Indexed OCR Text

Pages 961-980

قلت : وهذا إسناد صحيح ؛ المنهال بن عمرو ثقة من رجال البخاري ، وفيه
كلام لا يضر .
ونعيم بن دجاجة ، ذكره ابن أبي حاتم (٤ / ١ / ٤٦١) برواية ثقتين آخرين
عنه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. وذكره ابن حبان في كتابه في (( ثقات
التابعين)) (٥ / ٤٧٨)، والظاهر أنه كان حياً في زمن النبي ، ولذلك ألزم
الحافظ من صنف في الصحابة أن يذكروه فيهم. راجع كتابه (( التهذيب)).
وللحديث شواهد كثيرة في (( الصحيحين)) وغيرهما ، وخرجت طائفة منها
في (( الروض النضير)) تحت حديث أبي سعيد الخدري بمعناه (١١٠٠)، وهو في
(( صحيح مسلم)) و (( صحيح ابن حبان )) .
والحديث أورده الهيثمي في «مجمع الزوائد » (١ / ١٩٨)، وقال:
((رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))، ورجاله
ثقات)) .
ومعنى الحديث أنه لا يعيش أحد من كان يومئذ حياً على وجه الأرض بعد
مائة سنة . وليس فيه نفي حياة أحد يولد بعد ذلك. انظر ((فتح الباري)) (٢١١/١
- ٢١٢) .
٢٩٠٧ - ( لو كانَ لابن آدم واديانِ من مالٍ (وفي رواية: من ذهبٍ)
لابتغى [وادياً] ثالثاً، ولا يملأ جوفَ ابن آدمَ إلا الترابُ ، ويتوبُ الله
على من تاب ) .
، رواه عنه جماعة من
أقول : هذا حديث صحيح متواتر عن النبي
أصحابه بألفاظ متقاربة ، وقد خرجته عن جماعة منهم في (( تخريج أحاديث
٩٦١

مشكلة الفقر)) (١٨ / ١٤)؛ منهم أنس عند الشيخين ، وقد أخرجاه عن ابن
عباس أيضاً ، ومنهم ابن الزبير عند البخاري ، وأبو موسى عند مسلم وغيره ، ويأتي
لفظه ، وغيرهم ، وعددهم نحو عشرة ، وفي الباب عن غيرهم تجد تخريجها في
((مجمع الزوائد)) (٧ / ١٤٠ - ١٤١ و١٠ / ٢٤٣ - ٢٤٥) ، ويأتي تخريج بعضها
مع سوق ألفاظها المناسبة لما أنا متوجه إليه الآن ، وهو تحرير القول في الروايات
المختلفة في حديث الترجمة :
هل هو حديث نبوي ، أو حديث قدسي ، أو قرآن منسوخ التلاوة ؟
فأول ما يواجه الباحث ويلفت نظره للتحري ثلاثة أخبار عن الصحابة :
الأول : قول ابن عباس في رواية عنه عقب حديثه المشار إليه آنفاً :
((فلا أدري من القرآن هو أم لا ؟ )) .
الثاني : قول أنس نحوه في رواية لمسلم وأحمد .
الثالث : قول أبي بن كعب من رواية أنس عنه قال :
(( كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ﴿ألهكم التكاثر﴾)).
أخرجه البخاري (٦٤٤٠)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢ / ٤٢٠).
ولا يخفى على البصير أن القولين الأولين لا يدلان على شيء مما سبقت
الإشارة إليه ، لأنه اعتراف صريح بعدم العلم ، ولكنه مع ذلك فيه إشعار قوي بأنه
كان من المعلوم لدى الصحابة أن هناك شيئاً من القرآن رُفع ونُسخ ، ولذلك لم
يُكتب في المصحف المحفوظ ، فتأمل هذا، فإنه يساعدك على فهم الحقيقة الآتي
بيانها .
وأما قول أبيّ : ((كنا نرى .. ))، فهو يختلف عن القولين الأولين ، من جهة أنه
كان الحديث المذكور أعلاه من القرآن، إما ظناً غالباً راجحاً ، وإما اعتقاداً جازماً،
٩٦٢

