Indexed OCR Text
Pages 841-860
٣٥٦) عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه أنه شهد جنازة صلى عليها مروان بن
الحكم ، فذهب أبو هريرة مع مروان حتى جلسا في المقبرة ، فجاء أبو سعيد الخدري
فقال لمروان : أرني يدك ، فأعطاه يده ، فقال : قم ، فقام ، ثم قال مروان لأبي
سعيد : لم أقمتني ؟ قال :
كان رسول الله هم إذا رأى جنازة قام حتى يمر بها ، وقال : (فذكره) ، فقال
مروان : أصدق يا أبا هريرة ؟ قال : نعم ، قال : فقال : ما منعك أن تحدثني ؟ وقال :
كنتَ إماماً فجلستَ فجلستُ .
قلت : وسنده صحيح على شرط مسلم . وكذا قال الحاكم . ووافقه الذهبي .
وإنما آثرت تخريج الحديث هنا مع أنه تقدم تخريجه مختصراً برقم (٢٠١٧)
من رواية ابن ماجه وأحمد ، لما في هذه الرواية من تصديق أبي هريرة لأبي سعيد ،
وتقدم هناك تخريجه من حديث جابر برواية مسلم وغيره ، وأزيد هنا فأقول :
رواه عبد بن حميد أيضاً في (( المنتخب من مسنده)) (ق ١٥١ / ٢) ، وابن
حبان (٣٩٣٩ - الإحسان) ، وابن عدي (ق ١٨٨ / ٢) .
وقد روي الحديث بزيادة في متنه بلفظ :
((إن للموت فزعاً، فإذا أتى أحدكم وفاةُ أخيه فليقل : ﴿إنا لله وإنا إليه
راجعون﴾، ﴿وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾، اللهم اكتبه في المحسنين، واجعل كتابه في
عليين ، واخلُفْ عقبه في الآخرين ، اللهم لا تحرمنا أجره ، ولا تفتِنا بعده)).
رواه الطبراني (٣ / ١٦٣ / ١) من طريقين عن قيس بن الربيع عن أبي هاشم
الرماني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعاً .
قلت: وهذا إسناد ضعيف، قيس بن الربيع؛ قال في ((التقريب)).
٨٤١
((صدوق ، تغير لما كبر، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه؛ فحدث به )).
لكن حديثه هذا لا بأس به كشاهد لحديث الترجمة ، وسائره غالبه له
شاهد في مسلم (٣ / ٣٧ - ٣٨ و٣٩) وغيره. وهو مخرج في ((أحكام الجنائز))
(ص ١٢ و ٢٣) .
وجملة: (( اللهم لا تحرمنا أجره .. )) إلخ ثبتت في حديث أبي هريرة فيما كان
يقول ﴿ إذا صلى على جنازة عند أبي داود، وابن حبان (٧٥٦ - موارد)، وهو
مخرج في (( الأحكام)) (ص ١٢٤) .
٢٨٥٣ - ( إن لله ملائكةً سيّاحين في الأرض يُبَلَّغوني عن أمتي
السلامَ ) .
أخرجه النسائي (١ / ١٨٩)، وابن حبان (١٣٩٢)، والحاكم (٢ / ٤٢١)،
وكذا الدارمي (٢ / ٣١٧)، وأحمد (٤٤١/١ و٤٥٢)، وابن المبارك في (( الزهد))
(ق /٢٠٤ / ٢)، والقاضي إسماعيل في ((فضل الصلاة على النبي)) (رقم ٢١)،
وعنه ابن النجار في ((تاريخ المدينة)) صفحة (٣٩٨)، وابن أبي شيبة في
((المصنف)) (٢ /٢/١٣٥)، وابن الديباجي في ((الفوائد المنتقاة)) (٢/٨٠/٢)،
والطبراني في ((الكبير)) (٣ / ٨١ /٢)، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان)) (٥ /
٢٠٥)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٩ / ١٨٩ / ٢) من طرق عن سفيان
الثوري وقرن به بعضهم الأعمش ، كلاهما عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن
عبد الله بن مسعود مرفوعاً ، وقال الحاكم :
((صحيح الإسناد)). ووافقه الذهبي، وصححه أيضاً ابن القيم في ((جلاء
الأفهام)) (صفحة ٢٧) . وهو كما قالوا .
٨٤٢
وله شاهد يرويه أبو يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال : قال رسول
الله ◌َيُ :
((إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلّغوني من أمتي : فلان سلم عليك
ويصلي عليك ، فلان يصلي عليك وسلم عليك )) .
أخرجه ابن عدي في «الكامل )) (٢٣٨/٣) في ترجمة أبي يحيى هذا، وهو
القتات ، وختم ترجمته بقوله :
(( في حديثه بعض ما فيه ، إلا أنه يكتب حديثه)).
يشير إلى أنه صالح للاستشهاد به . ونحوه قول الحافظ في (( التقريب)):
((لين الحديث)).
