Indexed OCR Text
Pages 81-100
ضعيف. أخرجه الحاكم (٤٦١/١)، وعنه البيهقي (١٢٢/٥) عن إبراهيم بن عبد الله : أنبأ يزيد بن هارون: أنبأ يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن الزبير قال: من سنة الحج .. إلخ. وقال الحاكم: ((حديث على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي . قلت: وفيه نظر، فإن يزيد بن هارون وإن كان على شرطهما فليس هو من شيوخهما، وإنما يرويان عنه بواسطة أحمد وإسحاق ونحوهما، وإبراهيم بن عبد الله الراوي للحديث عن يزيد فضلاًعن كونه ليس من شيوخهما، فهو غير معروف، بل لم أجد له ترجمة تذكر، فقد أورده الخطیب في ((تاريخ بغداد)) (١٢٠/٥) فقال: ((إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي، قدم بغداد سنة ٢٤٤ وحدّث بها عن يزيد ابن هارون وسرور بن المغيرة. روى عنه عبد الله بن محمد بن ناجية ویحیی بن صاعد)». ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو مجهول الحال، فلا يحتج بحديثه، على أنه قد خولف في بعض متنه، فروى الطحاوي (٤٢١/١) من طريق عبد الله بن صالح، قال: حدثني الليث قال: حدثني ابن الهاد عن يحيى بن سعيد به مختصراً بلفظ: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: ((إذا رمى الجمرة الكبرى، فقد حل له ما حرم عليه إلا النساء حتى يطوف بالبيت)) . فلم يذكر الطيب، فهذا هو الأصح، لأنه الموافق لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها طيّيت النبي وُ ل حين رمى جمرة العقبة كما تقدم في آخر الحديث (١٠١٣). أقول: هذا أصح، وإن كان عبد الله بن صالح فيه ضعف من قبل حفظه، فإن من البَدَهي أن ما وافق السنة الصحيحة من الروايات عند الاختلاف، أولى مما خالفها منها. (تنبيه): إنما أوردت هذا في ((الأحاديث الضعيفة)) مع أن ظاهره الوقف فليس من الأحاديث؛ لما تقرر في مصطلح الحديث أن قول الصحابي: ((من السنة كذا)) في حكم المرفوع، وعبد الله بن الزبير صحابي معروف، وقد خفي هذا على الشوكاني في ((نيل - ٨١ - الأوطار)) فإنه أورد هذا الحديث فيما استدل به المانعون من الطيب بعد الرمي، ثم أجاب عنه (٦١/٥) بما ملخصه : إنه أثر موقوف لا يصلح للمعارضة، وعلى فرض كونه مرفوعاً فهو أيضاً لا يُعتدّ به بجانب الأحاديث المثبتة لحِل الطيب. قلت: والجواب الصحيح عنه أنه وإن كان ظاهره الرفع فهو لا يصلح للمعارضة المذكورة لوجهين : الأول : أنه ضعيف السند كما سبق بيانه. الثاني : أنه لو صح سنده، فهو عند التعارض مرجوح من حيث الدلالة، لأنه وإن كان ظاهراً في الرفع فليس نصاً فيه بخلاف حديث عائشة المشار إليه فإنه صريح في ذلك. والله أعلم. ١٠١٦ - (كانَ يصلي قبلَ الجمعةِ أربعاً، وبعدها أربعاً). منكر. رواه الطبراني في ((معجمه الأوسط)) (رقم - ٤١١٦ - مصورتي): حدثنا علي ابن سعيد الرازي: ثنا سليمان بن عمرو بن خالد الرقي: ثنا عَّاب بن بشير عن خُصَيْف عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً. وقال الطبراني: ((لم يَرْوِ هذا الحديث عن خصيف إلا عتاب بن بشير)). قلت: سكت عليه الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢ / ٢٠٦)، وقال الحافظ في ((الدراية)) (ص ١٣٣): «وفي سنده ضعف)). قلت: وفيه خمس علل : الأولى : الانقطاع بين ابن مسعود وابنه أبي عبيدة؛ فإنه لم يسمع منه، كما صرح بذلك أبو عبيدة نفسه على ما هو مذكور في ترجمته، وقد حاول بعض من ألف في مصطلح الحديث من حنفية هذا العصر أن يثبت سماعه منه دون جدوى! - ٨٢ - الثانية : ضعف خصيف، وهو ابن عبد الرحمن الجزري الحراني، قال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق سيىء الحفظ، خلط بآخره)). الثالثة: عتاب بن بشير، مختلف فيه، قال ابن معين: ثقة. وقال مرة: ضعيف، وقال النسائي : ليس بذاك في الحدیث. وقال أحمد: أرجو أن لا یکون به بأس، روی بآخره أحاديث منكرة، وما أرى إلا أنها من قبل خصيف. قلت: وهذا الحديث من روايته عنه، فهو من مناكيره، ويؤيد ذلك أنه ورد موقوفاً. على ابن مسعود، من طريقين عنه، فقال عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٥٥٢٤): عن معمر عن قتادة : إن ابن مسعود كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات، وبعدها أربع ركعات. قلت: وهذا سند صحيح لولا أن