Indexed OCR Text

Pages 741-760

أن (محمد بن أبي بن كعب) - كما وقع في السند - ليس ابنه وإنما حفيده .
ويؤيده رواية أبي داود الطيالسي قال : حدثنا حرب بن شداد ؛ به غير أنه
قال : عن محمد بن عمرو بن أبي كعب عن جده أبي بن كعب أنه كان له
جرن ... فوافقه في (الجد) وزاد عليه ، فسمى أبا محمد (عمراً) .
أخرجه الحاكم (٥٦١/١ - ٥٦٢)، ومن طريقه: البيهقي (١٠٩/٧).
وخالف حرباً : أبانُ بن يزيد فقال : عن يحيى بن أبي كثير عن الحضرمي بن
لاحق عن محمد بن أبي بن كعب عن أبيه : كان له جرن ...
أخرجه الطبراني (٥٤١/١٦٩/١). وقال المنذري (٢٣٢/١): ((إسناده جيد)).
وقد ذكر هذين الوجهين من الاختلاف الإمام البخاري في ترجمة (محمد
ابن أبي بن كعب) من ((التاريخ)) (٢٧/١/١)، كما ذكر رواية الوليد بن مسلم
المتقدمة عن الأوزاعي ، وفيها إبهام اسم (ابن أبي بن كعب) .
وهذا اختلاف شديد يقف الباحث أمامه حيران لا يستطيع الجزم بشيء منه !
وإن كان لا بد من إبداء رأيي فيه ، فإني أرى أن رواية من قال : (محمد بن أبي بن
كعب : كان لجدي ... ) أرجح ؛ لأنها متفقة مع رواية الطيالسي التي جعلت (أبي
ابن كعب) جَدّاً لـ (محمد بن أبي بن كعب)؛ غاية ما في الأمر أنها سمت ابن
أبي بن كعب (عَمراً) ، وهي زيادة من ثقة - بل وحافظ - وهو الإمام الطيالسي
صاحب ((المسند))، وزيادة الثقة مقبولة كما هو معلوم .
هذا رأيي ، ولكني لم أجد في الحفاظ المتقدمين من احتفل به ، مثل الحافظ المزي
والعسقلاني؛ فإنهما لم يترجما في ((التهذيب)) إلا لـ (محمد بن أبي بن كعب)؛ لأنه
هو المسمى عند النسائي دون (محمد بن عمرو بن أبي) كما تقدم ، فقالا :
٧٤٠

((محمد بن أبي بن كعب الأنصاري أبو معاذ المدني ، ويقال : محمد بن فلان
ابن أبي . .» .
فأشارا بقولهما: ((فلان)) إلى (عمرو)، وإلى أن ذكره بين (محمد) و(أبي بن
كعب) لا يصح. وعمدتهم في ذلك - والله أعلم - قول أبي حاتم في ترجمة
(محمد بن أبي) من ((الجرح)) (٢٠٨/٢/٣):
((روى عن أبيه، روى عنه بُسْر بن سعيد والحضرمي بن لاحق وابنه معاذ بن
محمد ، جعله البخاري اسمين ، فسمعت أبي يقول : هما واحد ، روى الأوزاعي
عن يحيى بن أبي كثير عنه . وروى حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير عن
الحضرمي بن لاحق عنه)) .
وإن مما يلفت النظر اختلاف الترجمة بين ((تهذيب المزي)) و((تهذيب
العسقلاني))؛ فإن الأول قال: ((روى عن جده))! ثم يذكر عن الواقدي أن محمد
ابن أبي بن كعب كان فيمن قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين ! فلعل قوله : ((عن
جده)) سبق قلم منه .
ومن ذلك أن أبا حاتم الذي أنكر على البخاري جَعْلَ الاسم اسمين ، وجزم هو
بأنهما واحد كما تقدم ، فإنه مع ذلك ترجم ترجمة خاصة لمحمد بن عمرو بن أبي
ابن کعب الأنصاري ، وقال :
((روى عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب ، روى عنه محمد بن عبدالرحمن
ابن سعد بن زرارة)) .
وسبقه إلى ذلك البخاري (١٩٢/١/١)، وتبعهما ابن حبان، فذكره في
((الثقات)) بهذه الرواية .
٧٤١

