Indexed OCR Text

Pages 461-480

الطبراني (١٣٦/١٧) من طريق أبي عاصم: نا أبو مَعْدان المِنْقَري - يعني: عامر بن
مسعود -: نا عون بن عبيدالله بن عتبة : حدثني أبي عن جدي .
وعامر هذا لم أعرفه ، ولا وجدت له ترجمة فيما لدي من المراجع ، لا فيمن
يسمى بـ((عامر)) ولا فيمن يكنى بأبي معدان، ولا فيمن نسبته ((المنقري)).
٢ - وروي عنه بإسناد آخر، فقال الجراح بن مَخْلَد: ثنا محمد بن عثمان
الجزري : ثنا سعيد بن عَنْبسة القطان : ثنا أبو معدان قال : سمعت عون بن أبي
جحيفة یحدث عن أبيه قال :
. امرأةٌ ومعها جارية سوداء ، فقالت المرأة : يا رسول الله ! إن
أتت رسولَ الله ◌َ
علي رقبة مؤمنة ، أفتجزي عني هذه ؟ فقال لها رسول الله
((أين الله ؟)) . قالت : في السماء . قال :
((فمن أنا ؟)) . قالت: أنت رسول الله . قال :
((أتشهدين أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟)). قالت : نعم . قال:
((أتؤمنين بما جاء من عند الله ؟)) . قالت : نعم ، قال :
((أعتقيها؛ فإنها مؤمنة)).
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١١٦/٢٢ - ١١٧).
قلت : وهذا إسناد ضعيف جداً مسلسل بالعلل :
الأولى : أبو معدان هذا ؛ فإنه غير معروف كما تقدم ، وقد سماه الطبراني في
باب «أبو معدان: عامر بن مرة عن عون))، ثم ساق هذا الحديث ، ولم أجده أيضاً .
٤٦١

الثانية : سعيد بن عنبسة القطان ، والظاهر أنه أبو عثمان الخزاز الرازي الذي
ذكره ابن أبي حاتم (٥٢/١/٢) وقال عن أبيه :
((فيه نظر)).
ثم روى عن علي بن الحسين بن الجنيد قال: ((سعيد بن عنبسة كذاب،
سمعت أبي يقول : كان لا يصدق)).
وبه أعله الهيثمي ؛ فقال (٢٤٤/٤):
((رواه الطبراني، وفيه سعيد بن عنبسة، وهو ضعيف)).
الثالثة : محمد بن عثمان الجزري ، لم أجد له ترجمة أيضاً .
ثم وجدت لسعيد بن عنبسة متابعاً لا بأس به ، وعرفنا بسببه اسم أبي
معدان : رواه صُرَدُ بن حماد أبو سهل قال : حدثنا الحسن بن الحكم بن طَهْمان :
حدثنا أبو معدان به .
أخرجه الخطيب في ((التاريخ)» (٣٤٣/٩)، وقال:
«تفرد به أبو معدان ، وهو غريب من حديث أبي معدان عبدالله بن معدان ،
تفرد به الحسن بن الحكم عنه ، ولا أعلم حدث به غير صرد ، وما علمت من حاله
إلا خيراً)) .
قلت : وابن طهمان هذا ؛ قال ابن أبي حاتم عن أبيه :
((حديثه صالح ليس بذلك، يضطرب)).
وعبدالله بن معدان روى عنه أيضاً وكيع وأبو نعيم كما في ((الجرح))، وذكر
الذهبي في ((المقتنى في الكنى)): (البُرْساني) مكان: (أبي نعيم) .
:
٤٦٢

ثم رأيت في ((الجرح)) (٤٤٦/٩): ((أبو معدان ... عن يحيى بن معين قال:
أبو معدان صالح))، وعلّق المعلمي عليه بما يشعر أنهما واحد .
٣- حدیث ابن عباس ، وله عنه طريقان :
الأول : يرويه ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ،
وعن الحکم یرفعه :
أن رجلاً أتى النبي ◌َ ﴿ فقال : إن على أمي رقبةً مؤمنةً ، وعندي رقبة سوداء
أعجمية؟ قال: ((ائت بها))، قال: ((أتشهدين أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله ؟))،
قالت : نعم ، قال :
((فأعتقها)).
أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١٠٣٩٢/٢٠/١١)، وفي ((كتاب
الإيمان)» (٨٥/٢٨ - بتحقيقي): حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى ...
هكذا وقع في إسناده: (( .. عن ابن عباس، وعن الحكم))! وهو معطوف على
المنهال - وهو ابن عمرو - على خلاف المتبادر ، ولكن مثله يقع كثيراً في الأسانيد ،
كما يعرفه من مارس هذا العلم .
وقد رواه الطبراني (٢٦/١٢ -٢٧) و((الأوسط)) (٥٦٥٣/٢/٣٦/٢) من طريق
الحسن بن فرات القزاز: ثنا علي بن هاشم به ؛ إلا أنه قال :
((عن المنهال بن عمرو، والحكم عن سعيد بن جبير ... ))، فهذا على الجادة ،
وقال :
(لم يروه عن المنهال والحكم إلا ابن أبي ليلى)).
٤٦٣

