Indexed OCR Text
Pages 121-140
الثاني: أن عطاء قد خولف في رفعه، فقد رواه سلمة بن کھیل عن سعيد بن جبير به موقوفاً على ابن عباس أيضاً. أخرجه الحاكم (٤ /١٩٨) وابن عساكر من طريق الأحوص بن جواب الضبي : ثنا عبد الجبار بن عباس الهمداني عن سلمة بن كهیل به . قلت: وهذا سند صحیح لا علة فيه، وهو یشهد أن أصل الحديث موقوف كما رواه جرير عن عطاء، وهو الصواب، وهو الذي رجَّحه الحافظ ابن كثير مع أنه لم يقف على رواية جرير هذه الموقوفة، ولا على رواية سلمة بن كهيل المؤيدة لها، فكيف به لو وقف عليهما؟ فقال رحمه الله : ((وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفاً، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني(١) له غرابات، وفي بعض حديثه نكارة)). ثم ذكره موقوفاً من وجه آخر عن ابن عباس، وعن ابن مسعود أيضاً ثم قال: ((هذا الأثر والله أعلم إنما هو مما تُلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وقف، لا يصدق منه إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا یکذب)». قلت: ومن النوع الذي خالف الحق الحديث الآتي : ١٠٣٤ - (وقعَ في نفسِ موسى: هل ينامُ الله تعالى ذِكرُه؟ فأرسلَ الله إليهِ ملكاً، فأرَّقَهُ ثلاثاً، ثُمَّ أعطاهُ قارورتَيْن، في كل يدٍ قارورة، وأمرَهُ أن یحتفظ بهما، قال: فجعلَ ینامُ، وتكادُ يداهُ تلتقيّانِ، ثم یستیقظُ فیحبس إحداهما عن الأخرى، ثم نامَ نومةً فاصطفَقَتْ يداهُ، وانكسرتِ القارورتَان، قال: ضربَ الله لهُ مثلاً أن الله لو كان ينامُ لمْ تسْتَمسِك السمواتُ والأرضُ). منكر. أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (رقم ٥٧٨٠ ج٥): حدثنا إسحاق بن أبي (١) كذا الأصل، ولعله سبق قلم من ابن كثير، وإلا فالحديث من رواية عطاء بن السائب كما ترى، وليس لعطاء بن أبي مسلم الخراساني فيه ذكر. - ١٢١ - إسرائيل قال: حدثنا هشام بن يوسف عن أمية بن شبل عن الحَكَم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَ لل يحكي عن موسى ◌َّر على المنبر قال: فذكره. : وأخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٧ /٢/١٩٠) عن إسحاق به. ثم قال: ((تابعه يحيى بن معين عن هشام، ورواه معمر عن الحكم فجعله من قول عكرمة)). قلت: ثم ساقه هو وابن جرير (٥٧٧٩) من طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر قال: أخبرني الحكم بن أبان عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ أن موسى سأل الملائكة: هل ينام الله؟ فأوحى الله إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثاً .. الحديث مثله. قلت: وآفة هذا الحديث عندي الحكم بن أبان هذا، وهو العدني فإنه وإن كان وثقة جماعة كابن معين وغيره، فقد قال ابن المبارك: ارم به. وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال: ((ربما أخطأ)). وقال الحافظ في ((التقريب)): «صدوق عابد وله أوهام)). قلت: فالظاهر من مجموع كلام الأئمة فيه ما أشار إليه الحافظ: أنه كان ثقة في نفسه، ولكنه كان يخطىء أحياناً بسبب شيء في حفظه، ولعله أتيَ من كثرة عبادته وغلوه فيها، كما هو المعهود في أمثاله من الصالحين! فقد روى ابن أبي حاتم (١١٣/٢/١) بسند صحيح عن ابن عيينة قال: قدم علينا يوسف بن يعقوب - قاض كان لأهل اليمن وكان يذكر منه صلاح(١)- فسألته عن الحكم بن أبان فقال: ذاك سيد أهل اليمن، كان يصلي من الليل، فإذا غلبته عيناه نزل إلى البحر، فقام في الماء يُسَبِّح مع دواب البحر! (١) ترجمه ابن أبي حاتم (٢٣٣/٢/٤) وذكر عن أبيه أنه قال: ((لا أعرفه، هو شيخ مجهول)». وقال الذهبي عقبه: ((قلت: كان قاضي صنعاء ومفتيها، وهو صدوق إن شاء الله)). وأقره الحافظ في ((اللسان)) قلت: وقد توبع على هذا الخبر، فراجع له ((الحلية)) (١٤١/١٠). - ١٢٢ - قلت: فمثل هذه العبادة والغلو فيها حري بصاحبها أن لا يظل محتفظاً بذاكرته التي متعه الله بها والاستفادة منها بضبط الحديث وحفظه! وإن اضطرابه في هذا الحديث لمن أقوى الأدلة على عدم ضبطه لحديثه، فهو تارة يرويه عن عكرمة عن أبي هريرة موفوعاً، وتارة عن عكرمة من قوله لا يتعداه، وهذا هو اللائق بمثل هذا الحديث أن يكون موقوفاً على عكرمة وهو تلقاه من بعض أهل الكتاب، فهو من الإِسرائيليات التي لا يجب علينا التصديق بها، بل هو مما يجب الجهر بتكذيبه وبيان بطلانه، كيف لا ؛ وفيه أن موسى كليم الله يجهل تنزه الله تبارك وتعالى عن السهو والنوم فيتساءل في نفسه: ((هل ينام اللّه؟))