فاتفاق أبي حاتم مع البخاري في هذه الترجمة قد كشف لي أن إنكاره المشار إليه
ليس يعني أنه ليس هناك ترجمة ثانية باسم (محمد بن عمرو بن أبي) ، وإنما يعني
- والله أعلم - أنه ليس هناك آخر روى حديث (الجَرِين) غير (محمد بن أبي بن
كعب) ، أي : أنه يرجح أنه صاحب هذا الحديث، وليس (محمد بن عمرو بن أبي) .
وحينئذ يرد إشكال آخر ، وهو: أين ما عزاه أبو حاتم إلى البخاري من ((جعل
الاسم اسمين)) وتراجمهما لـ (الْمُحَمَّدَيْنِ) متشابهة تماماً؟ ذلك مما لم يتبين لي ،
﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ !
وبهذه المناسبة أقول :
وما لاحظته في ترجمة (محمد بن عمرو بن أبي) في الكتب الثلاثة : أن
(امرأة أبي) لم تكن مسماة أو مكنية عند البخاري وابن حبان (٣٦٨/٧) ، فتوهم
هذا الأخير أنها تابعية ؛ فأورد (محمداً) هذا - الراوي عنها - في (طبقة أتباع
التابعين) ، وهذا من أوهامه - رحمه الله -! فإن المرأة هي (أم الطفيل) كما صرح
ابن أبي حاتم في ترجمة (محمد) هذا، وهي صحابية معروفة مترجمة في
((الصحابيات))، ومنهم ابن حبان في ((كتاب الثقات)) (٤٦٠/٣) ، ولها حديث في
((مسند أحمد)» (٣٧٥/٦ - ٣٧٦) في قصة سبيعة الأسلمية، أنها تتزوج إذا
وضعت . وعليه ؛ يكون محمد بن عمرو تابعيّاً .
وإن مما يرجح ذلك : أن الراوي عنه (محمد بن عبدالله بن سعد بن زرارة) هو
نفسه من التابعين وثقاتهم؛ ، فقد روى عن بعض الصحابة ، وعن بعض التابعين ،
ولذلك أورده ابن حبان في الطبقتين: (التابعين) و(أتباعهم) (٣٧٥/٥ و ٣٧٢/٧)،
إذا كان هذا حال التلميذ ؛ فيندر جدّاً أن يكون شيخه من (أتباع التابعين) ، فتأمل !
والذي يتبين لي من هذا البحث - وقد طال أكثر مما كنت أتصور - : أنه لم
٧٤٢

يتبين لي أن (ابن أبي بن كعب) هو (محمد) الابن، أم (محمد) الحفيد ! مع جزم
الحافظ العسقلاني بأنه الأول ، وقد وثقه ابن سعد (٧٦/٥) وابن حبان أيضاً كما
تقدم ، والآخر لم يوثقه غير ابن حبان .
ومع ذلك كله ؛ أرى أن الحديث صحيح ثابت ؛ لأن ابن أبيّ - مع كونه ابن
صحابي جليل - وقد روى عنه على الأقل ثقتان : يحيى بن أبي كثير، والحضرمي
ابن لاحق ، وقد صحح الحاكم والذهبي هذا الحديث ، وسكت عنه ابن كثير
(٣٠٥/١) والسيوطي في ((الدر)) (٣٢٢/١). والله أعلم .
(تنبيه) : أورد السيوطي الحديث في ((الدر)) بزيادة في آخره نصها :
(( .. آية الكرسي التي في سورة البقرة ، من قالها حين يمسي أجير منا حتى
يصبح ، ومن قالها حين يصبح أجير منا حتى يمسي ، فلما أصبح أتى رسول الله
◌َخالية ... )) الحديث، وعزاه لمن سبق ذكرهم حاشا الحارث! وليست عند أحد
منهم هذه الزيادة ، فيحتمل أن تكون في ((مسند أبي يعلى الكبير))، وقد ذكرت
إسناده نقلاً عن الحافظ ، وبينت ما فيه من الشذوذ والمخالفة في السند ، فمن
المحتمل أن تكون هذه الزيادة عنده ؛ فإني لم أقف على متنه عنده ، وهي على كل
حال زيادة شاذة . والله أعلم .
٣٢٤٦ - (تَغْزونَ جزيرةَ العربِ فیفتَحُها اللهُ ، ثمَّ فارسَ فیفتَحُها
اللّهُ، ثمّ تغزونَ الرّومَ فيفتَحُها اللهُ، ثمّ تغزونَ الدجّالَ فيفتَحُهُ اللهُ) .
أخرجه مسلم (١٧٨/٨)، وابن ماجه (٤٠٩١) من طريق ابن أبي شيبة - وهذا
في ((المصنف)) (١٤٦/١٥ - ١٤٧) -، وأحمد (١٧٨/١)، وكذا البخاري في ((التاريخ))
(٨١/٢/٤ -٨٢)، وابن أبي عاصم أيضاً في ((الآحاد)) (٦٤٢/٤٦٢/١) من طريق
٧٤٣