ذلك ما يدل عليه قوله: ((نرى))، قال الحافظ (١١ / ٢٥٧):
(( بضم النون - أوله - أي نظن ، ويجوز فتحها ، من (الرأي) أي نعتقد)).
قلت : والثاني هو الراجح عندي ، بل الصواب الذي لا يجوز سواء لما سيأتي
عنه وعن غيره من الصحابة الجزم به . ولا ينافيه قوله : ((حتى نزلت ﴿ألهاكم
التكاثر﴾)) ، لأنه يعني : فنسخت هذه تلك .
إذا عرفت هذا فإليك الآن الأحاديث المؤكدة لما دل عليه حديث أبيّ هذا : أن
قوله: (( لو كان لابن آدم واديان .. )) إلخ كان قرآناً يتلى ، ثم رفع ونسخ .
الحديث الأول: عن أبي بن كعب أن رسول الله عٍَّ قال له :
٢٩٠٨ - (إن الله أمرني أن أقرأ عليكَ القرآنَ. فقراً عليه: ﴿لم
يكن الذين كفروا﴾، وقرأ فيها: ((إن ذاتَ الدين الحنيفيةُ المسلمةُ ، لا
اليهوديةُ ، ولا النصرانيةُ ، ولا المجوسيةُ ، من يعملْ خيراً فلن يُكفَرَه )).
وقرأ عليه : ((لو أن لابن آدمَ وادياً من مالٍ لابتغى إليه ثانياً، ولو كانَ
له ثانياً لابتغى إليه ثالثاً .. )) إلخ [قال: ثم خَتَمها بما بقي منها]).
أخرجه الترمذي (٩ / ٤٠٠ / ٣٨٩٤)، والحاكم (٢ / ٢٢٤)، والطيالسي
(رقم ٥٣٩)، وأحمد (٥ / ١٣١ - ١٣٢)، وعبد الله بن أحمد (٥ / ١٣٢) ، وأبو
نعيم في ((الحلية)) (٤ / ١٨٧) كلهم من طريق شعبة عن عاصم قال : سمعت زِرَّ
أبن حبيش يحدث عن أبي بن كعب أن رسول الله :﴿﴿ قال له : فذكره . والزيادة
لعبد الله ، وقال الترمذي :
((حديث حسن صحيح)). وأقره ابن كثير في (( التفسير)).
وقال الحاكم :
٩٦٣

((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي ، وأقره الحافظ في عدة مواضع من
((الفتح)) (٧ / ١٢٧ و٨ /٧٢٥)، وقال (١١ / ٢٥٧) :
(( وسنده جيد)).
وأقول : الأصل في هذا الإسناد التحسين فقط للخلاف المعروف في عاصم
- وهو ابن أبي النَّجود - في الحديث ، ولكن لما كان صدوقاً في نفسه ، وثقة وإماماً
في القراءة ، وقرأ على شيخه في هذا الحديث - زر بن حبيش - وكان الحديث في
القراءة ، فهو إذن يتعلق باختصاصه ، فالنفس تطمئن لحفظه إياه جيداً أكثر من
حفظه للأحاديث الأخرى التي لا تتعلق بالقراءة ، وهذا ظاهر جداً، ولذا أخرجه
الضياء في (( المختارة)) (٣ / ٣٦٨ - ٣٦٩).
ولحديث الترجمة منه طريق أخرى عند الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١ /
١٧٠ / ٥٤٢) بسند ضعيف عن الشعبي عن ابن عباس عن أبيّ مرفوعاً بلفظ :
((لو كان للإنسان واديان من المال .. )).
لكن له إسناد صحيح عن ابن عباس ، رواه الشيخان وغيرهما ، وهو مخرج في
((أحاديث المشكلة)) (١٤/١٨)، ويأتي برواية أخرى بالرقم التالي.
وجملة القراءة عليه وجََّالله لها طريق آخر، يرويه عبد الله بن عبد الرحمن
ابن أبزى عن أبيه عن أبيٍّ مرفوعاً بلفظ :
((إن الله تعالى أمرني أن أعرض القرآن عليك)) .
قال : وسماني لك ربي تبارك وتعالى ؟ قال :
﴿ بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا ﴾، هكذا قرأها أبيّ ، وفي رواية زاد :
((فقلت له : يا أبا المنذر! ففرحت بذلك ؟ قال : وما يمنعني ؟ والله تبارك
وتعالى يقول : ﴿قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فلتفرحوا هو خير مما يجمعون﴾ .
٩٦٤

قال مؤمل : قلت لسفيان : هذه القراءة في الحديث؟ قال: نعم)).
وأخرجه أبو داود (٣٩٨١)، وابن جرير في ((التفسير)) (١٥ /١٠٨ / ١٧٦٨٧
و ١٧٦٨٨)، والحاكم (٢ / ٢٤٠ - ٢٤١) ، وقال:
((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي، وهو كما قالا؛ إلا أنه وقع عنده فعل
(فليفرحوا) و (يجمعون) بالمثناة التحتية فيهما . وكذا وقع الفعل الثاني في
((المسند))، وأظن ذلك كله خطأً من الناسخ أو الطابع، والصواب فيهما بالتاء
المثناة ، فهي قراءة أبيّ ، والأولى قراءة عامة القراء ، كما قال ابن جرير .
وللجملة المذكورة شاهد من حديث أنس محَالله أخرجه الشيخان ، وابن حبان
(٩ / ١٣٩ /٧١٠٠)، وأحمد (٣ / ١٣٠ و١٨٥ و٢١٨ و٢٣٣ و٢٧٣ و٢٨٤)
وغيرهم .
الحديث الثاني : عن ابن عباس ◌ِمَاش قال :
٢٩٠٩ - ( جاءَ رجلٌ إلى عمرَ يسألُه، فجعلَ ينظرُ إلى رأسه مرةً،
وإلى رجليه أخرى ؛ هل يرى من البؤس شيئاً ؟ ثم قال له عمر : كم
مالك ؟ قال : أربعون من الإبل ! قال ابن عباس :
صدق الله ورسوله : ((لو كان لابن آدمَ واديان من ذهبٍ .. ))
الحديث .
فقالَ عمرُ: ما هذا؟ فقلتُ: هكذا أقرأَنيها أُبَيّ . قال: فَمُرْ بنا
إليه . قال: فجاء إلى أبيّ؛ فقال: ما يقول هذا ؟ قال أَبيّ : هكذا
ـية ) .
أقرأنيها رسول الله
أخرجه أحمد (٥ / ١١٧)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٥ / ٩٧ / ٣٢٢٦)
٩٦٥

