Indexed OCR Text
Pages 61-80
فحدیثه جید» . وذكره ابن القطان الفاسي فيمن اختلط كما في ((التهذيب))، وقال أبو حاتم: ((لا يحتج به)) كما في ((الميزان)). قلت: فمثله يحتج به إن شاء الله تعالى إذا لم يخالف، وأما مع المخالفة فلا، فإذ قد خالف في هذا الحديث فزاد في السند ابن عباس ووصله خلافاً للثقات الآخرين الذين أرسلوه، دلّ ذلك على وهمه كما جزم به الدار قطني، وأشار إليه الترمذي، وأن الصواب في الحدیث أنه مرسل، فهو علی ذلك ضعيف لا يُحتج به. وقد رُوي عن أبي حمزة على وجه آخر، رواه البيهقي من طريق عبدان عنه عن محمد بن عبيد الله عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً. وقال: ((ومحمد هذا هو العَرْزَمِيّ ، متروك الحديث. وقد روي بإسناد آخر ضعيف عن ابن عباس موصولاً)). ثم ساقه باللفظ الآتي عقب هذا، وقد أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (ق ٢٨١ /٢) عن أبي حمزة عن العَرْزَمِيّ به، وقال: ((لا أعلم رواه عن محمد بن عبيد الله غير أبي حمزة. وقوله: ((والشفعة في كل شيء)) منكر. ومحمد بن عبيد الله العرزمي عامةُ رواياته غير محفوظة)). قلت: ومما يؤيد نكارة هذا الحديث عن ابن عباس أن الطحاوي روى (٢ / ٢٦٩) من طريق معن بن عيسى عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال : ((لا شفعة في الحيوان)). احتج به الطحاوي على أن قوله في حديث الباب:(الشفعة في كل شيء))، ليس على عمومه يشمل الحيوان وغيره. قال: ((وإنما معناه الشفعة في الدور والعقار والأرضين ، والدليل على ذلك ما قد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، حدثنا أحمد بن داود قال: ثنا يعقوب قال: ثنا معن بن عيسى ... )). - ٦١ - قلت: وإسناد هذا الموقوف جید، رجاله كلهم ثقات معروفون، غیر أحمد بن داود هذا وهو ابن موسى الدوسي أبو عبد الله وثّقه ابن يونس كما في ((كشف الأستار)» عن ((المغاني)). والحديث قال الحافظ في ((الفتح)) (٣٤٥/٤): ((رواه البيهقي، ورجاله ثقات، إلا أنه أُعِلّ بالإِرسال، وأخرج له الطحاوي شاهداً من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته)). ونقله هكذا الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (٥ / ٢٨٣) ولكنه - كما هي عادته - لم يَعزُهُ إلى الحافظ! وكذلك صنع صديق خان في ((الروضة الندية)) (١٢٧/٢) إلا أنه وقع عنده بلفظ ((بإسناد لا بأس به)). بدل ((لا بأس برواته)) وشتّان ما بين العبارتين، فإن الأولى نص في تقوية الإِسناد، بخلاف الأخرى، فإنها نص في تقوية رواتهِ، ولا تَلازُمَ بين الأمرین، كما لا يخفى على الخبير بعلم مصطلح الحديث، وذلك لأن للحديث، أو الإِسناد الصحيح شروطاً أربعة: عدالة الرواة وضبطهم، واتصاله، وسلامته من شذوذ أو علة، فإذا قال المحدث في سند ما: ((رجاله لا بأس بهم)) أو ((ثقات)) أو ((رجال الصحيح))، ونحو ذلك، فهو نص في تحقق الشرط الأول فيه، وأما الشروط الأخرى فمسكوت عنها، وإنما يفعل ذلك بعض المحدثين في الغالب لعدم علمه بتوفر هذه الشروط الأخرى فيه، أو لعلمه بتخلف أحدها، مثل السلامة من الانقطاع أو التدليس أو نحو ذلك من العلل المانعة من إطلاق القول بصحته (١)، وهذا هو حال إسناد هذا الشاهد، فإن فيه علة لا تسمح بتصحيحه مع كون رجاله ثقاتاً، فإنه عند الطحاوي (٢ /٣٦٩) من طريق يوسف بن عدي قال: ثنا ابن إدريس عن ابن جريج عن عطاء عن جابر قال: ((قضى رسول الله ﴿﴿ بالشفعة في كل شيء)). فأول علّةٍ تبدو للناظر لأول وهلة في هذا السند هو عنعنةُ ابن جريج، فإنه كان يدلس بشهادة غير واحد من الأئمة المتقدمين والمتأخرین، بل قال الدار قطني: ((تجنّب تدلیس ابن جريج فإنه قبیح التدلیس، لا یدلس (١) وراجع لزيادة البيان مقدمتي لكتابيّ ((صحيح الترغيب والترهيب))، و((ضعيف الترغيب)). - ٦٢ - إلا فيما سمعه من مجروح، مثل إبراهيم بن أبي يحيى وموسى بن عبيدة وغيرهما))، ووصفه بالتدليس الذهبي والعسقلاني وغيرهما. على أنه يمكن للباحث في طرق هذا الحديث أن يكشف عن علة أخرى في هذا السند، وذلك أن جماعة من الثقات الأثبات رووه عن عبد الله بن إدريس عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر به، بلفظ: ((قضى رسول الله وَ له بالشفعة في كل شِرْك لم يقسم، رَبعة أو حائط، لا يحل له أن يبيع حتى يُؤذِن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع فلم يُؤذنه فهو أحق به)). ٠ أخرجه مسلم (٥ / ٥٧) والنسائي (٢ / ٢٣٤) والدارمي (٢٧٣/٢ - ٢٧٤) والطحاوي (٢ / ٢٦٥) وابن الجارود (رقم ٦٤٢) والدار قطني (٥٢٠) والبيهقي (١٠١/٦) كلهم عن الجماعة به. وقد صرّح ابن جُريج بالسماع من أبي الزبير، وهذا من جابر في رواية الطحاوي، وهو رواية لمسلم. فهذا هو المحفوظ عن ابن إدريس عن ابن جريج، إنما هو عن أبي الزبير ليس عن عطاء. وقد تابعه إسماعيل بن إبراهيم - وهو ابن عُلَّيَّة - عن ابن جريج به. أخرجه النسائي (٢ / ٢٢٩) وصرح عنده ابن جريج بالتحديث وأحمد (٣/ ٣١٦) وعنه أبو داود (٢ / ٢٥٦) والبيهقي . ومن الملاحظ في هذا اللفظ أن طرفه الأول موافق تماماً لرواية يوسف بن عدي عن ابن جريج المتقدمة؛ إلا في حرف واحد وهو قوله: ((في كل شِرْك))، فإن لفظه في الرواية المشار إليها ((في كل شيء))، فأخشى أن يكون تصحف على بعض رواتها. ويؤيده تمام الحديث في الرواية المحفوظة ((لم يقسم ... )) فإنه يدل على أن الحديث ليس فيه هذا العموم الذي أفادته تلك الرواية، بل يدل على أنه خاص بغير المنقول من دار أو بستان أو أرض، قال الحافظ في ((الفتح)) (٤ / ٣٤٥): ((وقد تضمن هذا الحديث ثبوت الشفعة في المشاع، وصدره يُشعر بثبوتها في المنقولات، وسياقه يُشعر باختصاصها بالعقار، وبما فيه العقار)). - ٦٣ - فثبت مما تقدم أن هذا الشاهد عن جابر لا يصلح شاهداً لحديث ابن عباس لثبوت خطأ الراوي في قوله:((شيء)) بدل:((شِرك))، فهو شاذ، ومقابله هو المحفوظ. على أنه يمكن أن يقال: لو سلّمنا جدلاً بأن هذا اللفظ محفوظ، فإن مما لا شك فيه أنه مختصر من الرواية المحفوظة كما تقدم، فلا بد أن يضم إليه تمام الحديث الذي رواه الثقات، وعند ذلك يتبين أن عموم هذا اللفظ ليس بمراد، وأن اختصار الحديث من الراوي اختصار مخلٍّ بالمعنى. ويؤيد ذلك أن الحديث ورد من طريق أخرى عن جابر بهذا التمام، فقال أحمد: (٢٩٦/٣): ثنا عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال: ((إنما جعل رسول اللّه مثل الشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)). ومن طريق أحمد أخرجه أبو داود (٢ / ٢٥٦) وعنه البيهقي (١٠٢/٦ - ١٠٣) ثم أخرجه هذا من طريق أخرى عن عبد الرزاق به، إلا أنه قال: ((كل ما لم يقْسم)). وهكذا وقع عند أبي داود من طريق أحمد، ويرجح هذا أن البخاري أخرجه من طريق عبد الواحد ابن زياد عن معمر به. لكن وقع في مكان آخر عند البخاري من هذا الوجه (٤ / ٣٢٣) بلفظ: ((كل مال)) مثل رواية أحمد، إلا أن كلام الحافظ في شرحه يُشعر بأن اللفظ إنما هو باللفظ الذي قبله ((كل ما لم يقسم )) فالظاهر أن خلافه خطأ على عبد الواحد من بعض الرواة أو النسّاخ. نعم أخرجه البخاري من طريق أخرى عن عبد الرزاق بلفظ أحمد، ((كل مال)) ورجّح الحافظ هذا اللفظ بأن إسحاق بن راهويه قد رواه عن عبد الرزاق بلفظ ((قضى بالشفعة في الأموال ما لم تقسم)). والله أعلم. فلو أن بعض الرواة اقتصر من هذا الحديث على قوله: ((قضى بالشفعة في الأموال)» لأوهم العموم الذي أوهمته رواية الطحاوي الشاذة، فالحمد لله الذي حفظ لنا أحاديث نبینا - ٦٤ _ كاملة غير منقوصة، وجعلها بياناً للقرآن وألزمنا العمل بها كما ألزمنا العمل به . (تنبيه): عرفت مما سبق ضعف حديث ابن عباس وشاهده من حديث جابر، فلا تغتر بما يدلّ عليه كلام الصنعاني في ((سبل السلام)) من الميل إلى تصحيحه، بعد أن عرفت الحق فيه، لا سيما وهو قد اغتر بقول الحافظ في حديث جابر في ((البلوغ)): ((ورجاله ثقات))، فإنه مثل قوله في ((الفتح)) كما تقدم: ((لا بأس برواته))، وقد سبق تفصيل الكلام في المراد بمثل هذا القول، وأنه لا يستلزم الصحة، فلا يُفيد إعادة الكلام فيه، وإنما الغرض الآن أن الصنعاني قد خلط خلطاً عجيباً في كلامه على حديث ابن عباس هذا، فإنه قال عقب حديث جابر عند الطحاوي : ((ومثله عن ابن عباس عند الترمذي مرفوعاً: ((الشفعة في كل شيء)) وإن قيل: إن رفعه خطأ، فقد ثبت إرساله عن ابن عباس، وهو شاهد لرفعه، على أن مرسل الصحابي إذا صحّت عنه الرواية حجّة)). هکذا قال! وقد علمت أن الخلاف ليس في رفعه ووقفه، وإنما في إرساله ووصله، فكأنه أطلق على الوصل الرفع، فلئن كان ذلك، فما معنى قوله: ((ثبت إرساله عن ابن عباس، على أن مرسل الصحابي حجّة .. )) لا شكّ أن هذا كلام مضطرب لا يتحصّل منه على شيء! وأما اللفظ الآخر الذي سبقت الإشارة إليه فهو: ١٠١٠ - (الشُّفْعَةُ في العَبيدِ، وفي كلِّ شَيءٍ). ضعيف جداً. رواه أبو بكر الشافعي في ((الفوائد)) (٢/١٨/٣) وعنه ابن عساكر (٢/١٨٥/١٣) وابن عدي في ((الكامل)) (ق ٢٤٣ /٢) والبيهقي (١١٠/٦) من طرق، عن عمر بن هارون البلخي