ابن أبي شيبة والحاكم (٤٣٠/٣ - ٤٣١) من طرق عن عبدالملك بن عمير عن جابر
ابن سمرة عن نافع بن عتبة بن أبي وقاص - رضي الله عنه - عن النبي بَلهم.
وله في «مسند أحمد» (٣٣٧/٤ -٣٣٨) طريقان آخران عن ابن عمير، أحدهما
من طريق المسعودي عن عبدالملك به - وهذه عند ابن أبي عاصم أيضاً (٦٤٣) -،
لكن وقع فيه مكان (عبدالملك): (عبدالله بن عمير) ، ولعله خطأ مطبعي -، ومع
ذلك قال المعلق الفاضل عليه :
((إسناده صحيح رجاله رجال الصحيح)) !
وفاته أن المسعودي هذا كان اختلط ، وأنه لم يروله الشيخان إلا البخاري
تعليقاً ، فهو صحيح بالطرق الأخرى .
وخالفها يونس بن أبي إسحاق فقال : عن عبدالملك بن عمير عن جابر بن
سمرة عن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص مرفوعاً بلفظ :
(يظهر المسلمون على جزيرة العرب ... )) الحديث نحوه .
أخرجه الحاكم أيضاً (٣٩٥/٣)؛ فجعل مكان (نافع بن عتبة) : (هاشم بن
عتبة) ! وأظنه من أوهام يونس هذا ؛ فإنه مع كونه من رجال مسلم ، فقد قال
الحافظ فيه :
((صدوق يهم قليلاً)).
وإن مما يؤكد ذلك - وهو أن الحديث من مسند (نافع) وليس من مسند
(هاشم) -: أن سماك بن حرب قد تابع ابن عمير على الصواب ، فقال شعبة : عنه
عن جابر بن سمرة به .
أخرجه ابن حبان (٦٧٧٠/٢٨٥/٨ - الإحسان) .
٧٤٤

وثمة مخالفة أخرى من يونس هذا أو من دونه - وهو بها أولى - ؛ فقال البزار
في («مسنده)) (١٨٤٧/٣٥٧/٢): حدثنا علي بن المنذر: ثنا محمد بن فضيل : ثنا
يونس بن عمرو - وهو يونس بن أبي إسحاق - عن عبدالله بن جابر عن ابن أخي
سعد بن مالك عن سعد مرفوعاً باللفظ المذكور آنفاً . وقال البزار:
((لا نعلمه يروى عن سعد إلا بهذا الإسناد، وعبدالله لا نعلم روى عنه إلا
یونس بن عمرو» !
قلت : كذا قال! ويظهر لي أنه الذي في ((ثقات ابن حبان)) (١٨/٥):
((عبدالله بن جابر بن عبدالله الأنصاري المدني أخو محمد وعبدالرحمن ابني
جابر. روى عنه سعيد المقبري)).
وكذا في ((تاريخ البخاري)) وكتاب ابن أبي حاتم ، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا
تعدیلاً .
لكن ذكره في هذا الإسناد يبدو أنه وهم آخر ليونس السبيعي ، وكذلك جعله
الحديث من مسند (سعد بن مالك) - وهو: سعد بن أبي وقاص -، وإنما هو من
مسند أخيه : (نافع بن عتبة بن أبي وقاص) للطرق المتقدمة ، ولمتابعة سماك،
وعزاها الحافظ في ((الإصابة)) لابن عساكر! وهو الذي صوبه البغوي وابن السكن ؛
كما نقله الحافظ في ترجمة (هاشم) هذا .
(تنبيه) : عزا الأخ الفاضل أبو إسحاق الحويني في تعليقه على ((مسند سعد
ابن أبي وقاص)) (١٥٩/٢٤٠) حديث عبد الله بن جابر لابن أبي عاصم في
((الآحاد))! وهذا وهم ، وإنما عنده حديث عبدالملك بن عمير فقط كما سبق .
وكذلك قوله في (عبدالله بن جابر): ((مجهول)) ، ولعل مستنده في ذلك قول
٧٤٥

الهيثمي في ((المجمع)) (١٤/٦): ((رواه البزار، وفيه من لم يُسَمَّ) !
:
يشير إلى عبدالله هذا؛ فإن سائر رواته مترجمون في ((التهذيب))، فكأن
الهيثميَّ لم يقف عليه في الكتب الثلاثة ، وبخاصة منها ((الثقات)) لابن حبان ،
وهذا عجيب منه - رحمه الله - ! فإنه کانت له به عناية خاصة ، فإنه رتبه على
حروف المعجم ، بحيث يسهل على الباحث الحصول على الراوي بيسر . ولكن جل
من قال : ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾.
٣٢٤٧ - (ذَكِّرَهُ بالله ثلاثَ مرّاتٍ؛ فإنْ أبى فقاتلهُ ، فإنْ قتلكَ؛
فأنتَ في الجنة ، وإنْ قتلتهُ ؛ فإنَّه في النّار. يعْني: العاديَ على الغيرِ).
أخرجه البخاري في ((التاريخ)) (١٩٨/١/٤ - ١٩٩)، والبيهقي في ((السنن))
(٣٣٦/٨)، وأحمد (٤٢٢/٣)، والبزار (١٨٦٤/٣٦٥/٢)، والطبراني في ((المعجم
الكبير)) (٨٣/٣٩/١٩) من طريق عبد العزيز بن المطلب عن أخيه الحكم عن أبيه
المطلب بن حَنْطَبٍ عن قُهَيْد الغفاري قال :
سأل سائل النبي ◌ٍَّ فقال: يا رسول الله ! إنْ عدا عليّ عاد؟ فقال له النبي :
((ذكِّره بالله - وأمره بتذكيره - ثلاث مرات ... )) الحديث .
وقال البيهقي :
((كذا قال!)).
يشير إلى أن فيه علة ، وقد أفصح عنها البخاري ؛ فقال عقبه :
((هذا مرسل)) .
وأما الهيثمي ؛ فتكلم عليه كلاماً مجملاً كغالب عادته ، فقال - بعد ما عزاه
لأحمد والبزار والطبراني (٢٤٥/٦) -:
٧٤٦