٢٨٥٤ - ( إن مثلَ الذي يعملُ السيّاتِ ثم يعملُ الحسناتِ کمثلٍ
رجل كانت عليه درعٌ ضيِّقةٌ قد خنقَتْه، ثم عملَ حسنةً فانفكّتْ
حَلْقةٌ ، ثم عملَ حسنةً أخرى فانفكّتْ حَلْقةٌ أخرى حتى يخرجَ إلى
الأرضِ) .
أخرجه الإمام أحمد (٤ / ١٤٥) من طريق عبد الله بن المبارك قال : أنا ابن
لهيعة قال : ثنى يزيد بن أبي حبيب قال : ثنا أبو الخير أنه سمع عقب بن عامر
يقول: قال رسول الله محجلين :...
قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن ابن لهيعة سيّىء الحفظ ، لكنه من
رواية ابن المبارك عنه ، وهي صحيحة كما تقدم مراراً .
٨٤٣
ومن هذا الوجه أخرجه البغوي في ((شرح السنة)) (١٤ / ٣٣٩ / ٤١٤٩)،
وقد توبع فيما يظهر، فقد قال الهيثمي (١٠ / ٢٠١ - ٢٠٢):
((رواه أحمد والطبراني، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح)).
وسبقه إلى ذلك المنذري فقال (٤ / ٧٩) :
((رواه أحمد والطبراني بإسنادين؛ رواة أحدهما رواة الصحيح)).
ثم رأيته في (( معجم الطبراني الكبير)) (١٧ / ٢٨٤ / ٧٨٣) من طريق سعيد
ابن عفير : ثنا ابن لهيعة به .
ثم رواه (رقم ٧٨٤) من طريق يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب به .
قلت : فهذه متابعة قوية من يحيى بن أيوب ، وهو الغافقي ، وهو ثقة من
رجال الشيخين .
القصد في العبادة وحكمة ذلك
٢٨٥٥ - ( إنكَ إذا فعلتَ ذلك هجمت عيناك ، ونَفهَتْ نفسُك .
يعني صوم الدهر ، وقيام الليل ).
ذكره أبو عبيد في ((الغريب)) (٤ - ٥) معلقاً عن النبي ﴿ أنه قال لعبد الله
ابن عمرو بن العاص وذكر قيام الليل وصيام النهار ، فقال : فذكره .
قلت : وهو قطعة من حديث صحيح ، يرويه أبو العباس المكي سمع عبد الله
ابن عمرو رضي الله عنهما قال : قال لي رسول الله
:
((يا عبد الله بن عمرو! إنك لتصوم الدهر ، وتقوم الليل ، وإنك إذا فعلت ذلك
٨٤٤
هجمت له العين ، ونهكت (وفي رواية: ونفهت له النفس) ، لا صام من صام
الأبد ، صوم ثلاثة أيام من الشهر صوم الشهر كله )) .
قلت : فإني أطيق أكثر من ذلك . قال :
((فصم صوم داود، كان يصوم يوماً ، ويفطر يوماً ، ولا يفرّ إذا لاقى)).
أخرجه البخاري (١٩٧٩)، ومسلم (٣ / ١٦٤ - ١٦٥)، والنسائي (١ /
٣٢٦)، وأحمد (٢ / ١٨٨ - ١٨٩).
(هجمت) أي : غارت أو ضعفت لكثرة السهر .
(نهكت) أي : هزلت وضعفت .
(نفهت) أي: تعبت وكلت (( فتح)) .
٢٨٥٦ - ( إن هذا الأمرَ في قريشٍ لا يعاديهم أحدٌ إلا كبَّهُ الله
ء
على وجههِ ما أقاموا الدِّين) .
أخرجه البخاري (٦ / ٤١٦ و١٣ / ٩٩)، والدارمي (٢ / ٢٤٢)، وابن أبي
عاصم في ((السنة)) (١١١٢)، وأحمد (٤ / ٩٤)، والطبراني (١٩ / ٣٣٧
و ٧٧٩ - ٨١ /٣) من طريق الزهري قال : كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث
أنه بلغ معاوية - وهم عنده في وفد من قريش - أن عبد الله ابن عمرو يحدث أنه
سيكون ملك من قحطان ، فغضب فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال :
أما بعد فإنه بلغني أن رجالاً منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله ،
٤، وأولئك جهالكم ، فإياكم والأماني التي تضلّ أهلها ،
ولا تؤثر عن رسول الله
إني سمعت رسول الله
يقول : فذكر الحديث .
