Indexed OCR Text
Pages 641-660
فائدة: المذابح: هي المحاريب؛ كما في ((لسان العرب))، وغيره، وكما جاء مفسراً في حديث ابن عمرو مرفوعاً بلفظ: ((اتقوا هذه المذابح)). يعني : المحاريب. رواه البيهقي (٢ / ٤٣٩) وغيره بسند حسن، وقال السيوطي في ((رسالته)) (ص ٢١): «حدیث ثابت)) . واستدل به على النهي عن اتّخاذ المحاريب في المساجد، وفيه نظر، بينته في ((الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب))، خلاصته أن المراد به صدور المجالس؛ كما جزم به المناوي في ((الفيض)). نعم؛ جزم السيوطي في الرسالة السابقة أن المحراب في المسجد بدعة، وتبعه الشيخ علي القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٤٧٣) وغيره، فهذا - أعني كونه بدعة - يغني عن هذا الحديث المعضل، وإن كان صريحاً في النهي عنه، فإننا لا نجيز لأنفسنا الاحتجاج بما لم يثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم. وقد روى البزار (١ / ٢١٠ / ٤١٦ - كشف الأستار) عن ابن مسعود أنه كره الصلاة في المحراب، وقال: إنما كانت للكنائس، فلا تشبهوا بأهل الكتاب. يعني أنه كره الصلاة في الطاق. قال الهيثمي (٢ / ٥١): «ورجاله موتقون». قلت: وفيما قاله نظر، فقد أشار البزار إلى أنه تفرد به أبو حمزة عن إبراهيم، واسم أبي حمزة میمون القصاب، وهو ضعيف اتفاقاً، ولم یوثقه أحد، فإعلاله به أولی من إعلاله بشيخ البزار محمد بن مرداس؛ بدعوى أنه مجهول، فقد روى عنه ٦٤١ جمع من الحفاظ منهم البخاري في ((جزء القراءة))، وقال ابن حبان في ((ثقاته)) (٩ / ١٠٧) : ((مستقيم الحدیث)). لكن يقويه ما روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن إبراهيم قال: قال عبدالله: ((اتقوا هذه المحاريب، وكان إبراهيم لا يقوم فيها)). قلت: فهذا صحيح عن ابن مسعود، فإن إبراهيم، وهو ابن يزيد النخعي؛ وإن كان لم يسمع من ابن مسعود، فهو عنه مرسل في الظاهر، إلا أنه قد صحح جماعة من الأئمة مراسيله، وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود. قلت: وهذا التخصيص هو الصواب؛ لما روى الأعمش قال: قلت لإِبراهيم: أسند لي عن ابن مسعود. فقال إبراهيم: ((إذا حدثتكم عن رجل عن عبدالله، فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبدالله. فهو عن غير واحد عن عبدالله)). علقه الحافظ هكذا في ((التهذيب))، ووصله الطحاوي (١ / ١٣٣)، وابن سعد في ((الطبقات)) (٦ / ٢٧٢)، وأبو زرعة في ((تاريخ دمشق)) (١٢١ / ٢) بسند صحيح عنه . قلت: وهذا الأثر قد قال فيه إبراهيم: ((قال عبدالله))، فقد تلقاه عنه من طريق جماعة، وهم أصحاب ابن مسعود، فالنفس تطمئن لحديثهم؛ لأنهم جماعة، وإن كانوا غير معروفين؛ لغلبة الصدق على التابعين، وخاصة أصحاب ابن مسعود رضي الله عنه . ثم روى ابن أبي شيبة عن سالم بن أبي الجعد قال: ((لا تتخذوا المذابح في المساجد)). وإسناده صحيح . ٦٤٢ ثم روى بسند صحيح عن موسى بن عبيدة قال: رأيت مسجد أبي ذر، فلم أر فيه طاقاً. وروى آثاراً كثيرة عن السلف في كراهة المحراب في المسجد، وفي ما نقلناه عنه كفاية . وأما جزم الشيخ الكوثري في كلمته التي صدر بها رسالة السيوطي السالفة (ص ١٧)؛ أن المحراب كان موجوداً في مسجد النبي ولو، فهو مع مخالفته لهذه الآثار التي يقطع من وقف عليها ببدعية المحراب؛ فلا جرم جزم بذلك جماعة من النقاد؛ كما سبق، فإنما عمدته في ذلك حديث لا يصح، ولا بد من الكلام عليه دفعاً لتلبيسات الكوثري، وهو من حدیث وائل بن حجر، وهو قوله: ٤٤٩ - (حَضَرْتُ رسولَ اللهِ بَلِّ حِينَ نَهَضَ إلى