Indexed OCR Text

Pages 341-360

((رواه الطبراني من طريق عمرو البزار عن عنبسة الخواص وكلاهما لم أعرفه ، وبقية
رجاله رجال الصحيح )) .
والحديث أورده السيوطي في ((الجامع الصغير)) من رواية الطبراني أيضاً عن عبادة بلفظ :
((الأبدال في أمتي ثلاثون ... )) فلعل ما نقلته عن ((المجمع)) محرف عنه. وقال الشارح
المناوي :
((قال المصنف: سنده صحيح))! ولم يتعقبه المناوي بشيء! وكأنه لم يقف على كلام
الهيثمي فيه. ولا على إسناده. وقد ساق السيوطي في ((الحاوي)) (٢ / ٤٦١) فقال: قال الطبراني
في ((الكبير)) : ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل : حدثني محمد بن الفرج : ثنا زيد بن الحباب:
أخبرني عمر البزار عن عبيسة الخواص عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن عبادة بن
الصامت ... فذكره بلفظ ((الجامع الصغير)).
قلت: كذا في نقله: ((عُمَر)) بدون الواو، ((عبيسة))، ولعل هذا الثاني تحريف ، وأما
الأول فمحتمل. فإن في شيوخ زيد بن الحباب عند المزي في ((تهذيبه)) (١ /١/٢٢٧) عُمَر بن
عبد الله بن أبي خثعم اليمامي ، وعمرو بن عبد الله بن وهب النخعي ، وعمرو بن عثمان بن
عبد الرحمن بن سعد بن یر بوع المخزومي ، فان کان الأول ۔ بدون الواو- فهو ضعيف جداً ،
وإن كان أحد الآخرين فهو ثقة ، ولكن لم يوصفوا جميعاً بـ (البزار). فالله أعلم من هو منهم،
أو هو غيرهم . وعلى كل حال فتصحيح مثل هذا الإسناد لا وجه له مطلقاً ، ولا أدري من أين نقل
المناوي تصحيح السيوطي له، وهو مرموز له في بعض نسخ (( الجامع)) بالحسن ، والذي قبله
بالصحة ! ! على أن رموز الجامع لا يوثق بها لأسباب ذكرتها في مقدمة كتابَيَّ ((صحيح الجامع
الصغير)) و((ضعيف الجامع الصغير))، وهما مطبوعان ، فليرجع إليهما من شاء .
وأخرج ابن عساكر في ((التاريخ)) (٢٧٧/١) من طريق الطبراني وغيره عن عمروبن واقد
عن يزيد بن أبي مالك عن شهر بن حوشب قال :
(( لما فتحت مصر سبوا أهل الشام ، فأخرج عوف بن مالك رأسه من برنسه ثم قال : يا أهل
مصر! أنا عوف بن مالك، لا تسبوا أهل الشام فإني سمعت رسول اللّه عَ لّم يقول: فيهم الأبدال ،
وبهم تنصرون ، وبهم ترزقون )).
قلت : وهذا إسناد ضعيف جداً ، شهر بن حوشب سيء الحفظ ، وعمروبن واقد متروك
كما في ((التقريب)). وقال الهيثمي :
((رواه الطبراني)) وفيه عمروبن واقد ، وقد ضعفه جمهور الأئمة ، ووثقه محمد بن المبارك
الصوري ، وشهر اختلفوا فيه ، وبقية رجاله ثقات)) .
قلت : وروي الحديث عن علي مرفوعا بلفظ آخر ، سيأتي تخريجه إن شاء الله
برقم ( ٢٩٩٣) .
٣٤١

٩٣٧ - ( إذا اغتسلت المرأة من حيضها ، نَقَضَتْ شعرها ،
وغسلت بالخَطْميّ والأشنان ، وإذا اغتسلت من الجنابة لم تنقّض
رأسها ، ولم تغسل بالِخَطْمي والأشنان ) .
ضعيف. أخرجه الخطيب في ((تلخيص المتشابه)) (١/٣٤/٢) والبيهقي في ((السنن
الكبرى )) (١٨٢/١) من طريقين عن مسلم بن صُبيح: ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن
أنس مرفوعا .
ومن هذا الوجه رواه الدارقطني أيضا في ((الأفراد)) كما في ((نصب الراية)) (١ /٨٠).
وقال الخطيب :
(( قال علي بن عمر ( يعني الدارقطني ) : هذا حديث غريب من حديث حماد بن سلمة
عن ثابت عن أنس ، تفرد به مسلم بن صبيج عن حماد ، ولم نكتبه إلا من هذا الوجه )) .
قلت : وهو ضعيف لتفرد ابن صبيح به ، وهو في عداد المجهولين ، فإني لم أجد من
ترجمه ، وقد يشتبه بمسلم بن صبيح الهمداني الذي أخرج له الستة ، وليس به ، فان هذا متأخر ،
من طبقة شيوخ الإمام أحمد ، وذاك الهمداني تابعي يروي عن ابن عباس وغيره ، وهو معروف
ثقة ، وله ترجمة في ((التهذيب)) للحافظ ابن حجر ، وكان يحسن به أن يورد بعده مسلم بن
صبيح هذا المجهول تميزاً له عن الذي قبله ، كما هي عادته في أمثاله ، ولكنه لم يفعل . والله
أعلم ، ثم رأيته قد ميزه في ((تبصير المنتبه)) (٨٣٣/٣) ولم يذكره بعدالة أو جرح ، وقيده بضم
الصاد المهملة .
وقد أخرجه الضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة )) (ق ٢/٢٣ - مسند أنس ) من
طريق الطبراني وهذا في ((المعجم الكبير)) (٢/٣٧/١) قال حدثنا أحمد بن داود المكي : ثنا
سلمة بن صبيح اليحمدي ثنا حماد بن سلمة به .
كذا سماه ابن داود ((سلمة)) بدل ((مسلم))، وليس هو تصحيفاً ، فقد قال الهيثمي في
((مجمع الزوائد)) (٢٧٣/١ ):
((رواه الطبراني في ((الكبير))، وفيه سلمة بن صبيح اليحمدي ولم أجد من ذكره)).
قلت : ولعل ((سلمة)) وهم من ابن داود فاني لا أعرفه أيضاً . وقد خالفه عثمان بن خُرزاذ
وهوثقة ، أخرجه الخطيب .
وأيهما كان فالرجل مجهول لا يعرف ، فهو علة الحديث . وخفي هذا على الصنعاني فقال
في ((السبل)) (١٣٨/١) بعد أن عزاه لمن ذكرنا :
(( فهذا الحديث مع إخراج الضياء له ، وهو يشترط الصحة فيما يخرجه ، يثمر الظن في
العمل به )) .
قلت : وهذا مسلم بالنسبة لمن لم يقف على إسناده ، وأما من وقف عليه ، فقد يختلف الحكم
٣٤٢

بالنسبة له ، ويرى خلاف ما ذهب الضياء إليه ، وعول عليه ، كما هو الشأن في هذا الحديث
وروايه مسلم بن صبيح ، وهو من الأدلة الكثيرة على أن الضياء رحمه اللّه متساهل في التصحيح
کالحا کم ، وإن کان هو أحسن حالاً منه كما شهد بذلك ابن تيمية رحمه الله .
والحديث سكت عليه الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (١ /٢١٧)، فأوهم سلامته من العلة ،
فاقتضى التنويه بها ، وتحقيق الكلام على الحديث . والله سبحانه هو الموفق .
وقد استدل الصنعاني بالحديث على أن نقض الشعر من المرأة الحائض في غسلها ليس واجباً
عليها ، بل هو على الندب لذكر الخَطِمي والأشنان فيه ، قال :
((إذ لا قائل بوجوبهما فهو قرينة على الندب )).
قلت : وإذا عرفت ضعف الحديث فالاستدلال به على ما ذكر الصنعاني غير صحيح ،
لا سيما وقد ثبت من حديث عائشة أن النبي عَ لّم قال لها في الحيض: ((انقضي شعرك واغتسلي)).
ولهذا كان أقرب المذاهب إلى الصواب التفريق بين غسل الحيض فيجب فيه النقض ، وبين غسل
الجنابة فلا يجب، كما بينت ذلك في الكلام على حديث عائشة هذا في ((الأحاديث الصحيحة))
رقم ( ١٨٨ ).
٩٣٨ - ( لا تضربوا إماء كم على كسر إنائكم ، فإن لها آجالاً
كآجال الناس ) .
كذب. رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ( ٢٦/١٠): حدثنا أبو دُلَف عبد العزيز بن محمد بن
أحمد بن عبد العزيز بن دلف العجلي : ثنا يعقوب بن عبد الرحمن الدَّعاء : ثنا جعفر بن عاصم :
ثنا أحمد بن أبي الحَوارِي : ثنا عباس بن الوليد قال : حدثني علي بن المديني عن حماد بن زيد
عن مالك بن دينار عن الحسن عن كعب بن عجرة مرفوعا .
قلت : وهذا سند واه جدا ، وفيه علل :
أولاً: أبو دُلَف هذا، أورده الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ( ١٠ /٤٦٥) ولم يذكر فيه
جرحاً ولا تعديلا .
ثانياً : يعقوب بن عبد الرحمن الدَّعَاء وهو أبو يوسف الجصاص ، قال الخطيب
( ١٢/ ٢٩٤ ) :
((في حديثه وهم كثير، قال أبو محمد بن غلام الزهري : ليس بالمرضي ، مات
سنة ( ٣٣١))).
ثالثاً : جعفر بن عاصم ، لم أجد له ترجمة .
رابعاً: عنعنة الحسن وهو البصري ، فقد كان يدلس .
قلت: وبقية، رجال الإسناد ثقات معروفون مترجم لهم في (( التهذيب))، وعباس بن
الوليد هوابن مَزْيَد أبو الفضل البيروتي مات سنة ( ٢٧٠ ). وقد روى عنه جماعة ، وكتب عنه
٣٤٣