٨٤٥
قوله : (ما أقاموا الدِّين) أي : مدة إقامتهم أمور الدِّين ، ومفهومه أنهم إذا لم
يقيموا الدين خرج الأمر عنهم ، وفي ذلك أحاديث أخرى تقدم أحدها (١٥٥٢)،
وانظر الآتي بعده، وإليها أشار الحافظ في شرحه لهذا الحديث بقوله (١٣ /
١١٧) :
((ويؤخذ من بقية الأحاديث أن خروجه عنهم إنما يقع بعد إيقاع ما هُدّدوا به
من الله أولاً ، وهو الموجب للخذلان وفساد التدبير، وقد وقع ذلك في صدر الدولة
العباسية ، ثم التهديد بتسليط من يؤذيهم عليهم ، ووجد ذلك في غلبة مواليهم
حيث صاروا معهم كالصبي المحجور عليه ، يقتنع بلذاته ويباشر الأمور غيره ، ثم
اشتد الخطب فغلب عليهم الديلم ، فضايقوهم في كل شيء حتى لم يبق للخليفة
إلا الخطبة ، واقتسم المتغلبون الممالك في جميع الأقاليم ، ثم طرأ عليهم طائفة بعد
طائفة ؛ حتى انتزع الأمر منهم في جميع الأقطار ، ولم يبق للخليفة إلا مجرد
الإسم في بعض الأمصار » .
قلت: ما أشبه الليلة بالبارحة ، بل الأمر أسوأ؛ فإنه لا خليفة اليوم لهم ، لا
اسماً ولا رسماً ، وقد تغلبت اليهود والشيوعيون والمنافقون على كثير من البلاد
الإسلامية . فالله تعالى هو المسؤول أن يوفّق المسلمين أن يأتمروا بأمره في كل ما
شرع لهم ، وأن يلهم الحكام منهم أن يتّحدوا في دولة واحدة تحكم بشريعته ، حتى
يعزّهم الله في الدنيا ، ويسعدهم في الآخرة ، وإلا فالأمر كما قال تعالى: ﴿ إن
الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم ) ، وتفسيرها في الحديث الصحيح :
(( إذا تبايعتم بالعينة ، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل
الله، سلّط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم))(١)، فإلى
دينكم أيها المسلمون حكاماً ومحكومين .
(١) وقد سبق تخريجه في هذا الكتاب برقم (١١).
٨٤٦
٢٨٥٧ - ( إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله ، وأقمتم الصلاة ،
وأتيتم الزكاة ، وفارقتم المشركين ، وأعطيتم من الغنائم الخمس وسهم
النبي ، والصفي ـ وربما قال: وصفيَّه - فأنتم آمنون بأمان الله وأمان
رسوله) .
أخرجه البيهقي (٦ / ٣٠٣ و٩ / ١٣)، وأحمد (٥ /٧٨)، والخطابي في
((غريب الحديث)) (٤ / ٢٣٦) من طريق مرة بن خالد : ثنا يزيد بن عبد الله بن
الخير قال :
بينا نحن بالمربد إذا أتى علينا أعرابي شعث الرأس ، معه قطعة أديم أو قطعة
جراب ، فقلنا : كأن هذا ليس من أهل البلد ، فقال : أجل ، هذا كتاب كتبه لي
رسول الله ◌َله، فقال القوم : هات ، فأخذتُه فقرأته فإذا فيه :
سم اللهِوَالِيُ : هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لبني زهير بن أقيش
- قال أبو العلاء: وهم حي من عكل - : إنكم إن شهدتم ... الحديث. واللفظ
للبيهقي .
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين وجهالة الصحابي لا تضر كما
تقرّر. ورواه أحمد (٥ / ٧٧)، من طريق عبد الرزاق (٤ / ٣٠٠ / ٧٨٧٧) عن
الجريري عن أبي العلاء بن الشخير به نحوه .
( الصَّفِيّ): ما كان #* يصطفيه ويختاره من عرض المغنم من فرس أو
غلام أو سيف ، أو ما أحب من شيء ، وذلك من رأس المغنم قبل أن يخمّس ، كان
﴿ مخصوصاً بهذه الثلاث (يعني المذكورة في الحديث : الخمس والسهم
والصفي) عقبة وعوضاً عن الصدقة التي حرمت عليه . قاله الخطابي .
٨٤٧
قلت : في هذا الحديث بعض الأحكام التي تتعلق بدعوة الكفار إلى
الإسلام، من ذلك: أن لهم الأمان إذا قاموا بما فرض الله عليهم ، ومنها : أن
يفارقوا المشركين ويهاجروا إلى بلاد المسلمين . وفي هذا أحاديث كثيرة ، يلتقي كلها
على حضّ من أسلم على المفارقة، كقوله ﴿18: (( أنا بريء من كل مسلم يقيم
بين أظهر المشركين ، لا تتراءى نارهما)) ، وفي بعضها أن النبي
ـي* اشترط على
بعضهم في البيعة أن يفارق المشرك . وفي بعضها قوله
((لا يقبل الله عز وجل من مشرك بعد ما أسلم عملاً، أو يفارق المشركين إلى
المسلمين )) .
إلى غير ذلك من الأحاديث، وقد خرجت بعضها في ((الإرواء)) (٥ / ٢٩ -
٣٣) ، وفيما تقدم برقم (٦٣٦).