عن شعبة عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً. وقال ابن عدي : ((وهذا الحديث يعرف بعفان البلخي عن عمر بن هارون، ووثب عليه ابن حميد، رواه عن عمر بن هارون، وکان وثاباً)). - ٦٥ - كذا قال، وهو عند البيهقي من طريقين آخرين عن ابن هارون، وعند الشافعي من طريق ثالثة عنه فلم ينفرد به عفان البلخي، فالصواب ما يقوله البيهقي : ((تفرد به عمر بن هارون البلخي عن شعبة وهو ضعيف لا يحتج به)). قلت: بل هو متروك شديد الضعف، قال الذهبي في ((الضعفاء)): (ترکوه)) . وقال الحافظ في ((التقريب)): ((متروك وکان حافظاً)). ١٠١١ - (مَنْ كذبَ عليَّ مُتعمِّداً؛ ليُضِلَّ بِهِ الناسَ، فَليتَبَوّأُ مقعدَهُ من النَّارِ). منكر بهذه الزيادة، وقد رويت من حديث عبد الله بن مسعود، والبراء بن عازب، وعمرو بن حريث، وعمرو بن عبسة . ١ - أما حديث ابن مسعود، فمداره على طلحة بن مصرف، يرويه عنه الحسن بن عمارة، والأعمش. أما حديث ابن عمارة، فأخرجه الطبراني في جزء ((طرق حديث من كذب عليّ متعمداً) (ق ١/٣٥) بسنده عنه عن طلحة بن مصرف عن أبي عمار عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً. وهذا سند رجاله ثقات غير الحسن بن عمارة فهو متروك متّهم بالكذب. أما حديث الأعمش، فقد رواه جماعة، واختلفوا عليه في سنده ومتنه على وجوه: الأول: سفيان الثوري، فقال: عن الأعمش عن طلحة به، مثل رواية الحسن بن عمارة متناً وسنداً، إلا أنه قال: ((عن عمرو بن شُرحبيل عن رجل من أصحاب النبي 18َ. - ٦٦ - أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١٧٤/١): حدثنا أحمد بن شعيب: حدثنا محمود بن غيلان: حدثنا أبو أحمد: حدثنا سفيان به. قلت: وهذا سند رجاله كلهم ثقات، فظاهره الصحّة، لكن فيه هذا الاختلاف الذي نحن في صدد بیانه، وما سيأتي ذكره. الثاني: يونس بن بُکیر، فقال: عن الأعمش عن طلحة به مثل رواية الحسن سنداً ومتناً، إلا أنه أسقط منه (أبي عمار). أخرجه الطحاوي والطبراني (١/٣٥)، ورجاله ثقات أيضاً، وفيه ما سبق، وليس عند الطبراني الزيادة، ورواه البزار كالطحاوي، قال الهيثمي (١٤٤/١): ((ورجاله رجال الصحيح)). الثالث: أبو معاوية، فقال: عن الأعمش به، مثل رواية الحسن إسناداً، إلا أنه جعله من مسند علي لا من مسند ابن مسعود، وخالف في المتن فلم يذكر فيه الزيادة. أخرجه الطبراني في جزئه (٢/٣٢) من طريق يحيى بن طلحة اليربوعي قال: نا أبو معاوية به . لكن اليَربُوعي هذا لين الحديث كما في ((التقريب)). وقد خالفه محمد بن العلاء فقال: حدثنا الأعمش به مثله إلا أنه لم يذكر ابن مسعود فارسله. رواه الطحاوي . ومما سبق يتبين أن أصحّ روايات هؤلاء الثلاثة رواية سفيان الثوري، لأنه أوثقهم وأضبطهم وأحفظهم، وعليه يمكن أن يقال: إن إسناد الحديث من هذا الوجه صحيح، ولا يضره الاختلاف المذکور لأنه مرجوح. قلت: وكان ينبغي أن يقال هذا، لولا أن هناك شيئين يقفان في سبيل ذلك: - ٦٧ - الأول: أن الأعمش موصوف بالتدليس، وقد عنعنه في جميع الروايات عنه، فذلك يمنع من تصحيح هذا الحديث، وإن كان العلماء المتأخرون قد مشّوا أحاديثه المعنعنة إلا إذا بدا لهم ما يمنع من ذلك، وهذا الحديث من هذا القبيل، فإن فيه ما يأتي، وهو: الثاني: أن الحديث قد صحّ عن ابن مسعود من طرق ليس في شيء منها تلك الزيادة، فأخرجه الترمذي (١١٠/٢) والطحاوي (١٦٧/١) والطيالسي (٣٦٢) وأحمد (٤٠٢/١، ٤٠٥، ٤٥٤) والطبراني (١/٣٤) كلهم عن زر، والطيالسي (٣٤٢) وأحمد (٣٨٩/١، ٤٠١، ٤٣٦) والطبراني (٢/٣٤) عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، والطبراني أيضاً عن أبي وائل ومسروق، كلهم عن ابن مسعود مرفوعاً به دون الزيادة. قلت: فهذا كله يدل على أن هذه الزيادة غير محفوظة عن ابن مسعود رضي الله عنه، بل هي شاذة أو منكرة، وقد قال الطحاوي عقب رواية يونس بن بكير المتقدمة : ((وهذا حديث منكر، وليس أحد يرفعه بهذا اللفظ غير يونس بن بكير، وطلحة بن مصرف ليس في ◌ِنَّه ما يدرك عمرو بن شرحبيل، لقدم وفاته)). کذا قال، وقد عرفت أن سفيان الثوري قد رفعه بهذا اللفظ، وجوّد إسناده، فذكر بين طلحة بن مصرف وعمرو بن شرحبيل أبا عمار واسمه عَريب - بفتح المهملة - ابن حميد الدُّهني، وهو ثقة، فالسند متصل مرفوع، وإنما علته الحقيقية العنعنة والمخالفة كما سبق بيانه، وقد أعله غير الطحاوي بنحو إعلاله، فقال الحافظ في ((الفتح)) (١٧٨/١) بعد أن ذكر الحديث من رواية البزار، وذكر أن الزيادة ((لا تثبت)): ((اختلف في وصله وإرساله، ورجّح