قتادة لم يسمع من ابن مسعود كما قال الهيثمي (١٩٥/٢). ثم قال عبد الرزاق (٥٥٢٥): عن الثوري عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: ((كان عبد الله يأمرنا ان نصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً)). قلت: وهذا سند صحيح لا علة فيه، وعطاء بن السائب وإن كان اختلط؛ فالثوري قد روی عنه قبل الاختلاط . الرابعة : سليمان بن عمرو لم أجد من وثقة، ولكن كتب عنه أبو حاتم كما قال ابنه في ((الجرح والتعديل)) (١٣٢/١/٢). فثبت مما تقدم أن رفع هذا الحديث منكر، وأن الصواب فيه الوقف. والله أعلم. الخامسة: وهي العلة الحقيقية، وهي خطأ عتاب بن بشير في رفعه، فإنه مع الضعف الذي في حفظه قد خالفه محمد بن فضيل فقال: عن خصيف به موقوفاً على ابن مسعود . - ٨٣ - أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٣١/٢ و١٣٣). وابن فضيل ثقة من رجال الشيخين. ومع ضعف الحديث فلا دليل فيه على مشروعية ما يسمونه بسنة الجمعة القبلية كما سبق بيانه في الحديث (١٠٠١)، فراجعه فإنه بمعنى هذا. (تنبيه): وقع إسناد الحديث في (( ((نصب الراية)) (٢٠٦/٢) هكذا: حدثنا علي ابن إسماعيل الرازي: أنبأ سليمان بن عمر بن خالد الرقي. والصواب ما تقدم نقلاً عن ((المعجم الأوسط)). وقد روي الحديث عن أبي هريرة أيضاً، وهو: ١٠١٧ - (كانَ يصلي قبلَ الجمعةِ ركعتين، وبعدَها ركعتين). ضعيف جداً. أخرجه الخطيب (٣٦٥/٦) من طريق الطبراني عن البزار: ثنا إسحاق بن سليمان البغدادي: حدثنا الحسن بن قتيبة: حدثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي وَل ◌ّ أنه كان يصلي ...... وقال الطبراني: (لم يروِهِ عن سفيان إلا الحسن بن قتيبة)). قلت: قال الذهبي رداً لقول ابن عدي: ((أرجو أنه لا بأس به)): ((بل هو هالِك، قال الدارقطني: متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال الأزدي: واهي الحديث. وقال العقيلي: كثير الوهم)). والحديث ذكره الحافظ في ((الفتح)) (٣٤١/٢) بهذا اللفظ إلا أنه قال: ((وبعدها أربعاً)) وقال: (رواه البزار، وفي إسناده ضعف)). ولم يورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد» أصلاً، ولا في «كشف الأستار عن زوائد البزار)» للهيثمي، ولا في ((زوائد البزار على مسند أحمد)» للحافظ العسقلاني. والله أعلم. وفي الحديث علة أخرى وهي جهالة إسحاق بن سليمان، فقد أورده الخطيب لهذا - ٨٤ - الحديث، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. ١٠١٨ - (تفرّغوا مِنْ هُمومِ الدنيا ما استطعْتُم، فإنه مَنْ كانت الدُّنيا أكبرَ همِّهِ، أفشَى الله عليهِ ضَيْعَتَهُ، وجعلَ فقرَهُ بين عينيهِ، ومن كانت الآخرةُ أكبرَ همِّهِ جمعَ الله لهُ أمورَه، وجعلَ غِنَاهُ في قلبهِ، وما أقبلَ عبدٌ بقلبهِ، إلى الله تعالى إلا جعلَ الله عزّ وجلَّ قلوبَ المؤمنينَ تَفِد عليهِ بالودٌّ والرحمةِ ، وكان الله إليه بكل خير أسرعٌ). موضوع. رواه ابن الأعرابي في ((معجمه)) (١٧٧ - ١٧٨) وعنه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (٢/٥٨) والطبراني في ((المعجم الأوسط)) (رقم - ٥١٥٧ - مصورتي) والبيهقي في ((الزهد)) (٢/٩٨) والسمعاني في ((الفوائد المنتقاة (((٢/٢) وكذا أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٧/١) عن جنيد بن العلاء بن أبي وهرة عن محمد بن سعيد عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء مرفوعاً، وقال أبو نعيم تبعاً للطبراني : ((تفرد به جنيد بن العلاء عن محمد بن سعيد)). قلت: جنيد هذا مختلف فيه، فقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن حبان: ينبغي مجانبة حديثه، كان يدلس. ثم تناقض فذكره في ((الثقات)) أيضاً! وقال البزار: ((ليس به بأس)). بل فى ترجمة قلت : فآفة الحدیث من شيخه محمد بن سعيد وهو ابن حسان المصلوب، وهو كذاب، صلب في الزندقة كما قال الذهبي في ((الضعفاء))، وفي ترجمته ساق الذهبي له محمد بن سعيد بن حسان هذا الحديث، وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٢٤٨/١٠): (رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه محمد بن سعيد بن حسان المصلوب المصی أنظر ميز ٥١٠ وهو كذاب)). وعزاه المنذري في ((الترغيب)) (٨٢/٤) للطبراني في ((معجميه)) والبيهقي في ((الزهد»،وأشار إلى تضعيفه. - ٨٥ - الاعتدال ١٠١٩ - (مَنْ كشفَ خِمارَ امرأةٍ ونظر إليها فقد وَجَبَ الصداقُ، دخلَ بها أو لم يدخل بها). ضعيف. أخرجه الدار قطني في «سننه)) (٤١٩) من طريق ابن لَهِيعة: نا أبو الأسود عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله وَّر: فذكره. قلت: وهذا سند ضعيف، لإرساله، ولضعف ابن لهيعة، ومن طريقه علقه البيهقي (٢٥٦/٧) وقال: «وهذا منقطع، وبعض رواته غیر محتج به)). يعني ابن لهيعة. لكن قد أخرجه هو من طريق عبد الله بن صالح: حدثني الليث: حدثني عبيد الله بن أبي جعفر عن صفوان بن سليم عن عبد الله بن يزيد عن محمد بن ثوبان بلفظ : ((مَنْ كشفَ امرأةً فنظرَ إلى عورتِها فقد وجبَ الصَّداقُ)). وهذا سند رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن صالح فمن رجال البخاري وحده، وفيه ضعف، لكنه قد توبع، فقال ابن التركماني في ((الجوهر النقي)): ((أخرجه أبو داود في ((مراسيله)) عن قتيبة عن الليث بالسند المذكور، وهو على شرط الصحيح، ليس فيه إلا الإِرسال)). وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص ٣١١): ((رواه أبو داود في ((المراسيل)) من طريق ابن ثوبان ورجاله ثقات)). قلت: فهو ضعيف لإِرساله، وقد صحّ موقوفاً، فأخرجه الدار قطني وعنه البيهقي من طريق عبد الله بن نُمَير: ثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال : ((إذا أجيفَ البابُ، وأُرْخِيتِ السُّورُ، فقد وجبَ المهرُ)). ورجاله كلهم ثقات معروفون رجال مسلم غير علي بن عبد الله بن مبشر شيخ الدارقطني فلم أجد له ترجمة. ولكنه أخرجه هو والبيهقي من طريق أخرى عن عمر وقَرَنَ البيهقي معه علياً رضي الله عنهما. فهو عن عمر ثابت، وله عند الدارقطني طريق أخرى عن علي وحده، فهو بها قوي أيضاً. - ٨٦ - ثم أخرجه الدار قطني من طريق ابن أبي زائدة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر مثله . قلت: وسنده صحيح . وهو في ((الموطأ)) (٢ /٦٥) بإسنادين منقطعين عن عمر وزيد بن ثابت. وجملة القول أن الحديث ضعيف مرفوعاً، صحيح موقوفاً، ولا يقال: فالموقوف شاهد للمرفوع لأنه لا یقال بمجرد الرأي، لأمرين: الأول: أنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسُّوهنَّ وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم .. ﴾ فهي بإطلاقها تشمل التي خلا بها. وما أحسن ما قال شريح: ((لم أسمع الله تعالى ذكر في كتابه باباً ولا ستراً، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق)»(١). الثاني: أنه قد صحّ خلافه موقوفاً، فروى الشافعي (٣٢٥/٢): أخبرنا مسلم عن ابن جريج عن ليث بن أبي سُلَیم عن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس لها إلا نصف الصداق لأن الله يقول: ﴿وان طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة﴾. ومن طريق الشافعي رواه البيهقي (٢٥٤/٧). قلت: وهذا سند ضعيف، لكن قد جاء من طريق أخرى عن طاوس، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور: ثناهُشَيم: أنبأ الليث عن طاوس عن ابن عباس أنه كان يقول في رجل أدخلت عليه امرأته ثم طلقها فزعم أنه لم يمسها، قال: ((عليه نصف الصداق)». قلت: وهذا سند صحيح، فبه يَتَقَّوَّى السندُ الذي قبله، والآتي بعده عن علي بن أبي طلحة، بخلاف ما نقله ابن كثير (٢٨٨/١ - ٢٨٩) عن البيهقي أنه قال في الطريق الأولى : ((وليث وإن كان غير محتج به، فقد رويناه من حديث ابن أبي طلحة عن ابن (١) تفسير القرطبي (٢٠٥/٣)، وهو عند البيهقي بسند صحيح عنه نحوه. - ٨٧ - عباس، فهو مُقَوِّ له)): وهذا معناه أنه يرى أن الليث في رواية هشيم عنه هو ابن أبي سليم أيضاً، لكن الحافظ المِزِّي لم يذكر في ترجمة ابن أبي سليم أنه روى عنه هشيم، وإنما عن الليث بن سعد. والله أعلم. ثم أخرج البيهقي عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن .. ) الآية فهو الرجل يتزوج المرأة وقد سمى لها صداقاً، ثم يطلقها من قبل أن يمسها، والمس الجماع، فلها نصف الصداق، وليس لها أكثر من ذلك . قلت: وهذا ضعيف منقطع. ثم روى عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود قال: ((لها نصف الصداق، وإن جلس بين رجليها)) وقال: ((وفيه انقطاع بين الشعبي وابن مسعود)). فإذا