قلت : وهو ضعيف لسوء حفظه ، وبه أعله الهيثمي فقال (٢٤٤/٤) :
((وفيه محمد بن أبي ليلى ، وهو سيىء الحفظ ، وقد وُثِّقَ)) .
قلت: ومن طريقه : أخرجه البزار (١٣/١٤/١ - الكشف)، ولم يذكر في
إسناده الحكم ، وقال :
((وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة)).
قلت : هو بهذا اللفظ المرفوع له طریق أخری ، یرویه یزید بن حكيم : ثنا يحيى
ابن السكن عن قيس بن الربيع : ثنا حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي عن
حنين عن ابن عباس به إلا أنه قال :
((إن عليّ رقبة مؤمنة .. ))؛ لم يذكر أمَّه .
أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٢١٢/١/١٤٣/٢): حدثنا محمد بن
يحيى : ثنا يزيد به ، وقال :
((لم يروه عن حبيب إلا قيس)).
قلت : وهو ضعيف من قبل حفظه ، ويحيى بن السَّكن - وهو الرقي ثم
البصري - ضعيف ، وإن وثقه ابن حبان .
ويزيد بن حكيم مجهول الحال ، لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحاً ولا تعديلاً .
وأما اللفظ الآخر ؛ فيرويه سعيد بن المَرْزُبَان عن عكرمة عن ابن عباس قال :
جاء رجل إلى النبي ﴿؛ ومعه جارية له سوداء ، فقال: إن علي رقبة - أحسبه
قال : مؤمنة ۔، فهل یجزئ عني هذه ؟ فقال لها :
((أين الله؟)).
٤٦٤

قالت بيدها إلى السماء ، قال :
((من أنا ؟)).
قالت : أنت رسول الله ، قال رسول الله
((أعتقها ؛ فإنها مؤمنة)) .
أخرجه البزار (٣٧/٢٨/١) بسند صحيح عن ابن المرزبان ، لكن هذا - مع
ضعفه - مدلس ، وهو وإن كان ذكروا له رواية عن عكرمة ؛ فإنه لم يصرح بسماعه
منه كما ترى ، وبه وبابن أبي ليلى أعله الهيثمي (٤٢٤/٤) .
٤ - ومما يشهد لهذا اللفظ: ((السماء)) حديث كعب بن مالك قال :
جاءت جارية ترعى غنماً لي ، فأكل الذئب شاة ، فضربتُ وجهَ الجارية ،
فندمت، فأتيت رسول الله تَ ◌ّةٍ، فقلت: يا رسول الله ! لو أعلم أنها مؤمنة ؛
لأعتقتها، فقال رسول الله ﴿ ﴿ للجارية:
((من أنا ؟)). قالت : رسول الله . قال :
((فمن الله ؟)) . قالت : الذي في السماء ، فقال رسول الله
:.
((أعتقها؛ فإنها مؤمنة)) .
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٩٣/٩٨/١٩) و((الأوسط)) (١٧١/٢/
٧٧١٢/١) من طريق عبدالله بن شبيب : ثنا داود بن عبدالله الجعفري : ثنا حاتم بن
إسماعيل عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن ابن كعب بن مالك عن أبيه به ، وقال :
«لم يروه عن ابن عجلان إلا حاتم ، ولا عن حاتم إلا داود الجعفري ، ولا يروى
عن كعب إلا بهذا الإسناد)).
٤٦٥

قلت : ورجاله ثقات ؛ غير عبدالله بن شبيب ؛ فإنه ضعيف ، وبه أعله الهيثمي .
وبالجملة ؛ فهذه الطرق التي وقفت عليها عن هؤلاء الصحابة الأربعة ، وهم :
الشريد بن سويد - وإسناده حسن على الخلاف في صحابيِّه ومسنِدِه ، فمنهم من
جعله من رواية أبي سلمة عنه ، ومنهم من جعله من مسند أبي هريرة من رواية
أبي سلمة نفسه ، على اختلاف في ضبط بعض ألفاظه كما يأتي بيانه ملخصاً -،
وأبو هريرة - وإسناده صحيح -، وأبو جحيفة - بإسناد ضعيف -، وابن عباس -
بإسنادين عنه ؛ واختلاف أيضاً في بعض ألفاظه ..
ولعله من الضروري أن أقدم إلى القراء الكرام خلاصة نيِّرة عن تلك الروايات
والاختلافات في بعض ألفاظها ، وبيان الراجح من المرجوح منها ؛ ليكون القراء
على معرفة بصحيحها من ضعيفها ، والنظر في إمكانية الجمع بينها ؛ ليكون القراء
على حذر من بعض المضللين :
أولاً: لقد اتفقت الروايات كلها على شهادته به للجارية بأنها مؤمنة.
ثانياً: واختلفت في نص سؤاله ◌َ إياها وجوابها على وجوه ثمانية :
الأول: ((من ربك؟ قالت: الله)). (الحديث الأول عن شريد، وهو حسن) .
الثاني: ((من ربك؟ فقالت: في السماء)). (الحديث الأول عن أبي هريرة؛
وهو حسن) .
الثالث: ((أين الله؟ فأشارت إلى السماء)). (الحديث الأول أيضاً من الطريق
الآخر عنه ، وهو صحيح) .
الرابع : ((تشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم)). (الحديث الأول أيضاً عن
الرجل الأنصاري . وهو معلول بالإرسال) .
٤٦٦

الخامس : ((أين الله؟ قالت: في السماء)). (الحديث الثاني، وهو ضعيف؛
لكنه بمعنى الوجه الثالث) .
السادس: ((أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم)). (الحديث الثالث من
الطريق الأول ، وهو ضعيف) .
السابع: ((أين الله؟ قالت بيدها إلى السماء)) (الحديث نفسه من الطريق
الآخر ، وهو ضعيف أيضاً) .
الثامن: ((فمن الله؟ قالت: الذي في السماء)). (الحديث الرابع ، وسنده
ضعيف) .
قلت : وبهذا التلخيص الدقيق يتبين للقراء الحقيقة التالية وهي :
: كان : ((أين الله؟)).
أن الأرجح أن سؤاله
وأن جواب الجارية كان: ((في السماء)).
وذلك ؛ لأن ثلاث روايات اتفقت على السؤال المذكور، والأولى منها هي
الرواية الصحيحة عن أبي هريرة ، والثانية إن لم تنفع فلا تضر، والثالثة تصلح
للاستشهاد بها ؛ لأنها ليست شديدة الضعف .
كما اتفقت خمس روايات على الجواب المذكور، وهو في الطريق الأصح في
الحديث الأول عن أبي هريرة ، وفي الطريق الأخرى الصحيحة عنه ، والروايات
الباقية منها شاهدة لها .
وإذا كان هذا هو الراجح من مجموع تلك الوجوه الثمانية لاتفاق أكثر
الروايات وأصحها عليه ؛ فإن ما خالفها ؛ إما أن تؤول ، وإما أن ترد بالمخالفة ؛ فيقال
٤٦٧

مثلاً: إن رواية: ((من ربك؟)) مختصرة من رواية: ((أتشهدين أن لا إله إلا الله؟))،
وأن هذه لا تنافي سؤالها بـ «أين الله؟))، فإننا نعلم اليوم كثيراً ممن ينطقون بهذه
الشهادة إذا سئلوا بهذا السؤال بادروك بقولهم : (الله في كل مكان) ! وهم يعلمون
أن الله كان ولا مكان ! وقد تنبه بعض المجادلين بالباطل لضلال هذا القول فلجأ إلى
المراوغة ، فقال: لا يقال: إنه في كل مكان، ولا: إنه ليس في مكان(١)، وهذا
احتيال منهم في التعبير ، يتظاهرون بذلك بالتنزيه ، وهو يشبه قول أسلافهم من
الجهمية والمعتزلة وأذنابهم من المعطلة: ((ليس هو داخل العالم ولا خارجه))؛ ورحم
الله من قال في أمثالهم: ((هؤلاء قوم أضاعوا ربهم)) ! فلا يبعد أن يكون السؤال وقع
باللفظين: ((أين)) و: ((أتشهدين))، ويؤيده الحديث الثاني .
وإن مما يقطع ويؤكد ترجيحنا المذكور: حديث معاوية بن الحكم الذي وعدتُ
بذكره ، فإنه قد ساق قصة الجارية سياقاً تاماً رائعاً ، لم يسقه غيره كسياقه ، ولا
غرابة في ذلك ؛ فإنه سيدها ، فقال - رضي الله عنه - في حادثة وقعت له وهو
يصلي خلف النبي ◌َ له ، فسأله بعض الأسئلة ، فأجابه عليها :
٥- فقال رضي الله عنه :
((وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبَلَ أُحُدٍ والجَوَّانِيَّة، فاطّلعت ذات يوم فإذا
الذئب قد ذهب بشاة من غنمها ، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون ، لكني
صككتها صكة، فأتيتُ رسولَ الله ◌َ ﴿ ، فعظّم ذلك عليّ ، قلت : يا رسول الله !
أفلا أعتقها ؟! قال: «ائتني بها» ، فأتيته بها ، فقال لها :
((أين الله؟)) .
(١) ويقول آخرون : الله موجود بلا مكان !
٤٦٨