الدار قطني والحاكم إرساله، وأخرجه الدارمي من حديث يعلى بن مرة بسند ضعيف)). قلت: لم أقف على أحد أرسله غير أبي معاوية من رواية محمد بن العلاء عنه عند الطحاوي كما تقدم، وأبو معاوية - واسمه محمد بن خازم - وإن كان أحفظ الناس لحديث الأعمش كما قال الحافظ في ((التقريب)) فقد خالفه سفيان الثوري وهو الثقة الحافظ الإِمام، وتابعه يونس بن بكير، وهو من رجال مسلم لكنه يخطىء، فروايتهما أرجح من رواية أبي - ٦٨ - . معاوية، لأنهما أكثر عدداً، لا سيما ومعهما زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة. والله أعلم. وجملة القول: أن هذه الزيادة لا تثبت في حديث ابن مسعود، والعلة: العنعنة والمخالفة في نقدي، والإِرسال في رأي الطحاوي والدار قطني والحاكم، وقال عبد الحق في ((الأحكام)) (١٥٣): ((لا تصح)). وقد روي الحدیث عن طلحة بن مصرف بإسناد آخر وهو: ٢ - وأما حديث البراء بن عازب، فيرويه محمد بن عبيد الله العَرْزَمي عن طلحة ابن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عنه. أخرجه الطبراني في جزئه (٢/٣٩). قلت: وعلته العَرْزَمي هذا فإنه ضعيف جداً، وهذا معنى قول الحافظ فيه : ((متروك)). ٣ - وأما حديث عمرو بن حریث، فیرویه عمر بن صبح عن خالد بن ميمون عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن عامر بن عبد الواحد عنه. أخرجه الطبراني في جزئه أيضاً (٢/٤٢). قلت: وفيه علتان : الأولى: عمر بن صبح هذا، قال الحافظ: ((متروك، كذبه ابن راهويه)). الثانية: عبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف، وبه أعله الهيثمي فقال في ((مجمع الزوائد» (١٤٦/١): (رواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه عبد الكريم بن أبي المخارق وهو ضعيف)). قلت: ربط العلة به وحده ليس من الإنصاف في شيء، وفي الطريق إليه ذاك الكذاب، عمر بن صبح، إلا أن يقال: إنه ليس في طريق الطبراني في ((الكبير))، لكني أستبعد هذا لأنه لو كان كذلك لذكر في جزئه الخاص بهذا الحديث وطرقه هذه الطريق. السالمة من ذاك الكذاب، أو على الأقل لجمع بينهما، كما رأيناه فعل في أحاديث أخرى، كحديث ابن مسعود على ما تقدم نقله عنه. - ٦٩ - ٤ - وأما حديث عمرو بن عَبَسة، فأورده الهيثمي وقال: (رواه الطبراني في ((الكبير)) وإسناده حسن)). قلت: لكن الزيادة فيه لم تتفق عليها نسخ ((المجمع))، بل تفرّدت بها النسخة الهندية، كما في هامش الكتاب، ويترجح عندي عدم ثبوتها، لأن الطبراني قد أخرج الحديث في جزئه (١/٤٣) وليس فيه أيضاً هذه الزيادة. ثم إن في قوله: ((وإسناده حسن)) نظراً، فإن فيه محمد بن أبي النوار، أورده ابن أبي حاتم (١١١/١/٤) وذكر أنه روى عنه ثلاثة من الثقات، ولم يحكِ فيه جرحاً ولا تعديلاً. وهذا من شيوخه بريد بن أبي مريم، ثم ذكر ابن أبي حاتم عقبه ترجمة أخرى، فقال : ((محمد بن أبي النوار سمع حبان السلمي - صاحب الدفينة، سمع ابن عمر - سمعت أبي يقول: لا أعرفه)). فقد فرق بينهما أبو حاتم. وفي ((اللسان)): ((قال النباتي: جمعهما البخاري وهو أشبه)). والله أعلم. (تنبيه): سبق فيما نقلته عن الحافظ ابن حجر (ص ٢٠) أن الحديث رواه الدارمي عن يعلى بن مرة. وقد رجعت إلى ((سنن الدارمي))، فوجدت الحدیث فيه (٧٦/١) كما ذكر الحافظ، لكن ليس فيه تلك الزيادة! فلا أدري أذلك من اختلاف نسخ ((السنن))، أم أن الحافظ وهم، وقد يؤيد الثاني أن الطبراني أخرجه (٢/٤٤) عن يعلى كما أخرجه الدارمي بدون الزيادة. ومن الممكن أن يقال: إنه لا وهم فيه، وإنما تساهل في إطلاق العزو إليه. والله أعلم. ثم إن الحديث لو صحّ بهذه الزيادة فليست اللام فيه للعلة، بل للصيرورة كما فُسِّر قوله تعالى: ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس﴾، والمعنى أن مآل أمره إلى الإِضلال. أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر فلا مفهوم له كقوله تعالى: ﴿ ولا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة﴾؛ ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾، فإن قتل - ٧٠ - ٠ الأولاد ومضاعفة الربا والإِضلال في هذه الآيات إنما هو لتأكيد الأمر فيها، لا لاختصاص الحكم كما قال انحافظ رحمه الله وغيره. (فائدة): لقد اشتهر عند العلماء أن هذا الحديث متواتر بدون الزيادة طبعاً، وقد اعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه، قال الحافظ: ((فأول من وقفت على كلامه في ذلك علي بن المديني، وتبعه يعقوب بن شيبة فقال: ((رُوي هذا الحديث من عشرين