالتوثيق المذکور ، وهو إنما نقله عنه ! ولکن من جهل هذا الزاعم وتهوره أنه لم يفكر على الأقل لماذا لم يأخذ بالتوثيق المذكور وهو العليم به ، ولو فكّر لتبين له السبب ، وهو جهالة الموثَّق هذا، وتساهل الموثّقین له ، وقد سبقه إلى ذلك ابن القطان والذهبي كما سبق؛ فإن من المعروف في ((المصطلح)): أن الراوي إذا روی عنه واحد ؛ فهو مجهول جهالة عینیة ، ومن روی عنه اثنان فأكثر فهو مجهول الحال . فلما لم يرو عن صخر غير بكر ، ولم يوثق بتوثيق معتبر ؛ لزم الحفاظ المتأخرون - ابن القطان والذهبي والعسقلاني - المعروف في المصطلح، ولما ٣٦٩ جهل ذلك المغرور المشار إليه ؛ خطّأهم جميعاً في شخص الحافظ العسقلاني !.. ولقد جهل أمرين آخرين : الأول : مخالفة هذا الحديث الأحاديث الصحيحة عن أبي ذر وغيره ؛ كما تقدم بيانه في الحديث الذي قبله ؛ ففيها إثبات القطع . والآخر : أنه صح عن أنس نفسه ما يوافق تلك الأحاديث الصحيحة ، ويخالف ما نسبه صخر إليه ، وهو ما روى شعبة عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس قال : أن النبي ((يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة )). أخرجه البزار في « مسنده » (١/ ٢٨١ / ٥٨٢ - كشف الأستار) : حدثنا يحيى بن محمد بن السكن : ثنا يحيى بن كثير : ثنا شعبة به . قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين ؛ غير ابن السكن، وهو من شيوخ البخاري في «صحيحه)). ولهذا؛ قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢ / ٦٠): ((رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح)). وأقره الحافظ في ((زوائده)) ( ص ٥٤ - مصورة الهند ) . ولعله مما يزيد القارئ بصيرة بضعف هذه القصة التي تفرد بها صخر : معرفة أنه اضطرب في إسناده . فمرة قال : إنه سمع عمر بن عبد العزيز عن أنس ، كما تقدم . ٣٧٠ ومرة قال : سمعت عمر بن عبد العزيز يحدث عن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال : ... فذكره . أخرجه ابن الباغندي في (( مسند عمر بن عبد العزيز)) ( ١٧ / ٩) : حدثنا هشام بن خالد: نا الوليد بن مسلم عن بكر بن مضر المصري عن صخر بن عبد الله المدلجي قال :... فذكره . قلت : وهذا منقطع أو مرسل ؛ لأن عمر بن عبد العزيز لم يدرك عياش بن أبي ربيعة ؛ فإنه قديم الوفاة مات سنة ( ١٥). وهذا يقال إن سلم من عنعنة الوليد بن مسلم؛ فإنه كان يدلس تدليس التسوية . إذا عرفت هذا ؛ فقد أخطأ في هذا الحديث عامان فاضلان لهما وزنهما عندي ، وهما : الشيخ أحمد شاكر رحمه الله ، والشيخ بديع الدين الراشدي . أما الأول ؛ فمن ناحيتين : الأولى : من حيث إسناده ؛ فإنه قال عقب رواية الوليد بن مسلم : ((وهذ إسناد صحيح ، إلا أن عمر بن عبد العزيز لم يسمع من عياش ، فقد مات سنة ١٥ ، ولكنه محمول على الرواية الأخرى عن أنس ، وكأن عمر لما سمعه من أنس صار يرويه مرة عنه ، ومرة يرسله عن عياش ، يريد بذلك رواية القصة ، لا ذکر الإسناد )» . قلت : هذا الحمل مسلّم لو صح الإسناد