المَسْجِدِ، فَدَخَلَ المِخْراب [یعني: موضعَ المِحْراب]، ثم رفعَ یدیه بالتکبیرِ، ثم وضعَ يمينَهُ على يُسراهُ على صدرِهِ). ضعيف. أخرجه البيهقي (٢ / ٣٠) عن محمد بن حجر الحضرمي: حدثنا سعید بن عبدالجبار بن وائل عن أبيه عن أمه عن وائل. ومن هذا الوجه رواه البزار (٢٦٨ - زوائده)، والزيادة له، والطبراني في ((الكبير)) (٢٢ / ٤٩ / ١١٨)، وقال في ((المجمع)) (١ / ٢٣٢، ٢ /١٣٤ - ١٣٥): ((وفيه سعيد بن عبدالجبار؛ قال النسائي: ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات))، ومحمد بن حجر ضعيف)). وقال في الموضع الآخر: ((وفيه محمد بن حجر؛ قال البخاري: فيه بعض النظر. وقال الذهبي: له مناكير)). ٦٤٣ قلت: وبه أعله ابن التركماني في ((الجوهر النقي))، وزاد: ((وأم عبدالجبار هي: أم يحيى، لم أعرف حالها، ولا اسمها)). فتبين من كلام هؤلاء العلماء أن هذا الإِسناد فيه ثلاث علل : ١ - محمد بن حجر. ٢ - سعيد بن عبد الجبار. ٣ - أم عبدالجبار. فمن تلبيسات الكوثري أنه سكت عن العلتين الأوليين، موهماً القراء أنه ليس فيه ما يخدش إلا العلة الثالثة، ومع ذلك فإنه أخذ يحاول دفعها بقوله : ((وليس عدم ذكر أم عبد الجبار بضائره؛ لأنها لا تشذ عن جمهرة الراويات اللاتي قال عنهن الذهبي: وما علمت في النساء من اتهمت، ولا من تركوها)). قلت: وليس معنى كلام الذهبي هذا إلا أن حديث هؤلاء النسوة ضعيف، ولكنه ضعف غير شديد، فمحاولة الكوثري فاشلة، ولا سيما بعد أن كشفنا عن العلتين الأولیین. ولذلك فإن المقدِّم الآخر لرسالة السيوطي، والمعلق عليها، وهو الشيخ عبدالله محمد الصديق الغماري كان منصفاً في نقده لهذا الحديث، وإن كان متفقاً مع الكوثري في استحسان المحاريب، فقد أفصح عن ضعف الحديث، فقال (ص ٢٠) - وكأنه يرد على الكوثري، وقد اطلع قطعاً على كلامه -: ((والحق أن الحديث ضعيف بسبب جهالة أم عبدالجبار، ولأن محمد بن حجر ابن عبدالجبار له مناكير؛ كما قال الذهبي، وعلى فرض ثبوته، يجب تأويله بحمل المحراب فيه على المصلَّى - بفتح اللام - للقطع بأنه لم يكن للمسجد النبوي محراب إذ ذاك؛ كما جزم به المؤلف (يعني: السيوطي)، والحافظ، والسيد السمهودي)). قلت: وما ذهب إليه من التأويل هو المراد من الحديث قطعاً - لو ثبت - بدليل ٦٤٤ زيادة البزار: ((يعني موضع المحراب))؛ فإنه نص على أن المحراب لم يكن في عهده وَّ، ولذلك تأوله الراوي بموضع المحراب. ومن ذلك يتبين للقارىء المنصف سقوط تشبث الكوثري بالحديث سنداً ومعنى، فلا يفيده الشاهد الذي ذكره من رواية عبدالمهيمن بن عباس عند الطبراني(١) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، وفيه : (( ... فلما بني له محراب، تقدم إليه ... )). ذلك لأن هذا اللفظ: ((بني له محراب))؛ منكر، تفرد به عبدالمهيمن هذا، وقد ضعفه غير واحد؛ كما زعم الكوثري، وحاله في الحقيقة شر من ذلك، فقد قال فيه البخاري : ((منكر الحديث)). وقال النسائي : ((ليس بثقة)). فهو شديد الضعف، لا يستشهد به؛ كما تقرر في مصطلح الحديث، هذا لو كان لفظ حديثه موافقاً للفظ حديث وائل، فكيف وهما مختلفان اختلافاً جلياً؛ كما بيًّا؟! وأما استحسان الكوثري وغيره المحاريب بحجة أن فيها مصلحة محققة، وهي الدلالة على القبلة؛ فهي حجة واهية من وجوه: أولاً: أن أكثر المساجد فيها المنابر، فهي تقوم بهذه المصلحة قطعاً، فلا حاجة (١) قلت: يعني في ((المعجم الكبير) (٦ / ١٥٥ / ٥٧٢٦)، وقد تكلمت على إسناده، وبينتُ نكارة ذكر المحراب فيه من رواية سهل وغيره مفصلاً فيما سيأتي - إن شاء الله تعالى - برقم (٥٥٥٤). ٦٤٥ حينئذ للمحاريب فيها، وينبغي أن يكون ذلك متفقاً بين المختلفين في هذه المسألة لو أنصفوا! ولم يحاولوا ابتكار الأعذار إبقاءً لما عليه الجماهير، وإرضاءً لهم! ثانياً: أن ما شرع للحاجة والمصلحة، ينبغي أن يوقف عندما تقتضيه المصلحة، ولا يزاد على ذلك، فإذا كان الغرض من المحراب في المسجد، هو الدلالة على القبلة، فذلك يحصل بمحراب صغير يحفر فيه، بينما نرى المحاريب في أكثر المساجد ضخمة واسعة يغرق الإِمام فيها! زد على ذلك أنها صارت موضعاً للزينة والنقوش التي تلهي المصلين وتصرفهم عن الخشوع في الصلاة وجمع الفكر فيها، وذلك منهي عنه قطعاً. ثالثاً: أنه إذا ثبت أن المحاريب من عادة النصارى في كنائسهم، فينبغي حينئذ صرف النظر عن المحراب بالكلية، واستبداله بشيء آخر يتفق عليه، مثل وضع عمود عند موقف الإِمام، فإن له أصلاً في السنة، فقد أخرج الطبراني في ((الكبير)) (١ / ٨٩ / ٢)، و((الأوسط)) (٢ / ٢٨٤ / ٩٢٩٦) من طريقين عن عبد الله بن موسى التيمي عن أسامة بن زيد عن معاذ بن عبدالله بن خبيب عن جابر بن أسامة الجهني قال: (لقيت النبي وَ له في أصحابه في السوق، فسألت أصحاب رسول الله وَالر: أين يريد؟ قالوا: يخط لقومك مسجداً. فرجعت، فإذا قوم قيام، فقلت: ما لكم؟ قالوا: خط لنا رسول الله وَ لهر مسجداً، وغرز في القبلة خشبة أقامها فيها)). قلت: وهذا إسناد حسن أو قريب من الحسن، رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال ((التهذیب))، لکن التيمي مختلف فيه. وقد تحرف اسم أحدهم على الهيثمي، فقال في ((المجمع)) (٢ / ١٥): ((رواه الطبراني في ((الأوسط)) و ((الكبير))، وفيه معاوية بن عبدالله بن حبيب، ولم أجد من ترجمه)). وإنما هو: ((معاذ))، لا ((معاوية))، و((ابن خبيب))؛ بضم المعجمة، لا ٦٤٦ ((حبيب))؛ بفتح المهملة، وعلى الصواب أورده الحافظ في ((الإِصابة)) (١ / ٢٢٠) من رواية البخاري في ((تاريخه))، وابن أبي عاصم، والطبراني. وقد خفيت هذه الحقيقة على المعلق على رسالة السيوطي، وهو الشيخ عبدالله الغماري، فنقل كلام الهيثمي في إعلال الحديث بمعاوية بن عبدالله، وأقره !! وجملة القول: إن المحراب في المسجد بدعة، ولا مسوِّغ لجعله من المصالح المرسلة، ما دام أن غيره مما شرعه رسول الله وصيل يقوم مقامه مع البساطة، وقلة الكلفة، والبعد عن الزخرفة . ٤٥٠ - (لو اعْتَقَدَ أحَدُكُم بِحَجَرِ؛ لِنَفَعَهُ). موضوع. كما قال ابن تيمية وغيره. قال الشيخ علي القاري في ((موضوعاته)) (ص ٦٦): ((وقال ابن القيم: هو من كلام عُبَّاد الأصنام الذي يحسنون ظنهم بالأحجار. وقال ابن حجر العسقلاني: لا أصل له. ونحوه: من بلغه شيء عن الله فيه فضيلة ... )). قلت: يعني الحديث الآتي بعد : ٤٥١ - (مَنْ بَلَغَهُ عن اللهِ شيءٌ فيهِ فضيلَةٌ، فأخَذَ بهِ إيماناً بهِ، ورجاءَ ثوابِهِ؛ أعطاهُ الله ذُلكَ، وإنْ لمْ يَكُنْ كذلك). موضوع. أخرجه الحسن بن عرفة في ((جزئه)) (١٠٠ / ١)، وابن الأبار في ((معجمه)) (ص ٢٨١)، وأبو محمد الخلال في ((فضل رجب)) (١٥ / ١ - ٢)، والخطيب (٨ / ٢٩٦)، ومحمد بن طولون في ((الأربعين)) (١٥ / ٢) عن فرات بن سلمان وعيسى بن كثير؛ كلاهما عن أبي رجاء عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة ابن عبدالرحمن عن جابر بن عبدالله الأنصاري مرفوعاً. ٦٤٧ ومن هذه الطريق ذكره ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١ / ٢٥٨)، وقال: ((لا يصح، أبو رجاء كذاب)). وأقره السيوطي في ((اللآلىء)) (١ / ٢١٤)، وأنا لم أعرف أبا رجاء هذا. ثم وجدت الحافظ السخاوي صرح أيضاً في ((المقاصد)) (ص ١٩١) بأنه لا يعرف، وكذا قال في ((القول البديع)) (ص ١٩٧). وأما قول المؤرخ ابن طولون : ((هذا حديث جيد الإِسناد، وأبو رجاء هو - فيما أعلم - محرز بن عبدالله الجزري مولى هشام، وهو ثقة، وللحديث طرق وشواهد ذكرتها في كتابي ((التوشيح لبيان صلاة التسبيح))(١)). فهو بعيد جداً عن قواعد هذا العلم، فإن محرزاً هذا؛ إن سُلِّم أنه أبو رجاء، فهو يدلس؛ كما قال الحافظ في ((التقريب))، وقد عنعن، فأنى لإِسناده الجودة؟! على أنني أستبعد أن يكون أبو رجاء هو محرز هذا؛ لأسباب: منها: أنهم ذكروا في ترجمته أن من شيوخه فرات بن سلمان، والواقع في هذا الإِسناد خلافه، أعني أن فرات بن سلمان هو راوي الحديث عنه؛ إلا أن يُقال: إنه من رواية الأكابر عن الأصاغر. وفيه بعد، والله أعلم. ويؤيد أنه ليس به، أنني رأيت على هامش ((جزء ابن عرفة)): ((العطاردي)) إشارة إلى أن هذا نسبه، ولكن لم يوضع بجانبها حرف ((صح)) إشارة إلى أن هذه النسبة هي من أصل الكتاب سقطت من قلم الناسخ، فاستدركها على الهامش؛ كما هي عادتهم، فإذا لم يشر إلى أنها من الأصل، فيحتمل أن تكون وضعت عليه تبييناً (١) ثم رأيت الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (٧٧٧ - ٨٤٢) قد ذكر مثل هذا الكلام في كتابه ((الترجيح لحديث صلاة التسابيح))، فعلمت أن ابن طولون أخذه منه، وهذا الكتاب وقفت عليه في مكتبة الحرم المكي سنة (١٣٨٢هـ)، ثم طبعت بتعليق ممن لا علم عنده كما يأتي . ٦٤٨ وتوضيحاً، لا على أنها من الأصل، ولعلنا نعثر على نسخة أخرى لهذا الجزء، فنتبين حقيقة هذه الكلمة. والله أعلم. ثم رأيت الحديث قد أخرجه الحافظ القاسم ابن الحافظ ابن عساكر في ((الأربعين)) للسِّلَفي (١١ / ١) من الطريقين عن أبي رجاء به، وقال: ((وهذا الحديث أيضاً فيه نظر، وقد سمعت أبي رحمه الله يضعفه)). ثم أورده ابن الجوزي من رواية الدارقطني بسنده عن ابن عمر، وفيه إسماعيل ابن یحیی ؛ قال ابن الجوزي : «کذاب)). ومن رواية ابن حبان في ((المجروحين)) (١ / ١٩٩) من طريق بزيع أبي الخليل عن محمد بن واسع وثابت بن أبان (كذا الأصل، ولعله ابن أسلم، فإني لا أعرف في الرواة ثابت بن أبان) عن أنس مرفوعاً. وقال ابن الجوزي : ((بزيع؛ متروك)). قلت: قال الذهبي في ترجمته : ((متهم. قال ابن حبان: يأتي عن الثقات بأشياء موضوعة، كأنه المتعمد لها)). وقال في ((الضعفاء)): ((متروك)) . وفي ((اللسان)) للحافظ ابن حجر: ((وقال الدارقطني: كل شيء يرويه باطل. وقال الحاكم: يروي عن الثقات أحاديث موضوعة)). قلت: ومن طريقه أخرجه أبو يعلى، والطبراني في ((الأوسط)) بنحوه؛ كما في ((المجمع)) (١ / ١٤٩)، وسنذكره بعد هذا. ٦٤٩ ثم إن السيوطي تعقب ابن الجوزي، فساق لحديث أنس طريقاً آخر فيه متهم أيضاً؛ كما يأتي بيانه في الحديث الذي بعده، وذكر كذلك طريقاً أخرى لحديث ابن عمر من رواية الوليد بن مروان عنه، وسكت عنه، والولید هذا مجهول؛ كما قال ابن أبي حاتم (٤ / ٢ / ١٨) عن أبيه. وكذا قال الذهبي والعسقلاني. ثم إن فيه انقطاعاً، فإن الوليد هذا روى عن غيلان بن جرير، وغيلان لم يرو عن غير أنس من الصحابة، فهو من صغار التابعين، فالوليد على هذا من أتباعهم، لم يدرك الصحابة، فثبت انقطاع الحديث. ومن عجائب السيوطي أنه ساق بعد هذا قصة عن حمزة بن عبدالمجيد، خلاصتها أنه رأى النبي # في المنام، فسأله عن هذا الحديث، فقال: إنه لمني، وأنا قلته! ومن المقرر عند العلماء أن الرؤيا لا يثبت بها حكم شرعي، فبالأولى أن لا يثبت بها حديث نبوي، والحديث