((ورجالهم ثقات)).
فأقول : نعم ، لکن فيه ثلاث علل :
الأولى : عنعنة المطلب بن جنطب ؛ فإنه كثير التدليس .
الثانية : الاختلاف في صحبة (قُهَيْد بن مُطَرِّفٍ) . ولما ذكره ابن حبان في
الصحابة في كتابه ((الثقات))؛ قال (٣٤٨/٣) :
((يقال: إن له صحبة)).
وكذا قال غيره ، ولذلك أعاد ابن حبان ذكره في ((ثقات التابعين)) (٣٢٦/٥).
ولم يذكر الحافظ في ((الإصابة)) أو غيره ما يدل على صحبته غير هذا الحديث ،
وحكى الاختلاف فيه ، وبينه في ((التهذيب)) على نحو ما يأتي ، وليس في كل
ذلك ما يفيد صحبته ، ولذلك أعله البخاري بالإرسال كما تقدم ، یشیر بذلك إلى
ترجیح عدم صحبته .
الثالثة : أن المطلب بن حنطب قد خولف في إسناده من مولاه عمرو بن أبي
عمرو ، فقال : عن قُهيْد بن مطرف عن أبي هريرة ... فزاد في السند (أبا هريرة) ؛
فوصله .
أخرجه البخاري أيضاً عن شيخه إسماعيل بن أبي أويس : حدثني ابن وهب
عن يحيى بن عبدالله بن سالم عن عمرو مولى المطلب .
قلت : وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال مسلم ؛ غير (قهيد) ، وهو ثقة كما
تقدم .
وفي إسماعيل كلام لا يضر ، ولا سيما وقد توبع ، فرواه الليث بن سعد عن
٧٤٧

يزيد بن الهاد عن عمرو [مولى المطلب] عن (١) قهيد بن مطرف به .
أخرجه البخاري أيضاً وابن حبان في ترجمة (قهيد) من (الثقات)) (٣٢٦/٥)
والمزي في «التهذيب)» (١٩٥/٢٢) من طريق عبدالله بن صالح: حدثني الليث به .
وإسناده صحيح أيضاً؛ لكن اختلف في إسناده عن الليث على وجوه ثلاثة :
هذا أحدها .
الثاني: قال أحمد (٣٣٩/٢)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٣٠٨/٢/
٣٢٤٥) : أخبرنا قتيبة بن سعيد قال : ثنا الليث عن ابن الهاد عن عمرو بن قهيد
الغفاري عن أبي هريرة .
وتوبع قتيبة ، فقال أحمد أيضاً : ثنا يونس : ثناليثٌ به .
الثالث : رواه شعيب بن الليث قال : أنبأنا الليث عن ابن الهاد عن قهيد بن
مطرف به ؛ فأسقط (عمراً) من بين ابن الهاد وقهيد .
أخرجه النسائي أيضاً (٣٥٤٦)، والبيهقي أيضاً؛ لكنه قرن مع (شعيب)
(عبدالله بن عبدالحكم) .
وتابعهما أبو سلمة الخزاعي: ثناليث به ؛ إلا أنه لم يسم (قهيداً) فقال :
(ابن مطرف). أخرجه أحمد (٣٦٠/٢). وقال البيهقي عقبه :
(كذا وجدته ، والصواب: عن ابن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن قهيد)) ..
يعني كما في الوجه الأول ، وتبعه على ذلك الحافظان : المزي والعسقلاني ؛
(١) وقع في ((التاريخ)): (بن) مكان (عن) ، وهو خطأ مطبعي فيما أظن ، ويؤيده الزيادة التي
بين المعكوفتين ، وهي لابن حبان ، وتصويب المزي والعسقلاني الآتي ذكره قريباً إن شاء الله .
٧٤٨

فقال الأول في ((التهذيب)) (١٩٥/٢٢) :
((وهذه الرواية هي الصواب إن شاء الله تعالى ، ورواية قتيبة ومن تابعه وهم .
والله أعلم)» .
وزاد العسقلاني ، فقال :
((هكذا رواه ابن وهب عن يحيى بن عبدالله بن سالم عن يزيد(١) عن عمرو)).
قلت : وهذه الزيادة ضرورية جدّاً؛ لأنه بدونها لا يظهر التصويب المذكور ،
كيف وابن صالح قد خالفه جمع ، الواحد منهم مثل (قتيبة) أرجح منه ، فكيف
بهم مجتمعین؟!
إلا أن هذا يقال لو كانوا متفقين على مخالفته ، أما والواقع أنهم اختلفوا هم
أنفسهم على الليث ، فلم يبق لمخالفتهم إياه تلك القوة .
وتوضيحه : أننا بيَّنا أن الوجه الثاني قد اتفق مع الوجه الرابع على تسمية
شيخ ابن الهاد (عمراً) ، بينما الوجه الثالث أسقطه ، فكان شاذّاً؛ لأن زيادة الثقة
مقبولة ، وهم ابن صالح وقتيبة ويونس - وهو ابن محمد المؤدب -.
وبعد هذا الإسقاط بقي التعارض بين رواية ابن صالح من جهة - وهي التي
قال فيها ابن الهاد : عن (عمرو مولى المطلب) عن قهيد - وبين رواية قتيبة ويونس
التي قال فيها ابن الهاد: عن (عمرو بن قهيد) ، فخلط بين الراوي والمروي عنه
فجعلهما اسماً واحداً من جهة أخرى ، فكان لا بد من المراجحة بينهما ، فلما
(١) كذا في ((التهذيب))؛ بذكر (يزيد) بين ابن سالم وعمرو. وتقدم مني نقلاً عن
((تاريخ البخاري)) بإسقاطه من بينهما ، ولا أدري الصواب منهما ، والغريب أن المزي قد ذكر في
ترجمة ابن سالم أنه روی عن كلّ من عمرو ، ویزید !
٧٤٩