أحمد بن أبي الحواري وهو أكبر منه ، توفي سنة (٢٤٦) فهو من رواية الأكابر عن الأصاغر.
هذا ما تبين لي فيه وأما المناوي فقال في هذا الحديث :
((أورده في ((الميزان)) في ترجمة العباس بن الوليد الشرقي ، وقال: ذكره الخطيب في
((الملخص)) (١) فقال: روى عن ابن المديني حديثا منكراً ، رواه عنه أحمد بن أبي الحواري من
حديث كعب بن عجرة مرفوعا ، ثم ساق هذا بعينه )).
قلت: ولم أجد هذه الترجمة في ((الميزان)) للذهبي، ولا في ((الضعفاء)) له، ولا في
(( لسان الميزان)) للحافظ ابن حجر، فالله أعلم من أين وقع ذلك للمناوي .
والحديث أورده ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢٩٥/٢ - ٢٩٦) بسنده عن ابن أبي
الزرقاء عن ميمون بن مهران قال : فذكره موقوفا عليه وقال :
((قال أبي : هذه الحكاية كذب )) .
قلت: وفيه وهب بن داود قال الخطيب: (( لم يكن بثقة)) . وفيه أيضاً من لم أعرفه .
٩٣٩ - ( استاكوا وتنظفوا، وأوتروا فإن اللّه وتريحب الوتر) .
ضعيف . رواه ابن أبي شيبة (١/٦٣/١): وكيع قال : حدثنا سفيان عن موسى بن أبي
عائشة عن سليمان بن سعد مرفوعا .
قلت : وهذا سند ضعيف ، رجاله كلهم ثقات غير سليمان بن سعد وهو تابعي مجهول ،
أورده ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١١٨/١/٢) فقال:
((روي عن النبي ◌َّ لمه، مِرسل، روى عنه موسى بن أبي عائشة)).
قلت : ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلا ، وقد أخطأ بعض الضعفاء فسماه سليمان بن صرد ،
وأسنده ، لأن ابن صرد هذا صحابي ! وهو إسماعيل بن عمر والبجلي ، فقال: ثنا الحسن بن صالح
عن موسى بن أبي عائشة عن سليمان بن صَرَد مرفوعا به .
أخرجه الطبراني في «الأوسط)) (٢/٥٩/١ - زوائد المعجمين) وقال :
(( لا يروى عن سليمان إلا بهذا الإسناد )).
قلت : وهو ضعيف لأن البجلي هذا ضعفه غير واحد كما قال الذهبي في ((الضعفاء)).
وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٤٠/٢):
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه إسماعيل بن عمرو البجلي ، ضعفه أبو حاتم
والدارقطني ، وابن عدي ، ووثقه ابن حبان)) .
وإذا عرفت الفرق بين رواية ابن أبي شيبة والطبراني يتبين لك خطأ عزو السيوطي في
((الجامع)) الحديث الى المذكورين من رواية سليمان بن صُرد ، ثم خطأ رمزه له بالحسن ، وقد
فات الأمر الأول على المناوي فلم يتنبه له . وأما الآخر ، فقد تعقبه بقول الهيثمي الذي ذكرته
ثم قال :
(١) كذا، ولعل الصواب (( التلخيص)).
٣٤٤

((وبه يعرف ما في رمز المصنف لحسنه إلا أن يراد أنه حسن لغيره)).
وهذا الكلام يشعر بأن المناوي لم يطلع على سند الحديث عند ابن أبي شيبة فإنه عنده من غير
طريق البجلي ، ولكن ذلك لا يقوى حديثه بل يضعفه ؛ للمخالفة التي سبق بيانها .
٩٤٠ - ( إذا شربتم فاشربوا مَصاً ، وإذا استكتم فاستاكوا
عَرْضا ) .
ضعيف . رواه البيهقي (١ /٤٠) من طريق أبي داود في ((مراسيله)) عن هُثَيم عن محمد
ابن خالد القرشي عن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول اللّه ◌َ له.
قلت : وهذا سند ضعيف لإرساله ، وعنعنة هشيم ؛ فإنه مدلس ، وجهالة القرشي هذا ،
ومن ثم رمز له السيوطي بالضعف ، فأصاب ، وتعقبه المناوي بقوله فما أصاب :
((رمز لضعفه اغتراراً بقول ابن القطان: ((فيه محمد بن خالد لا يعرف)) وفاته أن الحافظ ابن
حجررده على ابن القطان بأن محمدا هذا وثقه ابن معين وابن حبان)) .
وهذا تعقب واه جاءه من التقليد والاستسلام لرد الحافظ ابن حجر دون تبصر، وهو في
كتابه ((التلخيص)) ( ص ٢٣) كما نقله المناوي ، وفاته أن الجواد قد يكبو، فإن توثيق ابن معينٍ
المذكور مما لم يذكره أحد، حتى ولا الحافظ نفسه في ((التهذيب))، فأخشى أن يكون وهماً
منه، ويؤيده أنه صرح في ((تقريب التهذيب)) أن القرشي هذا ((مجهول))، فوافق في ذلك قول
ابن القطان: ((لا يعرف)) وكذلك قال الذهبي في ((الميزان)) فمع اتفاق هؤلاء على تجهيله ،
هل يعقل أن يكون توثيقِ ابن معين له ثابتاً عنه ؟!
ثم لوسلمنا جدلاً ثبوت ذلك عنه ، فهل يسلم السند من العلتين الأولّتَيْن: التدليس
والإرسال ؟!
وبذلك يتبين أن لا وجه لذلك التعقب على السيوطي ، بل هو من تعصب المناوي عليه ،
عفا الله عنا وعنهم .
وروي في الاستياك عرضا حديث آخر ، وهو بلفظ :
٩٤١ - ( كان يستاك عرضاً ، ويشرب مصاً ، ويقول : هو
أهنا وأمراً وأبرأ ) .
ضعيف. رواه ابن حبان في ((المجروحين)) (١٩٩/١) والطبراني في ((المعجم الكبير))
(١٢٣/١/ ١ -٢) وابن شاهين في ((الخامس من الأفراد)) (٣١ - ٣٢) والبيهقي في
سننه )) (٤٠/١) وابن عساكر (٢/٦٣/٤) عن اليمان بن عدي ثنا ثُبَيْت بن كثير الضبي عن
يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن بهز مرفوعا . وقال ابن شاهين :
((حديث غريب الإسناد ، حسن المتن ، وبهز لا أعرف له نسباً ولا أعرف له غير هذا
الحديث)).
٣٤٥