هو أصل الأحكام بعد القرآن. وبالجملة؛ فجميع طرق هذا الحديث لا تقوم بها حجة، وبعضها أشد ضعفاً من بعض، وأمثلها - كما قال الحافظ ابن ناصر الدين في ((الترجيح)) - طريق أبي رجاء، وقد عرفت وهاءها، ولقد أصاب ابن الجوزي في إيراده إياه في ((الأحاديث الموضوعة))، وتابعه على ذلك الحافظ ابن حجر، فقال؛ كما سبق في الحديث الذي قبله : (لا أصل له)). وكفى به حجة في هذا الباب، ووافقه الشوكاني أيضاً؛ كما سيأتي في الحديث الذي بعده. ومن آثار هذا الحديث السيئة أنه يوحي بالعمل بأي حديث طمعاً في ثوابه، سواء كان الحديث عند أهل العلم صحيحاً، أو ضعيفاً، أو موضوعاً، وكان من نتيجة ٦٥٠ ذلك أن تساهل جمهور المسلمين؛ علماء، وخطباء، ومدرسين، وغيرهم في رواية الأحاديث، والعمل بها، وفي هذا مخالفة صريحة الأحاديث الصحيحة في التحذير من التحديث عنه رسول إلا بعد التثبت من صحته عنه وَليزر؛ كما بيناه في المقدمة. ثم إن هذا الحديث وما في معناه؛ كأنه عمدة من يقول بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ومع أننا نرى خلاف ذلك، وأنه لا يجوز العمل بالحديث إلا بعد ثبوته؛ كما هو مذهب المحققين من العلماء، کابن حزم، وابن العربي المالكي، وغيرهم؛ فإن القائلين بالجواز قيدوه بشروط: منها: أن يعتقد العامل به كون الحديث ضعيفاً. ومنها: أن لا يشهر ذلك، لئلا يعمل المرء بحديث ضعيف، فيشرع ما ليس بشرع، أو يراه بعض الجهال، فيظن أنه سنة صحيحة؛ كما نص على ذلك الحافظ ابن حجر في «تبیین العجب بما ورد في فضل رجب)) (ص ٣ - ٤)؛ قال: ((وقد صرح بمعنى ذلك الأستاذ ابن عبدالسلام وغيره، وليحذر المرء من دخوله تحت قوله وَلير: ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكذابين)»، فكيف بمن عمل به، ولا فرق في العمل بالحديث في الأحكام، أو في الفضائل، إذ الكل شرع)). قلت: ولا يخفى أن العمل بهذه الشروط ينافي هذا الحديث الموضوع، فالقائلون بها كأنهم يقولون بوضعه، وهذا هو المطلوب، فتأمل. ثم رأيت رسالة ابن ناصر الدين في صلاة التسابيح التي نقلت عنها تجويده الإِسناد هذا الحديث قد طُبعت بتعليق المدعو محمود بن سعيد المصري، وقد شغب فيها علينا ما شاء له الشغب - كما هي عادته - وتأول كلام العلماء بما يتفق مع جدله بالباطل، ومكابرته الظاهرة لكل قارىء، ولا مجال الآن للرد عليه مفصلاً، فحسبي أن أسوق مثالاً واحداً على ما نقول: ٦٥١ لقد تظاهر بالانتصار للتجويد المشار إليه، فرد إعلالي للحديث بتدليس مُخْرِز؛ إن سُلم بأنه هو أبو رجاء، فزعم (ص ٣٢ و ٣٣) بأن محرزاً إنما يدلس عن مكحول فقط! وبذلك تأول ما نقله عن ابن حبان أنه قال: ((كان يدلس عن مكحول، يعتبر بحديثه ما بيَّن السماع فيه عن مكحول وغيره)). فتعامى عن قوله: ((وغيره)) الصريح في أنه إذا لم يصرح بالسماع عن مكحول وعن غيره؛ فلا يُعتبر بحديثه! كما تعامى عن قول الحافظ المتقدم: ((کان یدلس))؛ فإنه مطلق يشمل تدليسه عن مكحول وغيره. وإنما قلت: ((تظاهر ... ))؛ لأنه بعد تلك الجعجعة رجع إلى القول بضعف الحديث! فقد تشكك (ص ٣٦) أولاً في كون أبي رجاء هو محرز بن عبدالله المدلس! وثانياً خالف ابن ناصر الدين بقوله: ((ولكن الحديث فيه نكارة شديدة توجب ضعفه، فإنه يؤدي للعمل بكل ما يُسمع، ولو كان موضوعاً أو واهياً، ما دام في الفضائل)). قلت: فقد رجع من نقده إياي بخفي حنين! بعد أن سرق ما جاء في استدراكه الأخير من قولي المتقدم قريباً: ((ومن آثار هذا الحديث السيئة أنه يوحي بالعمل بأي حديث طمعاً في ثوابه ... )) إلخ. أفلا يدل هذا على بالغ حقده وحسده ومكابرته؟ بلى، هناك ما هو أعظم في الدلالة، فانظر مقدمتي لكتابي ((آداب الزفاف)) طبع المكتبة الإِسلامية في عمان؛ ترَ العجب العجاب! والخلاصة؛ أن العلماء اتفقوا على رد هذا الحديث ما بين قائل بوضعه أو ضعفه، وهم: ابن الجوزي، وابن عساكر، وولداه، وابن حجر، والسخاوي، والسيوطي، والشوكاني، (وهم القوم لا يشقى جليسهم). ٦٥٢ وأما الطريق الأخرى التي سبقت الإشارة إليها من حديث أنس؛ فهي : ٤٥٢ - (مَن بَلَغَهُ عنِ الله فضلٌ، فَأَخَذَ بذلكَ الفضْلِ الذي بَلَغَهُ؛ أعطاهُ اللهِ ما بَلَغَهُ، وإنْ كانَ الذي حَدَّثَهُ كاذباً). موضوع. أخرجه البغوي في ((حديث كامل بن طلحة)) (٤ / ١)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (١ / ٢٢)، وأبو إسماعيل السمرقندي في ((ما قرب سنده)) (٢ / ١)، وابن عساكر في ((التجريد)) (٤ / ٢ / ١) من مخطوطة الظاهرية مجموع (١٠ / ١٢) من طريق عباد بن عبدالصمد عن أنس مرفوعاً. قلت: وعباد متهم؛ قال الذهبي : ((وهَّاه ابن حبان، وقال: حدث عن أنس بنسخة كلها موضوعة)). ثم ذكر له الذهبي طرفاً من حديث، ثم قال: ((فذكر حديثاً طويلاً يشبه وضع القصاص)). ثم ذكر له آخر، ثم قال: ((فهذا إفك بيِّن)) . قلت: ومع أن ابن عبدالبر قد ذكر الحدیث بإسناده، وذلك يبرىء عهدته منه، فقد اعتذر عن ذكره بقوله : ((أهل العلم يجماعتهم يتساهلون في الفضائل، فيروونها عن كل، وإنما يتشددون في أحاديث الأحكام)). وقد تعقبه المحقق الشوكاني فأجاد، فقال في ((الفوائد المجموعة)) (ص ١٠٠ ) : ((وأقول: إن الأحكام الشرعية متساوية الأقدام؛ لا فرق بينها، فلا يحل إذاعة ٦٥٣ (الأصل: إضاعة) شيء منها إلا بما يقوم به الحجة، وإلا كان من التقوُّل على الله بما لم يقل، وفيه من العقوبة ما هو معروف، والقلب يشهد بوضع ما ورد في هذا المعنى، وبطلانه)). وقد روي الحديث بلفظ آخر، وهو: ٤٥٣ - (مَن بَلَغَهُ عن اللهِ فضيلَةٌ، فلمْ يُصَدِّقْ بها؛ لم يَنَلْها). موضوع. رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٦ / ١٦٣) وابن عدي في ((الكامل)) (ق ٤٠ / ٢) عن بزيع أبي الخليل الخصاف عن ثابت عن أنس مرفوعاً. وقال: ((لا أعلم رواه غير بزيع أبي الخليل)). قلت: وهو متهم بالوضع؛ كما تقدم قبل حديث، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) (١ / ١٤٩) من حديث أنس، وقال: ((رواه أبو يعلى، والطبراني في ((الأوسط))، وفيه بزيع أبو الخليل، وهو ضعيف)) . قلت: بل هو متهم؛ كما قال الذهبي، وتقدمت عبارة ابن حبان وغيره في ذلك قبل حدیث . ٤٥٤ - (إذا صَلَّيْتُم؛ فقولوا: سُبحانَ اللهِ ثلاثاً وثلاثينَ، والحمدُ للهِ ثلاثاً وثلاثينَ، والله أكبرُ ثلاثاً وثلاثينَ، ولا إلهَ إلَّ الله عشراً؛ فإنكم تُدْرِكونَ بذلك مَن سَبَقَكُم، وتسبِقونَ مَنْ بَعْدَكُم). ضعيف بهذا السياق. أخرجه النسائي (١ / ١٩٩)، والترمذي (٢ / ٢٦٤ - ٢٦٥) من طريق عتاب بن بشير عن خصيف عن مجاهد، وعكرمة عن ابن عباس قال: ((جاء الفقراء إلى رسول الله وَله، فقالوا: يا رسول الله! إن الأغنياء يصلون كما ٦٥٤ نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم أموال يتصدقون وينفقون، فقال النبي (ص ) *-... )) فذكره. وقال الترمذي : ((حديث حسن غريب)). قلت: إسناده ضعيف، خصيف ـ وهو ابن عبدالرحمن الجزري - صدوق، سبىء الحفظ، خلط بأخرة، وعتاب؛ صدوق يخطىء. وقوله: ((ولا إله إلا الله عشراً))؛ منكر مخالف لحديث أبي هريرة في هذه القصة، وفيه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... مرة واحدة. وإسناده