من طريق أبي معاوية عن أبي إسحاق الشيباني عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس
قال : فذكره .
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم .
هذا هو الحديث الثاني الدال على قوله: ((لو كان لابن آدم .. )) كان قرآناً
یتلی ، ثم رفع .
الحديث الثالث : عن زيد بن أرقم محَالله قال :
٢٩١٠ - ( لقد كنا نقرأ على عهد رسول الله خية : لو كانَ لابن
اَدمَ واديانِ من ذهبٍ وفضةٍ لابتغى إليهما آخرَ ، ولا يملأَ بطنَ ابنِ آدمَ
٩
إلا الترابُ، ويتوبُ الله على مَنْ تاب ) .
أخرجه أحمد (٤ / ٣٦٨) والسياق له، والبزار (٤ / ٢٤٦ / ٣٦٣٩)،
والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥ / ٢٠٧ / ٥٠٣٢) من طرق عن يوسف بن
صهيب قال : حدثني حبيب بن يسار عن زيد بن أرقم به .
قلت: وهذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات. وقال الهيثمي في (( المجمع))
(١٠ / ٢٤٣) :
(( رواه أحمد والطبراني، والبزار بنحوه، ورجالهم ثقات)).
الحديث الرابع : عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال :
٢٩١١ - (سمعتُ النَّبي ◌َ ﴾ يقرأ في الصلاةِ: لو أنَّ لابنِ آدمَ
وادياً من ذهب لابتغى إليه ثانياً ، ولو أعطي ثانياً لابتغى إليه ثالثاً ، ولا
يملأُ جوفَ ابنِ آدمَ .. ) الحديث .
٩٦٦

أخرجه الطحاوي في (( مشكل الآثار)) (٢ / ٤١٩)، والبزار (٤ / ٢٤٤/
٣٦٣٤) من طريقين عن عبد العزيز بن مسلم : ثنا صبيح أبو العلاء عن عبد الله
ابن بريدة عن أبيه قال : فذكره .
قلت : وهذا إسناد جيد ، رجاله عند البزار كلهم رجال البخاري ؛ غير صبيح
أبي العلاء، وقد وثقه ابن حبان، ذكره في ((ثقات التابعين)) (٤ / ٣٨٥) بروايته
عن أنس ، وعنه حماد بن سلمة وعبد العزيز بن المختار هذا، وفي ((ثقات أتباع
التابعين)) (٦ / ٤٧٨) بروايته عن شريح ، وعنه مروان بن معاوية الفزاري .
قلت : فهؤلاء ثقات ثلاثة رووا عنه : عبد العزيز هذا ، ومروان بن معاوية ،
وحماد بن سلمة، وروايته في ((تاريخ البخاري)). وذكر له ابن أبي حاتم راوياً رابعاً،
وهو محمد بن جابر، وهو اليمامي ، وهو صدوق سيّىء الحفظ . وعند البخاري
خامس : عدي بن الفضل ، ولكنه متروك .
وقد فات هذا التحقيق المعلق على ((مشكل الآثار)) (٢٧٦/٥ - ٢٧٧) ، فأعلّه
بجهالة (صبيح) هذا ، غافلاً عن رواية هؤلاء الثقات الأربعة عنه ، وعن توثيق ابن
حبان إياه . وأعلّه أيضاً بالانقطاع بين ابن بريدة وأبيه ! ويأتي الجواب عنه .
والحديث قال الهيثمي (١٠ / ٢٤٤) :
((رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح؛ غير صبيح أبي العلاء، وهو ثقة)).
قلت : وعبد الله بن بريدة ثقة احتج به الشيخان عن أبيه وغيره ، وقد سمع
منه أحاديث كثيرة خلافاً لأحد الجهلة ، المتعدِّين على هذا العلم فزعم أنه لم
يسمع من أبيه ، وسيأتي الرد عليه بتفصيل لا تجده في مكان آخر ، فراجع الحديث
الآتي برقم (٢٩١٤)، ولا أدري - والله - إذا كان هذا الزاعم قلد المعلق المشار إليه
آنفاً في هذا الإعلال المرفوض ، أم هو كما قيل : ( وافق شنٌ طَبَقَه ) ، أم هو
تلميذه فيه ؟!
٩٦٧٠