وجهاً عن الصحابة من الحجازيين وغيرهم))، ثم إبراهيم الحربي وأبو بكر البزار ، فقال كل منهما: إنه أورده من حديث ربعين من الصحابة. وجمع طرقه في ذلك العصر أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد ؛ فزاد قليلاً. وقال أبو بكر الصيرفي شارح رسالة الشافعي: رواه ستون نفساً من الصحابة، وجمع طرقه الطبراني فزاد قليلاً)). قلت: وقد وقفت والحمد لله على كتاب الطبراني في ذلك كما سبقت الإِشارة إليه، وقد رأيت أن أسوق أسماء رواتها من الصحابة رضي الله عنهم، مع الإِشارة إلى عدد الطرق عن كل واحد منهم بجانب الاسم، وهناك آخرون منهم ساق الطبراني أحاديثهم لدلالتها على التحذير من الكذب على النبي وي ولكنها أحاديث أخرى، ولذلك لم أسق أسماءهم فليعلم ذلك. ١ - أبو أمامة الباهلي ٢ - أبو بكر الصديق ٢ ٣ - أبو ذر الغفاري ١ ٤ - أبو سعيد الخدري ٥ ٥ - أبو عُبيدة بن الجراح ١ ٦ - أبو قَتَادة الأنصاري ٧ - أبو قُرصَافَة: جُنْدرة بن خَيْشَنَة ١ ١ ٨ - أبو موسى الأشعري ٩ - أبو موسى الغافقي ١ ١١ ١٠ - أبو هريرة ٣ ١١ - أسامة بن زيد بن حارثة ١ ١٢-أنس بن مالك ١٥ ١٣ - البراء بن عازب ١ ١٤ - بريدة بن الحصيب ١ ١٥- جابر بن حابس العبدي ١ ٣ ١٦ - جابر بن عبد الله ٣ ١ ١٧ - خالد بن عرفطة ١٨-رافع بن خديج ١ - ٧١ - ١٩ - الزبير بن العوام ٢٠-زید بن أرقم ٢١ - السائب بن يزيد ١ ٤٠- عقبة بن عامر ٢٢ - سعد بن المدحاس ١ ٢٣ - سعيد بن زيد بن عمرو ٢٤ - سلمان الفارسي ٢٥ - سلمة بن الأكوع ١ ٢٦ - صهيب بن سنان ١ ٢٧ - طارق بن أشیم ١ ٢٨ - طلحة بن عبيد الله ٢ ٢٩- عائشة بنت أبي بكر ١ ٣٠ - عبد الله بن الحارث ٣١- عبد الله بن الزبير ٣٢ - عبد الله بن زغب ١ ٣٣-عبد الله بن عباس ٣٤- عبد الله بن عمر ٣ ٣٥ - عبد الله بن عمرو بن العاص ٥ ٣٦- عبد الله بن مسعود ٥ ١ ٣٨-عثمان بن عفان ١ ١ ٣ ٣٩- العرس بن عميرة الكندي ١ ٢ ٧ ٤١ - علي بن أبي طالب ١ ٤٢- عمار بن ياسر ٣ ٤٣- عمر بن الخطاب ٤٤- عمران بن الحصين ١ ١ ٤٥- عمرو بن حريث ٤٦- عمرو بن عبسة ٤٧- عمرو بن مرة الجهني ١ ١ ٤٨- قيس بن سعد بن عبادة ٤٩- كعب بن قسطة ١ ٥٠۔معاذ بن جبل ١ ٥١ - معاوية بن أبي سفيان ٢ ٥٢- المغيرة بن شعبة ٢ ١ ٥٣- نبيط بن شريط ٥٤- یعلی بن مرة ١ وقد لاحظت أن جميع هؤلاء الصحابة الذين رووا هذا الحديث ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) قد ثبت في حديثهم لفظة ((متعمداً)) حاشا أفراداً منهم، وهم أصحاب الأرقام (٦، ٧، ١١، ٢٢، ٢٥، ٢٨، ٣١) وهي ثابتة في ((الصحيحين)) وغيرهما في حديث طائفة ممن رواها عند الطبراني، فهي إذن متواترة فيه نحو تواتره، فهي ثابتة عنه وَلم يقيناً خلافاً لمن زعم بجهله البالغ أنها من وضع بعض المحدثين! كما كنت ذكرت في مقدمة هذه السلسلة (١١/١). - ٧٢ - ١ ١ ١ ٣٧- عُتبة بن غزوان ١ ١ ١ وإن مما يحسن ذكره بهذه المناسبة أن البيهقي نقل عن الحاكم ووافقه، أن الحديث جاء من رواية العشرة المبشرين بالجنة، قال: ((وليس في الدنيا حديث أجمع العشرة على روايته غيره)). قال الحافظ : ((فقد تعقبه غير واحد، لكن الطرق عنهم موجودة فيما جمعه ابن الجوزي، (يعني في مقدمة كتاب الموضوعات) ومن بعده، والثابت منها ما قدمت ذكره، فمن الصحاح: علي والزبير، ومن الحسان: طلحة وسعد وسعيد وأبو عبيدة، ومن الضعيف المتماسك طريق عثمان، وبقيتها ضعيف ساقط)). قلت : قد عرفت من الكشف السابق أن لحديث عثمان رضي الله عنه ثلاث طرق ثم إن أحدها صحيح، والآخر حسن، وقد أخرجهما الطحاوي أيضاً (١٦٥/١ -١٦٦)، فحديثه من الصحيح أيضاً. ١٠١٢ - (تَحَّةُ البَيْتِ الطوافُ). لا أعلم له أصلاً، وإن اشتهر على الألسنة، وأورده صاحب ((الهداية)) من الحنفية بلفظ : ((من أتى البيت فَلْيُحَيِّهِ بالطواف)). وقد أشار الحافظ الزيلعي في تخريجه إلى أنه لا أصل له، بقوله (٥١/٢): ((غريب جداً)). وأفصح عن ذلك الحافظ ابن حجر فقال في ((الدراية)) (ص ١٩٢): ((لم أجده)). قلت: ولا أعلم في السنة القولية أو العملية ما يشهد لمعناه، بل إن عموم الأدلة الواردة في الصلاة قبل الجلوس في المسجد تشمل المسجد الحرام أيضاً، والقول بأن تحیته الطواف مخالف للعموم المشار إلیه، فلا يقبل إلا بعد ثبوته وهیهات، لا سيما وقد ثبت بالتجربة أنه لا يمكن للداخل إلى المسجد الحرام الطواف كلما دَخلَ المسجد في أيام المواسم، فالحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج). - ٧٣ - وإن مما ينبغي التنبه له أن هذا الحكم إنما هو بالنسبة لغير المحرم ، وإلا فالسنة في حقه أن يبدأ بالطواف ثم بالركعتين بعده. انظر بدع الحج والعمرة في رسالتي (مناسك الحج والعمرة))، رقم البدعة (٣٧). ١٠١٣ - (إذا رميتُم وذبحتُم وحلَقتُم حَلَّ لكم كلُّ شيءٍ إلا النِّساء). منكر. رواه الطبري في ((تفسيره)) (ج ٤ رقم ٣٩٦٠)، والدارقطني في ((سننه)) (٢٧٩) عن عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة قالت : - ((سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: متى يحلّ المحرم؟ فقالت: قال رسول الله وَالر ..... )) فذكره، ثم قال: قال (يعني الحجاج): وذكر الزهري عن عمرة عن عائشة عن النبي ◌َّ مثله. قلت: وهذا إسناد - كما قال الحافظ في ((بلوغ المرام)) - فيه ضعف، وعلته الحجاج وهو ابن أرطاة وهو مدلس وقد عنعنه، وبالإضافة إلى ذلك فقد اختلفوا عليه في متنه، فقال عبد الرحیم عنه هكذا ، وخالفه یزید - وهو ابن هارون - فقال: أخبرنا الحجاج عن أبي بكر بن محمد به دون قوله: «وذبحتم)). أخرجه الطحاوي (٤١٩/١) وأحمد (١٤٣/٦) والبيهقي (١٣٦/٥) وأبو بكر الشافعي في ((الفوائد)) (٢/٦٤/٦). وخالفهما عبد الواحد بن زياد فقال: ثنا الحجاج عن الزهري به، دون قوله : ((وذبحتم وحلقتم)). أخرجه أبو داود (١/ ٣١٠ - التازية) والطحاوي، وقال أبو داود: ((هذا حديث ضعيف، الحجاج لم يرَ الزهري)). قلت: وهؤلاء الذين رووا الحديث عنه كلهم ثقات، فالحمل في هذا الاختلاف في متنه ليس عليهم، بل على الحجاج نفسه، وقد أشار إلى هذا البيهقي فقال عقبه : - ٧٤ _ ((وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطاة، وإنما الحديث عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي وسط﴿ كما رواه سائر الناس عن عائشة)). قلت: وكأنه یشیر إلی حديثها: ((طَيّبْتُ رسول اللّه وَلَه لإحرامه حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يفيض)). أخرجه الشيخان وغيرهما من طرق كثيرة عنها، وقد تجمّع عندي منها ثلاثة عشر طريقاً خرّجتها في كتابي ((الحج الكبير))، لكن ليس منها طريق عمرة هذه. والله أعلم. وفي حديث عائشة هذا ما يشهد لبعض حديث الحجاج في رواية عنها بلفظ: (( .... وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت)). وهذا القدر منه له شاهد من حديث ابن عباس أوردته في ((الأحاديث الصحيحة)) (رقم - ٢٣٩). فيتلخص من ذلك أن للحديث أصلاً ثابتاً، لكن دون ذكر الذبح والحلق فيه، فهو بهذه الزيادة منكر. والله أعلم . ١٠١٤ - (ليَّقِهِ الصائمُ. يعني الكحل). منكر. أخرجه أبو داود (٣٧٣/١) والبيهقي (٢٦٢/٤) عن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة عن أبيه عن جده عن النبي وسلم أنه أمر بالإِثمد المروح عند النوم، وقال: فذكره، واللفظ لأبي داود. ولفظ البيهقي : ((لا تكتحل بالنهار وأنت صائم، اكتحل ليلاً، الإِثمد يَجلو البصر، ويُنبت الشعر)). وأشار البيهقي لتضعيفه بقوله: ((وقد رُوي في النهي عنه نهاراً وهو صائم حديث أخرجه البخاري في (التاريخ)). وقال أبو داود عقبه: ((قال لي يحيى بن معين: هو حديث منكر)). وذكر مثله في ((المسائل)) (ص ٢٩٨) عن الإِمام أحمد أيضاً. قلت: وله علتان : الأولى: ضعف عبد الرحمن بن النعمان، وبه أعله المنذري، فقال في ((مختصر السنن» (٢٦٠/٣): ((قال يحيى بن معين: ضعيف، وقال أبو حاتم الرازي: صدوق)). - ٧٥ - قال الذهبي بعد أن ذكر هذين القولين المتعارضين فيه: ((وقد روى عن سعد بن إسحاق العجري فقلب اسمه أولاً فقال: إسحاق بن سعد ابن كعب. ثم غلط في الحديث فقال: عن أبيه عن جده، فضعفه راجح)). قلت: ولذلك أورده في ((الضعفاء)) أيضاً، ولكنه قال: ((مختلف فيه، فلا يُترك)). يعني أنه ليس شديد الضعف. وقد أشار إلى هذا الحافظ في ((التقريب)) فقال: ((صدوق، ربما غلط)). وقد فاتت المنذري علة أخرى وهي: الثانية : جهالة أبيه النعمان بن معبد، وقد أشار إلى ذلك شيخ الإِسلام ابن تيمية في رسالة ((الصيام)) فقال (ص ٤٩ بتحقيقنا) عقب ما سبق عن المنذري : ((لكن من الذي يعرف أباه وعدالته وحفظه؟!)). ولهذا قال الذهبي فيه: ((غير معروف)). وقال الحافظ : (مجهول)). قلت: ومن ذلك تعلم ما في قول المجد ابن تيمية في ((المنتقى)): ((وفي إسناده مقال قريب)). ثم أعلّه بعبد الرحمن فقط كما فعل المنذري تماماً! وقد ثبت عن أنس رضي الله عنه أنه كان يكتحل وهو صائم. أخرجه أبو داود بسند حسن . وقال الحافظ في ((التلخيص)) (١٨٩): ((لا بأس به)). وفي معناه أحاديث مرفوعة لا يصحّ منها شيء كما قال الترمذي وغيره، ولكنها موافقة للبراءة الأصلية، فلا