عن عمر بهذا وهذا ، وهيهات ! فإن مدارهما على صخر ، وقد عرفت حاله . ٣٧١ والعجب من الشيخ كيف يصحح هذه الرواية ، وهو يعلم أن الوليد بن مسلم مدلس ، ويقول في أحد رواة الرواية الأولى عن أنس: ((لم أجد له ترجمة )) ! كما سبق نقله عنه مع الاستدراك عليه فيه ، فتذكر هذا، وأن العلة الحقيقية هي من صخر ! ثم إذا كان الشيخ يحمل هذه الرواية على الرواية الأولى - وهي عن أنس -؛ فكيف يجوز نسبة ذلك إليه بمثل هذا السند المعلل بصخر، وقد صح عنه خلافه بسند قوي كالجبل ؛ كما سبق . والناحية الأخرى : أنه جزم بنسخ أحاديث قطع الصلاة التي تقدم بعضها ببيان ذكره متبجحاً به ! وحق له ذلك لو صح ؛ ولكننا نقول : أثبت العرش ثم انقش ! أو: وهل يستقيم الظل والعود أعوج ؟! فإن ذلك البيان بناه على صحة الحديث ، وهيهات هيهات! فقد تبين أنه ضعيف الإسناد منكر المتن ؛ لمخالفته الأحاديث الصحيحة في القطع بصورة عامة ، ولحديث أنس الصحيح فيه بصورة خاصة . وأما الشيخ الراشدي حفظه الله ؛ فقد وافقه على الناحية الأولى ؛ إلا أنه اقتصر على تحسين إسناد الحديث إلى أنس ، وعلى الناحية الأخرى أيضاً تلميحاً لا تصريحاً ؛ لكنه جاء بعجيبة ؛ فإنه بعد أن صرح بضعف حديث الوليد - لتدليسه - قال في آخر تعليقه عليه : (( فهذا الحديث من جملة الشواهد في الباب )» ! يقول هذا وهو يرى أن مداره على راو واحد ، هو صخر بن عبد الله في هذا الحديث وفي الذي قبله ، فقد جعل المشهود له شاهداً ، وبالعكس ! إلا أن یرید ٣٧٢ بقوله: ((الحديث)) حديث عياش بغض النظر عن روايتيه والجملة الأخيرة منه وهي: (( لا يقطع الصلاة شيء ))! فلا يصح الاستشهاد به ؛ لأنه منكر؛ كما تقدم تحقيق ذلك في هذا التخريج . والله ولي التوفيق . ٥٦٦٢ - ( صَلَّى قَبْلَ المغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ ). شاذ . أخرجه ابن حبان في « صحيحه)) (رقم ٦١٧ - موارد ): أخبرنا محمد ابن إسحاق بن خزيمة : حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث : حدثني أبي : حدثنا حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة : أن عبد الله المزني حدثه : أن رسول الله صلى قبل المغرب ركعتين . كذا أورده الهيثمي في (( الموارد )) وقال : عقبه: ((قلت : فذكر الحديث)). قلت : يعني قوله :尖 ((صلوا قبل صلاة المغرب [ركعتين])). قال في الثالثة: ((لِمَنْ شاءَ ))؛ كراهية أن يَتَّخِذَهَا الناسُِ سُنَّةً. أخرجه البخاري وغيره، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) ( ١١٦١)؛ أخرجوه دون حديث الترجمة ، وهي زيادة تفرَّد بها أحد رواة هذا الإسناد عند ابن حبان وكذا ابن نصر في ((القيام))، وقد كنت أشرت إلى شذوذها في (( الصحيحة)) رقم الحديث (٢٣٣)؛ لمخالفة المشار إليه ، والآن اقتضى الأمر توضيح ذلك فأقول : أولاً : لا أجد في هذا الإسناد من هو أولى بتعصيب الخطأ في هذه الزيادة ؛ ٣٧٣ لأنهم جميعاً ثقات لم يتكلم فيهم أحد بجرح ؛ سوى عبد الصمد بن عبد الوارث ؛ فإنه مع كونه