وفي الحديث شاهد قوي یؤید أن الحدیث کان آية تتلى ، وزاد عليها أنه
كان يقرأ بها في الصلاة ويؤيده :
الحديث الخامس عن أبي موسى الأشعري قال :
٢٩١٢ - (نزلَتْ سورةٌ فرُفعت، وحَفظتُ منها: «لو أن لابنِ آدمَ
واديين مِنْ مال لابتغى إليهما ثالثاً، .. )) الحديث ).
أخرجه الطحاوي (٢ / ٤١٨ - ٤١٩) : حدثنا أبو أمية : ثنا أحمد بن إسحاق
الحضرمي : ثنا حماد بن سلمة : ثنا داود بن أبي هند عن أبي حرب بن أبي
الأسود الديلي عن أبيه عن أبي موسى الأشعري قال : فذكره .
قلت : وهذا إسناد جيد ، رجاله ثقات رجال مسلم ؛ غير أبي أمية ، واسمه
محمد بن إبراهيم بن مسلم الخزاعي الطرسوسي ، وهو صدوق حافظ له أوهام ،
لكنه قد توبع . فقال الطحاوي : حدثنا إبراهيم بن مرزوق : ثنا عفان بن مسلم : ثنا
حماد بن سلمة : ثنا علي بن زيد عن أبي حرب بن أبي الأسود به .
وكذا رواه حجاج بن منهال ، فقال أبو عبيدة في (( فضائل القرآن )» (ص
١٩٢) : ثنا حجاج عن حماد بن سلمة به .
وعلي بن زيد - وهو ابن جدعان - ضعيف ، لكنه قد توبع من حماد بن سلمة
كما تقدم من رواية أبي أمية ، وقد توبع من علي بن مسهر عن داود بن أبي هند
عن أبي حرب بن أبي الأسود عن أبيه قال :
بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة ، فدخل عليه ثلاثمائة رجل ،
قد قرأوا القرآن ، فقال :
أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم ؛ فاتلوه ، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو
٩٦٨

قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم ، وإنَّا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول
والشدة ببراءة ، فأُنسيتها ، غير أني قد حفظت منها :
((لو كان لابن آدم واديان من مال .. )) الحديث .
أخرجه مسلم (٣ / ١٠٠)، والطحاوي (٢ / ٤١٩)، والبيهقي في ((دلائل
النبوة )) (١٥٦/٧) من طريقين عن علي بن مسهر. وأعلّه المعلق على ((الطحاوي))
(٢٧٦/٥) ببعض العلل التي لا أعرفها منه ، وإنما تمثل أسلوب ذاك الهدام للسنة
المشار إليه آنفاً في آخر الكلام على حديث بريدة المتقدم (٢٩١١)، وذكرت قبله
إعلال المعلق لحديث بريدة بعلة الهدام ! وكدت أن أقول إنه إعلال الهدام نفسه ،
ولكني دندنت حوله . وأما الآن فإني أجزم بأن العلل المشار إليها إنما هي من
(الهدام) ، فإنها مما لا يخفى بطلانها على المعلق إن شاء الله . فإن منها قوله :
(( وأبو حرب بن أبي الأسود ليس له في صحيح مسلم غير هذا الحديث ، ولم
يوثقه غير ابن حبان )) !!
ووجه بطلان هذا الإعلال ظاهر، فهب أن مسلماً لم يخرج له مطلقاً فهل
يكون ذلك علة في الراوي إذا كان ثقة ؟! وقوله : ((ولم يوثقه غير ابن حبان)» كذب
بلوناه منه مراراً وتكراراً ، فقد صرح بتوثيقه إمام النقاد الحافظ الذهبي ، ثم الحافظ
العسقلاني ، ودل عليه صنيع مسلم بإخراجه لحديثه ، وقول ابن سعد من قبله :
(( كان معروفاً)). وقد روى عنه جماعة من الثقات، هذا إلى كونه تابعياً .
ولذلك فقد غلب على ظني أن هذا التعليق هو بقلم الهدام ، وأن المعلق المشار
إليه لا علم عنده به ، وإنما نسبت إليه تعليقات الكتاب لمشاركته في بعضها
ولأسباب أخرى يعرفها أهل العلم ، ولسان الحال يقول : (له الاسم ولغيره الرسم) !
ويستفاد من حديث أبي موسى هذا فائدة جديدة غير ما في الأحاديث
٩٦٩

المتقدمة ، وهي أن هذا النص كان من جملة ما يتلى في زمنه ، ثم رفع
ونسخ ، وبه أيّد الحافظ الاحتمال الذي سبق أن رجحته في تفسير قول أبيّ المتقدم
تحت الحديث (٢٩٠٧): ((نَرى))، فقال: (١١ / ٢٥٨):
(( فهو مما نسخت تلاوته جزماً، وإن كان حكمه مستمراً)). قال :
((ويؤيد هذا الاحتمال ما أخرج أبو عبيد في (( فضائل القرآن)) من حديث
أبي موسى قال: قرأت سورة نحو ﴿براءة﴾، وحفظت منها: ((لو أن لابن آدم .. ))
(الحديث)، ومن حديث جابر: (( كنا نقرأ: لو أن لابن آدم ملء واد مالاً، لأحب
إليه مثله)) الحديث)).
قلت: ولم أر حديث جابر هذا في نسخة ((الفضائل)) المطبوعة في لبنان عن
نسخة مخطوطة سيئة بتحقيق وهبي الغاوجي ، وهو خال من أي تحقيق علمي
يذكر !
فإذا ثبت حديث جابر هذا فليضم إلى الأحاديث الخمسة المتقدمة .
وجملة القول : أن هذه الأحاديث عن هؤلاء الصحابة الخمسة ؛ تلقي اليقين
في النفس أن النص المذكور فيها كان قرآناً يتلى ، حتى في الصلاة ، ثم رفع . وقد
جهل هذه الحقيقة ذاك المعلق في (( مسند أبي يعلى)) (٤ / ٤٤٨) على قول ابن
عباس الذي تردد فيه بين أن يكون قرآناً أوْ لا ؟ فقال :
(( أقول : وقول ابن عباس وحديث أُبيّ دفعا عشاق الناسخ والمنسوخ إلى أن
يقولوا : إن هذا الحديث كان قُرآناً ، ثم نسخ بسورة التكاثر، يقولون هذا مع علمهم
أن القرآن لا يثبت إلا بطريق التواتر .. » إلخ كلامه .
ومن الواضح أنه لا يفرق بين القرآن المثبت بين الدفتين الذي يشترط فيه
التواتر الذي ذكر ، وبين منسوخ التلاوة كهذا الذي نحن في صدد الكلام حوله ،
٩٧٠