وجدوا رواية ابن سالم شاهدة لرواية ابن صالح ، وهي من غير طريق الليث
المضطربة ، فجعلوها مرجحة .
وبعبارة أخرى - لتقريب وجه ذلك التصويب - أقول :
اعتبار حديث الليث مضطرباً بتلك الوجوه الثلاثة ، والاعتماد على رواية ابن
سالم السالمة من الاضطراب ، ثم أخذوا الوجه الأول من حديث الليث الموافق لها
تقوية لها .
هذا ما عندي بيَّنته ؛ و﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ ، فإن أصبت فبفضل
الله، وإن أخطات فمن نفسي ، سائلاً المولى أن يغفر لي خطئي وعمدي ، وكل
ذلك عندي ؛ إنه هو الغفور الرحيم .
وخلاصة ما تقدم : أن الحديث روي عن قهيد مرسلاً ، وعنه عن أبي هريرة
مسنداً - وهو الصواب - ، وأن إسناده صحيح .
وقد جاء من طريق آخر ، يرويه العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال :
جاء رجل إلى رسول الله ﴿ ، فقال : يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد
أخذ مالي؟ قال: ((فلا تعطه مالك)). قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: ((قاتله)). قال :
: أرأيت إن قتلني؟ قال: ((فأنت شهيد)). قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: ((هو في النار)).
أخرجه مسلم (٨٧/١)، وأبو عوانة في ((صحيحه)) (٤٣/١)، وأبو نعيم في
((أخبار أصبهان)) (٥٠/١)، والبيهقي في ((السنن)) (٢٦٥/٣ - ٢٦٦ و٣٣٥/٨ -٣٣٦).
وله شاهد من حديث قابوس بن مخارق عن أبيه قال :
جاء رجل إلى النبي ﴿﴿ فقال: الرجل يأتيني فيريد مالي؟ قال: ((ذكِّره
٧٥٠

بالله)). قال: فإن لم يذَّكر؟ قال: ((فاستعن عليه مَن حولك من المسلمين)) ، قال :
فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين؟ قال: ((فاستعن عليه بالسلطان)) . قال : فإن
نأى السلطان عني؟ قال :
((قاتل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة ، أو تمنع مالك)).
أخرجه النسائي (٣٥٤٤)، والبيهقي (٣٣٦/٨)، وأحمد (٢٩٤/٥ و٢٩٤ -٢٩٥).
قلت : وإسناده حسن .
٣٢٤٨ _ (وما سبيلُ الله إلاّ مَنْ قُتلَ؟! مَنْ سعَى على والديهِ ؛ ففي
سبيلِ الله ، ومَن سعَى على عيالهِ ؛ ففي سبيلِ الله ، ومَن سعَى على
نفسه ليُعِفَّها؛ ففي سَبيلِ الله، ومَن سعَى على التّكاثر؛ ففي سبيل
الشيطان . وفي رواية : الطاغوتِ) .
أخرجه البزار في «مسنده)) (١٨٧١/٣٧٠/٢ - الكشف) ، والطبراني في
((المعجم الأوسط)) (٤٣٧٢/٢٥٤/١)، ومن طريقه: أبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٦/٦
- ١٩٧)، والبيهقي في ((السنن)) (٢٥/٩) و((الشعب)) (٨٧١١/٤١٢/٦ و٢٩٩/٧/
١٠٣٧٧) من طريق أحمد بن عبدالله : ثنا رياح بن عمرو: ثنا أيوب عن محمد بن
سيرين عن أبي هريرة قال :
بينما نحن جلوس مع رسول ◌َ﴿؛ إذ طلع علينا شاب من الثَّنِيَّةِ ، فلما رأيناه
(وفي رواية: رميناه) بأبصارنا؛ قلنا : لو أن هذا الشاب جعل شبابه ونشاطه وقوته
في سبيل الله! قال: فسمع مقالتنا رسول الله :{ 18، فقال :... فذكره - والسياق
للبيهقي - وقال الطبراني :
٧٥١