صحيح؛ كما كنت بينته في ((الأحاديث الصحيحة)) (رقم ١٠٠). ٤٥٥ - (الرجلُ الصالحُ يأتي بالخَبَرِ الصالحِ، والرَّجُلُ السوءُ يأتي بالخَبَرِ السوءِ). موضوع. أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣ / ٩٥)، وابن عساكر (١٣ / ١٨٥ / ٢) من طريق محمد بن القاسم الطايكاني قال: ثنا عمر (في ((الحلية)) عمرو، وهو خطأ) ابن هارون عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال : ((غريب، لم نكتبه إلا من حديث محمد بن القاسم)). قلت: وهو وضَّاع، وشيخه عمر بن هارون كذاب، وخفي هذا على السيوطي، فأورد الحديث في ((الجامع الصغير)) برواية أبي نعيم، وابن عساكر عن أبي هريرة! ولم يتكلم شارحه على إسناده بشيء؛ غير أنه قال: «ورواه عنه الديلمي)»! ثم وجدت له طريقاً أخرى، رواه أبو بكر الأزدي في ((حديثه)) (٥ / ١) عن يحيى بن عبدويه: حدثني أبو محمد بن سعيد بن المسيب - وأحسب اسمه ٦٥٥ عبدالملك - عن أبيه عن جده عن أبي هريرة به . قلت: وهذا سند ضعيف جداً، علته ابن عبدويه، رماه ابن معين بالكذب، وأما أحمد؛ فأثنى عليه! وأبو محمد بن سعيد بن المسيب؛ لم أعرفه، ولسعيد ابن يدعى محمداً، فلعله هذا؛ انقلب اسمه على ابن عبدویه، فجعله کنیته، وحسب أن اسمه عبدالملك، ثم زاد في السند: ((عن جده))، فجعله من مسند المسيب عن أبي هريرة، والمسيب صحابي، ولا نعرف له رواية عن أبي هريرة. وله شاهد لا يساوي فلساً، أخرجه أبو الشيخ في ((الأمثال)) (٦٦) من طريق داود ابن المحبر: حدثنا عنبسة بن عبدالرحمن القرشي عن عبدالله بن ربيعة عن أنس مرفوعاً به. قلت: وعنسبة وداود وضاعان . ٤٥٦ - (إنَّ فاطِمَةَ حَصَّنَتْ فرجَها، فحَرَّمَ الله ذُرِّيَتَها على النَّارِ). ضعيف جداً. أخرجه الطبراني (١ / ٢٥٧ / ١)، والعقيلي في ((الضعفاء)) (ص ٢٨٦)، وابن عدي في ((الكامل)) (ق ٢٤٩ / ١)، وابن شاهين في ((فضائل فاطمة)) (ورقة ٣ وجه ١)، وتمام في ((الفوائد)) (٦١ / ٢)، وابن منده في ((المعرفة)) (٢ / ٢٩٣ / ١)، وابن عساكر (٥ / ٢٣ /١، ١٧ / ٣٨٦ / ١) عن معاوية بن هشام: ثنا عمر بن غياث الحضرمي عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبدالله بن مسعود مرفوعاً . ثم رواه ابن شاهين، وكذا أبو القاسم المهراني في ((الفوائد المنتخبة)) (٢ / ١١ / ٢) من طريق حفص بن عمر الأبُلِّي: ثنا عبد الملك بن الوليد بن معدان وسلام بن سليم القاري عن عاصم به . ٦٥٦ وابن شاهين أيضاً من طريق محمد بن عبيد بن عتبة: ثنا محمد بن إسحاق البلخي : ثنا تلید عن عاصم به . قلت: فهذه طرق ثلاث عن عاصم، وهي ضعيفة جداً، وبعضها أشد ضعفاً من بعض . ففي الطريق الأولى عمر بن غياث؛ قال العقيلي : ((قال البخاري: في حديثه نظر. قال العقيلي: والحديث هو هذا)). وقال البخاري في ((التاريخ الصغير)) (ص ٢١٤): ((ولم يذكر سماعاً من عاصم، معضل الحديث)). واتهمه ابن حبان، فقال: «یروي عن عاصم ما ليس من حديثه)). وقال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٣ / ١ / ١٢٨) عن أبيه: «هو منكر الحديث)). والراوي عنه معاوية بن هشام فيه ضعف، لكن الحمل فيه على شيخه عمر. ومن هذه الطرق برواية ابن عدي أورده ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (١ / ٤٢٢)، وقال: («مداره على عمرو بن غياث، ويقال فيه: ((عمر))، وقد ضعفه الدارقطني. وقال ابن حبان: عمرو يروي عن عاصم ما ليس من حديثه، ولعله سمعه في اختلاط عاصم. ثم إن ثبت الحديث؛ فهو محمول على أولادها فقط، وبذلك فسره محمد ابن علي بن موسى الرضى، فقال: هو خاص بالحسن