وإن مما يؤسف له أشد الأسف أن الذين يُسْلمون في العصر الحاضر - مع
كثرتهم والحمد لله - لا يتجاوبون مع هذا الحكم من المفارقة ، وهجرتهم إلى بلاد
الإسلام ، إلا القليل منهم ، وأنا أعزو ذلك إلى أمرين اثنين :
الأول : تكالبهم على الدنيا ، وتيسّر وسائل العيش والرفاهية في بلادهم
بحكم كونهم يعيشون حياة مادية ممتعة ، لا روح فيها ، كما هو معلوم ، فيصعب
عليهم عادة أن ينتقلوا إلى بلد إسلامي قد لا تتوفر لهم فيه وسائل الحياة الكريمة
في وجهة نظرهم .
والآخر - وهو الأهم - : جهلهم بهذا الحكم ، وهم في ذلك معذورون ، لأنهم
لم يسمعوا به من أحد من الدعاة الذين تذاع كلماتهم مترجمة ببعض اللغات
الأجنبية ، أو من الذين يذهبون إليهم باسم الدعوة لأن أكثرهم ليسوا فقهاء
وبخاصة منهم جماعة التبليغ ، بل إنهم ليزدادون لصوقاً ببلادهم ، حينما يرون
٨٤٨
كثيراً من المسلمين قد عكسوا الحكم بتركهم لبلادهم إلى بلاد الكفار! فمن أين
لأولئك الذين هداهم الله إلى الإسلام أن يعرفوا مثل هذا الحكم والمسلمون أنفسهم
مخالفون له ؟!
ألا فليعلم هؤلاء وهؤلاء أن الهجرة ماضيه كالجهاد، فقد قال علمية: ((لا
تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل))، وفي حديث آخر: ((لا تنقطع الهجرة حتى
تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها )) وهو مخرج في
((الإرواء)) (١٢٠٨) .
وما ينبغي أن يعلم أن الهجرة أنواع ولأسباب عدة ، ولبيانها مجال آخر ،
والمهم هنا الهجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام مهما كان الحكام فيها منحرفين
عن الإسلام، أو مقصرين في تطبيق أحكامه ، فهي على كل حال خير بما لا
يوصف من بلاد الكفر أخلاقاً وتديناً وسلوكاً ، وليس الأمر - بداهة - كما زعم أحد
الجهلة الحمقى الهوج من الخطباء :
(( والله لو خيّرت أن أعيش في القدس تحت احتلال اليهود وبين أن أعيش في
أي عاصمة عربية لاخترت أن أعيش في القدس تحت احتلال اليهود )) !
وزاد على ذلك فقال ما نصّه :
(( ما أرى إلا أن الهجرة واجبة من الجزائر إلى (تل أبيب))) !!
كذا قال فضّ فوه ، فإن بطلانه لا يخفى على مسلم مهما كان غبياً! ولتقريب
ما ذكرت من الخيرية إلى أذهان القراء المحبين للحق الحريصين على معرفته واتباعه ،
الذين لا يهولهم جعجعة الصائحين ، وصراخ الممثلين ، واضطراب الموتورين من
الحاسدين والحاقدين من الخطباء والكاتبين :
أقول لأولئك المحبين : تذکروا على الأقل حدیثین اثنین لرسول الله
:
٨٤٩
أحدهما: ((إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها)).
أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما .
والآخر: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتيهم أمر الله
وهم ظاهرون))، وهو حديث صحيح متواتر رواه جماعة من الصحابة ، وتقدم
تخريجه عن جمع منهم برقم (٢٧٠ و ١١٠٨ و ١٩٥٥ و١٩٥٦)، و ((صحيح أبي
داود)) (١٢٤٥)؛ وفي بعضها أنهم ((أهل المغرب)) أي الشام، وجاء ذلك مفسراً
عند البخاري وغيره عن معاذ ، وعند الترمذي وغيره مرفوعاً بلفظ :
((إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ، ولا تزال طائفة من أمتي .. )) الحديث .
وفي هذه الأحاديث إشارة قوية إلى أن العبرة في البلاد إنما هي بالسكان
وليس بالحيطان . وقد أفصح عن هذه الحقيقة سلمان الفارسي ◌َالله حين كتب أبو
الدرداء إليه : أن هلم إلى الأرض المقدسة ، فكتب إليه سلمان :
إن الأرض المقدسة لا تقدس أحداً، وإنما يقدس الإنسانَ عملُه. (موطأ مالك
٢ / ٢٣٥) .