؟! وهل هذا إلا كما لو قال قائل: هل يأكل الله تبارك وتعالى؟ هل كذا، هل كذا، وغير ذلك مما لا يخفى بطلانه على أقل مسلم! ولهذا صرح بضعف هذا الحديث غير واحد من العلماء، فقال القرطبي في ((تفسيره)) (٢٧٣/١): ((ولا يصحّ هذا الحديث، ضَعَّفَهُ غير واحد، منهم البيهقي)). وقال الذهبي في ترجمة أمية بن شيل : ((يماني، له حديث منكر، رواه عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة مرفوعاً قال: وقع ... الحديث. رواه عنه هشام بن يوسف وخالفه معمر عن الحكم عن عكرمة قوله. وهو أقرب، ولا يسوغ أن يكون هذا وقع في نفس موسى عليه السلام، وإنما روي أن بني إسرائيل سألوا موسى عليه السلام عن ذلك)). وأقره الحافظ في ((اللسان)). وقال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق رواية معمر الموقوفة على عكرمة (٣٠٨/١): ((وهو من أخبار بني إسرائيل، وهو مما يعلم أن موسى لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله عزّ وجلّ، وأنه منزه عنه. وأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ... (قلت: فساقه مرفوعاً كما تقدم، ثم قال): وهذا حديث غريب جداً، والأظهر أنه إسرائيلي لا مرفوع. والله أعلم)). - ١٢٣ - ثم ذكر من رواية ابن أبي حاتم بسنده عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله، فناداه الله عز وجل: يا موسى سألوك هل ينام ربك، فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل، ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس، فوقع لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكت كما هلكت الزجاجتان في يديك، فأنزل الله عزّ وجلّ على نبيه وََّ آية الكرسي . قلت: وهذا هو الأشبه بهذه القصة أن تكون من سؤال بني إسرائيل لموسى، لا من سؤال موسى لربه تبارك وتعالى، ومثل هذا ليس غريباً من قوم قالوا لموسى : ﴿أرنا الله جهرة﴾! على أن في سنده جعفر بن أبي المغيرة، وثقه أحمد وابن حبان، لكن قال ابن منده: ((ليس بالقوي في سعيد بن جبير)). والله أعلم. ١٠٣٥ - (تَفْتَرِقُ أمَّتِي على بضعٍ وسَبعينَ فِرْقَةً، كُلُّها في الجنَّةِ، إلا فِرقةٌ واحدةٌ وهي الزَّنَادِقَةِ). موضوع بهذا اللفظ. أخرجه العقيلي في ((الضعفاء) (٢٠١/٤ - بيروت) ومن طريقه ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢٦٧/١) من طريق معاذ بن ياسين الزيات: حدثنا الأبرد بن الأشرس عن يحيى بن سعيد عن أنس مرفوعاً. ثم رواه هو والديلمي (٤١/١/٢) من طريق نعيم بن حماد: حدثنا يحيى بن اليمان عن ياسين الزيات عن سعد بن سعيد أخي يحيى بن سعيد الأنصاري عن أنس به . ورواه ابن الجوزي عن الدار قطني من طريق عثمان بن عفان القرشي: حدّثنا أبو إسماعيل الأبُلِّي حفص بن عمر عن مسعر عن سعد بن سعيد به . - ١٢٤° - ٠٠٠ ثم قال ابن الجوزي : قال العلماء: وضعه الأبرد، وسرقه ياسين الزيات، فقلب إسناده وخلط، وسرقه عثمان بن عفان وهو متروك، وحفص كذاب، والحديث المعروف: ((واحدة في الجنة، وهي الجماعة)). ونقله السيوطي في ((اللآلي)) (١٢٨/١) وأقره، وكذا أقره ابن عراق في ((تنزيه الشريعة)) (٣١٠/١) والشوكاني في ((الفوائد المجموعة)) (٥٠٢) وغيرهم. وأقول: في الطريق الأولى معاذ بن ياسين، قال العقيلي: ((مجهول، وحديثه غير محفوظ)). قلت: يعني هذا الحدیث ثم قال: «هذا حديث لا يُرجع منه إلى صحة، وليس له أصل من حديث يحيى بن سعيد ولا من حديث سعد)). قلت: وشيخه الأبرد بن الأشرس شرّ منه، قال الذهبي : ... )) فذكره، ((قال ابن خزيمة: كذاب وضَّاع. قلت: حديثه: تفترق أمتي. وزاد الحافظ في («اللسان»: ((وهذا من الاختصار المجحف المفسد للمعنى، وذلك أن المشهور في الحديث: كلها في النار، فقال هذا))! قلت: وفي الطريق الثانية ثلاثة من الضعفاء على نسق واحد، نعيم ويحيى وياسين، وهذا شرهم، فقد قال البخاري فيه : «منكر الحديث)). وقال النسائي وابن الجنيد : ((متروك)). وقال ابن حبان : - ١٢٥ - ۔۔ ((يروي الموضوعات)). قلت: فهو المتهم بهذا، ولعله سرقه من الأبرد كما سبق في كلام ابن الجوزي، فقد ذكر الحافظ في ترجمته من ((اللسان)) أن له طريقاً أخرى عنه، رواه الحسن بن عرفة عنه عن يحيى بن سعيد، فقد اضطرب فيه. قال الحافظ : ((فقال تارة عن يحيى بن سعيد، وتارة عن سعد بن سعيد. وهذا اضطراب شديد سنداً ومتناً. والمحفوظ في المتن: ((تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. قالوا: وما تلك الفرقة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي)). وهذا من أمثلة مقلوب المتن)». قلت: وهذا المتن المحفوظ قد ورد عن جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد وجدت له عنه وحده سبع طرق، خرجتها في (سلسلة الأحاديث الصحيحة)) بلفظ: ((افترقت اليهود ... ))، وخرجته هناك من حديث أبي هريرة ومعاوية وأنس وعوف بن مالك رضي الله عنهم برقم (٢٠٣ و٢٠٤ و ١٤٩٢)، وذلك مما يؤكد بطلان الحديث بهذا اللفظ الذي تفرد به أولئك الضعفاء، وخاصة یاسین الزيات هذا، فقد خالفه من هو خير منه: عبد الله بن سفيان، فرواه عن يحيى بن سعيد عن أنس باللفظ المحفوظ كما بينته هناك. وفي الطريق الثالثة: عثمان بن عفان القرشي وهو السجستاني قال ابن خزيمة : ((أشهد أنه كان يضع الحديث على رسول الله ﴿ لتر)). ومثله شيخه حفص بن عمر الأُبُلِّ، قال العقيلي في ((الضعفاء)) (٢٧٥/١): ((يروي عن شعبة ومسعر ومالك بن مغول والأئمة؛ البواطيل)). وقال أبو حاتم : ((كان شيخاً كذابً)). - ١٢٦ - ١٠٣٦ - (القُرآنُ ذلولٌ ذو وجوهٍ، فاحمِلُوهُ على أحسن وجوهِهِ). ضعيف جداً. رواه الدارقطني (ص ٤٨٥) عن زكريا بن عطية: نا سعيد بن خالد: حدثني محمد بن عثمان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس مرفوعاً . قلت: وهذا سند ضعيف جداً، وفيه علل ثلاث: الأولى: جهالة محمد بن عثمان قال ابن أبي حاتم (٢٤/١/٤): «سمعت أبي يقول: هو مجهول)). الثانية: سعيد بن خالد لم أعرفه . الثالثة: زكريا بن عطية قال ابن أبي حاتم (٥٩٩/٢/١): ((سألت أبي عنه فقال: منكر الحديث)). وقال العقيلي : «هو مجهول)). ١٠٣٧ - (إذا وَلَغَ الكلبُ في إناءِ أحدِكُم فليُهْرِقْهُ، وليغسلْهُ ثلاثَ مراتٍ). منكر بلفظ (ثلاث). أخرجه ابن عدي في ((الكامل)): حدثنا أحمد بن الحسن الكرخي - من كتابه - حدثنا الحسين الكرابيسي: حدثنا إسحاق الأزرق: حدثنا عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة(١) قال: قال رسول اللّه ◌َر: فذكره. ثم أخرجه عن عمربن شَبَّة: ثنا إسحاق الأزرق به موقوفاً، وقال: (لم يرفعه غير الكرابيسي، والكرابيسي لم أجد له حديثاً منكراً غير هذا، وإنما حمل عليه أحمد بن حنبل من جهة اللفظ بالقرآن، فأما في الحديث فلم أرَ به بأساً)). (١) وقع في مطبوعة ((الكامل)) (٧٧٦/٢ - تحقيق لجنة من المختصين!): ((الزهري)) مكان ((أبي هريرة))! وكم في هذه المطبوعة من أخطاء لا تعد ولا تحصى! - ١٢٧ - ذكره ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) (٢٤١/١ - ٢٤٢) ثم تلميذه الزيلعي في «نصب الراية)) (١٣١/١) وزاد هذا: ورواه ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٣٣٣/١) من طريق ابن عدي ثم قال: هذا حديث لا يصح، لم يرفعه غير الكرابيسي، وهو ممن لا يحتج بحديثه. انتهى. وقال البيهقي في ((كتاب المعرفة)): حديث عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة في غسل الإِناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات ، تفردبه عبد الملك من بين أصحاب عطاء، ثم عطاء من بين أصحاب أبي هريرة، والحفاظ الثقات من أصحاب عطاء وأصحاب أبي هريرة يروونه ((سبع مرات))، وعبد الملك لا يُقبل منه ما يخالف فيه الثقات، ولمخالفته أهل الحفظ والثقة في بعض رواياته تركه شعبة بن الحجاج، ولم يحتج به البخاري في «صحيحه» وقد اختلف علیه في هذا الحدیث، فمنهم من يرويه عنه مرفوعاً، ومنهم من یرویه عنه من قول أبي هريرة، ومنهم من يرويه عنه من فعله. قال: وقد اعتمد الطحاوي الرواية الموقوفة في نسخ حديث السبع، وأن أبا هريرة لا يخالف النبي ◌َ لتر فيما يرويه عنه! وكيف يجوز ترك رواية الحفاظ الأثبات من أوجه كثيرة لا يكون مثلها غلطاً، برواية واحد قد عرف بمخالفته الحفاظ في بعض حديثه؟)). قلت: الحق أن عبد الملك ثقة مأمون كما قال الترمذي، وقد احتج به مسلم، ولا نعلم لمن ضعفه حجة يمكن الاعتماد عليها، وقد وثقه جماعات من الأئمة الكبار فراجع كلماتهم فيه في ((التهذيب))، ومن أحسنهم وأعدلهم قولاً فيه أبو حاتم وابن حبان، فقد ذكره في «کتاب الثقات» وقال: ((ربما أخطأ، وكان من خيار أهل