كانت المسألة مما اختلف فيه الصحابة، فالواجب حينئذ الرجوع إلى النص، والآية مؤيدة لما ذهب إليه ابن عباس على خلاف هذا الحديث، وهو مذهب الشافعي في ((الأم)) (٢١٥/٥)، وهو الحق إن شاء الله تعالى . ١٠٢٠ - (أيما امرأةٍ خرجَتْ مِنْ غَيرِ أمرِ زوجِها كانتْ في سخَطِ الله حتى ترجعَ إلى بيتِها أو يرضى عنها). موضوع. أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٠٠/٦ - ٢٠١) من طريق أبي نعيم الحافظ بسنده عن إبراهيم بن هُدبة: حدثنا أنس مرفوعاً. ذكره في ترجمة إبراهيم هذا وقال: ((حدث عن أنس بالأباطيل)). ثم ساق له أحاديث هذا أحدها. ثم روى عن ابن معين أنه قال فيه : ((كذاب خبيث)). وعن علي بن ثابت أنه قال: ((هو أكذب من حماري هذا)». وقال الذهبي : ((حدّث ببغداد وغيرها بالبواطيل، قال أبو حاتم وغيره: كذاب)). - ٨٨ - وفي ((اللسان)): ((وقال ابن حبان: دجال من الدجاجلة، وقال العقيلي والخليلي: يُرمى بالكذب)». قلت: ومع هذا كله فقد سوّد السيوطي ((جامعه الصغير)) بهذا الحديث من رواية الخطيب، وتعقبه المناوي في ((فيض القدير)) بقوله وأجاد : ((وقضية كلام المصنف أن الخطيب خرجه وأقره، وهو تلبيس فاحش فإنه تعقبه بقوله: قال أحمد بن حنبل: إبراهيم بن هدبة لا شيء، في أحاديثه مناكير. (ثم ذكر قول ابن معين المتقدم فيه وغيره ثم قال:) وقال الذهبي في ((الضعفاء)): هو كذاب، فكان ينبغى للمصنف حذفه من الكتاب، وليته إذْ ذكره بيَّن حاله!)). قلت: وهذا حق، ولكن المناوي-عفا الله عنه - كأنه ينتقد السيوطي حباً للنقد، وليس لفائدة القراء والنصح وإلا كيف يجوز لنفسه أن يسكت عن الحديث مطلقاً فلا يصفه ولو بالضعف في كتابه الآخر ((التيسير بشرح الجامع الصغير)) وهو قد ألّفه بعد ((الفيض)) كما ذكر ذلك في المقدمة ! أليس في صنيعه هذا كتمان للعلم يؤاخذ عليه أكثر من مؤاخذته هو للسيوطي؟ وكنت أود أن أقول: لعل ذلك وقع منه سهواً، ولكن حال بيني وبين ذلك أنني رأيت له من مثله أشياء كثيرة، سيأتي التنبيه على بعضها إن شاء الله. (تنبيه): هدبة هنا بالباء الموحدة كما في ((المؤتلف والمختلف)) للشيخ عبد الغني بن سعيد الأزدي الحافظ، وهكذا وقع في ((تاريخ بغداد)) و((الميزان)) و((اللسان)) بالباء الموحدة، ووقع في ((فيض القدير)) ((هدية)) بالمثناة التحتية، وهو تصحيف. ١٠٢١ - (مَنْ زارَني بعدَ مَوْتي، فكأنّما زارَني في حَياتِي). باطل. رواه الدارقطني في (( سننه)) (ص ٢٧٩ - ٢٨٠) عن هارون أبي قزعة عن رجل من آل حاطب عن حاطب قال: قال رسول اللّه الحل: فذكره. وهكذا رواه المحاملي والساجي كما في ((اللسان)). قلت: وهذا سند ضعيف، وله علتان : الأولى : الرجل الذي لم يُسَمَّ ، فهو مجهول . - ٨٩ - والثانية: ضعف هارون أبي قزعة، ضعفه يعقوب بن شيبة، وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود في ((الضعفاء))، وقال البخاري : ((لا يتابع علیه)). ثم ساق له هذا الحديث، لكنه لم يذكر فيه حاطباً، فهو مرسل، وقد أشار إلى ذلك الأزدي بقوله : ((هارون أبو قزعة يروي عن رجل من آل حاطب المراسيل)). قلت: فهذه علة ثالثة، وهي الاختلاف والاضطراب على هارون في إسناده(١) فبعضهم يوصله، وبعضهم يرسله، وقد اضطرب في متنه أيضاً، وبين ذلك كله الحافظ ابن عبد الهادي في ((الصارم المنكي)) (ص١٠٠)؛ فليرجع إليه من شاء التفصيل . وبالجملة فالحديث واهي الإِسناد، وقد روي بإسناد آخر مثله في الضعف أو أشد من حديث ابن عمر، وسبق الكلام عليه مفصلاً برقم (٤٧) . واختلف حافظان جليلان في أيهما أجود إسناداً، على عُجَرهما وبُجَرهما! فقال شيخ الإِسلام: أجودهما حديث ابن عمر، وقال الذهبي: أجودهما حديث حاطب هذا. وعزاه لابن عساكر كما في ((المقاصد)) (٤١٣)، وإذا قابلت إسناد أحدهما بالآخر، وتأملت ما فيهما من العلل، تبين لك أن الصواب قول الذهبي، لأن هذا الحديث ليس فيه متهم بالكذب بخلاف حديث ابن عمر؛ فإن فيه من اتهم بالكذب ووضع الحديث، كما بينته هناك. وإذا عرفت هذا، فقول السخاوي في ((المقاصد)) بعد حديث ابن عمر المشار إليه ونقله عن ابن خزيمة والبيهقي أنهما ضعفاه : (١) كما اضطرب الرواة في إسناد هذا الحديث على ما عرفت، اضطربوا أيضاً في ضبط اسم راويه هارون أبي قزعة، فقيل فيه هكذا، وقيل: هارون بن قزعة، وقيل: هارون بن