ولذلك فمن الجهل المميت والحماقة المتناهية - إن لم أقل وقلَّة الدين - أن
يختار خطيب أخرق الإقامة تحت الإحتلال اليهودي ، ويوجب على الجزائريين
المضطهدين أن يهاجروا إلى (تل أبيب)، دون بلده المسلم (عمّان) مثلاً، بل ودون
مكة والمدينة ، متجاهلاً ما نشره اليهود في فلسطين بعامة ، و (تل أبيب) و (حيفا)
و (يافا) بخاصة من الفسق والفجور والخلاعة حتى سرى ذلك بين كثير من
المسلمين والمسلمات بحكم المجاورة والعدوى، ما لا يخفى على من ساكنهم ثمَّ
تجاه الله منهم ، أو يتردد على أهله هناك لزيارتهم في بعض الأحيان .
وليس بخاف على أحد أوتي شيئاً من العلم ما في ذاك الاختيار من المخالفة
٨٥٠
الصريح قوله تعالى : ﴿إن الذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا : فيم كنتم ؟
قالوا : كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا
فيها ؟! فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً . إلا المستضعفين من الرجال والنساء
والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً. فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم
وكان الله عفواً غفوراً، ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً (أي
تحولاً) كثيراً وسعة ، ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت
فقد وقع أجره على الله وكان الله غفوراً رحيما﴾ (النساء ٩٧ - ١٠٠).
قال الحافظ ابن كثير في (( تفسيره)) (١ / ٥٤٢) :
(( نزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين ، وهو
قادر على الهجرة ، وليس متمكناً من إقامة الدِّين ، فهو ظالم لنفسه ، مرتكب حراماً
بالإجماع ، وبنص هذه الآية )) .
وإن مما لا يشكّ فيه العالم الفقيه أن الآية بعمومها تدل على أكثر من الهجرة
من بلاد الكفر، وقد صرَّح بذلك الإمام القرطبي ، فقال في (( تفسيره)) (٥ /
٣٤٦) :
(( وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يُعمل فيها بالمعاصي ، وقال
سعيد بن جبير: إذا عُمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها ، وتلا : ﴿ ألم تكن
أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟))).
وهذا الأثر رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (٢ / ١٧٤ / ١) بسند صحيح
عن سعيد. وأشار إليه الحافظ في ((الفتح)) فقال (٨ / ٢٦٣) :
(( واستنبط سعيد بن جبير من هذه الآية وجوب الهجرة من الأرض التي
يعمل فيها بالمعصية)).
٨٥١
٠٠
وقد يظن بعض الجهلة من الخطباء والدكاترة والأساتذة، أن قوله صلة: (( لا
هجرة بعد الفتح)) (١) ناسخ للهجرة مطلقاً ، وهو جهل فاضح بالكتاب والسنة
وأقوال الأئمة ، وقد سمعت ذلك من بعض مدعي العلم من الأساتذة في مناقشة
جرت بيني وبينه بمناسبة الفتنة التي أثارها عليّ ذلك الخطيب المشار إليه آنفاً ، فلما
ذكرته بالحديث الصريح في عدم انقطاع التوبة المتقدم بلفظ: (( لا تنقطع
الهجرة .. )) إلخ .. لم يحر جواباً !
وبهذه المناسبة أنقل إلى القراء الكرام ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في
الحديثين المذكورين، وأنه لا تعارض بينهما، فقال في ((مجموع الفتاوى)) (١٨ /
٢٨١ ) :
((وكلاهما حق ، فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه ؛ وهي الهجرة إلى
المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب ؛ فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت
مكة وغيرها دار كفر وحرب ، وكان الإيمان بالمدينة ، فكانت الهجرة من دار الكفر
إلى دار الإسلام واجبة لمن قدر عليها ، فلما فتحت مكة وصارت دار الإسلام ،
ودخلت العرب في الإسلام صارت هذه الأرض كلها دار الإسلام، فقال: (( لا
هجرة بعد الفتح )) ، وکون الأرض دار كفر ودار إيمان ، أو دار فاسقين ليست صفة
لازمة لها : بل هي صفة عارضة بحسب سكانها ، فكل أرض سكانها المؤمنون
المتقون هي دار أولياء الله في ذلك الوقت ، وكل أرض سكانها الكفار فهي دار كفر
في ذلك الوقت ، وكل أرض سكانها الفساق فهي دار فسوق في ذلك الوقت ، فإن
سكنها غير ما ذكرنا وتبدَّلت بغيرهم فهي دارهم .
وكذلك المسجد إذا تبدَّل بخمارة أو صار دار فسق أو دار ظلم أو كنيسة يشرك
فيها بالله كان بحسب سكانه ؛ وكذلك دار الخمر والفسوق ونحوها إذا جعلت
(١) متفق عليه، وهو مخرج في ((الإرواء)) (١٠٥٧).