((لا يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد ، تفرد به أحمد)).
قلت : وهو ثقة حافظ ، وكذلك من فوقه ؛ غير (رياح) - بالمثناة من تحت -،
قال أبو زرعة :
((صدوق)).
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٣١٠/٦). وقال في («الميزان)):
((رجل سوء . قاله أبو داود . قلت : هو من زهاد المبتدعة بالكوفة . روى عن
مالك بن دينار . وعنه روح بن عبدالمؤمن ، قال أبو زرعة : صدوق وقال أبو عبيد
الآجري(١) : سألت أبا داود عنه؟ قال : هو ، وأبو حبيب ، وحبان الجريري ، ورابعة
رابِعَتُهم في الزندقة)» !
قلت : وكذا في «اللسان» لم يزد عليه شيئاً ، وإني لأرى تبايناً شاسعاً بين
قول أبي داود هذا ، وقول أبي زرعة وابن حبان ، ومع هذا ؛ فإني أرى في قول أبي
داود مبالغة غير محمودة ، وإن كان قصده التنفير أو التحذير من بدعته التي أشار
إليها الذهبي ! والظاهر أنه يعني غلوّه في الزهد والعبادة ، وقد روى له أبو نعيم في
(الحلية)) (١٩٢/٦ - ١٩٧) غرائب وعجائب، منها قوله: ((سمعت مالك بن دينار
يقول : لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة ، ويأوي إلى
مزابل الكلاب))! ونقله الذهبي في ترجمته من ((السير)) (١٧٤/٨)، وسكت عنه
على خلاف عادته في مثل هذه الطامة المخالفة لهدي سيد الأنبياء والصديقين
عليه الصلاة والسلام ! بل إن هذا ينافي حديثه هذا الذي جعل السعي على
(١) ((سؤالات الآجري)) (٣٢١/٣٢١)، ووقع فيه: (وأربعة) مكان: (ورابعة)! فليصحح
من هنا .
٧٥٢

العيال من سبيل الله كما هو ظاهر ، ومنه أستظهر أن الرجل لم يكن داعية إلى
بدعته ، وإلا ؛ لما روى من الحديث ما يهدمها ، فهو في الرواية صدوق كما قال أبو
زرعة - رحمه الله -.
هذا ؛ وللحديث شواهد كثيرة عن غير واحد من الصحابة ، منهم : عبدالله بن
عمر نحوه .
أخرجه البيهقي في ((السنن)) (٤٧٩/٧) و((الشعب)) (٨٧١٠/٤١٢/٦) من
طريق شريك عن الأعمش عن مَغْراء العَبْدي عنه .
وهذا إسناد حسن في الشواهد على الأقل ، و(مغراء) وثقه ابن حبان
والعجلي ، وروى عنه جمع .
ومنها : عن كعب بن عُجْرة ؛ يرويه إسماعيل بن مسلم المكي عن الحكم بن
عتيبة عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عنه .
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٨٢/١٢٩/١٩) و((الصغير)) (١٩٣ -
هند) و((الأوسط)) (٦٨٣٥)، و(٢٨٦٢/١٦٩/٥ مجمع البحرين)؛ وقال :
((لا يروى عن كعب إلا بهذا الإسناد)).
قلت : وهو ضعيف ، لضعف إسماعيل بن مسلم المكي ، ووهم المنذري (٤/٣)
وتبعه الهيثمي (٣٢٥/٤) فقالا - واللفظ لهذا -:
((رواه الطبراني في الثلاثة، ورجاله رجال الصحيح)) !
والظاهر أنهما توهما (إسماعيل) هذا (إسماعيل بن مسلم العبدي البصري) ؛
فإنه ثقة ومن طبقة الأول !
٧٥٣

ومنها : عن إبراهيم بن ميسرة أن أعرابيّاً طلع على أصحاب رسول الله
◌ٍ ... الحديث مثل حديث الترجمة :
أخرجه حسين بن حسن المروزي في ((البر والصلة)) (١٥٦/٣١ - مخطوط)
قال : أخبرنا عبد الوهاب الثقفي قال : حدثنا أيوب عنه .
قلت : وهذا إسناد صحيح مرسل .
ثم تبين أنني كنت خرجت الحديث فيما تقدم برقم (٢٢٣٢)، ولكن في
تخريجه هنا فوائد جديدة لم تذكر هناك . وما قُدِّرَ كان .
٣٢٤٩ - (أَمَا ترضَى أنْ أكونَ أنا أَبوكَ ، وعائشةُ أُمّكَ؟ قاله لبشْر
ابنِ عَقْرَبَةَ حينَ بکَی لاستشهاد أبيهِ) .
أخرجه البخاري في ((التاريخ)) (٧٨/٢/١) ومن طريقه: ابن عساكر في ((تاريخ
دمشق)) (٣٧٧/٣): قال لي عبد الله بن عثمان بن عطاء: حدثنا حُجْرُ بن الحارث
الغَسَّاني قال : سمعت عبدالله بن عوف القاريّ قال: سمعت بِشْرَ بن عقربة يقول :
وأنا أبكي ،
استُشهد أبي مع النبي ﴿ في بعض غزواته ، فمر بي النبي ﴿
فقال لي :
((اسكت ، أما ترضى ... )) الحديث .
ثم أخرجه ابن عساكر من طريق أخرى عن عبدالله بن عثمان ، لكنه قال :
عبدالله بن محمد بن عثمان بن عطاء به ؛ دون قوله : ((اسکت)) ، وذکر
مکانھا :
((يا حبيب! ما يبكيك؟ أما ترضى ... )).
٧٥٤