من رجال الشيخين ؛ فقد قال فيه ابن قانع : (( ثقة يخطئ)). فإن لم يكن هو؛ فابنه عبد الوارث؛ لأنه قد خولف وأبوه توبع ؛ كما يأتي . على أنه قد بدا لي أن في هذا الإسناد انقطاعاً أو سقطاً قديماً ؛ فإن ظاهر قوله : (( ثني أبي)) أنه يعني عبد الصمد بن عبد الوارث، وأن هذا هو القائل : ثنا حسين المعلم . ولم يذكروا أن له رواية عنه ، ولا تاريخ وفاتهما يساعد على ذلك؛ فإن وفاة عبد الصمد سنة (٢٠٧)، ووفاة حسين سنة (١٤٥)، فبين وفاتيهما (٦٢) سنة . وإنما ذكروا لأبيه عبد الوارث السماع منه ، وهو المحفوظ في هذا الإسناد من رواية جمع من الثقات عن عبد الوارث بن سعيد ، منهم ابنه عبد الصمد دون الزيادة ، وهاك البيان : ١ و٢ - قال أحمد (٥ / ٥٥): ثنا عبد الصمد: حدثني أبي: ثنا حسين، وعفان : ثنا عبد الوارث : ثنا حسين به ؛ دون الزيادة . ومن طريق عفان وحده أخرجه البغوي في (( شرح السنة)) (٣ / ٤٧١ / ٨٩٤). ٣ - قال البخاري في ((صحيحه)) (١١٨٣): حدثنا أبو معمر : حدثنا عبد الوارث به . وأبو معمر هذا اسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المِنْقَري . ومن طريقه أخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢ / ٢٦٧ / ١٢٨٩). ٤ - قال أبو داود في (( سننه )) (١٢٨١): حدثنا عبيد الله بن عمر : حدثنا ٣٧٤ عبد الوارث بن سعيد به . وعبيد الله هذا هو القواريري . ومن طريقه أخرجه الدارقطني (١ / ٢٦٥ / ٣). ومن طريق أبي داود: البيهقي ( ٢ / ٤٧٤ ) . ٥ - قال محمد بن نصر ( ص ٢٦) : حدثنا محمد بن عبيد: ثنا عبد الوارث ابن سعيد به . ومحمد بن عبيد هو ابن حساب ؛ ثقة من شيوخ مسلم . ومن طريقه أخرجه الإسماعيلي في (( مستخرجه))؛ كما في (( فتح الباري)) (١٣ / ٣٣٩) ؛ لكن وقع فيه ( حسان ) بالنون بدل الباء! وهو خطأ مطبعي. قلت : فهؤلاء خمسة ثقات اتفقوا على رواية الحديث عن عبد الوارث بن سعيد دون الزيادة ، وهذا مما يلقي اليقين في القلب على شذوذها وخطأ من زادها في إسناد ابن حبان عن ابن خزيمة ، ولعل مما يؤكد ما ذكرت : أن ابن خزيمة أعرض عن إيرادها في ((صحيحه )) إلى رواية أبي معمر الخالية منها كما تقدم . من أجل ذلك ؛ جزم ابن القيم رحمه الله بنفي ما تضمنته هذه الزيادة ؛ فقال في (( زاد المعاد )): أنه كان يصليهما ، وصح (( وأما الركعتان قبل المغرب ؛ فإنه لم ينقل عنه عنه أنه أقرَّ أصحابه عليهما ... )). وذكر نحوه الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٢ / ١٠٨). وقد غفل عن هذا كله المعلق على ((الزاد)) ؛ فإنه قال في حديث ابن حبان : ٣٧٥ ((وإسناده صحيح))! وما أُتي إلا من التقليد ، وعدم التحقيق! ومثل هذا الحديث في الشذوذ - بل النكارة - ما تقدم (٢١٣٩ ) بلفظ : (( بين كل أذانين صلاة إلا المغرب)) ! ثم تأكدت من السقط المشار إليه، فراجع (( الصحيحة)) بالرقم المشار إليه الطبعة الجديدة سنة ( ١٤١٥ ). وقد تبين لي أن في إسناد ((الموارد)) سقطاً أيضاً ، وهو قول عبد الصمد أيضاً: حدثني أبي ... أي : أن