قلت : وعلته ثبيت هذا وهو ضعيف ، كما قال الهيثمي (٢ / ١٠٠) بعد ما عزاه للطبراني
وحده. وتناقض فيه ابن حبان، فذكره في ((الثقات)) وذكره في ((الضعفاء)) أيضا . وقال:
(( منكر الحديث على قلته ؛ لا يجوز الاحتجاج به )) . وقال ابن عدي :
((غير معروف)). وقال الحافظ في ((التلخيص)) (ص ٢٣):
((وهو ضعيف ، واليمان بن عدي أضعف منه)).
قلت : وقد تابعه ضعيف مثله إلا أنه خالفه في إسناده ، وهو علي بن ربيعة القرشي المدني
فقال : عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن ربيعة بن أكثم به . فجعل ربيعة هذا
بدل (( بهز)) .
أخرجه أبوبكر الشافعي في ((الفوائد)) (٢/١١٠/١٠) والعقيلي في ((الضعفاء)) (٢٩٥)
والبيهقي ، وقال العقيلي :
(( ولا يصح ، علي بن ربيعة القرشي مجهول بالنقل ، حديثه غير محفوظ ، ولا يتابعه إلا
من هو دونه )).
قلت : يشير إلى ثُبيت بن كثير، والقرشي هذا قال ابن أبي حاتم (١٨٥/١/٣) عن أبيه:
((هو مثل يزيد بن عياض في الضعف )).
ويزيد هذا ضعيف الحديث ، منكر الحديث عند أبي حاتم ، وغيره يكذبه ، وقال الحافظ
في ((التلخيص)) (ص ٢٣) بعدما عزاه للعقيلي والبيهقي :
(( إسناده ضعيف جداً)» ثم ذكر الاختلاف الذي ذ کرته ، ثم قال عن ابن عبد البر :
((ربيعة قتل بخيبر فلم يدركه سعيد، وقال في ((التمهيد)): لا يصحان من جهة الإسناد)).
ولم يحرر المناوي القول في هذين الطريقين فظن أن أحدهما يقوي الآخر، فصرح أن الحديث
صار بذلك حسنا !
وفي الباب حديث آخر ، وهو :
٩٤٢ - (كان يستاك عرضا، ولا يستاك طولاً).
ضعيف جداً. رواه أبو نعيم في ((كتاب السواك)) من حديث عائشة مرفوعا .
قال الحافظ ( ٢٣ ):
((وفي إسناده عبد الله بن حكيم وهو متروك)). وقال ابن حبان (٢٧/٢):
((كان يضع الحديث على الثقات ، ويروي عن مالك والثوري ومسعر ما ليس من أحاديثهم)).
٩٤٣ - (كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ، ثم لا يعود ).
باطل موضوع. رواه البيهقي في (( الخلافيات)) من حديث محمد بن غالب ثنا أحمد بن
٣٤٦

محمد البرتي (١) : ثنا عبد اللّه بن عون الخراز (٢): ثنا مالك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر
مرفوعا .
قلت : وهذا سند ظاهره الجودة ، وقد اغتربه بعض الحنفية ، فقال الحافظ مغلطاي :
(( لا بأس بسنده)):
ولا أدري كيف يقول ذلك مثل هذا الحافظ مع اشتهار الحديث في ((الصحيحين)) و((السنن
الأربعة)) و((المسانيد)) عن مالك باسناده المذكور عن ابن عمر برفع اليدين في الركوع أيضا ،
لا سيما وقد نبه على ذلك مخرجه البيهقي وشيخه الحاكم فقالا :
((هذا باطل موضوع لا يجوز أن يذكر إلا على سبيل التعجب والقدح فيه ، فقد روينا
بالأسانيد الزاهرة عن مالك خلاف هذا)).
نقلت هذا وسند الحديث وقول مغلطاي من (( ما تمس إليه الحاجة لمن يطالع سنن ابن ماجه))
للشيخ محمد عبد الرشيد النعماني ( ص ٤٨ - ٤٩) ، وهو متعصب جداً للحنفية على أهل
الحديث ، ولا يعبأ بقواعدهم العلمية ، ومما يدلك على هذا تعقبه لقول الحافظين المذكورين
وحكمهما على الحديث بالبطلان ، فقال :
(( قلت : تضعيف الحديث لا يثبت بمجرد الحكم ، وإنما يثبت ببيان وجوه الطعن ، وحدين
ابن عمر هذا رجاله رجال الصحيح ، فما أرى له ضعفاً بعد ذلك ، اللهم إلا أن يكون الراوي
عن مالك مطعوناً ، لكن الأصل العدم ، فهذا الحديث عندي صحيح لا محالة)) !
قلت : هذا الكلام يدل على أحد شيئين : إما أن الرجل لا يعبأ بما هو مقرر عند المحدثين
من القواعد ، أو أنه جاهل بها ، وغالب الظن أنه الأول ، فمثله مما لا أظن يبلغ به الجهل إلى أن
لا يعلم تعريف الحديث الصحيح عندهم ، وهو (( ما رواه عدل ضابط عن مثله عن مثله إلى منتهاه
ولا يكون شاذاً ولا معلا))، وإذا كان الأمر كذلك فقوله (( ... لا يثبت بمجرد الحكم ... ))
جهل منه أو تجاهل بشرط من شروط الحديث الصحيح ، وهو عدم الشذوذ ، وقد أشار الحاكم
والبيهقي إلى أن الحديث لم يسلم من الشذوذ وذلك قولهما :
((فقد روينا بالأسانيد الزاهرة عن مالك خلاف هذا )).
قلت : فالحاكم والبيهقي لم يحكما على الحديث بالبطلان بمجرد الدعوى كما زعم
النعماني ، بل قرنا ذلك بالدليل لمن يريد أن يفهم ، وهو الشذوذ ، على أن هناك أدلة أخرى
تؤيد الحكم المذكور على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
ولولم يكن ثمة دليل على بطلان الحديث إلا وروده في كتاب الامام مالك ((الموطأ)) (٩٧/١)
على خلاف هذا اللفظ لكفى ، فكيف وقد رواه جمع كثير من المصنفين والرواة عن مالك
على خلافه ؟
(١) الأصل ( البراني) والصواب ما أثبته وهو بكسر الباء الموحدة وسكون الراء ثم مثناة فوقية نسبة إلى ( بِرت ) قرية بنواحي بغداد.
(٢) الاصل ( الخزار) والتصويب من (التقريب))
٣٤٧

فأخرجه البخاري (٢ / ١٧٤) وأبو عوانة في ((صحيحه)) (٩١/٢) والنسائي (١٤٠/١ و
١٦١ - ١٦٢) والدارمي (٢٨٥/١) والشافعي (رقم ١٩٩) والطحاوي في ((شرح المعاني))
(١٣١/١) وأحمد (٤٦٧٤ و٥٢٧٩ ) من طرق كثيرة عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن
عبد الله عن أبيه .
((أن رسول اللّه ◌َ ل كان يرفع يديه حذو منكبيه، إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع،
وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك)). الحديث والسياق للبخاري عنه .
والواقع أن الحديث بهذا اللفظ المخالف لهذا الحديث الباطل متواتر عن مالك رحمه الله .
فقد سرد ابن عبد البرأسماء من رواه عن مالك من الرواة فجاء عددهم نحو الثلاثين !
وقد وافقه جماعة من الثقات في روايته عن ابن شهاب به .
أخرجه البخاري (١٧٥/٢ و١٧٦) ومسلم (٦/٢ و٧) وأبو عوانة (٩٠/٢) وأبو داود
(١١٤/١) والترمذي (٣٥/٢) وابن ماجه (٢٨١/١) والطحاوي والدارقطني (ص ١٠٨)
وكذا الشافعي (١٩٨) وأحمد (٥٠٨١ و٤٥٤٠ و٦٣٤٥) من طرق كثيرة عن ابن شهاب به .
وتابع الزهري جابر وهو الجعفي قال :
(( رأيت سالم بن عبد الله رفع يديه حذاء منكبيه في الصلاة ثلاث مرات ، حين افتتح
الصلاة . وحين ركع ، وحين رفع رأسه ، قال جابر ، ! فسألت سالماً عن ذلك ؟ فقال سالم:
رأيت ابن عمر يفعل ذلك ، وقال ابن عمر: رأيت رسول اللّه حَ لم يفعل ذلك)).
رواه الطحاوي وأحمد ( ٥٠٥٤ )، والجعفي ضعيف . لكن سكت على الحديث الطحاوي
وكأن ذلك لطرقة .
وتابع سالماً نافع مولى ابن عمر
(( أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه . وإذا ركع رفع يديه ، وإذا قال :
سمع الله لمن حمده رفع يديه. وإذا قام من الركعتين رفع يديه. ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي حد له.
أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (١٧٦/٢) وفي ((رفع اليدين)) (ص ١٤ ) وأبو داود
(١١٨/١) والبيهقي (١٣٦/٢) عن عبيد اللّه عنه، ورواه مالك (٩٨/١ - ٩٩) عن نافع
به دون قوله ((واذا ركع رفع يديه )) ودون الرفع عند القيام ، ومن طريقه رواه الشافعي وأبو داود .
وتابعه أيوب عن نافع به المرفوع فقط ، دون الرفع عند القيام .
أخرجه البخاري في ((جزئه)) (١٧) والبيهقي (٢ / ٢٤ و٧٠) وأحمد ( ٥٧٦٢).
وتابعه صالح بن كيسان عن نافع به أخرجه أحمد ( ٦١٦٤ )
وتابع سالماً أيضا محارب بن دثار قال :
(( رأيت ابن عمر يرفع يديه كلما ركع ، وكلما رفع رأسه من الركوع . قال : فقلت له :
ما هذا ؟ قال : كان النبي ماتر إذا قام في الركعتين كبر ورفع يديه )» .
٣٤٨