٨٥٢
مسجداً يعبد الله فيه جل وعز كان بحسب ذلك ، وكذلك الرجل الصالح يصير
فاسقاً والكافر يصير مؤمناً أو المؤمن يصير كافراً أو نحو ذلك ، كل بحسب انتقال
الأحوال من حال إلى حال وقد قال تعالى: ﴿وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنةً
مطمئنة﴾ الآية نزلت في مكة لما كانت دار كفر وهي مازالت في نفسها خير أرض
الله ، وأحب أرض الله إليه ، وإنما أراد سكانها . فقد روى الترمذي مرفوعاً أنه قال
لمكة وهو واقف بالحزورة: ((والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله ،
ولولا أن قومي أخرجوني منك لما خرجت))(١)، وفي رواية: (( خير أرض الله وأحب
أرض الله إليّ))، فبيّن أنها أحب أرض الله إلى الله ورسوله ، وكان مقامه بالمدينة
ومقام من معه من المؤمنين أفضل من مقامهم بمكة لأجل أنها دار هجرتهم ؛ ولهذا
كان الرباط بالثغور أفضل من مجاورة مكة والمدينة ، كما ثبت في الصحيح: ((رباط
يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ، ومن مات مرابطاً مات
مجاهداً، وجرى عليه عمله ، وأجرى رزقه من الجنة ، وأمن الفتان)) (٢).
وفي السنن عن عثمان عن النبي *: أنه قال: ((رباط يوم في سبيل الله
خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل)) (٣). وقال أبو هريرة(٤): لأن أرابط ليلة في
سبيل الله أحب إلي من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود. ولهذا كان أفضل
الأرض في حق كل إنسان أرض يكون فيها أطوع لله ورسوله ، وهذا يختلف
باختلاف الأحوال ، ولا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل ، وإنما يكون
الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور ،
(١) إِسناده صحيح، وهو مخرج في ((المشكاة)) (٢٧٢٥).
(٢) رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في ((الإرواء)) (١٢٠٠).
(٣) قلت: وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم والذهبي، وهو مخرج في تعليقي على ((المختارة))
(رقم ٣٠٧) .
(٤) بل هو مرفوع، كذلك رواه ابن حبان وغيره بسند صحيح، وهو مخرج في (( الصحيحة ))
(١٠٦٨) .
٨٥٣
وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان: هلم إلى الأرض المقدسة! فكتب إليه سلمان :
إن الأرض لا تقدس أحداً وإنما يقدس العبد عمله. وكان النبي {﴿ قد آخى بين
سلمان وأبي الدرداء . وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها
هذا .
وقد قال الله تعالى لموسى الليئام: ﴿سأريكم دار الفاسقين ﴾ وهي الدار
التي كان بها أولئك العمالقة ، ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين ، وهي الدار التي دل
عليها القرآن من الأرض المقدسة ، وأرض مصر التي أورثها الله بني إسرائيل ،
فأحوال البلاد كأحوال العباد فيكون الرجل تارة مسلماً ، وتارة كافراً ، وتارة مؤمناً ؛
وتارة منافقاً ، وتارة براً تقياً ، وتارة فاسقاً ، وتارة فاجراً شقياً .
وهكذا المساكن بحسب سكانها ، فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي
إلى مكان الإيمان والطاعة ؛ كتوبته وانتقاله من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة ،
وهذا أمر باق إلى يوم القيامة ، والله تعالى قال: ﴿والذين آمنوا [من بعدٌ] وهاجروا
وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾ [ الأنفال : ٧٥ ].
قالت طائفة من السلف: هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم
القيامة ، وهكذا قوله تعالى: ﴿ ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم
جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ [النحل: ١١٠] (١) يدخل في
معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه في معصية ثم هجر السيئات
وجاهد نفسه وغيرها من العدو ، وجاهد المنافقين بالأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ، وغير ذلك ، وصبر على ما أصابه من قول أو فعل . والله سبحانه وتعالى
أعلم » .
(١) وقع في هذه الآية خطأ مطبعي في الأصل ، كما سقط منه ما بين المعقوفتين في الآية
الأولى .
٨٥٤
..
فأقول : هذه الحقائق والدرر الفرائد من علم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه
الله ، يجهلها جهلاً تاماً أولئك الخطباء والكتّاب والدكاترة المنكرون لشرع الله
﴿وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ﴾ ، فأمروا الفلسطينيين بالبقاء في أرضهم
وحرموا عليهم الهجرة منها ، وهم يعلمون أن في ذلك فساد دينهم ودنياهم ،
وهلاك رجالهم وفضيحة نسائهم ، وانحراف فتيانهم وفتياتهم ، كما تواترت الأخبار
بذلك عنهم بسبب تجبّر اليهود عليهم، وكبسهم لدورهم والنساء في فروشهن ،
إلى غير ذلك من المآسي والمخازي التي يعرفونها ، ثم يتجاهلونها تجاهل النعامة
الحمقاء للصياد! فيا أسفي عليهم إنهم يجهلون ، ويجهلون أنهم يجهلون ، کیف لا
وهم في القرآن يقرؤون: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من
دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ﴾ !