بل حكمه حكم الأحاديث النبوية والأحاديث القدسية ، فإنه لا يشترط فيها
التواتر ، وإن كان فيها ما هو متواتر، كهذا ، فإنه رواه خمسة من الأصحاب أو أكثر
كما سبق .
ثم قال المومی إليه :
(( و ((نرى))، في الحديث - بضم النون - معناها نظن، والظن عكس اليقين ،
وقد يكون إياه بقرينة ، وليست موجودة هنا )) .
فأقول : هذا مبني على الشرط الذي ذكره في منسوخ التلاوة ، وهو باطل كما
عرفت ، وما بُني على باطل فهو باطل .
وبما سلف تعلم أن تأييده ما ذهب إليه بما نقله عن الحافظ من توجيهه لظنهم
المذكور - لا يفيده شيئاً ، لأن الحافظ ذكره في جملة ما ذكره من الاحتمالات في
توجيه بعض الأحاديث ، ولم يعتمد عليه ، بل اعتمد على الآخر الذي سبق نقله
عنه ، وحط عليه بقوله :
((فهو مما نسخت تلاوته جزماً ، وإن كان حكمه مستمراً)).
وأيده بحديث أبي موسى ، وحديث جابر ، فلا أدري كيف تجاهله هذا المومى
إليه ، فكيف وهناك الأحاديث الأخرى المتقدمة التي تلقي اليقين في النفس أن
الحديث كان من القرآن ثم نسخت تلاوته ، وفي ظني أنه لم يعلم بها ، وإنه لو علم
بها ما قال ما قال ، وإلا دل قوله على سوء الحال . نسأل الله السلامة .
وهذا البحث مما ساقني إلى تخريج حديث ((الشيخ والشيخة إذا زنيا .. ))،
لأنه من مشاهير منسوخ التلاوة عند العلماء ، وأُتبع ذلك بما ذكره الحافظ عن
الصحابة في منسوخ التلاوة ، ليعلم المومى إليه وغيره من المخرجين أن العلم والفقه
في الكتاب والسنة شيء ، ومهنة تخريج الأحاديث شيء آخر. والله المستعان .
٩٧١

٢٩١٣ - ( الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتة).
ورد من حديث عمر ، وزيد بن ثابت ، وأبيّ بن كعب ، والعجماء خالة أبي
أمامة بن سهل .
١ - أما حديث عمر؛ فقال أبو بكر بن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٠ / ٧٥ -
٧٦) : حدثنا ابن عيينة عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس قال : قال عمر:
قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول القائل : ما نجد الرجم في كتاب
الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، ألا وإن الرجم حق إذا أُحصن ، أو قامت البينة ،
أو كان حمل ، أو اعتراف .
ـثُ ، ورجمنا
وقد قرأتها: (( الشيخ والشيخة .. )) الحديث، رجم رسول الله
بعده .
وأخرجه ابن ماجه (٢٥٥٣) من طريق أبي بكر، وكذا مسلم (٥ / ١١٦)
ولكنه لم يسق لفظه، والنسائي في ((الكبرى)) (٤ / ٢٧٣ / ٧١٥٦)، والبيهقي
(٨ / ٢١١) من طريقين آخرين عن سفيان بن عيينة به .
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، وقد أخرجاه ؛ البخاري (رقم
٦٨٢٩) من طريق علي بن عبد الله، ومسلم من طريق أبي بكر - كما تقدم -
كلاهما عن سفيان به ، إلا أنهما لم يقولا :
((وقد قرأتها .. )) إلخ، ومع ذلك فقد عزاه البيهقي إليهما عقب روايته إياه ،
وكذلك فعل السيوطي في ((الدر المنثور)) (٥ / ١٧٩ - ١٨٠)، وإلى ذلك أشار
الضياء المقدسي بعدم إيراده إياه في ((مسند عمر)) من ((الأحاديث المختارة))،
وكنت تبعتهم في ذلك في كتابي ((الإرواء)) (٨ /٣ - ٤ / ٢٣٣٨) حين عزوته
٩٧٢