قلت : وهذا إسناد حسن أو قريب من الحسن ؛ رجاله ثقات ليس فيهم من
تُكَلَّمَ فيه سوى شيخ البخاري (عبدالله بن عثمان) ، وقد ذكره ابن حبان في
((الثقات)) (٣٤٧/٨) ، وكذلك ذكر الذين فوقه ، ولكنه قال في هذا الشيخ:
(يُعتبر حديثه إذا روى عنه غير الضعفاء)).
هكذا وقع فيه : (عنه)! وفي ((تهذيب العسقلاني)) - عن ((الثقات)) - :
(عن) . ولعله أصح ؛ لأنه المعهود من كلام ابن حبان في مثل هذا الراوي .
وعلى كل حال ؛ فهذا الحديث معتبر؛ لأن شيخه (حُجر بن الحارث) ثقة .
والراوي عنه الإمام البخاري ، وقد أورده في ((التاريخ))، ولم يضعفه ، وأما أبو حاتم
فقال :
((صالح)) .
وقال الذهبي في ((الكاشف)).
((ليس بذاك)).
ولکن مما يقوي حديثه هذا : أن له طریقین آخرین :
الأول : يرويه أبو الأسعد (أو أبو الأسود) - من ولد بشير بن عقربة الجهني ،
وكان ينزل (عسقلان) في (الرملة) في قرية (طور) -، عن أبيه عن جده عن بشير
ابن عقربة الجهني قال :
يوم أحد ، فقلت : ما فعل أبي؟ فقال :
لقيت رسول الله
((استشهد رحمة الله عليه))، فبكيت ، فأخذني فمسح رأسي ، وحملني معه
وقال : ... فذكره .
٧٥٥

أخرجه البزار في «مسنده)) (١٩١٠/٣٨٥/٢)، وقال:
((لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد))!
قلت : قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٦١/٨):
(وفيه من لا يعرف)).
قلت : وفاتَ البزارَ الإِسنادُ الأول .
والطريق الآخر: يرويه ابن عساكر أيضاً من طريق عقبة بن عقبة (!) بن
عبدالله بن بشير بن عقربة عن أبيه عن جده عبدالله بن بشير قال : سمعت أبي
يقول :
قتل أبي عقربة يوم أحد ... الحديث .
قلت : وهذا إسناد مجهول ؛ مَنْ دون بشير لم أعرفهم .
الصوت الإلهي والإيمان به
٣٢٥٠ - (يقولُ اللهُ عزّ وجلّ يومَ القيامةِ: يا آدمُ! فيقولُ: لَبَّيكَ ربَّنا!
وسعدَيك ، فيُنادَى بصوتٍ: إنَّ اللهَ يأمُركَ أنْ تُخرِجَ مِن ذَرِّيتكَ بَعْثاً إلى
النّار. قال: يا ربِّ! وما بعْثُ النّار؟ قال: منْ كلِّ ألف - أَراه قالَ -:
تَسْعَ مِئَةٍ وتسعةً وتسعينَ ، فحينئذ تضعُ الحاملُ حمْلها ، ويشيبُ
الوليدُ، ﴿وترى الناسَ سُكارى وما هُمْ بِسُكَارى ولكنَّ عذابَ الله
شديدٌ﴾. فشقَّ ذلكَ على النّاس حتّى تغيَّرتْ وجوهُهُم، فقالَ النبيُّ
عَّهُ: مِن يأجوجَ تَسْعَ مئة وتسعةً وتسعينَ، ومنكم واحدٌ . ثم أنتُم في
٧٥٦