أخرجه أحمد ( ٦٣٢٨ ) بإسناد صحيح .
إذا عرف هذا فهذه الروايات والطرق الصحيحة عن ابن عمر رضي الله عنه تدل على بطلان
هذا الحديث من وجوه :
الأول : ما أشار اليه الحاكم والبيهقي من مخالفة راويه عن مالك لجميع من رواه عنه من
الثقات على خلاف هذا الحديث وإثبات الرفع الذي نفاه ، لا سيما وقد بلغ عددهم مبلغ التواتر
كما سبق ، ومخالفة الفرد لأقل منهم بكثير يجعل حديثه شاذاً مردوداً عند أهل العلم ،
فكيف وهم جمع غفير ؟ !
الثاني : أن مالكا رحمه اللّه لوكان عنده علم بهذا الحديث المنسوب إليه لرواه في كتابه
((الموطأ)) وعمل به ، وكل من الأمرين منفي .
أما الأول ، فلما سبق بيانه أنه روى فيه الحديث المخالف له بسنده هذا .
والآخر أنه عمل بخلافه ، وقال بمشروعية الرفع بعد الرفع في تكبيرة الأحرام كما حكاه
عنه الترمذي في ((سننه)) (٣٧/٢) ولم يحك عنه خلافه ، ونقل الخطابي والقرطبي أنه آخر
قولي مالك وأصححها كما في ((الفتح)) (١٧٤/٢).
الثالث: أن ابن عمر رضي الله عنه كان يحافظ بعد وفاة النبي عَ له على الرفع المذكور
كما سبق ذلك عنه صريحاً، فلو كان هذا الحديث ثابتاً عنه لما رفع وهو منٍ أحرص أصحابه عد اله
على اتباعه ، كما هو معلوم ، كيف لا وقد صح عنه أنه كان إذا رأى رجلاً لا يرفع يديه إذاركع
وإذا رفع رماه بالحصى! أخرجه البخاري في ((رفع اليدين)) (ص ٨) وعبد الله بن الإمام
أحمد في ((مسائله عن أبيه)) والدارقطني (١٠٨) بسند صحيح عنه. (١)
الرابع : أن الذي روى هذا الحديث عن ابن عمر إنما هو سالم ابنه ، - فيما زعموا -
ومن الثابت عنه أنه كان يرفع يديه أيضا كما حكاه الترمذي أيضا عنه ، وسبق ذلك في بعض
الروايات عنه . فلوكان هذا الحديث مما رواه عن أبيه حقا لما خالفه أصلا ، كما هو ظاهر.
فدل ذلك كله على صحة قول الحاكم والبيهقي في الحديث : إنه باطل ، وأن قول
الشيخ النعماني: ((فهذا الحديث عندي صحيح لا محالة)) محال ! .
ومما سبق تعلم بطلان قول الشيخ المذكور عقب جملته المذكورة :
((وغاية ما يقال فيه: أن ابن عمر رأى النبي ◌َ لَّمِ حيناً يرفع. فأخبر عن تلك الحالة،
وأحيانا لا يرفع ، وأخبر عن تلك الحالة ، وليس في كل من حديثه ما يفيد الدوام والاستمرار على
شيء معين منهما ، ولفظ (( كان)) لا يفيد الدوام إلا على سبيل الغالب)).
قلت : وهذا الجمع بين الروايتين ، باطل أيضاً ، لأن الشرط في الجمع إنما هو ثبوت
الروايتين، أما وإحداهما صحيحه. والأخرى باطلة ، فلا يجوز الجمع حينئذ ، وكيف يعقل أن
الراوي الواحد يقول مرة : كان لا يرفع . وأخرى: كان يرفع، ولا يجمع هو نفسه بينهما في عبارة
( ١) واما ما رواه الطحاوي (١ /١٣٣) من طريق أبي بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد قال: (( صليت خلف ابن عمز
فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة ». فهوشاذ أيضا للخلاف المعروف في أبي بكر بن عياش .
٣٤٩

واحدة ولومرة واحدة ؟ هذا مما لا نعرف له مثيلاً في شيء من الأحاديث ! وإنما يقال مثل هذا
الجمع في روايتين صحيحتين عن صحابيين مختلفين ، مثل حديث ابن عمر هذا في الرفع
وحديث ابن مسعود بمعنى هذا الحديث الباطل عن ابن عمر.
فإن قال قائل : قد عرفنا بطلان هذا الحديث من الوجوه السابقة ، فممّن العلة فيه ؟ هل هي
من عبد الله بن عون الخراز الذي رواه عن مالك أم ممن دونه !
والجواب : أنه ليس في إسناده من يمكن الظن بأن الخطأ منه ، غير محمد بن غالب ،
وهو الملقب بـ ( تمتام ) ؛ فإنه وإن كان الدار قطني وثقه ، فقد قال :
(( إلا أنه يخطىء، وكان وهم في أحاديث)) . وقال ابن المناوي:
((كتب عنه الناس ، ثم رغب أكثرهم عنه لخصال شنيعة في الحديث وغيره )).
فالظاهر أنه هو الذي أخطأ في هذا الحديث ، ولعله من الأحاديث التي أشار إليها الدارقطني.
وأما شيخه البرتي فهو ثقة ثبت حجة كما قال الخطيب (٦١/٥)، وكذا شيخ هذا وهو
الخراز ثقة من رجال مسلم ، فانحصرت الشبهة في ( تمتام ) . والله أعلم .
٩٤٤ - ( نهى أن يبول الرجل وفرجه بادٍ إلى الشمس والقمر) .
باطل . رواه الحكيم الترمذي في ((كتاب المناهي)) عن عَبّاد بن كثير عن عثمان الأعرج
عن الحسن: حدثني سبعة رهط من أصحاب النبي ◌َّ لمِ منهم أبو هريرة، وجابر، وعبد الله
ابن عمرو، وعمران بن حصين ، ومعقل بن يسار، وعبد الله بن عمر ، وأنس بن مالك ، يزيد
بعضهم على بعض في الحديث أن النبي ◌َّ له نهى ...
قلت : فذكر حديثا طويلاً جداً في النواهي، ساقه في ((تنزيه الشريعة)) بتمامه في نحو
· خمس صفحات! (٣٩٧/٢ - ٤٠١)، وذكر الحافظ ابن حجر في كتابه ((التلخيص)) (٣٧)
قطعة من أوله ؛ هذا بعضه وقال :
(( وهو حديث باطل لا أصل له ، بل هو من اختلاق عبَّاد)) .
وتبعه السيوطي في ((ذيل الأحاديث الموضوعة)) (ص ١٩٩ ). ثم ابن عراق وقال :
((وذكر النووي في ((شرحه على المهذب)) من هذا الحديث النهي عن استقبال الشمس
والقمر، وقال : حديث باطل لا يعرف)).
قلت : ومن الغرائب أن يذكر هذا الحكم الوارد في هذا الحديث الباطل في بعض كتب
الحنابلة مثل ((المقنع)) لابن قدامة (٢٥/١ - ٢٦) و((منار السبيل)) لابن ضويان (١٩/١)،
وقال هذا معللاً :
((تكريماً لهما))! وفي حاشية الأول منهما :
((لأنه روي أن معهما ملائكة، وأن اسماء الله مكتوبة عليها)) !
قلت : وهذا التعليل مما لا أعرف له أصلاً في السنة ، وكم كنت أود أن لا يذكر مثل هذا
٣٥٠