أبي قزعة، كما في التعليق المغني . أقول: ولعل الصواب الوجه الأول، فقد قال ابن عدي في ((الكامل)) (٢٥٨٨/٧): ((وهارون أبو قزعة لم يُنسب)). - ٩٠ - ((وكذا قال الذهبي: طرقه كلها لينة، لكن يتقوّى بعضها ببعض، لأن ما في رواتها متهم بالكذب)). قلت : فهذا التعليل باطل، لما ذكرنا من وجود المتهم في طريق ابن عمر ، وعليه فالتقوية المشار إليها باطلة أيضاً. فتنبه . وأما متن الحديث فهو كذب ظاهر، كما بينه شيخ الإِسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ونقلنا كلامه في ذلك عند حديث ابن عمر المشار إليه، فلا نعيده . ومما سبق تعلم أن ما جاء في بعض كتب التربية الدينية التي تدرّس في سورية تحت عنوان: ((زيارة قبر النبي رَ ®): ((أن هذا الحديث رواه الدار قطني وابن السكن والطبراني وغيرهم بروايات مختلفة تبلغ درجة القبول)). لم يصدر عن بحث علمي في إسناده، ولا نظر دقيق في متنه، الذي جعل من زار قبره 43* ، بمنزلة من زاره في حياته ، ونال شرف صحبته، التي من فضائلها ما تحدث عنه وَل بقوله: ((لا تسبوا أصحابي فوالذي نفس محمد بيده، لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه))! فمن كان بينه وبين هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم هذا البون الشاسع في الفضل والتفاوت، كيف يعقل أن يجعله 9 مثل واحد منهم، بمجرد زيارة قبره مخ لل، وهي لا تعدو أن تكون من المستحبات؟! ١٠٢٢ - (يَا عُمَرُ! هُهُنَا تُسْكَبُ العَبَراتُ). ضعيف جداً. أخرجه ابن ماجه (٢٢١/٢ - ٢٢٢) والحاكم (١ /٤٥٤) عن محمد بن عون عن نافع عن ابن عمر قال: ((استقبل رسول الله وَ﴿ل الحَجَرَ، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، ثم التفت، - ٩١ - فإذا هو بعمر بن الخطاب يبكي، فقال: فذكره. وقال الحاكم : ((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي . قلت: وذلك من أوهامهما، فإن محمد بن عون هذا وهو الخراساني متفق على تضعيفه ، بل هو ضعيف جداً. وقد أورده الذهبي نفسه في ((الضعفاء)) وقال: ((قال النسائي: متروك)). وفي «الميزان» وزاد: ((وقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء)). ثم ساق له الذهبي هذا الحديث مشيراً إلى أنه مما أنكر عليه. والظاهر أنه الحديث الذي غناه أبو حاتم بقوله : «ضعیف الحدیث، منکر الحدیث، روی عن نافع حدیثاً ليس له أصل)). ذكره ابن أبي حاتم (٤٧/١/٤)، وساق له في ((التهذيب)) هذا الحديث ثم قال: ((وكأنه الحديث الذي أشار إليه أبو حاتم)). وقال الحافظ في ((التقريب)): ((متروك)). ١٠٢٣ - (البحرُ هو جهنّمٌ). ضعيف. أخرجه أحمد (٢٢٣/٤) والبخاري في ((التاريخ الكبير)) (٧١/١/١ و٤١٤/٢/٤) والحاكم (٥٩٦/٤) والبيهقي (٣٣٤/٤) وأبو نعيم في ((اخبار أصبهان)) (١/٢) من طريق أبي عاصم قال: ثنا عبد الله بن أمية قال: حدثني محمد بن حُِي قال: حدثني صفوان بن یعلی عن أبيه مرفوعاً به . وزادوا : ((فقالوا ليعلى؟ فقال: ألا ترون أن الله عز وجلّ يقول: ﴿ ناراً أحاط بهم سرادقها﴾، قال: لا والذي نفس يعلى بيده لا أدخلها (وفي رواية: لا أدخله) أبدً حتى أعرض على الله عزّ وجلّ، ولا يصيبني منها (وفي الأخرى: منه) قطرة حتى ألقى الله عزّ وجلّ)). وقال الحاكم: - ٩٢ - ((صحيح الإسناد، ومعناه أن البحر صعب كأنه جهنم)). ووافقه الذهبي . وليس كذلك، فإن محمد بن حُبَي هذا أورده البخاري وابن أبي حاتم (٢٣٩/٢/٣) برواية ابن أمية هذا فقط عنه، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو مجهول العين، ونقل المناوي عن الذهبي أنه قال في ((المهذب)): ((لا أعرفه)). قلت : فكان حقه أن یورده في «الميزان» ولم يفعل، ولم يستدرکه علیه ابن حجر في ((اللسان))، وإنما أورده في ((التعجيل)) كما أورده ابن أبي حاتم وقال: ((وذكره ابن حبان في (الثقات)) . قلت: وابن حبان متساهل في التوثيق كما هو معروف . ١٠٢٤ - (إنَّ العبدَ إذا قامَ في الصَّلاةِ فإِنَّهُ بِينَ عَيْنَي الرَّحْمنِ، فإذا التفتَ قال لهُ الربُّ: يا ابنَ آدَمَ إلى مَنْ تلتفِتُ؟! إلى مَنْ [هو] خَيْرٌ لكَ مِنِّي؟! ابنَ آدَمَ أُقْبِلْ على صلاتِكَ فَأَنَا خيرٌ لكَ مِمَّنْ تلتفِتُ إليهِ). ضعيف جداً. رواه العقيلي في ((الضعفاء)) (ص ٢٤) والبزار في ((مسنده)) (٥٥٣ - كشف الأستار) عن إبراهيم