فيه لجمع منهم الشيخان ، وهذا مقبول بالنسبة لمسلم ، لأنه رواه من طريق ابن أبي
شيبة كما تقدم وفيها الزيادة ، وإن كان لم يسق لفظه ، بل أحال به على لفظ رواية
یونس عن ابن شهاب قبله ، وليس فيه قوله المذکور :
((وقد قرأتها .. )).
وأما بالنسبة للبخاري فرواه من طريق شيخه علي بن المديني ، وقد ذكر
الحافظ في ((الفتح)) (١٢ / ١٤٣) أن الإسماعيلي أخرجه، يعني في (( مستخرجه
على البخاري)) من طريق جعفر الفريابي عن علي بن المديني ، وفيه القول المذكور،
وقال الحافظ عقبه :
((ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمداً )).
ثم استشهد على ذلك بقول النسائي عقب الحديث :
(( لا أعلم أحداً ذكر في هذا الحديث: (( الشيخ والشيخة .. )) غير سفيان،
وينبغي أنه وهم في ذلك )) .
قال الحافظ :
(( وقد أخرج الأئمة هذا الحديث من رواية مالك ، ويونس ، ومعمر ، وصالح
ابن كيسان ، وعقيل ، وغيرهم من الحفاظ عن الزهري ، فلم يذكروها ، وقد وقعت
هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن
المسيب قال: لما صدر عمر من الحج وقدم المدينة خطب الناس فقال :.. ))، فذكر
الخطبة وفيها الزيادة ، وهي في ((حدود الموطّأ)) (٣ / ٤٢ - ٤٣).
وأخرجها ابن سعد في (( الطبقات)) (٣ / ٣٣٤) من طريق يزيد بن هارون:
أخبرنا يحيى بن سعيد به . وبهذا الإسناد روى أحمد (١ / ٤٣) طرفاً منه . ورواه
(١ / ٣٦) من طريق أخرى عن يحيى.
٩٧٣

قلت : وهذا إسناد صحيح على الخلاف المعروف في سماع سعيد من عمر .
فهو شاهد قوي للزيادة التي تفرد بها ابن عيينة ، ثم ذكر الحافظ لها شواهد
أخرى ، ويأتي تخريجها إن شاء الله قريباً .
٢ - وأما حديث زيد بن ثابت ؛ فيرويه شعبة عن قتادة ، عن يونس بن جبير
عن كثير بن الصلت قال :
كان ابن العاص وزيد بن ثابت يكتبان المصاحف ، فمروا على هذه الآية ،
فقال زيد: سمعت رسول الله عَ الٍ يقول :
((الشيخ والشيخة .. )) الحديث . فقال عمر:
لما أنزلت هذه أتيت رسول الله : ﴿ فقلت: أكتبنيها، - قال شعبة - فكأنه
كره ذلك . فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا لم يحصن جلد ، وأن الشاب إذا زنى
وقد أحصن رجم ؟
أخرجه أحمد (٥ / ١٨٣)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٤ / ٢٧٠/
٧١٤٥)، والدارمي (٢ / ١٧٩) المرفوع منه، والحاكم (٤ / ٣٦٠)، والبيهقي (٨/
٢١١) ، وقال الحاكم :
((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي . وهو كما قالا.
وفي رواية للنسائي رقم (٧١٤٨) من طريق أخرى عن ابن عون عن محمد
- هو ابن سيرين - نبئت عن ابن أخي كثير بن الصلت قال :
کنا عند مروان وفینا زید بن ثابت قال زيد :
كنا نقرأ: (( والشيخ والشيخة .. ))، فقال مروان : أفلا نجعله في المصحف ؟
قال : لا ، ألا ترى أن الشابين الثيبَين يرجمان ؟ قال : وقال :
٩٧٤

ذكروا ذلك وفينا عمر بن الخطاب ◌َالله ، قال: أنا أشفيكم من ذاك . قال :
قلنا: كيف؟ قال: آتي النبي ﴿ فأذكر كذا وكذا، فإذا ذكر الرجم أقول : يا
رسول الله ! أكتبني آية الرجم . قال: فأتيته فذكرته ، قال : فذكر آية الرجم . قال :
فقال : يا رسول الله ! أكتبني آية الرجم . قال :
(( لا أستطيع ذاك)).
قلت : ورجاله ثقات ؛ غير شيخ محمد ، فإنه لم يسم ، وقد أشار إلى صحته
البيهقي بقوله عقبه :
((في هذا وما قبله دلالة على أن آية الرجم حكمها ثابت ، وتلاوتها
منسوخة ، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً )).
وأورده السيوطي في (( الدر المنثور)) من رواية النسائي وأبي يعلى نحوه ببعض
اختصار بلفظ :
(( لا أستطيع الآن)).
٣ - وأما حديث أبيّ؛ فيرويه عاصم بن بهدلة عن زر قال : قال لي أبيّ بن
کعب :
كائن تقرأ سورة (الأحزاب) ، أو كائن تعدها ؟ قال : قلت : ثلاثاً وسبعين آية .
قال: قط، لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة (البقرة)، ولقد قرأنا فيها: ((الشيخ
والشيخة .. ))، وزاد :
(( نكالاً من الله ، والله عليم حكيم)) .
أخرجه النسائي (٧١٤١)، وابن حبان (٦ / ٣٠١ / ٤٤١١ و ٤٤١٢)،
والحاكم (٢ / ٤١٥ و٣٥٩/٤)، والبيهقي أيضاً، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٣ /
٩٧٥
أ
2

