Indexed OCR Text
Pages 301-320
ذكره للتقوية ، وبه يصير حسناً لغيره )) ! قلت: بل لا يزال الحديث واهياً، لأن البخاري رواه في ((الضعفاء)) من هذا الوجه كما في ((الميزان))، فلا أدري كيف غفل المناوي عن هذا ؟ ولئن كان علم ذلك وحسنه ؛ فالأمر أدهى وأمر، لأن إخراج البخاري للطريق الواهي لا سيما في ((الضعفاء)) لا يقويه كما هو بدهي . ٨٩٨ - (كل معروف صدقة ، وما أنفق الرجل في نفسه وأهله كتب له صدقة ، وما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة ، وما أنفق المؤمن من نفقة فإن خلفها على اللّه ، فالله ضامن إلا ما كان في بنيان ، أو معصية . فقلت لمحمد بن المنكدر: وما وقى به الرجل عرضه ؟ قال : ما يعطي الشاعر وذا اللسان المتّقى ) . ضعيف. أخرجه عبد بن حميد في ((المنتخب من المسند)) (٢/١١٧) وابن عدي (٢٤٩ / ٢) والدارقطني (ص ٣٠٠) والحاكم (٥٠/٢) والبغوي في ((شرح السنة)) (١/١٨٨/١) والثعلبي في ((تفسيره)) (١/١٤٥/٣) من طرق عن عبد الحميد بن الحسن الهلالي : ثنا محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعا . وقال الحاكم : ((صحيح الإسناد)) . ورده الذهبي بقوله : (( قلت : عبد الحميد ضعفه الجمهور)). قلت : لأنه كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد ، كما قال ابن حبان (١٣٥/٢ - ١٣٦)، وقال الساجي : ((ضعيف يحدث بمناكير)). قلت : فهذا جرح مفسر، فهو مقدم على توثیق ابن معین له ، مع تفرده به . ونقل المناوي عن الذهبي أنه قال في ((الميزان)): (( غريب جداً )) . قلت : لكن الجملتان الأوليان من الحديث صحيحتان ، لأن لهما شواهد كثيرة في : الصحيحين وغيرهما ، وإنما أوردناه هنا للزيادة التي بعدهما ، وقد ساق لها الحاكم شاهداً بلفظ آخر ، ولکنه موضوع وهو : ٨٩٩ - (من استطاع منكم أن يقيَ دينه وعرضه بما له فليفعل). موضوع. أخرجه الحاكم (٢ /٥٠) عن حامد بن آدم: ثنا أبو عصمة نوح، عن عبد الرحمن ابن بُدَيْل عن أنس بن مالك مرفوعا . ٣٠١ 5. ذكره الحاكم شاهداً .. للحديث الذي قبله وقال : ((ليس من شرط هذا الكتاب)) . وتعقبه الذهبي بقوله : ((قلت : أبو عصمة هالك)). قلت : وهو نوح بن أبي مريم الجامع ، كذاب وضاع مشهور، وقد قيل فيه : ((جمع كل شيء إلا الصدق )) ! والراوي عنه حامد بن آدم كذبه ابن عدي وغيره . وقال ابن معين : (( كذاب لعنه الله)). وعده السليماني فيمن اشتهر بوضع الحديث : قلت : ومع هذا كله فقد سود السيوطي ((جامعه)) بهذا الحديث ! ٩٠٠ - ( إني لأعلم أنك لا تضرولا تنفع ، ولكن هكذا فعل أبي إبراهيم ) . منكر. أخرجه ابن قانع في ((حديث مجاعة بن الزبير أبي عبيدة)) (ق ٢/٧٢) : ثنا أبو عبيدة عن القاسم بن عبد الرحمن عن منصور بن الأسود عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رسول اللّه ◌ُ لّه لما قدم مكة هرول، ومشى أربعاً، واستلم، ثم بكى وقال: فذكره. قلت : وهذا سند ضعيف أبو عبيدة هذا ضعيف ، والحديث منكر رفعه ، والصحيح أنه من قول عمر بن الخطاب كما هو مشهور في (( الصحيحين)) وغيرهما دون قوله ((ولكن ... )) وقال بدلها: ((ولولا أني رأيت رسول اللّه ◌َ له يقبلك ما قبلتك)). وقد ذكره السيوطي في ((الجامع الكبير)) (١/١١٨/٣) عن عمر مرفوعا، وعن أبي بكر موقوفا ، وقال : ((رواه ابن أبي شيبة والدارقطني في (العلل) )) وسكت على إسناده كما هي عادته ، وما أراه يصح . والله أعلم . ٩٠١ - ( خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين : صلاتهم وصيامهم ) . ١ موضوع . رواه ابن ماجه رقم (٧١٢) عن بقية عن مروان بن سالم عن عبد العزيز بن أبي روّاد عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً . قلت: قال البوصيري في ((الزوائد)) (ق ٤٧ /٢): ((هذا إسناد ضعيف ، لتدليس بقية بن الوليد )). قلت : شيخه مروان شرمنه ، قال فيه البخاري وغيره : (( منكر الحديث )) وقال أبو عروبة الحراني : ((يضع الحديث)): وقال ابن حبان (٣١٧/٢): (( كان ممن يروي عن المشاهير المناكير، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديث الأثبات)). ٣٠٢ ٩٠٢ - ( كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي فهو أقطع أنتَر، مسحوق من كل بركة ) . موضوع. رواه السبكي في ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٨/١) من طريق إسماعيل بن أبي زياد الشامي عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا . وقال ( ١٠/١ ) : (( لا يثبت)). قلت : بل هو موضُوع بهذا السياق ، وآفته إسماعيل هذا ، قال الدارقطني : ((متروك الحديث)). قلت : وقد روي الحديث من طريق أخرى عن الزهري به دون ذكر الصلاة ، ودون قوله ((أبتر ... )) وهو ضعيف الإسناد كما حققته في ((إرواء الغليل ، في تخريج أحاديث منار السبيل " ( رقم ١ و٢ ). ٩٠٣ - (إذا توضأتم فأشربوا أعينكم الماء ، ولا تنفضوا أيديكم من الماء ؛ فإنها مراوح الشيطان ) . موضوع. أخرجه ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٣٦/١ رقم ٧٣ ) وابن حبان في ((المجروحين)) (١٩٤/١) وابن عدي في ((الكامل)) (١/٤٠) من طريق البَخْتري بن عُبَيدَ عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا ، وقال ابن أبي حاتم : (( سألت أبي عنه؟ فقال: هذا حديث منكر، والبَخْتري ضعيف الحديث، وأبوه مجهول)). وكذا قال ابن عدي أن الحديث منكر. قلت : والبختري هذا متهم ، قال أبو نعيم : ((روى عن أبيه عن أبي هريرة موضوعات)). وكذا قال الحاكم والنقاش. وقال ابن حبّان : ((روى عن أبيه عن أبي هريرة نسخة فيها عجائب ، كان يسرق الحديث ، وربما قلبه)). قلت: وحديثه هذا من الأدلة على ذلك، فقد روي عنه عَ له ما يقطع كل عارف بهديه حَ لّه في طهوره أنه لم يكن يفعل بمقتضى هذا الحديث ، بل صح عنه ما يخالفه في شطره الثاني ، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن ميمونة زوج النبي، عبد الله قالت: وضعت للنبي ◌َ لَّم غسلاً فسترته بثوب ، وصب على يديه فغسلهما ، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه ، فضرب بيده الأرض فمسحها ، ثم غسلها ، فمضمض واستنشق ، وغسل وجهه وذراعيه ، ثم صب على رأسه ، وأفاض على جسده ، ثم تنحى فغسل قدميه ، فناولته ثوباً ، فلم يأخذه ، فانطلق وهوینفض يديه . ٣٠٣ ومن تراجم البخاري لهذا الحديث: ((باب نفض اليدين من الغسل عن الجنابة)). قال الحافظ: (( استدل به على جواز نفض ماء الغسل والوضوء، وهو ظاهر، قال: وفيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره )). ثم ذكر هذا ثم قال : ((قال ابن الصلاح: ((لم أجده)). وتبعه النووي، وقد أخرجه ابن حبان في ((الضعفاء)) وابن أبي حاتم في ((العلل)) من حديث أبي هريرة ، ولو لم يعارضه هذا الحديث الصحيح لم يكن صالحا لأن يحتج به )) . وقال ابن عدي في ((الكامل)) في ترجمة البَخْتري (ق ١/١٤٠) : ((روى عن أبيه عن أبي هريرة قدر عشرين حديثاً، عامتها مناكير، فمنها : أشربوا أعينكم الماء)). وقال الذهبي : (( هذا أنكرها)). إذا عرفت هذا فمن العجائب قول بعضهم: أن الأولى ترك النفض لقوله مَ لّم: ((اذا توضأتم فلا تنفضوأيديكم))! فاحتج بالحديث الضعيف ! وتأول بعضهم من أجله الحديث الصحيح الذي ذكرته فحمل النفض المذكور فيه على تحريك اليدين في المشي ، حكاه القاضي عياض ورده بقوله: ((وهو تأويل بعيد)). فتعقبه الشيخ علي القاري في ((المرقاة)) بقوله (٣٢٥/١): (( قلت : وإن كان التأويل بعيداً فالحمل عليه جمعاً بين الحديثين أولى من الحمل على ترك الأولى )) ! قلت : وكأنه خفي عليه ضعف هذا الحديث وإلا فمثله لا يخفى عليه أنه لا يسوغ تأويل النص الصحيح من أجل الضعيف ، فهذا من آثار الأحاديث الضعيفة والجهل بها ؛ فتأمل. والحديث أورده السيوطي في ((الجامع الكبير)) (ج ١ / ١/٥٠) بهذا السياق من رواية الديلمي في ((مسند الفردوس)) عن أبي هريرة. وأورده فيه (٢/١٠١/١) وفي ((الصغير)) بلفظ ((أشربوا أعينكم الماء عند الوضوء، ولا تنفضوا ... )) الحديث من رواية أبي يعلى وابن عدي ، وزاد في (( الكبير)): (( وابن عساكر)) وقال فيه : (( والبَخْتري ضعفه أبو حاتم ، وتركه غيره)) ثم ذكر قول ابن عدي المتقدم أن الحديث من مناكيره . ٩٠٤ - ( نسخ الأضحی کلَّ ذبحٍ ، وصومُ رمضان كلَّ صوم ، مُ والغسل من الجنابة كل غسل ، والزكاة كل صدقة ) . ضعيف جدا . رواه الدارقطني في ((سننه)) (ص٥٤٣) من طريق الهيثم بن سهل : المسيب ابن شريك : نا عبيد المكتب عن عامر عن مسروق عن علي مرفوعا . وقال : خالفه المسيب بن واضح عن المسيب - هو ابن شريك - وكلاهما ضعيفان ، والمسيب ابن شريد - متروك)). ٣٠٤ ثم ساقه من طريق ابن واضح : نا المسيب بن شريك عن عتبة بن يقظان عن الشعبي عن مسروق به . وقال : ((عتبة بن يقظان متروك أيضا)). ورواه البيهقي (٢٦١/٩ - ٢٦٢) عن ابن شريك بالوجهين ، ونقل عن الدارقطني ما سبق من التضعيف الشديد، وأقره عليه. ونقل الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤ /٢٠٨) عنه أنه قال : ((إسناده ضعيف بمرة)) . وأقره عليه . ومن آثار هذا الحديث السيئة أنه صرف جماً غفيراً من هذه الأمة ، عن سنة صحيحه مشهورة ، ألا وهي العقيقة ، وهي الذبح عن المولود في اليوم السابع ، عن الغلام شاتين ، وعن الأنثى شاةً واحدة ، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة تراجع في كتاب (( تحفة الودود في أحكام المولود)) للعلامة ابن القيم، اجتزئ هنا بإيراد واحد منها وهو قوله عد له: ( مع الغلام عقبقه ، فاهریقوا عنه دماً )) رواه البخاري (٤٨٦/٩) وغيره من حديث سلمان بن عامر الضبي مرفوعا . لقد تُرك العمل بهذا الحديث الصحيح وغيره مما في الباب حتى لا تكاد تسمع في هذه البلاد وغيرهاَ أن أحداً من أهل العلم والفضل ــ دع غيرهم - يقوم بهذه السنة! ولو أنهم تركوها إهمالاًكما أهملوا كثيراً من السنن الأخرى لربما هانت المصيبة ، ولكن بعضهم تركها إنكاراً لمشروعيتها ! لا لشيء إلا لهذا الحديث الواهي ! فقد استدل به بعض الحنيفة على نسخ مشروعية العقيقة ! فإلى اللّه المشتكى من غفلة الناس عن الأحاديث الصحيحة ، وتمسكهم بالأحاديث الواهية والضعيفة . بطعام أكل مما يليه، وإذا أتي بالتمر ءُ جالت يده ) . ٩٠٥ - ( كان إذا أتي موضوع. رواه أبو بكر الشافعي في ((الفوائد)) (١/١٠٦) وابن حبان (١٦٥/٢) وابن عدي في ((الكامل)) (٢/٢٥٤) وأبو الشيخ في ((أخلاق النبي ◌َ له)) (ص ٢٢٢) والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٩٥/١١) واللفظ له من طريق عبيد بن القاسم : نا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا . قلت : وهذا سند موضوع ، آفته عبيد هذا وهو ابن أخت سفيان الثوري كذبه ابن معين . وقال صالح جزرة : ((يضع الحديث)). وكذا قال أبوداود كما في ((الميزان)). ثم ساق له أحايث هذا أحدها . وقال ابن حبان : ((كان يروي عن هشام بنسخة موضوعة لا يحل كتبة حديثه إلا على جهة التعجب )) : والحديث مما سود به السيوطي كتابه (( الجامع الصغير)) أورده فيه من رواية الخطيب فقط ! وتعقبه المناوي فأجاد قائلا : ٣٠٥ ((وظاهر صنيع المصنف أن مخرجه الخطيب خرجه وسكت عليه ، وهو تلبيس فاحش ، فقد تعقبه بما نصه : قال أبو علي ( صالح بن محمد جزرة) : هذا كذب ، وعبيد بن أخت سفيان كان يضع الحديث ، وله أحاديث منا كيرا هـ كلامه )). وأورده الهيثمي (٢٧/٥) وقال: ((رواه البزاروفيه خالد بن اسماعيل وهومتروك)). قلت : والشطر الثاني منه ، رواه أبو الشيخ من طريق رجل من بني ثور عن هشام بن عروة به . وهذا الرجل الذي لم يسم هو عبيد بن القاسم الكذاب المذكور في الطريق الأولى لأنه ابن أخت سفيان الثوري كما سبق ، وهذا من الأدلة الكثيرة على عدم الاحتجاج بحديث المجهولين لاحتمال أن يكونوا من الضعفاء ، أو الكذابين ، فلا يجوز الإحتجاج بهم حتى ينكشف حقيقة أمرهم . ولعل ما يتداوله أهل الشام فيما بينهم وهم يتفكهون : (( كل شيء بحشمة إلا التوت )) أصله هذا الحديث الموضوع ! وله شاهد ضعيف من قوله عَ ليه ، سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى برقم (١١٢٧). ءُ ٩٠٦ - (كرسيه موضع قدمه، والعرش لا يَقدّرُ قدرُه ). ضعيف. رواه الضياء في ((المختارة)) (١/٢٥٢ - ٢) عن شجاع بن مخلد الفلاس عن أبي عاصم عن سفيان عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : سئل النبي ◌ِّ ◌ُلّ عن قول الله (وسع كرسيه السمواتِ والأرضَ ) قال: فذكره . ورواه من طرق أخرى عن أبي عاصم به موقوفا على ابن عباس وقال : (( إنه الأولى )). والموقوف أخرجه الطبراني في ((معجمه الكبير (ج ٣) وقد فاتني موضعه منه ، وغالب الظن أنه بين الورقة (١٥٠ والورقة ١٧٠) وقال الهيثمي (٣٢٣/٦): (( ورجاله رجال الصحيح)). وكذلك أخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في ((العرش)) (٢/١١٤) والحاكم (٢٨٢/٢) عن أبي عاصم به موقوفا وقال : ((صحيح على شرط الشيخين)) ووافقه الذهبي . ورواه ابن مردويه من طريق شجاع بن مخلد به مرفوعاكما في (( تفسير ابن كثير)) وقال : (( وهو غلط . ورواه ابن مردويه من طريق الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي وهو متروك عن السُّدي عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا ولا يصح أيضا)). وروى ابن أبي شيبة أيضا (١/١١٤ - ٢) وابن جرير في تفسيره (٣٩٨/٥ طبع شاكر) والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص ٢٩٠ - هند) عن عمارة بن عمير عن أبي موسى قال: ٣٠٦ (( الكرسي موضع القدمين ، وله أطيط كأطيط الرجل )). قلت : وإسناده صحيح إن كان عمارة بن عمير سمع من أبي موسى ؛ فإنه يروي عنه بواسطة ابنه إبراهيم بن أبي موسى الأشعري ، ولكنه موقوف ، ولا يصح في الأطيط حديث مرفوع ، كما تقدم تحت رقم (٨٦٦). وانظر تفسير ابن كثير (١٣/٢ - ١٤ طبع المنار). ٩٠٧ - ( أعتقوا عنه ، يعتق الله بكل عضو منه ، عضواً منه من النار) . ضعيف. رواه أبو داود (٢٩٦٤) وعنه الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (٤٥/٢ - طبع الرياض) والطحاوي في ((المشكل)) (٣١٥/١) والحاكم (٢١٢/٢) وعنه البيهقي (١٣٢/٨ - ١٣٣ و١٣٣) وأحمد (٤٧١/٣) عن ضمرة بن ربيعة عن إبراهيم بن أبي عَبْلة عن الغَرِيف بن الديلمي قال : (( أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له : حدثنا حديثاً ليس فيه زيادة ولا نقصان ، فغضب وقال : إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته فيزيد وينقص ! قلنا : إنما أردنا حديثاً سمعته من النبي مَ الله . قال : أتينا رسول اللّه ◌َ له في صاحب لنا أوجب - يعني النار - بالقتل، فقال: فذكره. ثم رواه الطحاوي (٣١٤/١) وأحمد (٤ /١٠٧) من طريق عبد الله بن المبارك، والخطيب من طريق يحيى بن حمزة ، كلاهما عن إبراهيم بن أبي عَبْلة عن الغَريق بن عياش به مختصراً بلفظ: أتى النبي ◌ِّ ◌ُلِّ نفر من بني سليم، فقالوا : إن صاحباً لنا أوجب ، قال : ((فليعتق رقبةً ، يفدي اللّه بكل عضومنها عضواً منه من النار)). ثم رواه أحمد (٤٩٠/٣/ من طريق ابن عُلاثة قال : ثنا إبراهيم بن أبي عَبَلْة عن وائلة ابن الأسقع به . فأسقط من الإسناد الغريق هذا وابن عُلاثة فيه ضعف . قلت : والاسناد ضعيف من أجل الغريق فإنه لم يروعنه غير إبراهيم بن أبي عبلة ، ولم يوثقه غير ابن حبان (١٨٣/١). قال الحافظ في ((التهذيب)): (( وقال ابن حزم : مجهول . وذكره بالعين المهملة)). قلت : وكذلك وقع في (( مستدرك الحاكم )) وقال: ((عريف هذا لقب لعبد الله بن الديلمي، حدثنا بصحة ما ذكرته أبو إسحاق إبراهيم ابن فراس الفقيه : ثنا بكربن سهل الدمياطي : ثنا عبد الله بن يوسف التّنيّسي : ثنا عبد الله بن سالم: حدثني إبراهيم بن أبي عَبْلة قال : كنت جالساً بـ (ريحاء)، فمَرَّبي واثلة بن الأسقع متوكثاً على عبد الله بن الديلمي ، فأجلسه، ثم جاء إليّ فقال: عَجبٌ ما حدثني هذا الشيخ ؛ يعني واثلة . قلت : ما حدثك ؟ فقال : حدثني: كنت جالساً مع رسول اللّه يَ له في غزوة تبوك فأتاه نفر من بني سليم فقالوا ... )). ٣٠٧ قلت : فذكر الحديث مثل رواية ضمرة ثم قال الحاكم : ((فصار الحديث بهذه الروايات صحيحاً على شرط الشيخين)). قلت : ووافقه الذهبي ، وليس كذلك لأمرين : الأول : أن هذه الرواية التي ساقها مستدلاً على صحة ما ذكر ؛ فيها الدمياطي وهو ضعيف . لكنه قد توبع فقال الطحاوي (٣١٦/١): حدثنا علي بن عبد الرحمن : حدثنا عبد الله ابن يوسف الدمشقي : ثنا عبد الله بن سالم به . وعلي بن عبد الرحمن هو المعروف بـ (عَلَّن) المصري، قال ابن أبي حاتم (١٩٥/١/٣): (صدوق)). وتابعه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني : حدثنا عبد الله بن يوسف به . أخرجه ابن حبان ( ١٢٠٦ ) . ثم رواه الطحاوي من طريق الوليد بن مسلم : حدثني مالك بن أنس وغيره عن إبراهيم ابن أبي عبلة أنه حدثهم عن عبد الله بن الديلمي عن وائلة نحو حديث ابن المبارك . قلت : فهذا كله يصحح ما ذكره الحاكم أن الغريف لقب لعبد الله بن الديلمي ، أو على الأصح يدل على أن اسم الغريف عبد الله ، وهي فائدة لا تجدها في كتب الرجال ، ولكن هل يصير الحديث بذلك صحيحا ؟ ذلك ما سترى الجواب عنه فيما يأتي . الأمر الثاني : أن عبد الله بن الديلمي المذكور في هذه الروايات ليس هو الذي عناه الحاكم : عبد الله بن فيروز الديلمي أبوبشر، وهو الذي وثقه ابن معين والعجلي وغيرهما ، وروى له أصحاب السنن إِلاّ الترمذي ، بل هوابن أخي هذا ، فقد تقدم في بعض الروايات أنه الغريف بن عياش ، وفي أخرى عند الطحاوي والخطيب ((الغريف بن عياش بن فيروز الديلمي))، ولذلك قال في ترجمة أبي بشرمن (( التهذيب)) : (( هو أخو الضحاك بن فيروز، وعم الغريف بن عياش بن فيروز)). فإذا ثبت أنه عبد الله بن عياش بن فيروز وهو غير عبد الله بن فيروز، وجب أن نتطلب معرفة حاله . وإذا عرفت مما سبق في ترجمته أنه مجهول ، نستنتج من ذلك أن الحديث ضعيف لا يصح وأن الحاكم والذهبي وهما في تصحيبهما إياه ، لا سيما وقد صححاه على شرط الشيخين ، والعصمة لله وحده . وفي الحديث علة أخرى ، وهي الاضطراب في متنه ، ففي رواية ضمرة وعبد الله بن سالم: ((أعتقوا عنه))، وفي رواية ابن المبارك ومالك: ((فليعتق رقبة)). وتابعهما عليها يحيى ابن حمزة وهانئ بن عبد الرحمن عند الطحاوي. ولفظ هاني: ((مروه فليعتق رقبة)). فهذه الرواية أرجح لاتفاق هؤلاء الأربعة عليها ، وفيهم مالك وابن المبارك وهما في التثبت والحفظ على ما هما عليه ، كما قال الطحاوي. ٣٠٨ ثم ذكر أن الرواية الأولى تعارض القرآن فقال : ((ووجدنا كتاب اللّه تعالى قد دفع مثل هذا المعنى عن ذوي الذنوب ، وهو قوله تعالى في الجزاء عن كفارة الصيد المقتول في الإحرام في ( سورة المائدة ) على ما ذكره فيها ، ثم أعقبه بقوله : ( ليذوق وبال أمره ) ، فأخبر أنه جعل الكفارة في الصيد في الإحرام على قاتله ليذوق وبال قتله ، فمثل ذلك على كل كفارة عن ذنب ، إنما يراد بها ذوق المذنب وبالها . وفي ذلك ما يمنع تكفير غيره عنه في ذلك بعتاق عنه أوبغيره )) . ثم ختم الطحاوي كلامه على الحديث بأن ذكر وجهاً للتوفيق بين الروايتين لا أرى فائدة من حكايته ، لسببين : الأول : أن الحديث من أصله ضعيف . الثاني: أنه لوصح فإحدى الروايتين خطأ قطعاً ، لأن الحادثة واحدة لم تكرر ، وبالتالي فاللفظ الذي نطق به عليه الصلاة والسلام واحد ، اختلف الرواة في تحديده ، فلا بد من المصير إلى الترجيح، وقد فعلنا ، وذلك يغني عن محاولة التوفيق ، والله أعلم . ( تنبيه) الحديث سكت عليه المنذري في ((مختصر السنن)) (٤٢٤/٥) وقال: ((أخرجه النسائي))، والظاهر أنه يعني في ((الكبرى)) له فإني لم أجده في ((الصغرى))، ولا عزاه إليه النابلسي في ((ذخائر المواريث)) (١٢٥/٢ - ١٢٦)، وعزاه السيوطي في (( الجامع الكبير)) (١/١٠٧/١) لأبي داود وابن حبان والطبراني في ((الكبير)) والحاكم والبيهقي. هذا وقد يستدل بالحديث من يقول بوصول ثواب العمل إلى غير عامله إذا وهبه له . وهو خلاف قوله تعالى ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) . وما في معناه من الأحاديث ، ولوصح هذا الحديث لكان من جملة المخصصات للآية ، وقد حقق الامام الشوكاني القول في هذا الموضوع وذكر ما وقف عليه من المخصصات المشاراليها. فراجعه في ((نيل الأوطار)) (٣٣٣/٣ -- ٣٣٦). مع فصل (( ما ينتفع به الميت . من كتابي ((أحكام الخبائز)) (ص ١٦٨ - ١٧٨ ). ٩٠٨ - (إن عيسى بن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم ، فإن القلب القاسي بعيد من الله، ولكن لا تعلمون ، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب ، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد ، فإنما الناس مبتلى ومعافى ، فارحموا أهل البلاء ، واحمدوا اللّه على العافية ). لا أصل له مرفوعاً. وإنما أورده الإمام مالك في ((الموطأ)) (٨/٩٨٦/٢) بدون إسناد : أنه بلغه أن عيسى ابن مريم كان يقوله . وليس من عادتي أن أورد مثل هذا الكلام؛ لأن راويسه لم يعزه إلى النبي ح له، ولكني ٣٠٩ رأيت الأستاذ محمد فؤاد عبد البلقي كتب تحت هذا الكلام في نسخة ((الموطأ)) التي قام هو على تصحيحها وتخريج أحاديثها ما نصه : (( مرسل ، وقد وصله العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة ، أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البروالصلة والآداب، ٢٠ - باب تحريم الغيبة، حديث، ٧)). ولما وقف على هذا بعض من لا علم عنده ، نقل هذا الكلام المنسوب إلى عيسى عليه السلام في كتابٍ له ، وعزاه للموطأ ومسلم ! فلما وقفت عليه ( قبل أن يطبع كتابه ، وخير له أن لا يطبعه لكثرةً أوهامه) استنكرت عزوه لمسلم أشد الاستنكار، ولما نبهته على ذلك احتج بتخريج فؤاد عبد الباقي - وهويظنه لبالغ جهله بهذا العلم أنه من تخريج الإمام مالك نفسه ! - فأكدت له أنه خطأ . ثم رأيت من الواجب أن أنبه عليه هنا ، كي لا يغتر به آخرون ، فيقعون في الكذب على رسول اللّه ◌َ له من حيث لا يريدون ولا يشعرون. وقد تبين لي فوررجوعي إلى تخريج عبد الباقي أن الخطأ - فيما أظن ــ ليس منه مباشرة ، بل من الطابع ، فإن هذا التخريج كانٍ حقه أن يوضع في الباب الذي يلي كلام عيسى عليه السلام ، ففيه أورد مالك حديثاً مرسلاً في الغيبة ، وهو الذي وصله مسلم في الباب الذي ذكره فؤاد عبد الباقي ، فيبدو أن التخريج كان مكتوباً في ورقة مفصولة عن الحديث ، فسها الطابع وطبعه تحت كلام عيسى عليه السلام ، فكان هذا الخطأ الفاحش ، وبقي حديث الغيبة بدون تخريج ، ثم لا أدري إذا كان الاستاذ فؤاد أشرف على تصحيح الكتاب بنفسه وهو يطبع ، فذهل عن هذه الخطيئة ، أو وكل أمر التصحيح إلى من لا علم عنده بالحديث إطلاقاً. فبدهي أن تنطلي عليه الخطيئة ، والعصمة لله وحده . نعم قد روي الحديث مرفوعاً مختصراً ، وإسناده ضعيف كما سيأتي بيانه برقم (٩٢٠). ٩٠٩ - ( يا عم ! والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك فيه ما تركته ) . ضعيف. أخرجه ابن إسحاق في ((المغازي)) (١ / ٢٨٤ - ٢٨٥ سيرة ابن هشام ): حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حدث : أن قريشاً حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة (١) بعث إلى رسول اللّه مَ لٍ فقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاؤني فقالوا لي كذا وكذا . للذي كانوا قالوا له ، فأبقِ عليّ وعلى نفسك ، (١) يعني قولهم - كما ذكره في السيرة قبيل هذا الحديث : ((يا أبا طالب إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا . وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا لا نصبر على هذا من شتم الهتنا حتى تكفه عنا. أو تنازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين)). ٣١٠ ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، قال: فظن رسول اللّه مَ الم أنه قد بدا لعمه فيه بداء ؛ أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، قال: فقال رسول اللّه ◌َ لهم: ( فذكره ) . قال ثم استعبر رسول اللّه ◌َّه فبكى، ثم قام، فلما ولىّ ، ناداه أبو طالب: أقبل يا