قالت: ((في السماء))، قال: ((من أنا))، قالت : أنت رسول الله ، قال:
(أعتقها ؛ فإنها مؤمنة)) .
أخرجه مسلم ، وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود في ((صحاحهم))
وغيرهم، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٨٦٢)، و((الإرواء)) (٣٩٠).
هذا؛ ويشهد لسؤال: ((أين الله)) حديث مرفوع ، وأثر موقوف .
أما الحديث ؛ فيرويه وكيع بن حُدُسٍ عن عمه أبي رَزِين قال :
قلت: يا رسول الله! أين كان ربُّنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: ((كان في
عماء ، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، وما ثَمَّ خلق ، عرشه على الماء)) .
أخرجه الترمذي (٢١٠٨)، وابن ماجه (١٨٢)، وابن حبان (٣٩ - الموارد)، وابن
أبي عاصم (٦١٢/٢٧١/١)، وأحمد (١١/٤ و١٢)، وابن عبدالبر في ((التمهيد))
(١٣٧/٧) ، وقال الترمذي :
((حديث حسن)). وقال الذهبي في ((مختصر العلو)) (١٩٣/١٨٦):
(رواه الترمذي وابن ماجه ، وإسناده حسن))
وفيه نظر؛ لأن وكيعاً هذا مجهول ، كما بينته هناك .
وأما الأثر ؛ فهو ما رواه زيد بن أسلم قال :
مرَّ ابن عمر براعي غنم فقال: يا راعي الغنم ! هل من جَزَرة (١)؟ قال الراعي :
ليس ههنا ربُّها ، فقال ابن عمر: تقول: أكلها الذئب ! فرفع الراعي رأسه إلى
(١) أي : شاة تصلح للذبح .
٤٦٩

السماء ثم قال : فأين الله ؟!
فاشترى ابن عمر الراعي واشترى الغنم فأعتقه ، وأعطاه الغنم .
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٣٠٥٤/٢٦٣/١٢): حدثنا محمد
:
ابن نصر الصائغ : ثنا أبو مصعب: ثنا عبد الله بن الحارث الجُمَحِي : ثنا زيد بن
أسلم به .
قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات مترجمون في ((التهذيب))؛ غير شيخ
الطبراني محمد بن نصر الصائغ، وهو ثقة مترجم في ((تاريخ بغداد)) (٣١٨/٣ -
٣١٩)، مات سنة (٢٩٧).
وهذا الأثر احتج به الحافظ الذهبي في ((العلو»، ذكره معلقاً على أبي مصعب
الزهري ، وکنت جوّدت إسناده في (مختصره)) (١٢٧) ولم أكن قد وقفت يومئذ
على وصله ، فها قد وقفت عليه الآن ، والحمد لله .
وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٣٤٧/٩):
((رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح ، غير عبدالله بن الحارث الحاطبي،
وهو ثقة)) .
وجملة القول : إن أصح الأحاديث المتقدمة إنما هو حديث معاوية ، فلا جرم
أن يتفق العلماء - من محدثين وفقهاء - على تصحيحه على مرّ العصور دون أي
خلاف بينهم ؛ فقد صححه الخمسة الذين أخرجوه في (صحاحهم)) كما تقدم ،
وكذا البيهقي في ((الأسماء)) (٤٢٢)، والبغوي في ((شرح السنة)) (٢٣٩/٣)،
والذهبي كما يأتي، والحافظ في ((الفتح)) (٣٥٩/١٣)، كل هؤلاء صرحوا بصحة
الحديث وإسناده، ويُلحق بهم كل من احتج بالحديث من أئمة الحديث والفقه
٤٧٠

والتفسير على اختلاف مذاهبهم ، ممن احتج به في باب من أبواب الشريعة ،
ضرورة أنه لا يحتج إلا بما صح عنده، كالإمام مالك في ((الموطأ)) (٥/٣ - ٦)،
والشافعي في «الأم)) (٢٦٦/٥)، وأحمد في ((مسائل عبدالله)) (٣٦٣/١٠١)،
و((مسائل صالح)) (١٣٧٤/٧٤/٣)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) (٢٥٨/١)، وابن
عبدالبر في ((الاستيعاب))، وابن الجوزي في ((دفع شبه التشبيه))، والنووي في
(المجموع))، وابن الوزير في ((العواصم والقواصم)) (٣٧٩/١ - ٣٨٠)، وغيرهم كثير
وكثير ممن لا يمكن حصرهم ، وفيهم بعض المبتدعة المعروفين بمعاداتهم لأهل
السنة ، وسُوِّد في الرد عليهم رسائل عدة ، كالشيخ الصابوني ؛ فإنه تابع الحافظ ابن
كثير في الاحتجاج بهذا الحديث ، فأورده في موضعين (٤٢١/١ و٥٢٣) من
(مختصره)) الذي التزم أن لا يورد فيه إلا ما صح من الحديث !
أما الغلاة من المبتدعة والمتجهمة في هذا العصر؛ فقد أعلن بعضهم عن
((أين الله؟))، وجواب الجارية :
تضعيفه لهذا الحديث ، وإنكاره لصحة قوله
(«في السماء»! وعلى رأس هؤلاء الشيخ الكوثري ومقلِّدوه ، وقد كنت رددت عليه
في كتابي ((مختصر العلو)) (ص٨٢) بما يغني عن إعادته هنا، وكان الرد حول
حديث معاوية هذا فقط ، قبل أن يتيسر لي جمع شواهده المتقدمة عن أبي هريرة ،
وأبي جُحَيفة ، وابن عباس ، ثم أوقفني بعض الإخوان على حديث خامس من
رواية ابن شاهين بسنده عن عُكَّاشة الغَنَوِي في ((أسد الغابة))، و(الإصابة))،
وإسناده حسن .
ثم رأيت في ((تلخيص ابن حجر)) (٢٢٣/٣) حديثاً سادساً عن يحيى ابن
عبدالرحمن بن حاطب - الثقة - مرسلاً، رواه أبو أحمد العسَّال في ((السنة)) من
طريق أسامة بن زيد ، وفي الحديثين: ((أين الله؟))، قالت: ((في السماء)).
٤٧١