الناسِ كالشعرةِ السوداءِ في جنْبِ الثور الأبيضِ ، أو كالشعرةِ البيضاءِ في
جنْبِ الثور الأسودِ ، وإنِّي لأرجو أنْ تكونُوا رُبُع أهل الجنَّةِ ؛ فكبّرنا ،
ثمَّ قالَ : ثُلُثَ أهْلِ الجنَّة؛ فكبَّرنا ، ثمَّ قالَ: شَطْرَ أَهْلِ الجنَّة ؛ فكبّرنا) .
أخرجه البخاري (٢٤١/٥)، ومسلم (١٣٩/١)، وأحمد (٣٢/٣ -٣٣) من
حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً - والسياق للبخاري - .
وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض فتاويه (١٧٠/٣ - مجموع الفتاوى)
لـ ((الصحيحين)) بهذا اللفظ: ((فینادی بصوت))! وهو تساهل ؛ لأنه ليس عند
مسلم لفظ الصوت(١) .
وقد أعله أبو الحسن بن الفضل بقوله : إنه تفرد به حفص بن غياث عن
الأعمش بهذا اللفظ ! ولكن رده الحافظ ابن حجر بقوله في ((الفتح)) (٣٨٦/١٣):
((وليس كما قال ؛ فقد وافقه عبدالرحمن بن محمد المحاربي عن الأعمش .
أخرجه عبدالله بن أحمد في كتاب ((السنة)) عن أبيه عن المحاربي)).
قلت : وله شاهد من حديث جابر بن عبدالله في حديث له بلفظ : ((فينادي
بصوت يسمعه من بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ .. )) .
وهو حديث صحيح ، علقه البخاري في ((صحيحه)) ووصله في ((أفعال العباد))
(ص٨٩)، وفي ((الأدب المفرد)) (٩٧٠) وغيره ، وقواه الحافظ ابن حجر ، وقد خرجته
في ((ظلال الجنة في تخريج السنة)) (رقم ٥١٤) .
(١) وأعاد ذلك في مكان آخر، فقال (١٧٤/٣٣): ((خرَّجا في ((الصحيحين)) عن النبي
أنه ﴿ قال: ((إن الله ينادي آدم بصوت)) ... )).
٧٥٧

وفي ذلك كله رد على البيهقي في قوله : ((ولم يثبت لفظ الصوت في حديث
صحيح عن النبي ﴿﴿)» !
ثم تأول الحديث بأن الصوت راجع إلى مَلَكِ أو غيره كما بينه الحافظ عنه ،
ء
ثم أشار إلى رده بقوله :
((وهذا حاصل كلام من ينفي الصوت من الأئمة ، ويلزم منه أن الله لم يُسْمِعْ
أحداً من ملائكته ورسله كلامَه ، بل ألهمهم إياه)) .
قلت : وهذا باطل مخالف لنصوص كثيرة ، وحسبك منها قول الله تبارك
وتعالى في مكالمته لموسى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣]. ثم قال :
((وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين ؛ لأنها
التي عُهد أنها ذات مخارج . ولا يخفى ما فيه ؛ إذ الصوت قد يكون من غير
مخرج كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة كما سبق . سلمنا ؛ لكن نمنع
القياس المذكور، وصفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوق ، وإذا ثبت ذكر
الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة ، وجب الإيمان به ، ثم إما التفويض ، وإما
التأويل . وبالله التوفيق)) .
قلت : بل الإيمان كما نؤمن بسائر صفاته ، مع تفويض معرفة حقائقها إلى
المتصف بها سبحانه وتعالى كما قال : ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾
[الشورى: ١١] .
ثم إن حديث الترجمة رمز له في ((الفتح الكبير)) - وبالتالي في ((صحيح
الجامع الصغير وزيادته)) - بـ (حم ، ن) فلعل (ن) محرف من (ق) أي : البخاري
ومسلم. والله أعلم. فليراجع في ((الجامع الكبير)) للسيوطي .
٧٥٨

٣٢٥١- (لو رأَيْتُموني وإبليسَ فَأَهويتُ بيدي، فما زلتُ أَخنقُه
حتّى وجدتُ بَرْدَ لُعابِه بَيْنَ إصبعيَّ هاتين : الإِبهام والتي تليها ، ولولا
دعوةُ أَخِي سُليمان؛ لأَصْبِحَ مرْبوطاً بساريةٍ مِن سوَاري المسجدِ ،
يتلاعبُ به صبيانُ المدينةِ ، فمن استطاعَ منكُم أنْ لا يَحُولَ بينَه وبينَ
القبلة أحدٌ ؛ فليفعلْ) .
أخرجه أحمد (٨٢/٣ -٨٣): حدثنا أبو أحمد: حدثنا مَسَرَّة بن مَعْبَد :
حدثني أبو عُبيد صاحب سليمان قال : رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائماً يصلي
معتماً بعمامة سوداء ، مُرْخ طرفها من خلف ، مُصفر اللُّحيةِ ، فذهبت أمرُّ بين
يديه ، فردني ثم قال : حدثني أبو سعيد الخدري :
أن رسول الله ﴿ قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه ، فقرأ ، فالتبست عليه
القراءة ، فلما فرغ من صلاته قال : ... فذكره .
قلت : وإسناده جيد ، رجاله ثقات رجال مسلم ؛ غير مسرة بن معبد ، وهو
صدوق له أوهام؛ كما في ((التقريب)).
ومن هذا الوجه رواه أبو داود (٦٩٩) مختصراً، وهو في كتابي ((صحيح أبي
داود)) (٦٩٦)، وله شواهد ذكر بعضها شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع
الفتاوى)) (١٧٠/١)، أحدها من رواية النسائي عن عائشة مختصراً بقصة خنق
الشيطان ، وقال :
((وإسناده على شرط البخاري ، كما ذكر ذلك أبو عبدالله المقدسي في
(مختاره) الذي هو خير من (صحيح الحاكم))).
قلت : وفيه من الفقه وجوب اتخاذ السترة في الصلاة ، ولو كان في مكان
٧٥٩