ابن أخي! فأقبل عليه رسول اللّه ◌َ له فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا. قلت : وهذا إسناد ضعيف معضل ، يعقوب بن عتبة هذا من ثقات أتباع التابعين ، مات سنة ثمان وعشرين ومائة . وقد وجدت للحديث طريقاً أخرى بسند حسن لكن بلفظ : (( ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك، على أن تستشعلوا لي منها شعلة ، يعني الشمس)). وقد خرجته في (( الأحاديث الصحيحة )) رقم ( ٩٢ ). ٩١٠ - ( يا جبريل صف لي النار، وانْعَتْ لي جهنم ، فقال جبريل : إن الله تبارك وتعالى أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت ، ثم أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت ، ثم أمر ء فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت ، فهي سوداء مظلمة ، لا يضيء شررها ، ولا يطفأ لهبها ، والذي بعثك بالحق لو أن خازناً من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا فنظروا إليه لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه ، ومن نتن ريحه ، والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لارفَضَتْ وما تقارَّت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى، فقال رسول اللّه عليه: حسبي يا جبريل لا يتصدع قلبي، فأموت، قال: فنظر رسول اللّه عَ له إلى جبريل وهو يبكي ، فقال : تبكي يا جبريل وأنت من اللّه بالمكان الذي أنت به ، فقال : مالي لا أبكي ؟ أنا أحق بالبكاء ! لعلي ابتلى بما ابتلي به إبليس ، فقد كان من الملائكة ، وما أدري لعلي ابتلى بمثل ما ابتلي به هاروت وماروت، قال: فبكى رسول اللّه ◌َ له وبكى جبريل عليه السلام ، فما زالا يبكيان حتى نوديا : أن يا جبريل ويا محمد إن الله عزوجل قد أمَّنكما أن تعصياه . فارتفع جبريل عليه السلام ، وخرج ٣١١ رسول اللّه عَ ليه فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون، فقال: أتضحكون ووراء كم جهنم ؟ ! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً وَبَكَيْتُم كثيرا، ولما أسغتم الطعام والشراب ، ولخرجتم إلى الصُّعَداتِ تجأرون إلى الله عزوجل .. فنودي : يا محمد ! لا تقنط عبادي ، إنما بعثتك ميسراً ولم أبعثك معسراً، فقال رسول اللّه حَ قّه: سددوا وقاربوا). موضوع. أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) بسنده عن عمر بن الخطاب قال : ((جاء جبريل إلى النبي ◌َ له في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول اللّه ح اليه فقال : يا جبريل : مالي أراك متغير اللون ؟ فقال: ما جئتك حتى أمر الله بمفاتيح النار. فقال رسول اللّه ◌ُ له: يا جبريل صف لي النار. الحديث، أورده المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٢٢٥/٤ - ٢٢٦) وأشار لضعفه أووضعه، وقد بين علته الهيثمي في ((المجمع)) فقال (٣٨٧/١٠): ((وفيه سلام الطويل وهو مجمع على ضعفه)) . قلت : وذلك لأنه كان كذابا كما قال ابن خراش، وقال ابن حبان : (٣٣٥/١-٣٣٦): ((روى عن الثقات الموضوعات، كأنه كان المعتمد لها)). وقال الحاكم - على تساهله - : ((روى أحاديث موضوعة)). قلت : وهذا منها بلا شك فإن التركيب والصنع عليه ظاهر ، ثم إن فيه ما هو مخالف للقرآن الكريم في موضعين منه : الأول: قوله في إبليس: ((كان من الملائكة)) والله عزوجل يقول فيه : (كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) ، وما يروى عن ابن عباس في تفسير قوله : ( من الجن ) أي من خزان الجنان ، وأن إبليس كان من الملائكة . فمما لا يصح إسناده عنه ، ومما يبطله أنه خلق من نار كما ثبت في القرآن الكريم، والملائكة خلقت من نوركما في ((صحيح مسلم)) عن عائشة مرفوعا ، فكيف يصح أن يكون منهم خلقة ، وإنما دخل معهم في الأمر بالسجود لآدم عليه السلام لأنه كان قد تشبه بهم وتعبد وتنسك . كما قال الحافظ ابن كثير، وقد صح عن الحسن البصري أنه قال : (( ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنّه لأصل الجن ، كما أن آدم عليه السلام أصل البشر)). الموضع الثاني. قوله: (( ابتلي به هاروت وماروت)). فإن فيه إشارة إلى ماذكر في بعض كتب التفسير أنهما أنزلا إلى الأرض ، وأنهما شربا الخمر وزنيا وقتلا النفس بغير حق ، فهذا مخالف لقول الله تعالى في حق الملائكة : ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)، ولم يرد ما يشهد لما ذكر، إلا في بعض الإسرائيليات التي لا ينبغي ٣١٢ أن يوثق بها ، وإلا في حديث مرفوع، قد يتوهم - بل أوهم - بعضهم صحته ، وهو منكر بل باطل كما سبق تحقيقه برقم ١٧٠ ، ويأتي بعد حديث من وجه آخر. ٩١١ - ( اللهم اجعلني صبوراً ، اللهم اجعلني شكوراً ، اللهم اجعلني في عيني صغيراً ، وفي أعين الناس كبيرا ) . منكر. رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (١٩١/٢/١) وذكره ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٢ /١٨٤) كلاهما من طريق عقبة بن عبد الله الأصمّ عن ابن بريدة عن أبيه. ((أن رجلا أتى النبي ◌َ ◌ِّ فقال: علمني دعوة، فقال)) .. فذكره. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : (( هذا حديث منكر لا يعرف ، وعقبة لين الحديث)) . والحديث أورده الهيثمي في ((المجمع)) (١٠ /١٨١) من دعائه ◌َ ◌ّمه لا من تعليمه وقال: ((رواه البزار، وفيه عقبة بن عبد الله الأصم، وهوضعيف، وحسن البزار حديثه)). قلت : ولعل تحسين البزار لحديثه يعني حديثاً خاصاً غير هذا ، وأراد الحسن المعنوي لا الاصطلاحى ، فقد قال هو نفسه فى عقبة هذا . ((غير حافظ ، وإن روى عنه جماعة فليس بالقوي )) . وقال ابن حبان ( ١٨٨/٢ ) : ((كان ممن ينفرد بالمناكير عن الثقات المشاهير ، حتى إذا سمعها من الحديث صناعته شهد لها بالوضع )» . ٩١٢ - (إن الملائكة قالت : يا رب كيف صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب ؟ قال : إني ابتليتهم وعافيتكم ، قالوا لوكنا مكانهم ما عصيناك ، قال : فاختاروا ملكين منكم ، فلم يألوا أن يختاروا ، فاختاروا هاروت وماروت ، فنزلا ، فألقى اللّه تعالى عليهما الشَّبَق ، قلت : وما الشبق ؟ قال : الشهوة ، قال : فنزلا ، فجاءت امرأة يقال لها الزَّهَرَةَ ، فوقعت في قلوبهما ، فجعل كل واحد منهما يخفي عن صاحبه ما في نفسه ، فرجع إليها ، ثم جاء الآخر ، فقال : هل وقع في نفسك ما وقع في قلبي ؟ قال : نعم ، فطلباها نفسها ، فقالت : لا أمَكَّنكما حتى تعلماني الاسم الذي تعرجان به إلى السماء وتهبطان ، فأبيا ، ثم سألاها أيضا فأبت ، ففعلا ، فلما استطيرت ٣١٣ طمسها اللّه كوكباً وقطع أجنحَتها ، ثم سألا التوبة من ربهما ، فخيرهما ، فقال : إن شئتما رددتكم الى ما كنتماً عليه ، فإذا كان يوم القيامة عذبتكما ، وإن شئتما عذبتكما في الدنيا فإذا كان يوم القيامة رددتكما الى ما كنتما عليه ، فقال أحدهما لصاحبه : إن عذاب الدنيا ينقطع ويزول ، فاختارا عذاب الدنيا على الآخرة ، فأوحى الله إليهما أن ائتيا بابل ، فانطلقا إلى بابل فخسف بهما ، فهما منكوسان بين السماء والأرض معذبان إلى يوم القيامة ) . باطل مرفوعا . رواه الخطيب في تاريخه (٤٢/٨ - ٤٣) وكذا ابن جرير في تفسيره (٣٦٤/٢) من طريق الحسين: سُنَيد بن داود: حدثنا الفرج بن فضالة عن معاوية بن صالح عن نافع قال : سافرت مع ابن عمر ، فلما كان آخر الليل قال : يا نافع طلعت الحمراء ؟ قلت : لا ( مرتين أو ثلاثة )، ثم قلت : قد طلعت ، قال: لا مرحباً بها ولا أهلا ، قلت : سبحان الله: نجم سامع مطيع؟ قال: ما قلت لكَ إلا ما سمعت من رسول اللّه مَّ له، قال لي رسول اللَّ لَّهِ: فذكره بتمامه، لكن ليس عند ابن جرير: ((فنزلا ... )) إلخ: وقال الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) (٢٥٥/١) : ((غريب جدا)). قلت: وآفته الفرج بن فضالة أو الراوي عنه سُنَيد؛ فإنهما ضعيفان كما في ((التقريب))، والحديث أصله موقوف أخطأ في رفعه أحدهما ، والدليل على ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن مجاهد قال : كنت نازلاً على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه (الظاهرانه نافع ) : انظر هل طلعت الحمراء؟ لا مرحباً بها ولا أهلاً ، ولا حباها الله ، هي صاحبة الملكين ، قالت الملائكة ، يا رب كيف تدع عصاة بني آدم ... ؟ قال إني ابتليتهم .. الحدیث نحوه . قال ابن کثیر : ((وهذا إسناد جيد، وهو أصح من حديث معاوية بن صالح هذا)). ثم هو مما أخذه ابن عمر عن كعب الأحباركما تقدم بالسند الصحيح عنه في الحديث الذي قبله بحدیث . والله أعلم ، ثم قال ابن کثیر : ((وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان وغيرهم ، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين ، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل ، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن ٣١٤ الهوى . وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها ، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال )). قلت : وقد زعمت امرأة من أهل دومة الجندل أنها رأتهما معلقين بأرجلهما ببابل ، وأنها تعلمت منهما السحر، وهما في هذه الحال . في قصة طويلة حكتها لعائشة رضي اللّه تعالى عنها ، رواها ابن جرير في ((تفسيره)) (٣٦٦/٢ - ٣٦٧) بإسناد حسن عن عائشة، ولكن المرأة مجهولة فلا يوثق بخبرها ، وقد قال ابن كثير (٢٦٠/١): ((إنه أثر غريب، وسياق عجيب)). وقد اكتفيت بالإشارة إليه ، فمن شاء الوقوف على سياقه بتمامه فليرجع إليه . ومما يتصل بما سبق الحديث الآتي : ٩١٣ - (لعن اللّه الزّهَرَة؛ فإنها هي التي فتنت الملكين: هاروت وماروت ) . موضوع. رواه ابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٤٨) وابن منده في ((تفسيره)) كما في ((تفسير ابن كثير)) (٢٥٦/١) من طريق جابر عن أبي الطفيل عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه ◌َ لَّه . وقال الحافظ ابن كثير. ((لا يصح، وهو منكر جداً)). قلت : وآفته جابر وهوابن يزيد الجعفي وهومتهم بالكذب ، وكان يؤمن برجعة علي ويقول : إنه دابة الأرض المذكورة في القرآن ! والحديث أورده السيوطي في ((الدر المنثور)) (٩٧/١) وكذا في ((الجامع الصغير)) من رواية ابن راهويه وابن منده ، وبيض له المناوي فلم يتعقبه بالشيء. ومن العجيب ، أن السيوطي لم يورده في ((الجامع الكبير)) وهو كان أحق به ! ٩١٤ - ( أرشدوا أخاكم ) . ضعيف . رواه الحاكم (٤٣٩/٢) عن سعد بن عبد الله بن سعد عن أبيه عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه قال : ((سمع رسول اللّه ◌َ له رجلاً قرأ فلحن، فقال رسول اللّه ◌َ له ... )). فذكره، وقال: ((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي. وأقول كلا ؛ فإن عبد الله بن سعد والد سعد وهو الأيلي غير معروف ، ولم يترجموا له ، مع أنهم ترجموا لابنه ، ولم يذكروا له رواية عن أبيه ، والله أعلم . ٩١٥ - ( إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لعاق ، فلا يزال يدعولهما حتى يكتب عند الله باراً) . ٣١٥ ضعيف. أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٨٨/٣) من طريق لاحق بن الحسين بسنده عن إسماعيل بن محمد بن جحادة عن أبيه عن أنس مرفوعاً قال : (( لا أصل له ، لاحق كذاب يضع)). وتعقبه السيوطي في ((اللآلئ المصنوعة)) (٢٩٧/٢) بأن له طريقاً آخر ، أخرجه البيهقي في ((الشعب)) قال: انبأنا أبو عبد الرحمن السلمي ... عن يحيى بن عقبة بن أبي العيزار عن محمد بن جحادة عن أنس بن مالك به . وقال السيوطي : ((ويحيى بن عقبة ضعيف)). قلت : بل هوشر من ذلك ، فقد قال أبوحاتم : ((يفتعل الحديث)) . وقال ابن حبان : ((يروي الموضوعات عن الأثبات)). وقال ابن معين: ((كذاب خبيث عدو الله)). وقد أورده ابن عراق في ((الوضاعين)) من مقدمة كتابه (( تنزيه الشريعة)) ثم نسي ذلك فتابع السيوطي في تعقبه على ابن الجوزي! وأورد الحديث من أجل ذلك في (( الفصل الثاني (٢٩٧/٢) . قلت : وأبو عبد الرحمن السُّلمي متهم أيضا ، فالسند هالك ، لكن قال