ينقل عنها إلا بناقل صحيح، وهذا مما لا وجود له، وقد اختلف العلماء في الكحل للصائم، وكذا الحقنة ونحوها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في المصدر السابق (ص ٤٧): ((فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بالجميع إلا بالكحل. والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك، فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام ويفسد - ٧٦ - الصوم بها، لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه، فلمّا لَمْ ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ◌َّ في ذلك حديثاً صحيحاً مسنداً ولا مرسلاً، علم أنه لم يذكر شيئاً من ذلك، والحديث المروي في الكحل ضعيف، رواه أبو داود، ولم يروِهِ غيره ولا هو في مسند أحمد ولا سائر الكتب». ثم ساق هذا الحديث، ثم قال: ((والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر، لم يكن معهم حجة عن النبي صل﴾ وإنما ذكروا ذلك بما رأوه من القياس، وأقوى ما احتجوا به قوله وهله: ((وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً)). قالوا: فدل ذلك على أن ما وصل إلى الدماغ يفطر الصائم إذا كان بفعله. وعلى القياس: كل ما وصل إلى جوفه بفعله من حقنة وغيرها سواء كان ذلك في موضع الطعام والغذاء أو غيره من حشو جوفه. والذين استثنوا الكحل قالوا: العين ليست كالقبل والدبر، ولكن هي تشرب الكحل كما يشرب الجسم الدهن والماء)). ثم قال: ((وإذا كان عمدتهم هذه الأقيسة ونحوها لم يَجُزْ إفساد الصوم بمثل هذه الأقيسة لوجوه : أحدها : أن القياس وإن كان حجة إذا اعتبرت شروط صحته، فقد قلنا في ((الأصول)): إن الأحكام الشرعية بينتها النصوص أيضاً، وإن دلّ القياس الصحيح على مثل ما دل عليه النص دلالة خفية. فإذا علمنا أن الرسول لم يحرم الشيء ولم يوجبه، علمنا أنه ليس بحرام ولا واجب، وأن القياس المثْبِت لوجوبه وتحريمه فاسد. ونحن نعلم أنه ليس في الكتاب والسنة ما يدل على الإِفطار بهذه الأشياء فعلمنا أنها ليست مفطّرة. الثاني: أن الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لا بد أن يبينها الرسول وَله بياناً عاماً، ولا بد أن تنقلها الأمة، فإذا انتفى هذا، عُلم أن هذا ليس من دينه. وهذا كما يُعلم أنه لم يُفرض صيام شهرٍ غير رمضان، ولا حج ببيت غير البيت الحرام، ولا صلاة مكتوبة غير الخمس. ولم يوجب الغسل في مباشرة المرأة بلا إنزال، ولا أوجب الوضوء من الفزع العظيم، وإن كان في مظنته خروج الخارج، ولا سن الركعتين بعد الطواف بين - ٧٧ - الصفا والمروة، كما سن الركعتين بعد الطواف بالبيت. وبهذه الطرق يُعلم أيضاً أنه لم يوجب الوضوء من لمس النساء، ولا من النجاسات الخارجة من غير السبيلين، فإنه لم ينقل أحد عنه مليه بإسناد يثبت مثله أنه أمر بذلك، مع العلم بأن الناس كانوا ولا يزالون يحتجمون ويتقيّؤون،؟ ومُجرحون في الجهاد وغير ذلك، وقد قطع عرق بعض أصحابه ليخرج منه الدم وهو الفصاد، ولم ينقل عنه مسلم أنه أمر أصحابه بالتوضؤ من ذلك)) (قال): ((فإذا كانت الأحكام التي تعم بها البلوى، لا بد أن يبينها الرسول مَله بياناً عاماً، ولا بد أن تنقل الأمة ذلك، فمعلوم أن الكحل ونحوه مما تعم به البلوى، كما تعم بالدهن والاغتسال والبخور والطيب. فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي وسلم كما بين الإفطار بغيره. فلمَّا لَمْ يبين ذلك، عُلم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن. والبخور قد يتصاعد إلى الأنف ويدخل في الدماغ، وينعقد أجساماً، والدهن یشربه البدن ويدخل إلى داخله، ويتقوى به الإِنسان، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة، فلمّا لَمْ يُنْهَ الصائم عن ذلك، دلّ على جواز تطيبه وتبخره وادّهانه، وكذلك اكتحاله. الوجه الثالث : إثبات التفطير بالقياس يحتاج إلى أن يكون القياس صحيحاً وذلك إما قياس على بابه الجامع، وإما بإلغاء الفارق، وإما أن يدل دليل على العلة في الأصل معدٍّ لها إلى الفرع، وإما أن يُعلم أن لا فارق بينهما من الأوصاف المعتبرة في الشرع، وهذا القياس هنا منْتَفٍ. وذلك أنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفَطّر الذي جعله الله ورسوله مُفَطَّراً هو ما كان واصلاً إلى دماغ أو بدن أو ما كان داخلاً من منفذ أو واصلاً إلى الجوف، ونحو ذلك من المعاني التي يجعلها أصحاب هذه الأقاويل هي مناط الحكم عند الله ورسوله . الوجه الرابع : إن القياس إنما يصحّ إذا لم