فماذا عسى أن يقول القائل في مثل هذا المكابر الجاحد للحقائق العلمية
المعترف بها عند العلماء الفطاحل كما تقدم؟! إلا أن يقرأ : ﴿فإنها لا تعمى
الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾! وأن يذكر قوله ﴿ في
حديث معاوية - رضي الله عنه - في حديث تفرّق الأمة :
((وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب
بصاحبه ، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله)): ((صحيح الترغيب))
(٤٨/٩٧/١)؛ نسأل الله السلامة والعافية !
وقد جرى على سَنّنِ هذا الجاحدِ : الشيخُ المغربي عبد الله الغماري المعروف
بعدائه الشديد - كالكوثري - للسنة وأتباعها ، ويزيد عليه أنه شيخ الطريقة
الدرقاوية ، ويزعم أنه مجدد العصر الحاضر! فقد رَدَّ في تعليقه على ((التمهيد))
(١٣٥/٧) حديث مسلم، فزعم أن قوله :﴿ فيه: ((أين الله؟)) وجواب الجارية عليه
بقولها: ((في السماء)) أنه من تصرف الرواة ! ضارباً صفحاً عن تصحيح أولئك
الحفاظ إياه ، وعن الشواهد المؤكدة لصحته ، وعن إمكانية الجمع بينه وبين بعض
الألفاظ التي تخالفه بزعمه ، مع کونه أصح منها كما تقدم ، فما أحراه هو وسلفه
الكوثري وأمثالهما ممن يرد الأحاديث الصحيحة المتلقاة من الأمة بالقبول - كالغزالي
المعاصر - بوعيد قوله تعالى : ﴿ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع
غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ [النساء/١٥].
ثم زاد الجاحد إغراقاً في الضلال بعد أن اتهم رواة اللفظ الأصح بالخطأ
والرواية بالمعنى ؛ فقال :
((ويؤيد ذلك أن المعهود من حال النبي ◌َ ﴿ الثابت عنه بالتواتر أنه كان يختبر
إسلام الشخص بسؤاله عن الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام ودليله)) .
٤٧٢

فأقول : هذا باطل من وجوه :
الأول : ما زعمه من التواتر مجرد دعوى لا دليل عليه ، وما كان كذلك؛
وجب طرحه وعدم الاشتغال به .
الثاني : أنه يبطل زعمَه بعضُ الألفاظ التي اعتمد عليها في تخطئة اللفظ
الأصح ، وهو لفظ: ((من ربك؟))؛ فهذا ليس فيه الاختبار بالشهادتين كما زعم .
فإن قيل : هذا لا ينافي اللفظ المذكور !
قلنا : وكذلك لا ينافي اللفظ الأصح: ((أين الله؟))؛ كما تقدم بيانه في
الخلاصة النيرة ، فتذکر !
الثالث : أنه قال أخيراً :
((أما كون الله في السماء ؛ فكانت عقيدة العرب في الجاهلية ، وكانوا
مشركين ، فكيف تكون دليلاً على الإسلام؟!)) .
كذا قال فُضَّ فوه ! فإنه يعلم أن الجاهليين كانوا يؤمنون - مع شركهم - بتوحيد
الربوبية بدليل قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن
الله﴾ ونحوه من الآيات، وكانوا يُلبُّون به وهم يطوفون حول البيت ، فيقولون: لبيك
لا شريك لك إلا شريكاً هولك، تملكه وما ملك ! رواه مسلم (٨/٤).
فإذا كان توحيدهم هذا حقّاً، وإذا كان اعتقادهم أن الله في السماء حقّاً
كذلك، لمطابقته لنص القرآن، وبه أجابت الجارية التي شهد لها النبي تح لية
بالإِيمان ، أفيُعقل أن يقول مؤمن بالله ورسوله حقّاً : لا نؤمن بأن الله في السماء لأن
المشركين كانوا يعتقدون ذلك ؟! إذن ؛ يلزمه أن لا يؤمن بتوحيد الربوبية ؛ لأن
٤٧٣