صواب الإسناد هكذا : (( .. حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث: حدثنا أبي : حدثني أبي : حدثنا حسين المعلم ... )) إلخ . هكذا هو في ((الإحسان )) في كل من الطبعتين : طبعة بيروت وطبعة عمان . فاتصل الإسناد وزالت علة الانقطاع، ومن الغريب أن هذا الانقطاع في ((قيام الليل)) أيضاً ! وبالجملة ؛ فإذا صح هذا الاتصال ، فتكون العلة القادحة هي الشذوذ ومخالفة الثقات، وخفي ذلك على مُخَرِّج طبعة عمان من ((الإحسان)) ؛ فصحح إسناده ؛ بلفظ الأمر المتقدم ، وبلفظ : بل وعزاه للبخاري وغيره ! وهو عنده من قوله (( بين كل أذانين صلاة)). وهما مخرجان في ((صحيح أبي داود)) (١١٦١، ١١٦٣). وباللفظ الثاني أخرجه ابن خزيمة أيضاً (١٢٨٧)، وابن حبان أيضاً (٣ / ٣٧٦ ٤٨ / ١٥٥٧ - ١٥٦٠)، وزادا في رواية عقبه : ((وكان ابن بريدة يصلي قبل المغرب ركعتين)). قلت : وإسناده صحيح . فهذا هو الصواب في هذه الزيادة : أنها من فعل ابن بريدة ، أدرجها الراوي في الحدیث ورفعه ! ٥٦٦٣ - (إن السُّوْرَ الذي ذَكَرَهُ الله في القرآنِ: ﴿ فَضُرِبَ بينهمْ بِسُورٍ له بابٌ باطِئُهُ فيه الرحْمَةُ وظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ العَذَابُ ﴾ ؛ هو السور الشرقي : ( يعني : مسجدَ بيتِ المقدس ) ؛ باطنُه المسجد ، وظاهره وادي جهنم ) . موقوف باطل . أخرجه ابن جرير في ((التفسير)) (٢٧ / ١٣٠)، والحاكم (٤ / ٦٠١) من طريق سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس عن أبي العوام مؤذن بيت المقدس قال: سمعت عبد الله بن عمرو رضي الله عنه يقول : ... فذكره موقوفاً عليه . وقال الحاكم : ((صحيح الإسناد))! ووافقه الذهبي ! وأقول : سعيد بن عبد العزيز هو التنوخي ؛ مع ثقته وإمامته كان قد اختلط في آخر عمره؛ كما في ((التقريب))، فإن سلم من اختلاطه ؛ ففوقه أبو العوام؛ ولم أعرفه، وقد ذكر الذهبي في (( المقتنى في الكنى )): « أبو العوام . عن معاذ بن جبل ، وعنه روح بن عائذ . أبو العوام. عن عبادة بن الصامت . كأنه الذي قبله ، روى عنه زياد بن أبي سودة )) . ٣٧٧ قلت: ویلقی في النفس أن اسمه بلال إن كان حفظه الراوي عنه ، وهو محمد ابن ميمون قال : عن بلال بن عبد الله مؤذن بيت المقدس قال : رأيت عبادة بن الصامت رضي الله عنه في مسجد بيت المقدس مستقبل الشرق أو السور - أنا أشك - وهو يبكي ، وهو يتلو هذه الآية ﴿فضرب بينهم بسور له باب ، باطنه فيه الرحمة ﴾، ثم قال : (( ههنا أرانا رسول الله جهنم)). أخرجه الحاكم (٢ / ٤٧٨ ) وقال : ((صحيح الإسناد))! ورده الذهبي بقوله : ((قلت: بل منكر، وآخره باطل؛ لأنه ما اجتمع عبادة برسول الله ﴿ هناك. ثم من هو ابن ميمون وشيخه؟! وفي (( نسخة أبي مسهر)) : عن سعيد عن زياد بن أبي سودة قال : رؤي عبادة على سور بيت المقدس يبكي ، وقال : من ههنا أخبرنا رسول الله ◌َرَاءٍ [ أنه ] رأى جهنم . فهذا المرسل أجود )) . قلت : زياد بن أبي سودة تابعي ثقة ؛ لكن الراوي عنه سعيد هو ابن عبد العزيز