٣٦٥ / ٥٩٩٠)، والطيالسي (٥٤٠)، وعبد الله بن أحمد (٥ / ١٣٢)، والضياء
في ((المختارة)) (٣ / ٣٧٠ - ٣٧١)، وقال الحاكم:
((صحيح الإسناد)) . ووافقه الذهبي ، وهو كما قالا؛ على ما سبق بيانه تحت
الحديث الأول رقم (٢٩٠٨) .
وزاد الطيالسي في آخر الحديث :
(( فرفع فيما رفع )) .
وفي سندها ابن فضالة ، واسمه مبارك ، وهو مدلس ، وقد عنعن .
وقد توبع عاصم على أصل الحديث من يزيد بن أبي زياد عن زر بن
حبيش به .
أخرجه عبد الله بن أحمد أيضاً .
ويزيد هو الهاشمي مولاهم ؛ ولا بأس به في المتابعات .
٤ - وأما حديث العجماء؛ فيرويه الليث بن سعد عن سعيد بن أبي هلال
عن مروان بن عثمان عن أبي أمامة بن سهل أن خالته ( وقال الطبراني : العجماء)
أخبرته قالت :
لقد أقرأنا رسول الله من آية الرجم :
((الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، بما قضيا من اللذة)).
أخرجه النسائي (٧١٤٦)، والحاكم (٤ / ٣٥٩)، والطبراني في (( المعجم
الكبير)) (٢٤ / ٣٥٠ / ٨٦٧)، وقال الحاكم:
((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي .
وأقول : رجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير مروان بن عثمان ، وهو ابن أبي
٩٧٦

سعيد بن المعلى الأنصاري الزرقي ، غمزه النسائي ، وقال أبو حاتم : ضعيف . وأما
ابن حبان فذكره في (( الثقات)) (٧ / ٤٨٢)! وقال الذهبي في ((الكاشف)):
(( مختلف في توثيقه )) !
قلت: فلم يصنع شيئاً. وقد أورده في (( المغني))، وذكر تضعيف أبي حاتم
إياه ، وغمز النسائي له ، ولم يتعرض لذكر توثيق ابن حبان ، وهو الصواب هنا ،
ولذلك جزم الحافظ في ((التقريب)) بأنه ((ضعيف)). وقال في ((الإصابة)):
((متروك)). انظر ((الضعيفة)) (٦٣٧١) .
إذا علمت ما تقدم ، فاتفاق هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم على رواية هذه
الأحاديث الصريحة في رفع تلاوة بعض الآيات القرآنية ، هو من أكبر الأدلة على
عدالتهم وأدائهم للأمانة العلمية ، وتجردهم عن الهوى ، خلافاً لأهل الأهواء الذين
لا يستسلمون للنصوص الشرعية، ويسلّطون عليها تأويلاتهم العقلية، كما تقدم
عن بعض المعلّقين !
ولا ينافي تلك الأحاديث قول ابن عباس لما سئل: أترك النبي لة من
شيء ؟ فقال :
(( ما ترك إلا ما بين الدفَّتين)). رواه البخاري (٥٠١٩).
فإنه إنما أراد من القرآن الذي يتلى، كما في (( الفتح))، ومن الدليل على ذلك
أن ابن عباس من جملة من روى شيئاً من ذلك كما يدل عليه قوله في الحديث
المتقدم (٢٩٠٩) :
((صدق الله ورسوله : لو كان .. )).
ثم قال الحافظ (٦٥/٩) في آخر شرحه لحديث ابن عباس :
٩٧٧

(( ويؤيد ذلك ما ثبت عن جماعة من الصحابة من ذكر أشياء نزلت من القرآن
فنسخت تلاوتها ، وبقي أمر حكمها أو لم يبق مثل حديث عمر: (( الشيخ
والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة)) . وحديث أنس في قصة القرّاء الذين قتلوا في
بئر معونة، قال: فأنزل الله فيهم قرآناً: ((بلغوا عنا قومنا أنا لقد لقينا ربنا))،
وحديث أبيّ بن كعب: ((كانت الأحزاب قدر البقرة)). وحديث حذيفة: (( ما
يقرؤون ربعها. يعني براءة)). وكلها أحاديث صحيحة . وقد أخرج ابن الضريس
من حديث ابن عمر أنه (( كان يكره أن يقول الرجل : قرأت القرآن كله ، ويقول : إن
منه قرآناً قد رفع ، وليس في شيء من ذلك ما يعارض حديث الباب ؛ لأن جميع
ذلك مما نسخت تلاوته في حياة النبي
. ((
٢٩١٤ - ( خمسٌ لا يعلمهُنَّ إلا اللّهُ: ﴿إن اللهَ عنده علمُ الساعةِ
وينزلُ الغيثَ ويعلمُ ما في الأرحام وما تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غداً
وما تدري نفسٌ بأيِّ أرض تموتُ إن الله عليمٌ خبيرٌ﴾) .
أخرجه أحمد (٥ / ٣٥٣)، والبزار (٣ / ٦٥ / ٢٢٤٩) عن زيد بن الحباب :
ثنا حسين بن واقد : حدثني عبد الله قال : سمعت أبي بريدة يقول : سمعت
يقول : فذكره .
رسول الله
قلت : وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم ، مسلسل بالتحديث
والسماع، ولذلك قال الحافظ ابن كثير في ((التفسير)) (٣ / ٤٥٣ - ٤٥٤) بعد أن
ذکره بإسناد أحمد هذا :
((صحيح الإسناد ، ولم يخرجوه)) .
وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٥ / ١٦٩) لابن مردويه أيضاً والروياني
والضياء، قال السيوطي: (( بسند صحيح)).
٩٧٨