المشركين يؤمنون به !! ذلك هو الضلال البعيد .
وأصل ضلال هؤلاء المتجهمة أنهم تأثروا بالمعتزلة والجهمية الذين ضلُّوا
ضلالاً مبيناً؛ بإنكارهم كثيراً من الغيبيات المتعلقة بالله تعالى وصفاته ، وذلك
يعود إلى أمرین :
أحدهما : ضعف إيمانهم بالله ورسوله وما جاء عنهما .
والآخر : ضعف عقولهم وقلة فهمهم للنصوص ، وهذا هو المثال بين يديك :
لم يؤمنوا بأن الله في السماء مع صراحة الآيات في ذلك ، والتي منها قوله تعالى :
﴿أَأَمِنْتُم مَنْ في السماء أنْ يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور﴾ [الملك: ١٦]،
وصحة حديث الجارية ، الذي شهد لها بالإيمان لأنها عرفت ربها في السماء ،
ولذلك بادروا إلى إنكار صحته ، وأما الآية فعطلوا دلالتها بعقولهم المريضة ، ذلك
أنهم تبادر إلى أذهانهم الكليلة أن (في) هنا ظرفية ، وهذا خطأ ظاهر ، ففروا منه ،
فتأولوا (مَنْ) بالملائكة، فوقعوا في خطأ آخر، فوقف في طريقهم قوله ﴿ لين :
(«ارحموا مَنْ في الأرض؛ يرحمكم مَنْ في السماء)» ، فهذا صريح في أن (في) في
شَطْرَى الحديث بمعنى (على) ، ولما رأى ذلك بعض جهلة الغماريين وأنه يبطل
تأويله المذكور؛ بادر بكل صفاقة وجهل إلى القول بأنه ((حديث باطل)) !(١) خلافاً
لكل العلماء حتى شيوخه الغماريين ، كما بينته في الاستدراك المطبوع في آخر
المجلد الثاني من ((الصحيحة))، طبع عمّان رقم (١٢).
(١) انظر مقدمة المسمى حسن السقاف لكتاب «دفع شبه التشبيه)) لا بن الجوزي (ص٦٢
و٦٤) الذي دفعه الذهبي في ((السير)» (٣٦٨/٢١) دفعاً لطيفاً بقوله :
((ليته لم يخض في التأويل ، ولا خالف إمامه)) !
٤٧٤

والمقصود أن معنى الآية المذكورة ﴿أأمنتم من في السماء﴾؛ أي: من على
السماء . يعني: على العرش؛ كما قال ابن عبدالبر (١٢٩/٧ و١٣٠ و١٣٤) وغيره؛
كالبيهقي في ((الأسماء)) (٣٧٧)؛ حيث قال: ((يعني: من فوق السماء)).
وهذا التفسير هو الذي لا يمكن القول إلا به ؛ لمن سلّم بمعاني النصوص
الكثيرة من القرآن والسنة المجمعة على إثبات العلو والفوقية لله تعالى علوّاً يليق
بعظمته ؛ كقوله تعالى في الملائكة : ﴿يخافون رَبَّهُم مِنْ فوقهم﴾ وغيرها من
الآيات المعروفة ، وعلى هذا أهل السنة والجماعة ؛ خلافاً للمعتزلة والجهمية في
قولهم : إن الله عز وجل في كل مكان ، وليس على العرش !
كما في «التمهيد)» (١٢٩/٧) .
والعجيب من أمر هؤلاء النفاة أنهم أرادوا بنفيهم تنزيه ربهم أن يكون فوق
المخلوقات ؛ فحصروه في داخلها ، كما روي عن بشر المريسي أنه لما قال : هو في
كل شيء ! قيل له : وفي قَلْسُوتك هذه؟ قال : نعم ، قيل : وفي جوف حمار؟!
قال : نعم !
وهذا القول يلزم كل من يقول بأنه تعالى في كل مكان ، وهو من أبطل ما قيل
في رب العالمين الحكيم الحليم ، ولذلك قال بعض السلف : إنا لنحكي كلام اليهود
والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية !
ولوضوح بطلان هذا القول لبعض علماء الكلام ؛ فرُّوا إلى القول بما هو أبطل
منه ، وسمعته بأذني من بعض الخطباء يوم الجمعة على المنبر:
الله ليس فوق ولا تحت ، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف ، لا داخل
العالم ولا خارجه ، وزاد بعض الفلاسفة: لا متصلاً به ، ولا منفصلاً عنه !!
٤٧٥