والحسين)). قلت: ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (٣ / ١٥٢)، وأبو نعيم (٤ / ١٨٨)، وقال : ٦٥٧ ((هذا حديث غريب، تفرد به معاوية)). وأما الحاكم؛ فقال: ((صحيح الإِسناد)). ورده الذهبي بقوله : ((قلت: بل ضعيف، تفرد به معاوية، وقد ضُعف، عن ابن غياث، وهو واهٍ بمرة)» . قلت: ورواه العقيلي أيضاً من طريق آخر عن معاوية بن هشام به، إلا أنه أوقفه على ابن مسعود. وقال العقيلي : ((والموقوف أولى)). قلت: ولا يصح لا موقوفاً ولا مرفوعاً. وأما الطريق الثاني؛ ففيه حفص بن عمر الأبُلِّي، وهو كذاب. وأما الطريق الثالث؛ ففيه تلید؛ قال ابن معين : ((كذاب، يشتم عثمان)). وقال أبو داود: ((رافضي، يشتم أبا بكر وعمر)). وفي لفظ : ((خبيث)) . فتبين أن هذه الطرق واهية؛ لا تزيد الحديث إلا وهناً. وقد روى أبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢ / ٢٠٦ - ٢٠٧) بسند فيه نظر عن ابن الرضى أنه سُئل عن هذا الحديث، فقال: خاص بالحسن والحسين . ٦٥٨ وذكره العقيلي من قول أبي کریب أحد رواته عن ابن هشام، وزاد: ((ولمن أطاع الله منهم)). وهذا تأويل جيد؛ لو صح الحديث. وقد ذكر له السيوطي شاهداً من حديث ابن عباس، وهو عندي شاهد قاصر؛ لأنه أخص منه، على أن إسناده ضعيف، وهو: ٤٥٧ - (إنَّ الله غيرُ مُعَذِّبَكِ (يعني فاطمةَ رضي الله عنها) ولا ولدَها). ضعيف. أخرجه الطبراني (٣ / ١٣١ / ٢): حدثنا أحمد بن مابهرام الإِيذَجي : نا محمد بن مرزوق: ثنا إسماعيل بن موسى بن عثمان الأنصاري: سمعت صيفي بن ربعي يحدث عن عبدالرحمن بن الغسيل عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً . وقد أورده السيوطي في ((اللآلىء)) (١ / ٤٠٢) شاهداً للحديث الذي قبله، وسكت عنه . وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٩ / ٢٠٢): (رواه الطبراني، ورجاله ثقات)). وأقره ابن عراق في ((تنزيه الشريعة)) (١ / ٤١٧). قلت: وفيه نظر من وجوه : الأول: أن إسماعيل هذا لم يوثقه غير ابن حبان، وقد ذكرنا مراراً أن توثيقه إذا تفرد غيرُ موثوق، ولا سيما إذا خالفه غيره؛ كما هنا، فقد قال ابن أبي حاتم (١ / ١ / ١٩٦) عن أبيه : ((إنه مجهول)). ٦٥٩ الثاني: أن محمد بن مرزوق وإن خرَّج له مسلم؛ ففيه لين؛ كما قال ابن عدي . الثالث: أن الإِيذَجي هذا أورده السمعاني في ((الأنساب))، فقال :. ((روى عن محمد بن مرزوق، روى عنه الطبراني، وسمع منه بإيذَج)). ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. والله أعلم. ثم شككت في كون ابن عثمان الأنصاري هو الذي وثقه ابن حبان؛ لأنه ذكره في (أتباع التابعين) (٦ / ٤٣)، وهذا كما ترى دونه بحيث أدركه محمد بن مرزوق شيخ مسلم! ثم هو لم يجاوز في نسبه أباه موسى الأنصاري، فالله أعلم. ٤٥٨ - (دِيَّةُ ذِمِّيِّ دِيَةُ مسلمٍ). منكر. أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١ / ٤٥ - ٤٦ / ٧٨٠)، والدارقطني في ((سننه)) (ص ٣٤٣، ٣٤٩)، والبيهقي (٨ / ١٠٢) من طريق أبي كرز القرشي عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً. وضعفه الدارقطني بقوله: ((لم يرفعه عن نافع غير أبي كرز، وهو متروك، واسمه عبدالله بن عبدالملك الفهري)). وذكر الذهبي في ترجمته من ((الميزان)) أن هذا الحديث من أنكر ما له. ثم رواه الدارقطني من حديث أسامة بن زيد، وأعله بأن فيه عثمان بن عبدالرحمن الوقَّاصي؛ متروك الحديث. قلت: بل هو متهم، وقد تقدم له غیرما حدیث. ثم رواه البيهقي من حديث ابن عباس، وأعله بأن فيه الحسن بن عمارة؛ قال: «وهو متروك، لا يحتج به)). ٦٦٠