الكوفة وحفاظهم، والغالب على من يحفظ ويحدث أن يهم. ولیس من الإنصاف ترك حدیث شیخ ثّبْت، صحت عنه السُّنة بأوهام یهم فيها، والأولى فيه قبول ما يروي بتثبت، وترك ما صح أنه وهم فيه، ما لم يفحش، فمن غلب خطؤه على صوابه استحق الترك)). قلت: وقد تبين للعلماء أنه أخطأ في هذا الحديث في ثلاثة مواضع: الأول: رفعه إلى النبي ◌َّله، والوقف فيه أرجح. - ١٢٨ - الثاني: روايته بلفظ ((ثلاث))، وإنما هو بلفظ ((سبع)). الثالث: لم يذكر فيه التّريب، وهو ثابت، إلا أن الخطأ الأول يترجح عندي أنه من بعض الرواة عنه وإليك البيان : أما الأول: فقد رواه الكرابيسي عن إسحاق الأزرق عن عبد الملك بسنده مرفوعاً كما تقدم. وقال ابن عدي : (لم يرفعه غير الكرابيسي)). قلت: والكرابيسي هذا وإن كنا نقطع أنه وهم في رفع هذا الحديث عن إسحاق الأزرق كما يشير إلى ذلك كلام ابن عدي المذكور فإنّا لم نجد فيها ذكروه فيه من أقوال الأئمة ما یمکن جرحه به، إلا قول ابن الجوزي هنا: ((لا یحتج بحديثه))، فإن کان یعني جملةً حديثه كما هو ظاهر عبارته، فهو جرح غير مقبول من مثله، لأنه مما لم يسبق إليه من أحد من الأئمة المتقدمين، ولأنه جرح مبهم غير مفسر، وما كان كذلك فلا يعتد به. كما هو مقرر في ((المصطلح)). وإن كان يعني بذلك حديثه هذا، فهو كما قال، فإذن الرجل في نفسه ثقة، والأصل في مثله أن يحتج بحديثه، إلا ما ثبت وهمه فيه فيرد، ومن الثابت أنه وهم في هذا الحديث، فقد رواه عمر بن شَبَّة عن إسحاق الأزرق موقوفاً كما سبق، وعمر بن شبّة ثقة مثل الكرابيسي أو خير منه، فقد صرح جماعة من الأئمة بتوثيقه كالدارقطني والخطيب وغيرهما ولم يتكلم فيه أحد بسوء، وتترجح روايته على رواية الكرابيسي بمتابعة سعدان ابن نصر إياه، وأسمه سعيد والغالب عليه سعدان، قال أبو حاتم: صدوق. ووثقه الدارقطني، وأخرج متابعته هذه في ((السنن)) (ص ٢٤). وإن مما يؤيد أن رفعه وهم، وأنه ليس من عبد الملك أنه رواه عبد السلام بن حرب عند الطحاوي (١٣/١) وأسباط بن محمد عند الدارقطني كلاهما عن عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة موقوفاً. وقال الدارقطني: ((هذا موقوف، ولم يروه هكذا غير عبد الملك عن عطاء)). وعبد السلام بن حرب وأسباط بن محمد ثقتان حجتان، فإذا انضم إليهما إسحاق - ١٢٩ - الأزرق وهو ثقة أيضاً، من رواية عمر بن شَبَّة وسعدان عنه تبين بوضوح أن المحفوظ في هذه الطريق الوقف، وأن رفعه من الكرابيسي عن الأزرق وهم منه عليه، فلا تغتر بعد هذا البيان بقول أحد المتأخرين في كتابه ((معارف السنن)) (٣٢٥/١): ((وبالجملة هذا المرفوع صحيح أو حسن). فإن ذلك منه جري على ظاهر حال رجال إسناده وهو کونهم ثقاتاً، دون اكتراث منه إلى ضرورة توفر بقية شروط الحديث الصحيح فيه التي منها أن لا يشذ ولا يعل! وما يحمله على ذلك إلا الانتصار للمذهب، ولو على حساب الحديث الصحيح! نسأل الله السلامة. ثم وقفت على عجيبة أخرى من التعصب، فإن المؤلف المشار إليه بعد تلك الكلمة أحال فيما سماه بـ ((البحث الشافي)) إلى مصادر لبعض الحنفية المتعصبة، منها ((البحر الرائق)) لا بن نُجیم المصري، فلما رجعت إليه فإذا به يخالف المؤلف المشار إلیه فیما ذهب إليه من التصحيح، فإنه سلم بضعف إسناد هذا الحديث المرفوع، ولكن قواه بالحديث الموقوف !! وتفصيل هذه العجيبة أنه قال ما معناه: ((رُوي عن أبي هريرة فعلاً وقولاً، مرفوعاً وموقوفاً من طريقين: الأولى طريق الدارقطني الموقوفة، والأخرى المرفوعة هذه)). ووجهها أن ما سماه بالطريقين مدارهما على عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة. فهي طريق واحدة، وإنما بعض الرواة وهمَ على عبد الملك، نرفعه كما سبق تحقيقه، فالطريق إذن واحدة وبناء على هذا التقسيم الخيالي قال ابن نُجيم: ((ومن المعلوم أن الحكم بالضعف والصحة إنما هو في الظاهر، أما في نفس الأمر فيجوز صحة ما حكم بضعفه ظاهراً، وثبوت كون مذهب أبي هريرة ذلك؛ قرينة تفيد أن هذا مما أجاده الراوي المضعف، وحينئذ يعارض حديث السبع (يعني المتفق على صحته!) ويقدم علیه»! قلت: ولا يخفى بطلان هذا الكلام على ذي إنصاف وعلم، وأما المتعصب الهالك في تعصبه فلا تفيده الأدلة ولو أتیته بکل آية! وبيان ما ذكرت من البطلان من وجوه: یأتي - ١٣٠ - ذكرها فيما بعد لأني أريد أن أتابع الكلام على الخطأين الآخرين