السيوطي بعد ذلك. ((وقال ابن أبي الدنيا في ((كتاب القبور)): حدثني خالد بن خداش : حدثنا عبد العزيز ابن محمد الدراوردي عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين قال: قال رسول اللّه ◌َ له: إن الرجل ليموت ... )) الحديث. قال خالد: فحدثت حماد بن زيد فأعجب بذلك . أخرجه البيهقي وقال : هذا على إرساله أصح من الأول . وقال العراقي في ((تخريج الإحياء)) هذا مرسل صحيح الإسناد )). قلت: كلا، فإن خالد بن خداش مخدوش! قال الذهبي في ((الميزان)): (( وثق ، وقال أبو حاتم وغيره ، صدوق ، وقال ابن معين ينفرد عن حماد بأحاديث ، وقال ابن المديني وزكريا الساجي : ضعيف )) . ثم ساق الذهبي له حديث: ((لا يولد مولود بعد ستمائة لله فيه حاجة)) وقال: ((منكر)). قلت : فالإسناد على إرساله ضعيف من أجله . فالحديث لا يصح بوجه من الوجوه . والله أعلم. ٩١٦ - ( التوكؤ على عصا من أخلاق الانبياء ، كان لرسول الله . عصا يتوكأ عليها ، ويأمرنا بالتوكؤ عليها ) . صَلى الله عروسة موضوع. رواه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي ◌َ ◌ّهِ)) (ص ٢٥٩) وابن عدي في ((الكامل)) (ق ١/٣٣٠) من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن المعلّى بن هلال عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس قال: ((التوكؤ ... )) الحديث. أورده ابن عدي في ترجمة المعلى هذا ، وقال : ٣١٦ ((هو في عداد من يضع الحديث )). وعثمان بن عبد الرحمن هو الحراني الطزائفي ، وهو صدوق ، أكثر الرواية عن الضعفاء والمجاهيل ، وضعف بسبب ذلك حتى نسبه ابن نمير إلى الكذب ، وقد وثقه ابن معين ، كما في ((التقريب)). ٩١٧ - ( لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع) . لا أصل له مرفوعا، فيما علمت ؛ إلا قول أبي يوسف في ((كتاب الآثار)) له رقم (٢٩٧): ((وزعم أبو حنيفة أنه بلغه عن النبي ◌َّ له أنه قال ... )) فذكره مرفوعا . وهذا وهم ، وإليه أشار أبويوسف بقوله ((وزعم أبو حنيفة)) مع أنه إمامه ، على أنه معضل . وقد أشار إلى ما ذكرنا الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) بقوله (١٩٥/٢): (( غريب مرفوعاً، وإنما وجدناه موقوفاً على علي )) . وأوهم الحافظ ابن حجر أنه مرفوع، فقال في ((التخليص)) (١٣٢): ((حديث علي : لا جمعة ولا تشريق الا في مصر، ضعفه أحمد )) . وقال النووي في ((المجموع)) (٤ /٤٨٨ ) : ((ضعيف جداً)) . كذا قالا ، ولم يذكرا من خرجه ، ولا إسناده لينظر فيه ، وما أظنه إلا وهماً منهما ، ومما يؤيد ذلك أن الإمام أحمد إنما ضعف الموقوف على علي ، وأما المرفوع فما ذكره ، ولا أعتقد أنه سمع به !. قال إسحاق بن منصور المروزي في ((مسائله عن الإمام أحمد)) ( ص ٢١٩) : ((ذكرت له قول علي: (( لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع))؟ قال: الأعمش لم يسمعه من سعد )). قلت : سعد هذا هوابن عُبَيدة، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في (المصنف)) (١/٢٠٤/١): نا أبو معاوية عن الأعمش عن سعد بن عُبَيدة عن أبي عبد الرحمن السّلَمي عن علي قال : فذكره . ورواه علي بن الجعد الجوهري في ((حديثه)) (١٢ /١/١٧٨) من طريق أبي جعفر الرازي عن الأعمش به . وأعله أحمد بالانقطاع بين الأعمش وسعد بنٍ عُبيدة . قلت : لكن لم يتفرد به الأعمش ، بل تابعه طلحة وهو ابن مُصَرِّف عند ابن أبي شيبة ، وزبَيْد اليامي عند الطحاوي في ((مشكل الآثار))، (٥٤/٢) والبيهقي أيضاً في ((السنن)) (١٧٩/٣) ، كلاهما عن سعد بن عُبيدة به . وسعد بن عبيدة ثقة من رجال الستة ، ومثله أبو عبد الرحمن السلمي فالسند صحيح موقوفا. وصححه ابن حزم في ((المحلى)) (٥٣/٥)، وهو مقتضى كلام أبي جعفر الطحاوي ، ولكنه قال : (( لم يقله علي رضي الله عنه رأيا، إذ كان مثله لا يقال بالرأي، وإنما قاله بتوقيف عن رسول الله عَ لٍ))! ٣١٧ كذا قال ، وفيه نظر واضح ، فإن القلب يشهد أن ذلك يقال بالرأي والاجتهاد ، ولذلك ظلت المسألة من موارد النزاع ، وقد صح خلافه عن عمر بن الخطاب أفيقال : إنه توقيف أيضا مع أنه هو الصواب؟! فروى ابن أبي شيبة في (( باب من كان يرى الجمعة في القرى وغيرها )) من طريق أبي رافع عن أبي هريرة أنهم كتبوا إلى عمر يسألونه عن الجمعة ، فكتب : ((جَمِّعوا حيثما كنتم)) . قلت : وإسناده صحيح على شرط الشيخين ، وأبورافع هذا اسمه نُفَيع بن رافع الصائغ المدني ، واحتج بهذا الأثر الإمام أحمد على تضعيف أثر علي وزاد . ((وأول جمعة جُمِّعت بالمدينة ، جَمَّع بهم مصعب بن عمير، فذبح لهم شاة ، فكفتهم ، وكانوا أربعين ، وليس ثَمَّ أحكام تجري )) . قال إسحاق المروزي : ((قلت له : أليس ترى في قرى مرولوجَمَّعوا؟ قال: نعم )). ثم روى ابن أبي شيبة (٢/٢٠٤/١) بسند صحيح عن مالك قال : ((كان أصحاب محمد عَّلَله في هذه المياه بين مكة والمدينة يُجَمِّعون)). وروى البخاري (٣١٦/٢ بشرح الفتح) وأبوداود (١٠٦٨) وغيرهما عن ابن عباس قال: ((إن أول جمعة جُمِّعتْ في الإسلام بعد جمعة جُمَّعتْ في مسجد رسول اللّه ◌َ له بالمدينة لَجمعةٌ جمعت بـ (جُوثاء)، قرية من قرى البحرين، وفي رواية: قرية من قرى عبد القيس )). وترجم له البخاري وأبوداود بـ ((باب الجمعة في القرى )). قال الحافظ : ((ووجه الدلالة منه أن الظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلا بأمر النبي ◌َ له، لما عرف من عادة الصحابة من عدم الاستبداد بالأمور الشرعية في زمن نزول الوحي ، ولأنه لوكان ذلك لا يجوز لنزل فيه القرآن ، كما استدل جابر وأبو سعيد على جواز العزل بأنهم فعلوه والقرآن ينزل ، فلم ينهوا عنه )). قلت : وفي هذه الآثار السلفية عن عمرو مالك وأحمد من الاهتمام العظيم اللائق بهذه الشعيرة الاسلامية الخالدة : صلاة الجمعة ، حيث أمروا بأدائها والمحافظة عليها حتى في القرى وما دونها من أماكن التجمع ، وهذا ــ دون أثر علي - هو الذي يتفق مع عمومات النصوص الشرعية وإطلاقاتها ، وبالغ التحذير من تركها ، وهي معروفة ، وحسبي