وهذا هو التعطيل المطلق الذي لا يمكن لأفصح الناس أن يصف العدم بأكثر مما
وصف هؤلاء ربهم ، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! ورحم الله ذلك الأمير العاقل
الذي قال لما سمع هذا من بعض علماء الكلام: ((هؤلاء قوم أضاعوا ربّهم)) !
ولهذا ؛ قال بعض العلماء :
((المجسِّم يعبد صنماً ، والمعطّل يعبد عدماً ، المجسم أعشى، والمعطل أعمى))!
ومن المؤسف أن العلامة ابن الجوزي - في رده على المشبهة - قد وقع منه من
ذاك الكلام؛ فقال في كتابه المتقدم بعد أن تأول (الاستواء) بالاستيلاء واستشهد
على ذلك ببيت الأخطل النصراني المعروف :
قد استوى بِشْرٌ على العراق
من غير سيف ولا دم مُهْراقٍ
ء
وتفلسف في رد المعنى الصحيح وهو الاستعلاء ، قال :
((ولذا؛ ينبغي أن يقال : ليس بداخل في العالم ، وليس بخارج منه)) !
ولم يعلق المسمى بـ (حسن السقاف) على هذا النفي الباطل ؛ الذي لم يقل به
إمام معروف من قبل ، والذي ليس فيه ذَرَّةٌ من علم كما هو شأن النفاة ، ومن عجائبه
وجهالاته أنه يقلد ابن الجوزي في إنكاره على من يقول من المثبتة: ((استوى على
العرش بذاته))؛ فيقول ابن الجوزي (ص١٢٧) منكراً لهذه اللفظة ((بذاته)):
((وهي زيادة لم تنقل)).
فيا سبحان الله ! زيادة كهذه يُراد بها دفع التعطيل تُنكر لأنها لم تنقل ، وقوله
المتقدم: ((ليس بداخل ... )) لا ينكر! اللهم إن هذه لإحدى الكُبَرِ !!
٤٧٦

وكذلك لم يعلِّق على تأويل ابن الجوزي لآية (الاستواء) بل أقرَّه؛ لأنه صرح
(ص١٢٣) - بعد كلام طويل له فيه كثير من التحريف والكذب لا مجال الآن
لبيانه - قال :
((الاستواء عندنا هو الاستيلاء والقهر، أو تفويض معناه إلى الله)).
كذا قال ! وهذا يدل على أنه لم يعرف الحق بعدُ ، لتردده بين التأويل
والتفويض !
ولكنني أعتقد أن ذكره التفويض هنا ؛ إنما هو سياسة منه ، ومراوغة وتضليل
للقراء الذين قد ينكرون عليه التأويل ، فإنه قال بعدُ (ص١٢٧) :
((وأما رد الإمام أبي الحسن الأشعري تفسير الاستواء بالاستعلاء ؛ فنحن لا
نوافقه في ذلك أبداً ، ونقول : إنه قال ذلك بسبب رَدّة فعل حصلت عنده من
المعتزلة ، وهم وإن لم نوافقهم في كثير من مسائلهم؛ إلا أننا هنا نوافقهم ونعتقد
أنهم مصيبون في هذه المسألة)» !
أي : في إنكارهم علوَّ الله على خلقه ، لكن المعتزلة وأمثالهم كالإباضية يقولون
بأن الله في كل مكان ، وهذا مما ينكره أشدَّ الإنكار ذلك الجاهلُ المتعالم، ويصرِّح
بتكفير من يقول به ، ويعتقد أن الله سبحانه وتعالى موجود بلا مكان ! ويعني : أنه
ليس فوق العرش كما أخبر تعالى في كثير من آياته، وأخبر نبيُّه ◌َ ﴿ في أحاديثه ،
فراجع كلامه في ذلك في ((الأحاديث الضعيفة)) تحت الحديث (٦٣٣٢) .
وإن من ضلال ذاك السقاف أنه يصرح بنفي ثبوت قوله ◌َ ﴿: ((أين الله؟))؛
مع قوله بأنه في ((صحيح الإمام مسلم))! ثم يؤكد ذلك فيقول - فُضَّ فوه -
(ص١٠٨) :
٤٧٧

((ونحن نقطع بأن النبي ◌َ ﴾ لم يقل: ((أين الله؟))، وإنما قال: ((أتشهدين أن
لا إله إلا الله)) الذي رواه أحمد .. و .. و ... بأسانيد صحيحة)).
ثم أعاد نحو هذا الكلام في مكان آخر (ص١٨٦ - ١٨٧).
وفيه أكاذيب عجيبة عديدة - تؤكد أن الرجل لا يخشى الله ، ولا يستحي من
عباد الله - يطول الكلام عليها جدّاً، فأوجزُ في العبارة ما استطعت :
فمن ذلك أن اللفظ الذي عزاه لأحمد - وغيره ممن أشرت إليهم بالنقط وهم
ثمانية -، يوهم القراء أنهم جميعاً رووه باللفظ المذكور ، وعن صحابي واحد ، وهو
كذب وزور ، فإنما رووه بأكثر من لفظ وعن أكثر من صحابي ، فبعضهم رواه : عن
أنصاري - وهو الذي أعله البيهقي بالإرسال كما تقدم -، وبعضهم : عن الشريد -
وسنده حَسن على الخلاف في إسناده كما تقدم ، ثم هو بلفظ: ((من ربك؟))،
خلافاً للفظ المذكور ! -، وبعضهم عن ابن عباس - وفيه ابن أبي ليلى ..
فأين الأسانيد الصحيحة التي ادعاها كذباً ومَيْناً؟! على أنه سرعان ما كذَّب
نفسه بنفسه في المكان الآخر المشار إليه ؛ فإنه قال - عقب بعض المصادر المشار
إليها بالنقط - :
(( .. والطبراني (٢٧/١٢) بسند صحيح .. ))، ثم ذكر مصدرين آخرين تمام
الثمانية .
قلت : وهذا كذب أيضاً لما عرفت ، وبخاصة إذا أرجعنا الضمير إلى أقرب
مذكور - وهو الطبراني - فإن فيه ابن أبي ليلى كما عرفت !
ومن تدجيله - زيادةً على ما تقدم - أنه تعمد أن لا يضيف إلى تلك المصادر
أبا داود، وابن خزيمة مطلقاً، ولا إلى المجلد السابع من ((سنن البيهقي))؛ لأن
٤٧٨