فأقول: وأما الموضع الثاني، وهو أن عبد الملك رواه عن عطاء عن أبي هريرة موقوفاً بلفظ ((ثلاث))، فقد خالفه حماد بن زيد عن أيوب عن محمد وهو ابن سيرين عن أبي هريرة قال في الكلب يلغ في الإِناء؛ قال: يهراق ويغسل سبع مرات. أخرجه الدارقطني (ص ٢٤) وقال: ((صحيح موقوف)). وعلقه البيهقي (٢٤٢/١) عن حماد، ثم قال: ((وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة في الثلاث، وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات)). وقال الحافظ في ((الفتح)» (٢٢٢/١). «ورواية من روى عنه موافقةً فتياه لروايته أرجح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإِسناد، ومن حيث النظر. أما النظر فظاهر، وأما الإِسناد، فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد، وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك ... وهو دون الأول في القوة بكثير)). قلت: ولعله مما يؤيد أرجحية رواية حماد بن زيد عن أيوب أنه قد رواه هشام بن حسان عن محمد بن سیرین مثله. أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٣ / ٢٦٨) وسنده صحيح، ولا يخالفه أنه أخرجه أيضاً من طريق معتمر بن سليمان قال: سمعت أيوب يحدث عن محمد عن أبي هريرة مرفوعاً به. لأن الراوي قد يرفع الحديث تارة ويوقفه أخرى فهو صحيح مرفوعاً وموقوفاً. وأما الموضع الثالث: فقد ثبت في حديث هشام بن حسان المتقدم ذكر التراب بلفظ : - ١٣١ - ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يُغسل سبع مرات أولاهن بالتراب)). وهذا أولى من حديث عبد الملك عن عطاء لوجوه: الأول: أن إسناده أصح من إسناد عبد الملك كما سبق في كلام الحافظ. الثاني: أنه قد جاء مرفوعاً من طريق هشام به . أخرجه مسلم وأبو عوانة في ((صحيحيهما)) وغيرهما كما بينته في ((صحيح أبي داود)) (رقم ٦٤). وجاء ذكر التراب مع التسبيع من طريقين آخرين عن أبي هريرة. أخرجهما الدارقطني وقال في أحدهما: ((هذا صحيح)). وهو كما قال. وله طريق رابعة عند البزار ذكرتها في المصدر السابق. الثالث: أن له شاهداً من حديث عبد الله بن مغفل مرفوعاً بلفظ: (إذا ولِغَ الكلبُ فى الإِناءِ فاغسِلُوهُ سبعَ مراتٍ، وعقِّرُوهُ الثَّامنَةَ في الترابِ)). وهو حديث صحيح. أخرجه مسلم وأبو عوانة في ((صحيحيهما)) وابن الجارود في ((المنتقى)) (رقم ٥٣) وغيرهم، وقال ابن منده: ((إسناد مجمع على صحته)). انظر ((صحيح أبي داود)) (رقم ٦٧). وأما التسبيع وحده فذه طرف كثيرة جداً عن أبي هريرة تكاد تكون متواترة، فقد أخرج مسلم وأبر عوانة أربعاً منها. وسق أربع أخرى في التتريب فهي ثمان، فإذا انضم إليها حديث عبد الله بن عمر عند ابن ماجه (١ /١٤٩) بسند صحيح، وحديث عبد الله بن مغفل المذكور آنفاً، فالمجموع عشر طرق عن ثلاثة من الأصحاب ، فهل يبقى بعد هذا البيان أدنى شكّ لدى أي منصف في كون حديث أبي هريرة في التثليث شاذاً، بل منكراً كما وصفه ابن عدي، بل باطلاً كما هو ظاهر؟! وخلاصة القول: إن الذي رُوي عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً من التثليث مع ترك - ١٣٢ - ذكر التتريب لا يصح من قبل إسناده، بل هو باطل لمخالفته ما ثبت عنه يقيناً مرفوعاً من التسبيع والتتريب، مع ثبوت ذلك عنه موقوفاً، فهو الذي يجب الاعتماد عليه في هذه المسألة لا سيما وقد شهد له حديث عبد الله بن مغفل وحديث عبد الله بن عمر. وإن من عجائب الحنفية أيضاً أنهم استجازوا معارضة كل هذه الطرق عن أبي هريرة والشواهد المذكورة بطريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة وهي وحيدة استجازوا ذلك إحساناً منهم للظن به رضي الله عنه، وهو غير ثابت عنه! وغفلوا عن أن ذلك يستلزم إساءة الظنّ به بالنظر إلى الروايات الثابتة عنه بالتسبيع ، وبمن وافقه من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين !! ١٠٣٨ - (لَكُم (يعني الجن) كلُّ عظم ذُكِرَ اسمُ الله عليهِ يَقَعُ في أيديكُم أوفر ما يكونُ لحماً، وكلُّ بعرةٍ عَلَفٌ لدَوابّكُم). أخرجه مسلم (٢ /٣٦) وابن خزيمة في ((صحيحه)) (رقم ٨٢) والبيهقي (١٠٨/١ - ١٠٩) من طريق عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن داود عن عامر قال: ((سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله وَالر ليلة الجن؟ قال فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله وسل ◌ّ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول اللّه وَّل ذات ليلة ففقدناه، فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا: استُطِيرَ أو اغتِيلَ، قال: فَبِتْنا بشرَّ ليلةٍ باتَ بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قِبَل (حِراء)، قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشرليلة بات بها قوم، فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن، قال: فانطَلَق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد، فقال: فذكره، فقال رسول اللّه مص له: فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم من الجن)). قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، ولكنه معلول بعلتين: - ١٣٣ - الأولى: إن قوله: ((وسألوه الزاد ... )) إلخ مدرج في الحديث ليس من مسند ابن مسعود بل هو عن الشعبي قال: وسألوه الزاد إلخ. فهو مرسل، كما بينه البيهقي بقوله عقبه : ((رواه مسلم في ((الصحيح)) هكذا، ورواه عن علي بن حجر عن إسماعيل بن إبراهيم عن داود بن أبي هند بهذا الإِسناد إلى قوله: وآثار نيرانهم، قال الشعبي: وسألوه الزاد، وكانوا من جنّ الجزيرة ، إلى آخر الحديث من قول الشعبي مفصلاً من حديث عبد الله)). قلت: هكذا هو في ((الصحيح)) عقب رواية عبد الأعلى المتقدمة، وهكذا رواه الترمذي في («سننه» (١٨٣/٤) قال: حدثنا علي بن حجر به، إلا أنه قال: ((كل عظم لم يذكر اسم الله عليه)) كما يأتي بيانه في ((العلة الأخرى)) وكذلك رواه البيهقي بسندين له عن علي بن حجر به، إلا أنه لم يسق لفظه، وإنما أحال فيه على لفظ عبد الأعلى فكأنه عنده بلفظه: ((كل عظم ذكر ... )). ثم قال: ((ورواه محمد بن أبي عدي عن داود إلى قوله: ((وآثار نيرانهم))، ثم قال: قال داود: ولا أدري في حديث علقمة أو في حديث عامر أنهم سألوا رسول الله ما ثل تلك الليلة الزاد فذكره)). ثم ساق البيهقي إسناده إلى محمد بن أبي عدي به. ثم قال: ((ورواه جماعة عن داود مدرجاً في الحديث من غير شك)). ورواية إسماعيل ابن عُلَيَّة قد أخرجها الإِمام أحمد أيضاً مقروناً مع رواية غيره من الثقات فقال: (٤١٤٩): حدثنا إسماعيل: أخبرنا داود وابن أبي زائدة -المعنى - قالا : حدثنا داود به مثل رواية إسماعيل عند مسلم . وتابعهما یزید بن زُریع قال: ثنا داود بن أبي هند به . أخرجه أبو عوانة في ((صحيحه)) (١ / ٢١٩)، وأخرجه الطيالسي أيضاً في - ١٣٤ - ((مسنده)) (٤٧/١) لكنه أدرجه في الحديث ولم يفصله عنه! وقد قرن بروايته وهيب بن خالد. ثم أخرجه أبو عوانة من طريقتين عن عبد الوهاب بن عطاء قال: أَبَنَا داود بن أبي هند به. زاد في إحدى الطريقين: قال داود: فلا أدري هو في الحديث أو شيء قاله الشعبي؟ وأخرجه الطحاوي (١ / ٧٤) من طريق ثالثة عن ابن عطاء بدون هذه الزيادة. ثم أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن إدريس عن داود به إلى قوله: ((وآثار نيرانهم))، ولم يذكر ما بعده إطلاقاً . وجملة القول: إن أصحاب داود بن أبي هند اختلفوا عليه في هذه الزيادة على وجوه : الأول: أنها من مسند ابن مسعود، كذلك رواه عبد الأعلى بن عبد الأعلى ووهيب بن خالد، وكذا يزيد بن زُرَیع وعبد الوهاب بن عطاء في إحدى الروايتين عنهما . الثاني: أنها من مرسل الشعبي، ولیس من مسند ابن مسعود، جزم بذلك عن داود إسماعيل ابن علية وابن أبي زائدة، ويزيد بن زريع في الرواية الأخرى عنه. ويمكن أن يلحق بهؤلاء عبد الله بن إدريس فإنه لم یذکرها أصلاً کما سبق، ولو كانت عنده من مسند ابن مسعود لذكرها إن شاء الله تعالى. الثالث: أن داود شك في كونها من مسند ابن مسعود، أو من مرسل الشعبي . كذلك رواه عنه محمد بن أبي عدي وعبد الوهاب بن عطاء في الرواية الأخرى عنه. ولا يخفى على الخبير بهذا العلم الشريف أن هذا الاختلاف إنما يدل على أن المختلف عليه وهو داود بن أبي هند لم يضبط هذا الحديث ولم يحفظه جيداً، ولذلك اضطرب فيه على الوجوه الثلاثة التي بينتها، ولا يمكن أن يكون ذلك من الرواة عنه لأنهم جميعاً ثقات، فكلُّ روى ما سمع منه، وإذا كان كذلك فالاضطراب دليل على ضعف الحديث كما هو مقرر في علم مصطلح الحديث لأنه يشعر بأن راويه لم يحفظه . - ١٣٥ - هذا ما تحرر لدي أخيراً، وأما الدارقطني فقد أعله بالإرسال فقال كما في ((شرح مسلم» للنووي : ((انتهى حديث ابن مسعود عند قوله: ((فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم))، وما بعده من قول الشعبي. كذا رواه أصحاب داود الراوي عن الشعبي: ابن علية وابن زريع، وابن أبي زائدة وابن إدريس وغيرهم. هكذا قال الدارقطني وغيره، ومعنى قوله: إنه من كلام الشعبي أنه ليس مروياً عن ابن مسعود بهذا الحديث، وإلا فالشعبي لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيف عن النبي مَّ. والله أعلم)). قلت: قول الشعبي: (وسألوه الزاد ... )) صريح في رفعه إلى النبي بَلّ فلا داعي لقول النووي: ((فالشعبي لا يقول ... )) إلخ. فإن مثل هذا إنما يقال فيما ظاهره الوقف كما لا يخفى . العلة الأخرى: الاضطراب في متنه أيضاً على داود، فعبد الأعلى يقول عنه: ((كل عظم ذكر اسم الله عليه)) وتابعه على ذلك إسماعيل ابن علية وابن أبي زائدة عند أحمد وعبد الوهاب بن عطاء عند الطحاوي . وخالف هؤلاء وُهَيب بن خالد ويزيد بن زريع عند الطيالسي وعند أبي عوانة عن يزيد وحده فقالا: ((كل عظم لم يذكر اسم الله عليه)). واختلفوا على إسماعيل ابن علية فرواه أحمد عنه كما سبق، وتابعه علي بن حجر عن إسماعيل عند مسلم، وخالفه الترمذي فقال: حدثنا علي بن حجر به باللفظ الثاني : ((لم یذکر .. )). وهذا الاختلاف على داود في ضبط متن الحديث مما يؤكد ضعفه، وأن داود لم یکن قد حفظه . ثم رجعت إلى ترجمته من ((التهذيب)) فوجدت بعض الأئمة قد صرحوا بهذا الذي ذكرته فيه، فقال ابن حبان: - ١٣٦ - ((كان من خيار أهل البصرة، من المتقنين في الروايات، إلا أنه كان يَهِمُ إذا حدّث من حفظه)) . وقال أحمد: ((كان كثير الاضطراب والخلاف)). قلت: واضطراب داود في هذا الحديث من أقوى الأدلة على هذا الذي قاله فيه الإِمام أحمد، فرحمه الله، وجزاه خيراً، ما كان أعلمه بأحوال الرجال! وخلاصة الكلام في هذا الحديث أنه ضعيف للاضطراب في سنده ومتنه، ولم أجد له شاهداً نقوّيه به، بل هو مخالف بظاهره لحديث أبي هريرة: ((أنه كان يحمل مع النبي ◌َّلّ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة فقال: أَبغني أحجاراً أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا بروثة)) فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت معه، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: ((هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جنّ نصيبين - ونِعمَ الجنّ - فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظمٍ ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعماً. وفي لفظ: طعاماً)). أخرجه البخاري (١٣٦/٧) والطحاوي (٧٤/١) والبيهقي (١٠٧/١ -١٠٨). قلت: ووجه المخالفة أن ظاهره أن العظم والروثة زاد وطعام للجن أنفسهم، وليس شيء من ذلك لدوابهم، والتوفيق بينه وبين حديث ابن مسعود بحمل الطعام فيه على طعام الدواب كما فعل الحافظ في ((الفتح)) وتبعه الصنعاني في ((سبل السلام)) (١٢٣/١)، لا بأس به لو ثبت حديث ابن مسعود، أما وهو ضعيف كما سبق فلا وجه للتوفيق حينئذ . على أن هذا الحديث قد روي عن ابن مسعود بإسناد آخر بلفظ يغاير بظاهره اللفظ السابق، وهو: ((أولئكَ جِنُّ نصيبين سألُوني المتاعَ -والمتاعُ الزادُ- فَمَتَّعْتُهم بكلِّ عظْمٍ حائلٍ، - ١٣٧ - أو بعْرةٍ أو رَوْتَةٍ، فقلتُ: يا رسولَ الله، وما يُغْني ذلكَ عنهم؟ قالَ: إنَّهمِ لَن يجدوا عظماً، إلا وجدوا عليهِ لحْمَهُ يومَ أُكِلَ، ولا رَوَتَّةٍ إلا وجدُوا فيها حَبَّها يومَ أُكِلَتْ، فلا يَسْتَنْقِيَّن أحدٌ مِنكم إذا خرجَ من الخَلاءِ بعَظْمٍ ولا بعرةٍ ولا رَوْثَةٍ). ١ أخرجه ابن جرير في «تفسيره)) (٣٢/٢٦ - طبع البابي الحلبي) عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي أنه قال لابن مسعود: حُدِّثْتُ أنك كنت مع رسول الله (8* ليلة وفد الجن، قال: أجل، قال: فكيف كان؟ فذكر الحدیث کله، وذكر أن النبي وهو خط عليه خطاً وقال: لا تبرح منها، فذكر أن مثل العجاجة السوداء غشيت رسول الله وسل# ، فذعر ثلاث مرات، حتى إذا كان قريباً من الصبح، أتاني رسول اللّهِ الَّله فقال: أَنِمْتَ؟، قلت: لا والله، ولقد هممت مراراً أن أستغيث بالناس حتى سمعتُك تقرعهم بعصاَ تقولُ: اجلسوا، قال: لو خرجتَ لم آمنْ أن يَختطِفَك بعضُهم، ثم قال: هل رأيت شيئاً؟ قال: نعم رأيت رجالاً سوداً مستشعري ثياب بيض، قال: فذكره . قلت: وهذا سند ضعيف، رجاله كلهم ثقات معروفون، غیر عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي، أورده ابن أبي حاتم (١١٧/٢/٢) وقال: ((رَوى عن جابر بن عبد الله، روى عنه قتادة وأبو بشر جعفر بن إياس)). ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، ومثله يورده ابن حبان في ((الثقات))، ولست بطائله الآن حتى أتأكد من أنه أورده أوْلا. وقد ذكر الحافظ في ترجمة أبيه من ((التهذيب» أنه كان من كبار رجال معاوية، وكان أميراً له على البصرة. ثم رأيته في ((الثقات)) (٥١/٧)، ذكره فيمن روى عن التابعين، فقال: ((يروي عن كعب، وعنه قتادة)). وحقّه أن يورده في التابعين لتصريحه في هذا الحديث أنه لقي ابن مسعود وسمع منه. وفيه أنه رواه عنه يحيى بن أبي كثير، فقد روى عنه ثلاثة من الثقات، فمثله یحسن بعضهم حديثه، ولا أقل من أن يستشهد به. فلعله لذلك لما ذكره ابن كثير في ((تفسيره)) (٤ /١٦٥) من طريق ابن جرير سكت عليه. - ١٣٨ - وذكره الزيلعي في ((نصب الراية)) (١ / ١٤٤ - ١٤٥) من رواية أبي نعيم في ((دلائل النبوة)) عن الطبراني بسنده إلى معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيت عبد الله بن مسعود فقلت له: حُدِّثْتُ أنك كنت مع رسول الله وَ ل ليلة وفد الجن :.. الحديث. وعزاه الصنعاني في ((السبل)) وتبعه الشوكاني في ((النّيْل)) (٨٥/١) لأبي عبد اللّه الحاكم في ((دلائل النبوة)) فإن عنى ((دلائل النبوة)) من ((المستدرك)) فليس فيه. والله أعلم. ورواه الدارقطني في ((سننه)) (ص ٢٩) من وجه آخر عن معاوية بن سلام به مختصراً إلا أنه قال: ((فلان بن غيلان)) وقال: ((مجهول، قيل: اسمه عمرو، وقيل: عبد الله بن عمرو بن غيلان)). وبه أعله الزيلعي، فقال عقب رواية الطبراني : ((وفي سنده رجل لم يسمّ)). ولا يخفى أن هذا القول غير مستقيم بالنسبة لرواية الطبراني، فلو عزاه للدار قطني ثم ذكره عقبة لأصاب. وللحديث طريق أخرى، يرويه أبو فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث المخزومي عن عبد الله بن مسعود به، نحوه وفيه: ((قد زودتهم الرجعة، وما وجدوا من روث وجدوه شعيراً، وما وجدوه من عظم وجدوه كاسياً)). أخرجه أحمد (رقم ٤٣٨١)، وأبو زيد هذا قال الذهبي : ((لا يعرف، قال البخاري في ((الضعفاء)): لا يصح حديثه - يعني هذا - وقال أبو أحمد الحاکم: رجل مجهول، قلت: ما له سوی حدیث واحد)). قلت: يعني هذا، وهو مخرج في ((ضعيف أبي داود)) (رقم ١٠) زيادة على ما هنا. - ١٣٩ - وقد جاء مختصراً من طريق عبدالله بن الديلمي عن ابن مسعود قال: ((قدم وفد من الجن على رسول الله وسلم فقالوا: يا محمد! انْهَ أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة ، فإن الله جعل لنا فيها رزقاً، قال: فنهى النبي ◌ِ لّ)). أخرجه أبو داود وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) رقم (٢٩). ومن طريق موسى بن عُلَيّ بن رباح قال: سمعت أبي يقول: عن ابن مسعود أن رسول اللّه ◌َ لل أتاه ليلة الجنّ ومعه عظم حائل، وبعرة، وفحمة، فقال: ((لا تستنجين بشيء من هذا إذا خرجت إلى الخلاء)). أخرجه أحمد (٤٥٧/١) والدارقطني (٧/٥٦/١) والبيهقي (١٠٩/١ - ١١٠) وأعلاَّه بعدم ثبوت سماع عُلي من ابن مسعود، ورده عليه ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) فراجعه . ورواه عبد الله بن صالح : حدثني موسی بن عُلَيّ به أتم منه . أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٩١٥٨ - بترقيمي) وقال: ((لم يَروِ عُلَيّ بن رباح عن ابن مسعود حديثاً غير هذا)). قلت: وهو ثقة كابنه، فإن كان سمعه من ابن مسعود فهو صحيح من الوجه الأول. وأما عبد الله بن صالح، ففيه ضعف، وبه أَعَلَّه الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢١٠/١). وبالجملة فالحديث مشهور عن ابن مسعود كما قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٠٩/١)، فهو صحيح عنه قطعاً، لكن في بعض طرقه ما ليس في البعض الآخر، وقد تبين من مجموع ما أخرجنا منها أن رواية مسلم المتقدمة عن داود بن أبي هند صحيحة بتمامها إلا قوله في حديث الترجمة: ((علف لدوابكم)) وجملة: ((اسم الله)) على وجهيها، لخلوها عن شاهد، واضطراب داود في ذلك وصلاً وإرسالاً . ومن أجل ذلك خرجته هنا. والله سبحانه وتعالى أعلم. - ١٤٠ _