وأما عزو الحافظ إياه في ((الفتح)) (٨ / ٥١٤) لابن حبان والحاكم ، فما أظنه
إلا وهماً. وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٧ / ٨٩) :
(( رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح)).
وللحديث شاهد صحيح من رواية أبي هريرة ◌َحَالله في قصة مجيء جبريل
التلفعلاء وسؤاله عن الإيمان والإسلام والإحسان والساعة .
رواه الشيخان، وابن حبان (١ / ١٨٨ / ١٥٩)، وغيرهم، وهو مخرج في
((الإرواء)) (١ / ٣٢ / ٣).
وشاهد آخر من حديث عبد الله بن عمر بلفظ :
(( مفاتيح الغيب خمس .. )) الحديث .
أخرجه البخاري (١٠٣٩)، وابن حبان (١ / ١٤٤ / ٧٠ و٧ / ٦٤٧ /
٦١٠١)، وأحمد (٢ / ٢٤ و٥٢ و ٥٨) من طريق عبد الله بن دينار عنه .
وتابعه سالم بن عبد الله عن عبد الله به .
أخرجه أحمد (٢ / ١٢٢) . وسنده صحيح على شرط الشيخين .
وهذا الحديث عن ابن عمر، أورده الهيثمي في (( موارد الظمآن إلى زوائد ابن
حبان )) (٤٣٤ / ١٧٥٤ و ١٧٥٥) ، وليس من شرطه كما ترى .
(تنبيه) : في إسناد حديث الترجمة الصحيح بشهادة أولئك الحفاظ : الضياء
المقدسي والسيوطي وكذا ابن كثير - رد صريح قوي على ذاك المتعالم الذي عاث
في كتاب ((رياض الصالحين)) للنووي فساداً، فغيّر فيه وبدل ، وأخرج منه
عشرات الأحاديث الصحيحة زاعماً أنها ضعيفة جعلها ذيلاً لـ ((رياضه)) متشبئاً
بتعليلات هي أوهى من بيت العنكبوت ، ومن ذلك أنه ضعَّف (ص ٥٦٠)
حديثين صحيحين من رواية أحمد أيضاً عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ، بدعوى
٩٧٩

أنها منقطعة وأن عبد الله لم يسمع من أبيه شيئاً! ودعم ذلك - بزعمه - بقول
أحمد: (( لا أدري أسمع من أبيه أم لا؟))، وبكلمة نقلها عن البخاري في
((تاريخه)) (٣ / ١ / ٥١) ليست صريحة في نفي السماع(١)، ولذلك لم نر أحداً
من الحفاظ المتأخرين، عرج على هذا النفي كالذهبي في ((السير)) (٥ / ٥٠)،
وقال :
(( الحافظ الإمام .. حدّث عن أبيه فأكثر .. )).
وفي (( الكاشف )) جزم بروايته عن أبيه وغيره ، وقال :
(( ثقة)) .
وكذلك قال الحافظ في ((التقريب)).
والحافظ العلائي لما أورده في كتابه ((المراسيل)) (٢٥٢ / ٣٣٨) لم يزد
على قوله :
((عن عمر ◌َالله. قال أبو زرعة: مرسل)).
لقد ثبت لديّ يقيناً أن هذا الرجل من أهل الأهواء في تضعيفه الأحاديث
الصحيحة ، خلافاً للعلماء المتخصصين في هذا المجال ، هذا إذا كان على علم بأن ما
تمسّك به في نفي السماع لا ينهض في إثبات الانقطاع الذي ادعاه ، وبموقف
الحفاظ المذكور منه ، وبحقائق أخرى تؤيدهم ، وإلا فهو جاهل متعالم ! وإليك الآن
ما تيسّرلديّ من الحقائق :
الأولى : أن إمام المحدثين البخاري الذي نسب إليه المتعالم نفيه لسماع
(١) نعم؛ ما نقله عن إبراهيم الحربي صريح في النفي ، لكنه معارض بما سيأتي من الحقائق ،
ولا سيما أنه تفرد بقرن سلمان مع أخيه عبد الله في نفي سماعهما من أبيهما !!
٩٨٠