الحديث عندهم باللفظ الذي قطع بتكذيبه ، عامله الله بما يستحق !!
ولو أن طالب علم عكس عليه قطعه المأفون ، فجزم ببطلان اللفظ الذي زعم
صحته ؛ لكان قاهراً عليه ؛ لأن معه بعض الروايات التي فيها : (أين الله)) من طرق
أكثر وأصح من لفظه ، فكيف ومعه حديث معاوية بن الحكم - رضي الله عنه - وقد
صححه جمع غفير من المحدثين قديماً وحديثاً كما تقدم؟! ولكننا لا نرى تعارضاً
حتى نلجأ إلى الترجيح كما سبق ، وإلى هذا جنح العلامة ابن قيّم الجوزية - رحمه
الله - في (إعلام الموقعين)) (٥٢١/٣ - كردي)؛ فقد ذكر روايتين مما تقدم: ((من
ربك؟))، و((أين الله)) ، ثم قال :
((وسأل صلى الله عليه وآله وسلم: ((أين الله؟)) ، فأجاب من سأله بأن الله في
السماء، فرضي جوابه وعلم به أنه حقيقة الإيمان بربه ، ولم ينكر هذا السؤال
عليه ، وعند الجهمي أن السؤال بـ ((أين الله؟)) كالسؤال بـ: ما لونه ، وما طعمه ، وما
جنسه ، وما أصله؟ ونحو ذلك من الأسئلة المحالة الباطلة !)) .
ولقد صدق - رحمه الله - وأصاب كبد الحقيقة ، فأنت ترى هذا (السخاف) كيف
يصر على التكذيب بهذا الحديث الصحيح الذي صححه أئمة المسلمين كما تقدم
بيانه ، ثم لا يكتفي بذلك، فيتهمهم بالتجسيم ! فيقول - فُضَّ فوه - (ص ١٨٧) :
((ومن الغريب العجيب: أننا نرى المجسمة يرددون هذا اللفظ: ((أين الله؟)) على
ألسنتهم دائماً ، ولا يدركون (!) أن هذا تصرف رواة ، وحكاية لكلام النبي
بالمعنى المخطئ ، وخصوصاً بعد ثبوت هذا الحديث عند غير مسلم بلفظ: ((أتشهدين
أن لا إله إلا الله .. )) مخالفة تامة، أو على الأقل مخالفة لا تفيد معنى: أين الله؟)).
ثم أكَّد جَزْمَهُ بأن النبي ◌َُّمِ لم يقل هذه الكلمة التي صحت عند الأئمة ،
وما ذاك إلا لأنها قاصمة ظهر المبتدعة الجهمية ، ولست أدري - والله - ماذا أقول في
٤٧٩

هذا الرجل المكابر الجاحد؟! إلا أن أنذره بقوله تعالى :
﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين
نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾ .
شَيئاً من تمر ، فجعلتُه في مكْتَل لنا ، فعلّقناهُ
٣١٦٢ - (أعطاني :
في سَقْفِ البيتِ ، فلمْ نَزَل نأكلُ منه ؛ حتَّى كانَ آخرُهُ أصابَهُ أَهلُ
الشام حيثُ أَغارُوا على المدينةِ) .
أخرجه أحمد في («المسند» (٣٢٤/٢): ثنا أبو عامر: ثنا إسماعيل - يعني:
ابن مسلم - عن أبي المتوكل عن أبي هريرة قال : ... فذكره .
قلت : وهذا إسناد صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم ، وأبو عامر هو
عبدالملك بن عمرو القيسي العَقَدي .
وأبو المتوكل : اسمه علي بن داود الناجي ، ثقة اتفاقاً ، وقد احتج به الشيخان
وغيرهما ، وقد ذكروا له رواية عن جمع من الصحابة غير أبي هريرة المتوفى سنة
(٥٩)؛ مثل عائشة - رضي الله عنها -، وقد توفيت قبله بسنتين، فضلاً عن
غيرهما ممن تأخرت وفاته مثل ابن عباس وجابر وأم سلمة - رضي الله عنهم
أجمعين -، وروى له الترمذي حديثاً عن عائشة بلفظ :
((قام النبي ﴿ بآية من القرآن))
ثم قال (٤٤٨/١٠٠/٢) :
((حديث حسن غريب من هذا الوجه)).
وهذا يعني - في اصطلاحه - أنه قوي لذاته ، كما لا يخفى على العارفين
بكتابه، كما روى له النسائي في «عمل اليوم والليلة)) (٥٣١ -٥٣٢) حديثاً آخر
٤٨٠