الآن أن أذكربآية من القرآن : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ) ، وصلاة الظهر بعدها ينافي تمامها : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ) . ولما سافرت في رمضان سنة ١٣٩٦ إلى بريطانيا سرني جداً أنني رأيت المسلمين في لندن يقيمون صلاة الجمعة والعيد أيضا ، وبعضهم يصلون الجمعة في بيوت اشتروها أو استأجروها وجعلوها (مصليات) يصلون فيها الصلوات الخمس والجمعات . فقلت في نفسي : لقد أحسن ٣١٨ هؤلاء بالمحافظة على هذه العبادة العظيمة هنا في بلاد الكفر ، ولو تعصبوا لمذهبهم - وجلهم من الحنفية - لعطلوها وصلوها ظهرا! فازددت يقيناً بأنه لا سبيل إلى نشر الاسلام والمحافظة عليه إلا بالاستسلام لنصوص الكتاب والسنة ، واتباع السلف الصالح ، المستلزم الخروج عن الجمود المذهبي إلى فسيح دائرة الاسلام ، الذي بنصوصه التى لا تبلى يصلح لكل زمان ومكان ، وليس بالتعصب المذهبي . والله ولي التوفيق . ٩١٨ - ( أخِّر وهن من حيث أخرهن اللّه . يعني النساء ). لا أصل له مرفوعا. وقد أشار إلى ذلك الحافظ الزيلعي في (( نصب الراية (٣٦/٢) بقوله : ((حديث غريب مرفوعا. وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (١) موقوف على ابن مسعود فقال : أخبرنا سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود قال : كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعا ، فكانت المرأة [ لها الخليل ] تلبس القالِبَين فتقوم عليهما ، تطول بهما لخليلها ، فألقي عليهن الحيض ، فكان ابن مسعود يقول : أخروهن من حيث أخرهن اللّه. قيل : فما القالِبَان ؟ قال : أرجل من خشب يتخذها النساء يتشرفن الرجال في المساجد. ومن طريق عبد الرزاقَ رواه الطبراني في ( معجمه))). قلت : ورواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢/٣٦/٣) من طريق زائدة أيضا عن الأعمش به ، إلا أنه لم يذكر أبا معمر في سنده . ثم ذكر الزيلعي أن بعض الجهال (كذا ) من فقهاء الحنيفة كان يعزوه إلى (( مسند رزين )) و((دلائل النبوة)) للبيهقي. قال: ((وقد تتبعته فلم أجده فيه لا مرفوعا ولا موقوفا )) وأفحش من هذا الخطأ ، أن بعضهم عزاه للصحيحين كما نبه عليه الزركشي ، ونقله السخاوي (٤١) وغيره عنه، ونقل الشيخ على القارئ في ((الموضوعات)) عن ابن الهمام أنه قال في ((شرح الهداية)): لا يثبت رفعه ، فضلا عن شهرته ، والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود ، كما في (( كشف الخفاء)) ( ١ /٦٧ ). قلت : والموقوف صحيح الإسناد ، ولكن لا يحتج به لوقفه ، والظاهر أن القصة من الإسرائيليات . ومن العجائب أن الحنفية أقاموا على هذا الحديث مسألة فقهية خالفوا فيها جماهير العلماء ، فقالوا : إن المرأة إذا وقفت بجانب الرجل أو تقدمت عليه في الصلاة أفسدت عليه صلاته ، وأما المرأة فصلاتها صحيحة ، مع أنها هي المعتدية ! بل ذهب بعضهم إلى إبطال الصلاة ولو كانت على السّدة فوقه محاذية له ! وقد استدلوا على ذلك بالأمر في هذا الحديث بتأخيرهن ، ولا يدل على ما ذهبوا إليه البتة ، وذلك من وجوه : أولا : أن الحديث موقوف فلا حجة فيه كما سبق . (١) (ج ١٤٩/٣ رقم ٥١١٥ - طبع المكتب الإسلامي)، والزيادة منه ، مع تصحيح بعض الألفاظ . ٣١٩ 1 ثانيا : أن الأمر وإن كان يفيد الوجوب فهو لا يقتضي فساد الصلاة ، بل الإثم كما سيأتي عن الحافظ . ثالثا : أنه لو اقتضى فساد الصلاة فإنما ذلك إذا خالف الرجل الأمر ولم يؤخر المرأة أو لم يتقدم عليها ، أما إذا دخل في الصلاة ثم اعتدت المرأة ووقفت بجانبه ، أو تقدمت عليه ، فلا يدل على بطلان صلاته بوجه من الوجوه ، بل لوقيل ببطلان صلاة المرأة في هذه الحالة لم يبعد ، لوكان صح رفع الحديث ، ومع ذلك فهم لا يقولون ببطلان صلاتها ! وهذا من غرائب أقوال الحنفية التي لا يشهد لصحتها أثرولا نظر! نعم من السنة أن تتأخر المرأة في الصلاة عن الرجال كما روى البخاري وغيره عن أنس بن مالك قال : ((صليت خلف النبي عَ ليه، أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي، عَ لَّه وأمي أم سُلَيم خلفنا)). قال الحافظ في ((شرحه)) (١٧٧/٢ ) : (( وفيه أن المرأة لا تصُف مع الرجل ، وأصله ما يخشى من الافتتان بها ، فإذا خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور. وعن الحنفية : تفسد صلاة الرجل دون المرأة ، وهو عجيب . وفي توجيهه تعسف ، حيث قال قائلهم ؛ دليله قول ابن مسعود هذا ، والأمر للوجوب ، وحيث ظرف مكان ، ولا مكان يجب تأخرهن فيه إلا مكان الصلاة ، فإذا حاذت الرجلَ فسدت صلاة الرجل ، لأنه ترك ما أمربه من تأخيرها ! وحكاية هذا تغني عن تكلف جوابه . والله المستغان ، فقد ثبت النهي عن الصلاة في الثوب المغصوب ، وأمر لا بسه أن ينزعه ، فلو خالف فصلى فيه ولم ينزعه أثم وأجزأته صلاته ، فلم لا يقال في الرجل الذي حاذته المرأة ذلك ، وأوضح منه ؛ لو كان لباب المسجد صُفَّةٌ مملوكة فصلى فيها شخص بغير إذنه مع اقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة واحدة صحت صلاته وأثم ، وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذته ، ولا سيما إن جاءت بعد أن دخل في الصلاة فصلت بجنبه )) . ٩١٩ - ( ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصاً إلا صعدت لا يردها حجاب ، فإذا وصلت إلى الله عزوجل نظر اللّه إلى قائلها ، وحق على اللّه أن لا ينظر إلى موحد إلا رحمه ). منكر. رواه ابن بشران في ((الأمالي)) ( ١/٧٠ و٢/١٠٨) عن علي بن الحسين بن يزيد الصدائي : ثنا : أبي : ثنا الوليد بن القاسم عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعا . ومن طريق ابن بشران رواه الخطيب في ترجمة علي بن الحسين هذا (١١ / ٣٩٤) وذكر أن وفاته كانت سنة (٢٨٦) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا ، وأنه روى عنه أبوبكر الشافعي وأبو علي أحمد بن الفضل بن خزيمة . قلت : وقد خالفه في متنه الإمام الترمذي فرواه عن الحسين بن يزيد به ، بلفظ : ٣٢٠