الحكم وتعليله في مثل مذهب الإمام أحمد رحمه الله الذي هو أقرب المذاهب إلى السنة ، ولكن
ما كل ما يتمنى المرء يدركه ، فقد أصاب مذهبه من بعض أتباعه نحوما أصاب المذاهب الأخرى
من الملحقات والبدعات . ولذلك كان لزاماً على جميع الأتباع الرجوع إلى السنة الصحيحة ، وهذا
لا سبيل إليه إلا بدراسة هذا العلم الشريف ، ولعلهم يفعلون .
ومما يبطل هذا الحكم حديث أبي أيوب الأنصاري مرفوعاً :
(( لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط أوبول ، ولكن شرقوا أو غربوا )).
أخرجه الشيخان وأصحاب السنن وغيرهم ، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (رقم ٧).
وذلك أن قوله: ((ولكن شرقوا أو غربوا)) صريح في جواز استقبال القمرين واستدبارهما
إذ لا بد أن يكونا في الشرق أو الغرب غالباً .
ويبطله أيضا قوله مطلعٍ:
(( الشمس والقمر ثوران مكوران في الناريوم القيامة ))
أخرجه الطحاوي والبخاري مختصراً كما بينته في ((الأحاديث الصحيحة)) ( ١٢٣).
قلت : فهذا يبطل تعليل ابن ضويان ؛ فإن إلقاءهما في النار وإن لم يكن تعذيباً لهما ،
فليس من باب إكرامهما كما هو ظاهر لا يخفى !
٩٤٥ - (كان يصلي بعد العصر، وينهى عنها ، ويواصل وينهى
عن الوصال ) .
منكر. رواه أبو داود (١ /٢٠١ ) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء
عن ذكوان مولى عائشة أنها حدثته أن رسول اللّه مد له كان .... الحديث.
قلت : وهذا سند ضعيف رجاله ثقات كلهم ، لكن ابن اسحاق مدلس وقد عنعنه ، وقد
صح ما يعارض حديثه هذا، وهو ما أخرجه أحمد (٦ /١٢٥) عن المقدام بن شريح عن أبيه قال :
(( سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر؟ فقالت: صلَّ، إنما نهى رسول اللّه ◌َ لّمِ قومَك
أهل اليمن عن الصلاة إذا طلعت الشمس )) .
قلت : وسنده صحيح على شرط مسلم ،
ووجه المعارضة واضح منه، وهو قولها ((صَلِّ)) فلوكان عندها علم بالنهي الذي رواه ابن
اسحاق عنها لما أفتت بخلافه إن شاء الله تعالى، بل لقد ثبت عنها أنها كانت تصلي بعد صلاة
العصرركعتين . أخرجه البخاري (٨٢/٣) ومسلم (٢١٠/٢).
فهذا كله يدل على خطأ حديث ابن اسحاق ونكارته .
وهذا من جهة الصلاة ، وأما من حيث الوصال . فالنهي عنه صحيح ثابت في الصحيحين
وغيرهما عن غير واحد من أصحاب النبي مَ اه .
ثم إن الحديث يخالف من جهة ثانية حديث أم سلمة المشار إليه ، فإن فيه :
٣٥١

((فقالت: أم سلمة، سمعت رسول اللّه ◌َ له ينهى عنهما، ( تعني الركعتين بعد العصر)
ثم رأيته يصليهما . أما حين صلاهما فإنه صلى العصر، ثم دخل وعندي نسوة من بني حرام من
الأنصار فصلاهما ، فأرسلت إليه الجارية ، فقلت : قومي بجنبه فقولي له : تقول أم سلمة :
يا رسول الله إني أسمعك تنهى عن هاتين الركعتين ، وأراك تصليهما. فإن أشاربيده ، فاستأخري
عنه ، قال : ففعلت الجارية، فأشاربيده، فاستأخَرَتْ عنه ، فلما انصرف ، قال : يا بنت أبي
أمية ! سألت عن الركعتين بعد العصر ؛ إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم فشغلوني
عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان )) .
ووجه المخالفة هو أن النهي عن الصلاة بعد العصر في الحديث متأخر عن صلاته عَ لّم بعدها ،
وفي حديث أم سلمة أن النهي متقدم وصلاته بعده متأخر ، وهذا مما لا يفسح المجال لادعاء
نسخ صلاة الركعتين بعد العصر، بل إن صلاته مَ له إياهما دليل على تخصيص النهي السابق
بغيرهما. فالحديث دليل واضح على مشروعية قضاء الفائتة لعذر، ولو كانت نافلة بعد العصر. وهو
أرجح المذاهب ، كما هو مذكور في المبسوطات .
والحديث سكت عليه الحافظ في ((الفتح)) (٥١/٢) وتبعه الصنعاني في ((سبل السلام))
(١٧١/١) ثم الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (٢٤/٣) وسكوتهم الموهم صحته هو الذي حملني
على تحرير القول فيه ، والكشف عن علته . والله الموفق .
ثم رأيت ابن حزم ذكره (٢ /٢٦٥) من طريق أبي داود ولم يضعفه ، بل صنيعه يشعر
بصحته عنده ، فإنه أجاب عنه (٢ /٢٦٨) بما يتعلق به من جهة دلالته ووفق بينه وبين ما يعارضه
من جواز الركعتين بعد العصر عنده ، ولوكان ضعيفا لضعفه وما قصر ، ولكنه قد قصر !
ورأيت أبا الطيب الشهير بشمس الحق العظيم آبادي قد تنبه في كتابه («إعلام أهل العصر،
بأحكام ركعتي الفجر)) (ص ٥٥) لعلة أخرى في الحديث فقال:
((وهذا معارض بما أخرجه مسلم والنسائي وغيرهما عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن
عائشة أنها قالت: وهم عمر، إنما نهى رسول اللّه عَ لم أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها. فإنما
مفاد كلامها في رواية ذكوان ( يعني في حديث ابن اسحاق) أن النبي مَ المه نهى عن الصلاة
بعد العصر، ومفاد كلامها في رواية طاوس أن النهي يتعلق بطلوع الشمس وغروبها ، لا بفعل
صلاة الفجر والعصر)).
قلت : وهذه معارضة أخرى تضاف إلى المعارضتين السابقتين ، وهي مما تزيد الحديث
ضعفا على ضعف .
٩٤٦ - ( قدم عليّ مال فشغلني عن الركعتين كنت أركعهما
بعد الظهر ، فصليتهما الآن . فقلت : يا رسول اللّه أفنقضيهما إذا فاتتا ؟
قال : لا ) .
٣٥٢

منكر. رواه أحمد (٣١٥/٦) الطحاوي (١٨٠/١) وابن حبان في ((صحيحه)) (٦٢٣)
عن يزيد بن هارون قال : أنا حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن ذكوان عن أم سلمة قالت :
((صلى رسول اللّه ◌َ له العصر، ثم دخل بيتي فصلى ركعتين، فقلت: يا رسول الله صليت
صلاة لم تكن تصليها ؟ فقال : فذكره .
وهذا سند ظاهره الصحة، ولكنه معلول، فقال ابن حزم فى ((المحلى)) (٢/ ٢٧١):
(( حديث منكر ، لأنه ليس هو في كتب حماد بن سلمة ، وأيضا فإنه منقطع لم يسمعه
ذكوان من أم سلمة ، برهان ذلك أن أبا الوليد الطيالسي روى هذا الخبر عن حماد بن سلمة عن
الأزرق بن قيس عن ذكوان عن عائشة عن أم سلمة ((أن النبي ◌ُّ للم صلى في بيتها ركعتين بعد
العصر فقلت : ما هاتان الركعتان ؟ قال : كنت أصليهما بعد الظهر، وجاءني مال فشغلني ،
فصليتهما الآن))، فهذه هي الرواية المتصلة، وليس فيها: ((أَفَنَقْضيهما نحن؟ قال: لا))
فصح أن هذه الزيادة لم يسمعها ذكوان من أم سلمة ، ولا ندري عمن أخذها ، فسقطت)) .
قلت : ورواية أبي الوليد الطيالسي التي علقها ابن حزم وصلها الطحاوي ( ١ /١٧٨ ).
وتابع أبا الوليد عبد الملك بن إبراهيم الجُدِّي : ثنا حماد بن سلمة به دون الزيادة .
أخرجه البيهقي (٢ /٤٥٧). ونقل الحافظ في ((التلخيص)) (٧٠) عنه أنه ضعف الحديث
بهذه الزيادة، ونص كلام البيهقي وهو في كتابه ((المعرفة)) كما نقله صاحب ((إعلام أهل
العصر )) ( ص ٥٥ ) :
(( ومعلوم عند أهل العلم بالحديث أن هذا الحديث يرويه حماد بن سلمة عن الأزرق بن
قيس عن ذكوان عن عائشة عن أم سلمة دون هذه الزيادة ، فذكوان إنما حمل الحديث عن
عائشة، وعائشة حملته عن أم سلمة، ثم كانت ترويه مرة عنها عن النبي عَ لّهِ، وترسله أخرى،
وكانت ترى مداومة النبي عَ لم عليهما، وكانت تحكي عن النبي عَ ل أنه أثبتهما، قالت:
((وكان إذا صلى صلاة أثبتها))، وقالت ((ما ترك رسول اللّه ◌َ له ركعتين عندي بعد العصر قط))،
وكانت تروي أنه ((كان يصليهما في بيوت نسائه ولا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على
أمته ، وكان يحب ما خفف عنهم)) فهذه الأخبار تشير إلى اختصاصه بإثباتهما ، لا إلى أصل
القضاء. هذا وطاوس يروي أنها قالت: ((وهم عمر، إنما نهى رسول اللّه ◌َ لِ أن يتحرى
طلوع الشمس وغروبها)). وكأنها لما رأت رسول اللّه عَّ الم أثبتهما بعد العصر ذهبت في النهي هذا
المذهب ، ولو كان عندها ما يروون عنها في رواية ذكوان وغيره من الزيادة في حديث القضاء
لما وقع هذا الاشتباه ، فدل على خطإ تلك اللفظة . وقد روي عن محمد بن عمروبن عطاء عن
ذكوان عن عائشة ((أن رسول اللّه ◌َ الله كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل، وينهى
عن الوصال)). وهذا يرجع إلى استدامته لهما لا أصل القضاء)).
قلت : والتأويل فرع التصحيح ، وحديث محمد بن عمرو هذا لا يصح إسناده كما تقدم
بيانه فى الحديث الذي قبله ، فتنبه .
٣٥٣