وليت شعري ماذا يقولون في الفلسطينيين الذين كانوا خرجوا من بلادهم تارة
باسم لاجئين، وتارة باسم نازحين ، أيقولون فيهم : إنهم كانوا من الآثمين ،
بزعم أنهم فرغوا أرضهم لليهود ؟! بلى . وماذا يقولون في ملايين الأفغانيين الذين
هاجروا من بلدهم إلى (بشاور) ، مع أن أرضهم لم تکن محتلة من الروس احتلال
اليهود لفلسطين ؟!
وأخيراً .. ماذا يقولون في البوسنيين الذين لجأوا في هذه الأيام إلى بعض
البلاد الإسلامية ومنها الأردن ، هل يحرِّمون عليهم أيضاً خروجهم ، ويقول فيهم
أيضاً رأس الفتنة: ((يأتون إلينا؟ شو بساووا هون؟!)).
إنه يجهل أيضاً قوله تعالى: ﴿والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون
من هاجر إليهم ، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو
كان بهم خصاصة﴾، أم هم كما قال تعالى في بعضهم: ﴿ يحلّونه عاماً
ويحرّمونه عاماً ﴾ ؟!
ويأتيك بالأنباء من لم تزود
ستبدي لك الأيام ما کنت جاهلاً
٨٥٥
į
٢٨٥٨ - (إن هذا الأمرَ في قريش ما داموا إذا استُرحِموا رحموا ،
وإذا حَكَموا عدلوا ، وإذا قسموا أقسطوا ، فمن لم يفعل ذلك منهم
فعليه لعنة الله والملائكة والناسِ أجمعين ، لا يُقبل منهم صرفٌ ولا
عدلٌ) .
أخرجه الإمام أحمد (٤ / ٣٩٦)، والبزار (١٥٨٢/٢٢٩/٢) من طريق عوف
عن زياد بن مِخْرَاقٍ عن أبي كنانة عن أبي موسى قال :
قام رسول الله حم على باب بيت فيه نفر من قريش ، فقام وأخذ بعضاة
الباب ثم قال: (( هل في البيت إلاَّ قرشي؟))، قال: فقيل: يا رسول الله غير فلان
ابن أختنا، فقال: (( ابن أخت القوم منهم))، ثم قال : فذكره .
وأبو كنانة هذا مجهول ، ويقال هو معاوية بن قرة ، ولم يثبت كما قال الحافظ
في (( التقريب)).
والحديث أورده الهيثمي في ((المجمع)) (٥ / ١٩٣)، وقال:
((رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد ثقات)).
كذا قال ، وقد علمت ما فيه من الجهالة ، وإسناد البزار كإسناد أحمد . ولأبي
داود منه :
(( ابن أخت القوم منهم)) وقد سبق ( ٧٧٦ ) .
وللحديث شواهد يصح بها ويقوى ، منها عن أبي سعيد الخدري مثله .
أخرجه الطبراني في ((الصغير)) (ص ٤٣)، وكذا في ((الأوسط)) (١ /
١٤٢ / ٢ / ٢٧٣٦)، قال في ((المجمع)) (٥ / ١٩٤):
(( ورجاله ثقات)) .
٨٥٦
قلت : هو من رواية معاذ بن عوذ الله القرشي : ثنا عوف عن أبي الصديق
الناجي عنه . وقال الطبراني :
« تفرد به معاذ بن عوذ الله )) .
قلت: ولم أجد له ترجمة فيما عندي من الكتب، ولعله في (( ثقات ابن
حبان )) .
ثم رأيته فيه (٩ / ١٧٨)، وقال: ((مستقيم الحديث)).
وبقية رجاله ثقات رجال الستة ؛ غير شيخ الطبراني إبراهيم بن عبد الله بن
مسلم الكجي ، وهو ثقة إمام .
وله شاهد من حديث ابن مسعود وغيره . وقد مضى الكلام عليه برقم (١٥٥٢) .
٢٨٥٩ - (إنما النذرُ ما ابتُغي به وجه الله) .
أخرجه البيهقي (١٠ / ٦٧) من طريق عبد الرحمن بن الحارث المخزومي عن
قال : فذكره .
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي
قلت : وهذا سند حسن إن شاء الله تعالى ، فإن عبد الرحمن بن الحارث هذا
صدوق له أوهام كما في (( التقريب)) . وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده محتج
به كما تقرر عند المحققين، وقد أوضحت ذلك في « صحيح سنن أبي داود)»/الأم
(رقم ١٢٤) .
والحديث رواه البيهقي أيضاً (٧٥/١٠)، وأحمد (٢ / ١٨٣) من طريق أخرى
عن عبد الرحمن بن الحارث به ، وفيه سبب ورود الحديث .
وتابعه أبو الزناد عن عمرو بن شعيب به عند الطبراني في « الأوسط)) (١ /
٧٧ / ١ / ١٤١٢ - بترقيمي) بنحوه ، وفيه عبد الله بن نافع المدني ، وهو ضعيف
كما في ((المجمع)) (٤ / ١٨٧).