يدل كلام الشارع على علة الحكم إذا سبرنا أوصاف الأصل، فلم يكن فيها ما يصلح للعلة إلا الوصف المعين. (قال): فإذا كان في الأصل وصفان مناسبان لم يَجُزْ أن يقول بالحكم بهذا دون هذا. ومعلوم أن النص والإجماع أثبتا الفطر بالأكل والشرب والجماع والحيض. والنبي مَّ قد نهى - ٧٨ - المتوضىء عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان صائمًا، وقياسهم على الاستنشاق أقوى حججهم كما تقدم. وهو قياس ضعيف لأن من نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه، وإلى جوفه، فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفم، ويغذي بدنه من ذلك الماء، ويزول العطش، ويطبخ الطعام في معدته كما يحصل بشرب الماء فلو لم يرد النص بذلك، لعُلم بالعقل أن هذا من جنس الشرب، فإنهما لا يفترقان إلا في دخول الماء من الفم، وذلك غير معتبر، بل دخول الماء إلى الفم وحده لا يفطر، فليس هو مفطراً ولا جزءاً من المفطر لعدم تأثيره، بل هو طريق إلى الفطر وليس كذلك الكحل والحقنة، فإن الكحل لا يغذي ألبتة، ولا يُدخل أحد كحلاً إلى جوفه لا من أنفه ولا من فمه، وكذلك الحقنة لا تغذي، بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شمّ شيئاً من المسهلات، أو فزع فزعاً أوجب استطلاق جوفه، وهي لا تصل إلى المعدة . فإذا كانت هذه المعاني وغيرها موجودة في الأصل الثابت بالنص والإِجماع، فدعواهم أن الشارع علق الحكم بما ذكروه من الأوصاف، معارض بهذه الأوصاف، والمعارضة تبطل كل نوع من الأقيسة، إن لم يتبين أن الوصف الذي ادعوه هو العلة دون هذا . الوجه الخامس : أنه ثبت بالنص والإجماع منع الصائم من الأكل والشرب والجماع، وقد ثبت عن النبي ◌َّ أنه قال: ((إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم))(١). ولا ريب أن الدم يتولد من الطعام والشراب. وإذا أكل وشرب اتسعت مجاري الشياطين، وإذا ضاقت انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات، وإلى ترك المنكرات، فهذه المناسبة ظاهرة في منع الصائم من الأكل والشرب، والحكم ثابت على وفقه، وكلام الشارع قد دل على اعتبار هذا الوصف وتأثيره، وهذا منْتَفٍ في الحقنة والكحل وغير ذلك. (١) قلت: هذا حديث صحيح، أخرجه الشيخان من حديث أنس وصفية رضي الله عنهما، هكذا، وقد ذكره ابن تيمية في مكان آخر من رسالته في ((الصيام)) (ص ٧٥) بزيادة: ((فضيّقوا مجاريه بالجوع والصوم)). ولا أصل لها في شيء من كتب السنة التي وقفت عليها، وإنما هي في ((كتاب الإِحياء)) للغزالي فقط كما نبهت عليه في التعليق على الرسالة المذكورة. - ٧٩ - : فإن قيل: بل الكحل قد ينزل إلى الجوف ويستحيل دماً؟ قيل: هذا كما قد يقال في البخار الذي يصعد من الأنف إلى الدماغ فيستحيل دماً، وكالدهن الذي يشربه الجسم. والممنوع منه إنما هو ما يصل إلى المعدة فيستحيل دماً ويتوزع على البدن .. الوجه السادس : ونجعل هذا وجها سادساً (الأصل خامساً) فنقيس الكحل والحقنة ونحو ذلك على البخور والدهن ونحو ذلك، لجامع ما يشتركان فيه، مع أن ذلك ليس مما يتغذى به البدن ويستحيل في المعدة دماً. وهذا الوصف هو الذي أوجب أن لا تكون هذه الأمور مفطرة. وهذا موجود في محل النزاع)). هذا كله من كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى مع شيء من الاختصار، آثرت نقله على ما فيه من بسط وتطويل، لما فيه من الفوائد والتحقيقات التي لا توجد عند غيره، فجزاه الله خيراً. ومنه يتبين أن الصواب أن الكحل لا يفطر الصائم، فهو بالنسبة إليه كالسواك يجوز أن يتعاطاه في أي وقت شاء، خلافاً لما دل عليه هذا الحديث الضعيف الذي كان سبباً مباشراً لصرف كثير من الناس عن الأخذ بالصواب الذي دل عليه التحقيق العلمي، ولذلك عنيت ببيان حال إسناده، ومخالفته للفقه الصحيح، والله الموفق . ومما سبق يمكننا أن نأخذ حكم ما كثر السؤال عنه في هذا العصر، وطال النزاع فيه. ألا وهو حكم الحقنة (الإِبرة) في العضل أو العرق، فالذي نرجحه أنه لا يفطر شيء من ذلك، إلا ما كان المقصود منه تغذية المريض، فهذه وحدها هي التي تفطر والله أعلم . ٢ ١٠١٥ - (من سُنّةِ الحج أنْ يُصلي الإِمام الظهر والعصرَ، والمغربَ والعشاءَ الآخرةَ والصبحَ بمنى، ثم يغدو إلى عَرفة فيَقیلُ حیثُ قُضِيَ لَهُ، حَتی إذا زالَتِ الشمسُ خَطبَ الناسَ، ثم صلى الظهرَ والعصرَ جميعاً، ثم وقَفَ بعرفات حتى تغرُبَ الشمسُ فإذا رمى الجَمْرة الكُبرى حَلَّ له كل شيءٍ حُرَمَ عليه إلا النساءَ والطيبَ حتى يزورَ البيتَ). - ٨٠ -