٩٤٧ - ( استقبلوا بمقعدتي القبلة ) .
منكر. أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٤٣/١/٢) وابن ماجه (١٣٦/١)
والطحاوي (٣٣٦/٢) والدارقطني (٢٢) والطبالسي (٤٦/١ - من ترتيبه) وأحمد
(١٣٧/٦ و٢١٩) وابن عساكر (١/٥٣٧/٥) من طريق موسى ووكيع وبهز ويحيى بن إسحاق
وأسد بن موسى خمستهم عن حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك
ابن مالك عن ( وقال موسى : سمعت ) عائشة قالت :
((ذكر عند رسول اللّه ◌َّله قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة. فقال: أراهم قد.
فعلوها ؟! (وفي لفظ: أوقد فعلوها؟! ) استقبلوا .. )) الحديث.
قلت : وهذا سند ضعيف ، وفيه علل كثيرة :
: الاختلاف على حماد بن سلمة .
الأولى
: الاختلاف على خالد الحذاء ، وهو ابن مهران .
الثانية
: جهالة خالد بن أبي الصلت .
الثالثة
: مخالفته للثقة .
الرابعة
الخامسة : الانقطاع بين عراك وعائشة .
السادسة : النكارة في المتن .
العلة الأولى الاختلاف على حماد بن سلمة ، فرواه الخمسة الذين سميناهم عنه عن خالد
الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك عنها ، وخالفهم أبو كامل ، واسمه الفضيل بن حسين
فقال : ثنا حماد عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت أن عراك بن مالك حدث عن عمر
ابن عبد العزيز أن عائشة قالت ... الحديث فأدخل بين عراك وعائشة عمر بن عبد العزيز.
أخرجه أحمد ( ٢٢٧/٦) .
وخالفهم يزيد بن هارون ، فقال : أنا حماد عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت
قال : كنا عند عمر بن عبد العزيز، فذكروا الرجل يجلس على الخلاء فيستقبل القبلة ، فكرهوا
ذلك ، فحدث عن عراك بن مالك عن عائشة . فجعل عمر بن عبد العزيز بين ابن أبي الصلت
وعراك .
أخرجه أحمد (٢٣٩/٦): ثنا يزيد به .
وخالفه علي بن شيبة فقال : ثنا يزيد بن هارون ... فساق سنده مثل رواية الخمسة عن
حماد إلا أنه زاد في الإسناد فقال: ((فحدث عراك عن عروة بن الزبير عنها . فأدخل بينه وبينها
عروة بن الزبير !
أخرجه الطحاوي (٣٣٦/٢).
قلت : فهذا اختلاف شديد على حماد ، ولعل الأرجح الوجه الأول ؛ لاتفاق الجماعة
عليه ، مع احتمال ان يكون حماد نفسه مصدر الاختلاف ، فقد كان يخطىء أحيانا .
٣٥٤

الثانية : وهي الاختلاف على خالد الحذاء ، فهو على وجوه :
الأول : قال أبو عوانة ويحيى بن مطر والقاسم بن مطيب ثلاثتهم عن خالد الحذاء عن
عراك بن مالك عن عائشة .
أخرجه الدارقطني .
الثاني : عن عبد الوهاب الثقفي عن خالد عن رجل عن عراك عنها . فزاد رجلاً بين
الحذاء وعراك .
أخرجه أحمد (١٨٣/٦) والدارقطني .
وتابعه وهيب عن خالد به .
رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٤٣/١/٢).
الثالث : عن علي بن عاصم : ثنا خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت قال :
كنت عند غمر بن عبد العزيز في خلافته وعنده عراك بن مالك ، فقال عمر : ما استقبلت
القبلة ولا استدبرتها ببول ولا غائط منذ كذا وكذا . فقال عراك : حدثَتْني عائشة ...
أخرجه الدارقطني وأحمد (١٨٤/٦) والبيهقي (١ /٩٢ - ٩٣) وقال:
(( تابعه حماد بن سلمة عن خالد الحذاء في إقامة إسناده)) .
قلت : يعني رواية حماد المتقدمة من رواية الجماعة عنه ، وإلا فقد اختلفوا عليه كما سبق
بيانه ، وقال الدارقطني :
(( هذا أضبط إسناد ، وزاد فيه خالد بن أبي الصلت ، وهو الصواب)).
قلت : وتابعه عبد العزيز بن المغيرة عن خالد الحذاء به . لكنه لم يصرح بسماع عراك من
عائشة .
أخرجه أبو الحسن القطان في ((زياداته على ابن ماجه)) (١٣٦/١ ).
قلت : وهذا الوجه من الاختلاف على خالد الحذاء أرجح لاتفاق علي بن عاصم - على
ضعف فيه لسوء حفظه- وعبد العزيز بن المغيرة عليه، ومتابعة حماد بن سلمة لهما في رواية
الجماعة عنه كما تقدم .
فهذا الاضطراب في إسناد الحديث وإن كان من الممكن ترجيح الوجه الاخير منه كما
ذكرنا ، فإنه لشدته لا يزال يبقى في النفس منه شيء. وعلى التسليم بهذا الترجيح يظهر فيه
علة أخرى وهي :
الثالثة : جهالة خالد بن أبي الصلت ، وذلك أنه لم يكن مشهوراً بالعدالة ، ولا معروفاً
بالضبط ، عند علماء الجرح والتعديل، فأورده ابن أبي حاتم (٣٣٦/١ - ٣٣٧) ولم يذكر
فيه جرحاً ولا تعديلاً ، بل صرح الامام أحمد بجهالته فقال :
((ليس معروفاً)). وقال عبد الحق الإشبيلي: ((ضعيف)). ولعله يعني بسبب جهالته.
وقال الذهبي في (( الميزان )) وقد ساق له هذا الحديث :
٣٥٥