نفسه ، فالله أعلم هل هذا من سماعه قبل الاختلاط أم بعده . ومحمد بن میمون ؛ هذا قال فيه ابن أبي حاتم عن أبيه : ((مجهول)). ٣٧٨ وأخرج ابن جرير أيضاً وعبد بن حميد؛ كما في ((الدر المنثور)) (٥ / ١٧٤) من طريق أبي سنان قال : كنت مع علي بن عبد الله بن عباس عند وادي جهنم ، فحدث عن أبيه أنه قال: ﴿ فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ﴾ ، فقال : (( هذا موضع السور عند وادي جهنم)). قلت : وهذا إسناد ضعيف ؛ علته أبو سنان - واسمه عيسى بن سنان القَسْمَلِي -؛ ليِّن الحديث؛ كما في ((التقريب)). وبالجملة ؛ فهذه الأحاديث - مع ضعف أسانيدها - منكرة من حيث متونها؛ لمخالفتها لما قبل الآية المذكورة وما بعدها ؛ قال تعالى في أول سورة الحديد : ﴿ يوم تَرَى المؤمنين والمؤمناتِ يَسْعَى نورُهُم بين أيديهم وبأيمانهم بُشْرَاكُمُ اليومَ جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم . يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انْظُرونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فَضُرِب بينهم بِسُورٍ له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره مِنْ قِبَلِهِ العذاب ﴾ . فهذا السياق صريح بأن ضرب السور إنما هو يوم القيامة . وأن ( السور) حائط بين الجنة والنار؛ كما رواه ابن جرير عن قتادة وغيره . وهو الصحيح ؛ كما قال ابن كثير . وما أحسن ما قاله الشوكاني في هذه الآثار : (( ولا يخفاك أن تفسير السُّوْر المذكور في القرآن في هذه الآية بهذا السور ٣٧٩ الكائن ببيت المقدس فيه من الإشكال ما لا يَدْفَعُهُ مقال ، ولا سيما بعد زيادة قوله : ﴿ باطنه فيه الرحمة ﴾ : المسجد ؛ فإن هذا غير ما سيقت له الآية ، وغير ما دلت عليه ، وأين يقع بيت المقدس أو سوره بالنسبة إلى السور الحاجز بين فريقي المؤمنين والمنافقين ، وأي معنى لذكر مسجد بيت المقدس ههنا ، فإن كان المراد أن الله سبحانه ينزع سور بيت المقدس ويجعله في الدار الآخرة سوراً مضروباً بين المؤمنين والمنافقين ؛ فما معنى تفسير باطن السور وما فيه من الرحمة بالمسجد ؟! وإن كان المراد أن الله يسوق فريقي المؤمنين والمنافقين إلى بيت المقدس ، فيجعل المؤمنين داخل السور في المسجد ، ويجعل المنافقين خارجه ؛ فهم إذ ذاك على الصراط وفي طريق الجنة وليسوا ببيت المقدس . فإن كان مثل هذا التفسير ثابتاً عن رسول الله ﴿ قبلناه وآمنا به ، وإلا ؛ فلا كرامة ولا قبول)). ٥٦٦٤ - (إنَّ هذه أيامُ أَكْلِ وشُرْبٍ وذِكْرِ الله ، فلا تَصُوموا فيهنَّ إلا صَوْماً في هَذْي ) . منكر بذكر الاستثناء. أخرجه الدراقطني في «سننه» (٢ / ١٨٧ / ٣٥) من طريق سليمان أبي معاذ عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن حذافة السهمي : ** أمره في رهط أن يطوفوا في منى في حجة الوداع يوم النحر أنَّ رسول الله فينادوا :... فذكره . قلت : وهذا إسناد ضعيف جداً؛ آفته سليمان هذا - وهو ابن أرقم -؛ قال الذهبي في (( الكاشف » : ((متروك)). ٣٨٠