بن يزيد الخُوزي عن عطاء قال: سمعت أبا هريرة قال: قال رسول الله صل: فذكره. والسياق للعقيلي ، ولفظ البزار: ((بين يدي الرحمن)). وروى العقيلي عن ابن معين أنه قال : ((إبراهيم هذا ليس بشيء)). وعن البخاري أنه قال: ((سكتوا عنه)). وقال أحمد والنسائي: ((متروك الحديث)). وقال ابن معين: ((ليس بثقة)). ومن هذه الطريق رواه الواحدي في ((الوسيط)) (١/٨٦/٣). والحديث أورده في ((المجمع)) (٨٠/٢) و((الترغيب)) (١٩١/١) من رواية البزار، وضعّفاه، وأورده ابن القيم في ((الصواعق المرسلة)) (٣٩/٢) بلفظ العقيلي، - ٩٣ - ساكتاً عليه ، وليس بجید ، ولذلك أوردته لأبين حقيقة حاله. ورواه البزار (٥٥٢) من حديث جابر نحوه من رواية الفضل بن عيسى الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر . والفضل هذا منكر الحديث كما قال الحافظ في ((التقريب)). ١٠٢٥ - (َبَل اْتمِرُوا بالمعروف، وتناهَوْا عن المنكر، حتّ إذا رأيْتَ شُكَأً مُطاعاً، وهويٍّ مُتَّبعاً، ودُنْيَا مُؤْثَرَةً، وإعجابَ كُلِّ ذي رأي برأيهِ، فعليكَ بنفسكَ ودَعْ عنكَ العوامَّ، فإنَّ منْ ورائكُم أيامَ الصبر، الصبرُ فيهنَّ مثلُ قبضٍ على الجمرِ، للعامِلِ فيهِم مِثْلُ أجرٍ خمسينَ رجلاً يعملونَ مثلَ عملِهِ). ضعيف . أخرجه أبو داود (٤٣٧/٢) والترمذي (٩٩/٤ - تحفة) وابن ماجه (٤٨٧/٢) وابن جرير في ((تفسيره)) (١٤٥/١٠ و١٤٦) والطحاوي في ((المشكل)) (٦٤/٢ - ٦٥) وابن حبان في ((صحيحه)) (١٨٥٠) وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢/٧/١٨) من طرق عن عتبة بن أبي حكيم قال: حدثني عمرو بن جارية اللخمي قال: حدثني أبو أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تقول في هذه الآية: ﴿عليكم أنفسكم﴾؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسولَ الله وَ له فقال: فذكره. وقال الترمذي : (( حديث حسن غريب)) . كذا قال ، وفيه عندي نظر، فإن عمرو بن جارية وأبا أمية لم يوثقهما أحد من الأئمة المتقدمين، غير ابن حبان، وهو متساهل في التوثيق كما هو معروف عند أهل العلم، ولذلك لم يوثقهما الحافظ في ((التقريب))، وإنما قال في كل منهما: ((مقبول)) يعني عند المتابعة، وإلا فليّن الحديث كما نص عليه في ((المقدمة)) من ((التقريب)). ثم إن عتبة بن أبي حكيم فيه خلاف من قبل حفظه، وقال الحافظ فيه : ((صدوق یخطىء کثیراً))، فلا تطمئن النفس لتحسین إسناد هذا الحدیث، لا سيما - ٩٤ - والمعروف في تفسير الآية يخالفه في الظاهر، وهو ما أخرجه أصحاب السنن وأحمد وابن حبان في ((صحيحه)) (١٨٣٧) وغيرهم بسند صحيح عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قام فحمد الله، ثم قال: يا أيها الناس! إنكم تقرأون هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله وَلقد يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك أن يعمهم بعقابه)). وقد خرجته في ((الصحيحة)) (١٥٦٤). لكن لجملة ((أيام الصبر)) شواهد خرجتها في ((الصحيحة)) أيضاً، فانظر تحت الحدیثین (٤٩٤ و ٩٥٧). (تنبيه): مع كل هذه العلل في هذا الحديث فقد صححه الشيخ الغماري في ((كنزه)) وكأنه قلد في ذلك الترمذي دون أي بحث أو تحقيق، أو أنه اتبع هواه الذي ينبئك عنه تعليقه عليه الذي يستغله المتهاونون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ والمخالف للآية السابقة. والله المستعان . ١٠٢٦ - ( يا صاحبَ الحَبْلِ أَلقِهِ ) . ضعيف : ذكره ابن حزم في ((المحلّى)) فقال (٢٥٩/٧): ((رُوِّينا من طريق وكيع عن ابن أبي ذئب عن صالح بن أبي حسان أن رسول الله ﴿﴿ رأى محرماً محتزماً بحبل فقال .. )) فذكره. وقال: («مرسل لا حجة فيه)). قلت : وهو كما قال ، ورجاله ثقات ، غير صالح بن أبي حسان فهو مختلف فيه، فقال البخاري: ثقة. وقال النسائي: مجهول. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث. وفي ((التقريب )): ((صدوق من الخامسة)). قلت : ومع ضعف هذا الحديث، فقد روي ما يخالفه، وهو بلفظ: (( رخص عليه السَّلام في الهميان للمُحرم)». ذكره ابن حزم (٢٥٩/٧) فقال : - ٩٥ - ((روينا من طريق عبد الرزاق عن الأسلمي عمن سمع صالحاً مولى التوأمة أنه سمع ابن عباس يقول: فذكره مضعفاً له . قلت : وهو ظاهر الضعف، فإن صالحاً هذا ضعيف، والراوي عنه مجهول لم يُسَمَّ . والأسلمي أظنه الواقدي وهو محمد بن عمر بن واقد الأسلمي وهو متروك. قلت: والصواب فيه الوقف، فقد أخرج الدار قطني (٢٦١) والبيهقي (٦٩/٥) من طريق شريك عن أبي إسحاق عن عطاء وسعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ((رخص للمحرم في الخاتم والهِمْيان)). وشريك سئ الحفظ، لكنه لم يتفرد به، فقد ذكره ابن حزم من طريق وكيع عن سفيان عن حميد الأعرج عن عطاء عن ابن عباس قال في الهِمْيان للمحرم : «لا بأس به)). قلت: وهذا إسناد جيد موقوف، وقد علقه البخاري (٣٠٩/٣) عن عطاء، ووصله الدار قطني من طريق سفيان عن أبي إسحاق عن عطاء مثله . قلت: وهذا سند صحيح، ولهذا قال الحافظ في ((الفتح)): ((وهو أصح من الأول)). يعني من رواية شريك عن أبي إسحاق عن عطاء عن ابن عباس، وهو كما قال، لما عرفت من حال شريك فمخالفته لسفيان لا تقبل، لكن خفيت على الحافظ طريق حميد الأعرج عن عطاء عن ابن عباس التي ذكرنا، فالصواب أنه صحيح عن كل من ابن عباس، وعطاء، وهذا إنما تلقاه عنه. وقد ورد نحوه عن عائشة أيضاً أنها سئلت عن الهِمْيان للمحرم؟ فقالت: وما بأس؟ ليستوثق من نفقته . أخرجه البيهقي بسند صحيح عنها. ورواه سعيد بن منصور بلفظ : (((إنها كانت ترخص في الهِمْيان يشده المحرم على حَقْوَيه، وفي المنطقة أيضاً)». نقله ابن حزم عنه، وسنده صحيح على شرط الشيخين . - ٩٦ - وخلاصة القول: أن حديث ابن عباس هذا المخالف لحديث الترجمة ضعيف مرفوعاً، صحيح موقوفاً، وفيه دليل على جواز شد الهميان والمنطقة للمحرم. قال الحافظ : ((قال ابن عبد البر: أجاز ذلك فقهاء الأمصار، وأجازوا عقده إذا لم يمكن إدخال بعضه في بعض، ولم ينقل عن أحد كراهته إلا عن ابن عمر، وعنه جوازه)). وقد ذهب إلى جواز ذلك كله ابن حزم قال (٢٥٩/٧): ((لأنه لم يُنْهَ عن شيء مما ذكرنا قرآن ولا سنة، ﴿وما كان ربك نسياً))). ١٠٢٧ - (حَريمُ البئرِ البديّ خمسة وعشرون ذراعاً، وحَريمُ البئرِ العادية خمسونَ ذراعاً). ضعيف . أخرجه الدارقطني (ص٥١٨) من طريق الحسن بن أبي جعفر، عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة عن النبي وَلّ . ومن طريق محمد بن يوسف بن موسى المقرىء بسنده إلى إبراهيم بن أبي عبلة عن الزهري به . وقال : ((الصحيح من الحديث أنه مرسل عن ابن المسيب، ومَن أسنده فقد وهم)). قلت: وفي الطريق الأولى الحسن بن أبي جعفر ، وهو ضعيف كما قال الزيلعي (٢٩٣/٤). وفي الطريق الأخرى محمد بن يوسف المقرىء، قال الحافظ في ((التلخيص)) (٢٥٦) : ((وهو متهم بالوضع، وأطلق عليه ذلك الدار قطني وغيره)). قلت: ولذلك جزم البيهقي بضعف الحديث، فقال بعد أن علقه من هذين الطريقين موصولاً : ((وهو ضعيف)). - ٩٧ - وقد روي من طريق ثالثة عن الزهري به . أخرجه أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٣٠٩/١) والحاكم في ((المستدرك)) (٤ /٩٧) من طريق عمر بن قيس المكي عن الزهري . قلت: وسكت عليه الحاكم ثم الذهبي فأساءا، لأن عمر هذا متروك كما في (التقريب)) وقال في ((التلخيص)): ((فيه ضعف)) . قلت: وفي هذا التعبير تساهل لا يخفى، وقال الزيلعي بعد أن ذكره من طريق الحاكم : ((وسكت عنه، قال عبد الحق في ((أحكامه)): والمراسيل أشبه)). قلت: ولا يشك في هذا من شم رائحة الحديث، فإن الطرق كلها واهية عن الزهري به موصولاً، مع مخالفتها لروايات الثقات الذين أرسلوه عن الزهري، منهم إسماعيل بن أمية عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرفوعاً به . أخرجه الحاكم وكذا أبو داود في («مراسيله)). وأخرجه البيهقي من طريق يونس عن الزهري به إلا أنه أوقفه على ابن المسيب، كما في النسخة المطبوعة من ((البيهقي))، وأما الحافظ في ((التلخيص))، فقد نقل عنه أنه رواه من هذه الطريق عن ابن المسيب مرسلاً . (تنبيه): عزى الصنعاني في ((سبل السلام)) (٧٨/٣) هذا الحديث لأحمد عن أبي هريرة، وهو وهم منه، فإن الحديث عنده (٢ /٤٩٤) عنه بلفظ آخر وهو: ((حريم البئر أربعون ذراعاً من حواليها كلها لأعطان الإِبل والغنم)). وهو بهذا اللفظ حسن عندي كما بينته في السلسلة الأخرى (رقم - ٢٥١). ١٠٢٨ - (مَن اكتحلَ فليوتِرْ، مَنْ فعلَ فقد أحسنَ، ومَنْ لا فَلا حرجَ، ومَنْ اسْتَجْمَرَ فَليوتِرْ، مَنْ فعلَ فقد أحسنَ، وَمَنْ لا فَلا