(( لا يكاد يعرف ، تفرد عنه خالد الحذاء ، وهذا حديث منكر ، وذكره ابن حبان في
((الثقات))، وما علمت أحداً تعرض إلى لينه، ولكن الخبر منكر)).
قلت: ولعل الذهبي أراد بقوله: ((وما علمت ... )) يعني من القدامى، وإلا فقد
ضعفه عبد الحق كما سبق . وأما توثيق ابن حبان إياه ، فمما لا يقام له وزن- وإن اغتر به بعض
المتقدمين والمعاصرين كما يأتي - لما عرف أنه متساهل في التوثيق، وقد بينت ذلك في ((الرد على
التعقيب الحثيث))، وهذا إذا تفرد بالتوثيق ولم يخالف ، فكيف إذا خالف ؟ . وقال ابن حزم
في ((المحلى)) (١٩٦/١):
((حديث ساقط، وخالد بن أبي الصلت مجهول لا يدرى من هو؟)). وفي ((التهذيب)):
((وتعقب ابن مُفوّز كلام ابن حزم فقال : هو مشهور بالرواية ، معروف ، بحمل العلم ،
ولكن حديثه معلول )) .
قلت : وهذا القدر من الوصف لا يقتضي أن يكون الموصوف ثقة ضابطاً إلا عند بعض
المتساهلين ، فكم من المعروفين بحمل العلم والرواية لا يحتج بهم إما للجهالة بضبطهم وحفظهم ،
أو لظهور ضعفهم ، ولذلك نجد الحافظ ابن حجر الذي من كتابه ((التهذيب)) نقلت التعقب
المذكور لم يتبنَّ ؛ فلم يوثقه في (( التقريب )) بل قال فيه :
((مقبول)). أي عند المتابعة ، وإلا فلين الحديث ، كما نص عليه في المقدمة .
إذا عرفت ذلك ، فمن كان حاله ما ذكرنا من الجهالة فحري بحديثه أن لا يحتج به ،
وهذا إذا لم يخالف الثقات ، فكيف مع المخالفة ؟! وهذه علة أخرى وهي :
الرابعة : مخالفة ابن أبي الصلت للثقة ، وهو جعفر بن ربيعة ، فقد رواه عن عراك
عن عروة عن عائشة أنها كانت تنكر قولهم ، لا تستقبل القبلة .
أخرجه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (١٤٣/١/٢) وابن أبي حاتم في ((العلل
(٢٩/١) وابن عساكر (١/٢٣٧/٥). وقال البخاري:
((وهذا أصح )) . وكذا قال ابن عساكر. وقال ابن أبي حاتم :
((سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت ...
( قلت : فذكره ، ثم قال: ) قال أبي : فلم أزل أقفو أثر هذا الحديث ، حتى كتبت بمصر
عن ... جعفربن ربيعة عن عراك بن مالك عن عروة عن عائشة موقوف، وهذا أشبه )).
قلت : ولا يشك حديثي أن ترجيح هؤلاء الأئمة الثلاثة وقف الحديث هو الصواب ؛ ذلك
لأن الذي أوقفه إنما هو جعفربن عراك، وهو ثقة اتفاقا ، وقد احتج به الشيخان ، بينما الذي خالفه
وهو خالد بن أبي الصلت لم يوثقه أحد من الأئمة المعروفين والموثوق بتوثيقهم ، ولو سلمنا جدلاً
أن توثيق ابن حبان المتقدم مما يُعتد به فهل من المعقول أن ترجح رواية من وثقه هو وحده ، وجهله
آخرون على رواية من وثقه الجماعة من الأئمة ، واحتج به الشيخان ؟ !
٣٥٦

وإذا تبين لك ما ذكرنا تعرف سقوط تعقب البوصيري للإمام البخاري بقوله في
((الزوائد )) ( ق ١/٢٥ ) :
((وهذا الذي علل به البخاري ليس بقادح، فالإسناد الأول حسن (١) . رجاله ثقات
معروفون ، وقد أخطأ من زعم أن خالد بن أبي الصلت مجهول . وأقوى ما أعل به هذا الخبر
أن عِراكاً لم يسمع من عائشة ، نقلوه عن الإمام أحمد ، وقد ثبت سماعه منها عند مسلم )).
قلت : والجواب على هذا من وجوه :
الأول : أن المخالفة التي أعل البخاري الحديث بها لم يجب عنها البوصيري بشيء عنها
أصلا، إلا مجرد الدعوى ((ليس بقادح))! مع أنه ساق كلامه للرد عليه ، فانصرف عنه إلى
الرد على غيره ! وذلك دليل على ضعف رده وسلامة الحجة عند المردود عليه !
الثاني : أن رجال الإسناد كلهم ثقات رجال مسلم غير ابن أبي الصلت فإن كان ثقة
فلماذا اقتصر البوصيري على تحسين الإسناد ولم يصححه ؟! أليس في هذا وحده ما يدل على أن
في ابن أبي الصلت شيئاً يمنع حتى الموثقين له من تصحيح حديثه ! فما هو هذا الشيء ؟ ليس
هوالا عدم الاطمئنان لتوثيق ابن حبان ، وإن تظاهروا بالاعتداد بتوثيقه !
الثالث : جزمه بخطإ من جهل ابن أبي الصلت ، مردود عليه بما سبق بيانه في العلة
( الثالثة ) ، فأغنى عن الإعادة .
الرابع : دعواه أن الانقطاع الذي ذكره هو أقوى ما أعل به الحديث ، ليس مسلما
عندي ، بل الأقوى هو المخالفة التي لم يستطع الإجابة عنها ، ثم الجهالة .
الخامس: أن ردَّه للانقطاع بقوله: ((ثبت سماعه منها عند مسلم))، خطأ مبني على
خطأ ، وذلك لأنه ليس عند مسلم ما زعمه من سماع عراك من عائشة ، وما علمت أحداً سبقه
إلى هذا الزعم، وإنما ذكر الشيخ ابن دقيق العيد أن مسلماً أخرج في ((صحيحه)) حديث عراك
عن عائشة: ((جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها .. )) الحديث (٢). نقله الزيلعي في ((نصب
الراية)) (١٠٧/٢)، وليس فيه السماع المدعى كما ترى.
السادس : أنه لو فرضنا أن ◌ِراكاً سمع من عائشة بعض الأحاديث ، فلا يلزم من ذلك
أنه سمع منها كل حديث يروى من طريقه عنها ؛ لاحتمال عدم ثبوت السند بذلك عنه ، كما
هو الشأن في هذا الحديث ، وهذه علة أخرى فيه وهي :
الخامسة : الانقطاع بين عراك وعائشة . والدليل على ذلك مجموع أمرين :
١ - أن أكثر الروايات التي سبق ذكرها لم يقع فيها تصريح عراك بالسماع من عائشة .
(١) سبفه إلى تحسينه النووي. ثم تبعهما الصنعاني في ((سبل السلام)) (١١٦/١) وفي ((العدة شرح العمدة)) (١/ ١٣١)
أيضا لكنه عقب ذلك بقوله (( إلا أنه أشار البخاري في تاريخه إلى أن فيه علة)).
(٢) وهو في مسلم (٣٨/٨) وتمامه « فأطعمتُها ثلاث تمرات، فأعطت كل واحدة منها تمرة ، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها .
فاستطعمتها ابنتاها التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما، فأعجبني شأنها فذكرت الذي صنعت لرسول اللّه ◌َّ ◌َّمه فقالت: إن
الله قد أوجب لها بها الجنة، أوأعتقها بها من النار)).
٣٥٧

وإنما وقع في رواية علي بن عاصم وهو ضعيف الحفظ كما سبق ، وقول الشيخ أحمد شاكر في
تعليقه على ((المحلى)) (١٩٧/١/: ((وقد تابعه على ذلك حماد بن سلمة فارتفعت شبهة الغلط))،
ليس مسلماً ؛ لأن هذه المتابعة مشكوك في ثبوتها ؛ فإن كل من رواه عن حماد لم يصرح بالسماع
سوى موسى وهو ابن إسماعيل الَّبوذكي، وأما الثقات الآخرون فرووه معنعناً ، وهم وكيع
ابن الجراح ، وبهز بن أسد، ويحيى بن إسحاق ، وأسد بن موسى ، ويزيد بن هارون في رواية
عنه، وعبد العزيز بن المغيرة؛ كلهم قالوا: ((عن عائشة)) وروايتهم أرجح من رواية الفرد ولو كان
ثقة ، مع أنه يمكن أن تكون المخالفة ليست منه بل من حماد نفسه ، لما سبق ذكره من أنه
كان يخطيء أحياناً ، فكان في الغالب يرويه معنعناً ، فحفظ ذلك منه الجماعة ، ونادراً يرويه
بالسماع فحفظ ذلك منه موسى ، وهذا اضطراب من حماد نفسه ، كما كان يضطرب في
إسناده على ما سبق بيانه .
ومما يرجح رواية العنعنة ، رواية جماعة آخرين لها مثل أبي عوانة ويحيى بن مطر والقاسم
ابن مطيب وعبد الوهاب الثقفي ووهيب عن خالد الحذاء على خلاف بينهم وبين الجماعة الأولى
كلهم أجمعوا على روايته بالعنعنة .
فهؤلاء عشرة أشخاص وزيادة رووه بالعنعنة فلا يشك كل من وقف عليها أنها هي الصواب ،
وأن رواية السماع منكرة أوشاذة ، وقد صرح بهذا الامام أحمد فقال إبراهيم بن الحارث :
((أنكر أحمد قول من قال : عن عراك سمعت عائشة، وقال: عراك من أين سمع من
عائشة)) . وقال أبو طالب عن أحمد :
(( إنما هو عراك عن عروة عن عائشة ، ولم يسمع عراك منها)) وذكرابن أبي حاتم في
((المراسيل)) (ص ١٠٣ - ١٠٤ - طبع بغداد) بعد أن ساق الحديث أن الإمام أحمد قال:
(( مرسل ، عراك بن مالك من أين سمع عن عائشة ، إنما بروي عن عروة؛ هذا خطأ .
ثم قال : من يروي هذا؟ قلت : حماد بن سلمة عن خالد الحذاء ، فقال : قال غير واحد : عن
خالد الحذاء ليس فيه سمعت وقال غير واحد أيضا عن حماد بن سلمة ليس فيه سمعت )).
فقد أشار الإمام أحمد رحمه اللّه إلى أن ذكر السماع غير محفوظ عن حماد من جهة ، ولا
عن خالد الحذاء من جهة أخرى . وذلك ما فصلناه آنفا .
ولو أن الذين خالفوا الإمام أحمد ورجحوا رواية السماع تأملوا في كلامه ثم تتبعوا الروايات
التي ذكرناها لما أقدموا إن شاء اللّه على مخالفته ؛ لأن الحجة الواضحة معه. ولكنه رحمه الله
اكتفى بالاشارة إليها ، وقد فصلناه لك تفصيلا لا يدع مجالا للشك في خطإ المخالفين . وقال
موسى بن هارون :
(( لا نعلم لعراك سماعاً من عائشة)).
وليس من السهل في نظر الباحث المحقق تخطئة هذين الإمامين ، كما فعل المعلق على
((المحلى))، ومن قبله البوصيري بمجرد ذكر السماع في بعض الروايات مع شذوذها، ثم هي
٣٥٨

كلها مدارها على خالد بن أبي الصلت الذي لا دليل عندنا على ثقته وضبطه كما سبق ، وما يدرينا
ولعل هذا الاختلاف عنه في السماع والعنعنة إنما هو منه ، وذلك دليل على تردده وعدم
حفظه . ويؤيد هذا ما يأتي ، وهو :
الأمر الثاني : أن جعفر بن ربيعة قد خالف خالد بن أبي الصلت ، فأدخل بين عراك وعائشة
عروة ، كما تقدم . وهذا أرجح من وجهين :
أولا : أن جعفر بن أبي ربيعة أوثق من ابن أبي الصلت كما تقدم بيانه .
ثانيا : أن روايته موافقة لبعض الروايات عن خالد وهي رواية يزيد بن هارون عن حماد
ابن سلمة عن خالد الحذاء عن خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عروة بن الزبير عنها .
أخرجه الطحاوي كما تقدم . فهذا يؤكد وهم ابن أبي الصلت أو بعض من دونه في ذكر
السماع من عراك لعائشة .
وقد خالف جعفر خالداً في موضع آخر من السند وهو أنه أوقفه ولم يذكر فيه رسول اللّه مَ لهم ،
وقد سبق بيان ذلك في العلة ( الرابعة ) .
العلة السادسة : النكارة
وقد بقي الكلام على العلة الاخيرة وهي السادسة ، وهي النكارة في المتن ، وبيان ذلك
في ما يأتي :
مِنْ المعلوم أن النبي ◌َِّ كان نهى أصحابه عن استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط
نهياً عاماً لم يقيده بالصحراء ، فاذا روي في حديث ما كهذا الذي نحن في صدد الكلام عليه
أن الصحابة كرهوا استقبال القبلة، فما يكون ذلك منهم إلا اتباعاً لرسول اللّه عَ لَّه اتباعاً يستحقون
عليه الأجر والمثوبة ، لأنهم على أقل الدرجات مجتهدون مخطئون مأجورون أجراً واحداً ، وسبب
خطئهم عملهم بالنص على عمومه ، أو عملهم بالمنسوخ الذي لم يعرفوا نسخهٍ ، وأي الأمرين ..
فرض، فلا يعقل أن ينكر النبي عَ ليه على أصحابه طاعتهم إياه فيما كان نهاهم عنه قبل أن يبلغهم
النص المخصص أو الناسخ ، كيف وهو المعروف بتلطفه مع أصحابه في تأديبهم وتعليمهم ،
كما يدل على ذلك سيرته الشريفة معهم ، كحديث الأعرابي الذي بال في المسجد ، وحديث
معاوية بن الحكم السلمي الذي تكلم في الصلاة جاهلا وغير ذلك مما هو معروف ، فلم ينكر
رسول اللّه عَ ل عليهم إنكاراً شديدا مع أنهم فعلوا أشياء لم يسبق أن جوزها لهم رسول الله حد له ،
وأما في هذا الحديث فهو ينكر عليهم أشد الإنكار عملهم، وما هو ؟ كراهيتهم لاستقبال القبلة ،
التي كانوا تلقوها عنه عَ له، فهل يتفق هذا الإنكار مع هديه عَ لَّه في التلطف في الإنكار؟ كلا ثم
كلا، بل لو أراد ◌َ الله أن يبدل شيئاً من الحكم السابق أو أن ينسخه من أصله لقال لهم كما قال
في أمثاله :
(( كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها ، وكنت نهيتكم عن الانتباذ في الأوعية
فانتبذوا ، وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي ألا فادخروا)).
أخرجه مسلم وغيره وهو مخرج في ((الصحيحة)) (٢٠٤٨).
٣٥٩

فلو أن قوماً من أصحاب النبي عَ لِ استمروا على العمل بهذا النهي لعدم بلوغ الرخصة
إليهم ، أفكان ينكر ◌َ الله عليهم أم يكتفي بتعليمهم ؟ لاشك أن الجواب إنما هو تعليمهم فقط ،
فكذلك الأمر في كراهة الاستقبال ، كان يكتفي معهم بتعليمهم ، وأما أن ينكر عليهم بقوله
((أوقد فعلوها)) فانه شيء ثقيل لا أكاد أتخيل صدوره منه مَ له، وقد أراحنا الله تعالى من التصديق
به بعد أن علمنا عدم ثبوته بالطريق التي أقام الحجة بها على عباده في تعريفهم بتفاصيل شريعته ،
وأعني الإسناد .
واعلم أن كلامنا هذا إنما هو قائم على أساس ما ذهب إليه بعض العلماء من الاستدلال
بالحديث على نسخ النهي عن استقبال القبلة . وأما على افتراض أنه كان قبل النهي عن استقبال
القبلة فلا يرد الإستنكار المذكور، وعليه حمل ابن حزم الحديث على فرض صحته فقال
(١٩٧/١ - ١٩٨ ) :
(( ثم لوصح لما كان لهم فيه حجة ، لأن نصه يبين أنه إنما كان قبل النهي ، لأن من الباطل
المحال أن يكون رسول اللّه ◌َ الله ينهاهم عن استقبال القبلة بالبول والغائط، ثم ينكر عليهم طاعته
في ذلك ، هذا ما لا يظنه مسلم ولا ذو عقل ، وفي هذا الخبر إنكار ذلك عليهم ، فلوصح لكان
منسوخا بلا شك)).
قلت : لكن يرد على هذا الافتراض أنه يبعد أن يكره الصحابة شيئاً دون توقيف من رسول
اللّه ◌َ ◌ّه لهم، وافتراض ثبوت ذلك عنهم فيه إساءة الظن بهم وأنهم يشرعون بآرائهم ، وهذا
ما لا يجوز أن نظنه بهم ، ولذلك فالحديث كيف ما أول فهو منكر عندي ، والله أعلم .
٩٤٨ - (إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق ، وإنما يكفيك أن
تمسحه بخرقة ، أو إِذْخِرة . [ يعني المني ]).
منكر مرفوعا. رواه الدارقطني (٤٦) والبيهقي (٢ /٤١٨) من طريق إسحاق بن يوسف
الأزرق : نا شريك عن محمد بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عباس قال :
((سئل النبي ◌َّ لمه عن المني يصيب الثوب؟ قال:)) فذكره. وقال الدارقطني:
(( لم يروه غير إسحاق الأزرق عن شريك ( يعني مرفوعا)، محمد بن عبد الرحمن هو ابن
أبي ليلى ثقة في حفظه شيء )). وقال البيهقي :
(( ورواه وكيع عن ابن أبي ليلى موقوفا على ابن عباس، وهو الصحيح)).
قلت : وهذا وصله الدارقطني : حدثنا محمد بن مخلد : نا الحسّاني : نا وكيع به .
ويرجح هذا أنه ورد موقوفا من طريقين آخرين عن عطاء ، فقال الشافعي في ((سننه))
(٢٤/١) : أخبرنا سفيان عن عمروبن ديناروابن جريج كلاهما يخبره عن عطاء عن ابن عباس
رضي الله عنه أنه قال في المني يصيب الثوب ، قال :
٣٩٠