حرجَ، وَمَنْ أكلَ مما تخلَّلَ فليلفظُ ، وما لاكَ بلسانِهِ فليبتلعْ، مَنْ فعل فقد أحسنَ، وَمَنْ لا فلا حرجَ، ومَنْ أَتَى الغائِطَ فليسْتَِرْ، فإنْ لم يجدْ إلا أن يجمعَ كثيباً مِنْ رملٍ - ٩٨ - فليستَذْبِرْهُ فإِنَّ الشيطانَ يلعبُ بمقاعدٍ بني آدمَ، مَن فعل فقد أحسنَ، وَمَنْ لا فلا حَرَج). ضعيف. أخرجه أبو داود (٦/١ - ٧) والدارمي (١٦٩/١ - ١٧٠) وابن ماجه (١٤٠/١ - ١٤١) والطحاوي (٧٢/١) وابن حبان (١٣٢) مختصراً والبيهقي (١ /٩٤ و ١٠٤) وأحمد (٣٧١/٢) من طريق الحصين الحبراني عن أبي سعيد- زاد بعضهم: الخير- عن أبي هريرة عن النبي وَلّ به. وقال أبو داود : ((أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي (وَلَّ)). قلت: هو كما قال على ما هو الراجح في التحقيق كما بينته في ((ضعيف سنن أبي داود)) (رقم ٩) ، لكن الراوي عنه الحصين الحبراني مجهول كما قال الحافظ في ((التلخيص)) (ص٣٧) وكذا في ((التقريب)) له، وفي ((الخلاصة)) للخزرجي. وقال الذهبي: ((لا يعرف)). وأما توثيق ابن حبان إياه ، فَمِّما لا يعول عليه لما عرف من قاعدته في توثيق المجهولين، كما فصلت القول عليه في ((الرد على التعقيب الحثيث)) ولهذا لم يعرج الأئمة المذكورون على توثيقه، ولم يعتمدوا عليه في هذا ولا في عشرات بل مئات من مثله وثقهم هو وحده، وحكموا هم عليهم بالجهالة، ولذلك وجدنا البيهقي أشار إلى تضعيف هذا الحديث بقوله عقبه : ((وهذا - إن صح- فإنما أراد والله أعلم وتراً يكون بعد ثلاث)). وإنما حمله على هذا التأويل أحاديث كثيرة تدل على وجوب الاستنجاء بثلاثة أحجار، والنهي عن الاستنجاء بأقل من ذلك كحديث سلمان رضي الله عنه قال: ( ... ونهانا وَالر أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار)). رواه مسلم وغيره. فلو صح قوله في هذا الحديث: ((ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج))، وجب تأويله بما ذكره البيهقي ، ولكني أقول: لا حاجة بنا إلى مثل هذا التأويل بعدما تبين لنا ضعفه وتفرد ذاك المجهول به . وإذا عرفت هذا، فلا تغتر بقول النووي في ((المجموع)) (٥٥/٢): ((هذا حديث حسن))! ولا بقول الحافظ نفسه في ((الفتح)) (١ / ٢٠٦): - ٩٩ - ((إسناده حسن))، ولا بما نقله الصنعاني في ((سبل السلام)) عن ((البدر المنير)) أنه قال: ((حديث صحيح، صححه جماعة، منهم ابن حبان والحاكم والنووي)). لا تغتر بأقوال هؤلاء الأفاضل هنا جميعاً، فإنهم ما أمعنوا النظر في سند الحديث، بل لعل جمهورهم اغتروا بسكوت أبي داود عنه، وإلا فقل لي بربك كيف يتفق تحسينه مع تلك الجهالة التي صرح بها من سبق ذكره من النقاد: الذهبي والعسقلاني والخزرجي؟ بل كيف يتمشى تصريح ابن حجر بذلك مع تصريحه بحسن إسناده لولا الوهم، أو المتابعة للغير بدون النظر في الإِسناد؟! ومن ذلك قول مؤلف(١) ((معارف السنن شرح سنن الترمذي)) (١١٥/١): ((وهو حديث صحيح رجاله ثقات كما قال البدرالعيني)). فإن هذا التصحيح ، إنما هو قائم على أن رجاله ثقات، وقد تقدم أن أحدهم وهو حصين الحبراني لم يوثقه غير ابن حبان، وأنه لا يعتد بتوثيقه عند تفرده به، لا سيما مع عدم التفات أولئك النقاد إليه وتصريحهم بتساهل من وثقه . فمن الغرائب والابتعاد عن الإِنصاف العلمي، التشبث بهذا الحديث الضعيف المخير بين الإِيتار وعدمه لرد ما دل عليه حديث سلمان وغيره مما سبقت الإشارة إليه من عدم إجزاء أقل من ثلاثة أحجار، مع إمكان التوفيق بينهما بحمل هذا - لو صح - على إيتارٍ بعد الثلاثة كما تقدم، وأما قول ابن التركماني رداً لهذا الحمل: «لو صح ذلك لزم منه أن يكون الوتر بعد الثلاث مستحباً لأمره عليه السلام به على مقتضى هذا الدليل، وعندهم لو حصل النقاء بعد الثلاث فالزيادة عليها ليست مستحبة، بل هي بدعة)). فجوابنا عليه : نعم هي بدعة عند حصول النقاء بالثلاثة أحجار، فنحمل هذا الحديث على الإِيتار عند عدم حصول النقاء بذلك، بمعنى أنه إذا حصل النقاء بالحجر الرابع فالإِيتار بعده على الخيار مع استحبابه، بخلاف ما إذا حصل النقاء بالحجرين فيجب الثالث لحديث سلمان وما في معناه. وبالله التوفيق . (١) هو الشيخ الفاضل محمد بن يوسف الحسيني البنّوري، وقد أهداه إليّ بتاريخ ١٣٨٣/١٢/١٤هـ بواسطة أحد طلابنا في الجامعة الإسلامية، جزاه الله خيراً. - ١٠٠ -