٨٥٧
٢٨٦٠ - (إنما النذرُيمينٌ، كفارتها كفارةُ يمين) .
أخرجه أحمد (٤ / ١٤٩ و١٥٦) من طريق ابن لهيعة قال : ثنا كعب بن
علقمة قال : سمعت عبد الرحمن بن شماسة يقول : أتينا أبا الخير فقال : سمعت
عقبة بن عامر يقول : سمعت رسول الله
يقول : فذكره .
قلت : ورجاله ثقات ؛ غير ابن لهيعة ، وهو سيىء الحفظ ، ولكني وجدت
: مستدلاً به على
شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) جزم بنسبته إلى النبي
أن كل نذريمين، فقال في ((الفتاوى)) (٣ / ٣٥٨):
((والدليل على هذا قول النبي ◌َ ﴿: النذر حلف))، فإن كان شيخ الإسلام
وقف للحديث على طريق أخرى غير هذه فهو قوي ، وإلا فلا ، والاحتمال الأول
أقرب لأن اللفظ الذي رواه هو غير هذا ، والله أعلم .
نعم جاء الحديث في صحيح مسلم وغيره عن عقبة مختصراً بلفظ: ((كفارة
النذر كفارة يمين))، فهو شاهد قوي للحديث، وهو مخرج في ((إرواء الغليل))
(٢٥٨٦) .
ثم رأيت الحديث في ((معجم الطبراني الكبير)) (١٧ / ٣١٣ / ٨٦٦)
و ((مسند الروياني)) (ق ١/٥٤) من طريق ابن لهيعة أيضاً بلفظ قريب من لفظ
ابن تيمية :
((النذريمين، وكفارته كفارة يمين)).
لكنه قال: (ابن شماسة عن عقبة)، لم يذكر بينهما (أبا الخير) ، ولعله من
ابن لهيعة ، فإنه متكلم فيه من قبل حفظه ، والأرجح عنه إثباته ، كما تقدم في
رواية أحمد، فقد وجدت له متابعاً قوياً ، فقال الطحاوي في (( شرح المعاني» (٢ /
٧٤ - ٧٥) : حدثنا يونس قال : ثنا ابن وهب قال : أخبرني عمرو بن الحارث عن
٨٥٨
كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن شماسة المهري عن أبي الخير عن عقبة
باللفظ المختصر الذي عند مسلم: ((كفارة النذر كفارة يمين)).
قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿المعوذتين﴾ كل ليلة
٢٨٦١ - ( يا عقبةَ بنَ عامر ألا أعلمُكَ سوراً ما أنزلت في التوراة
ولا في الزبورِ ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلهن، لا يأتيَنَّ عليكَ
ليلة إلا قرأْتَهُنّ فيها؛ ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل أعوذ بربِّ الفلق،
و ﴿قل أعوذُ بربِّ الناس﴾) .
• أخرجه أحمد (٤ / ١٥٨) من طريق ابن عياش عن أُسيد بن عبد الرحمن
الخثعمي عن فروة بن مجاهد اللخمي عن عقبة بن عامر قال :
لقيت رسول الله فقال لي :
(( يا عقبة بن عامر! صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك ، واعف عمن
ظلمك )» .
قال : ثم أتيت رسول الله 18 فقال لي :
((يا عقبة بن عامر! املك لسانك، وابك على خطيئتك، وليسعك بيتك)).
قال: ثم لقيت رسول الله ** فقال لي : فذكر الحديث .
قلت : وهذا إسناد صحيح لأن ابن عياش ثقة في الشاميين ، وروايته هذه عن
الشاميين فإن أُسيد بن عبد الرحمن رملي ، وهو ثقة وكذا شيخه فروة بن مجاهد
كما تقدم بيانه تحت الحديث (٨٩١) .
٨٥٩
٢٨٦٢ - ( تَعَلَّموا أنّه لن يرى أحدٌ منكم ربَّه حتى يموتَ، وإنه
مكتوبٌ بین عینیه [ك ف ر ] ، يقرؤه من كره عمله) .
أخرجه مسلم (٨ / ١٩٣)، والترمذي (٢٢٣٦)، وابن منده في ((المعرفة))
(٢ / ٢٨٧ / ٢) من طريق الزهري قال: وأخبرني عمر بن ثابت الأنصاري أنه
أخبره بعض أصحاب النبي أن النبي قال يومئذ وهو يحذرهم فتنته (يعني
الدجال) : فذكره . وقال الترمذي والسياق له :
(( حسن صحيح )) .
وعزاه المعلِّق على (( سنن الترمذي)) لأبي داود عن أنس برقم (٤٣١٨) . وهو
خطأ منه لأنه حديث آخر ليس فيه من حديث الترجمة إلا جملة الكتابة بين
عينيه .
(تنبيه) : جاء الحديث في ((الفتح الكبير بضم الزيادة إلى الجامع الصغير))
بلفظ الترمذي إلى قوله : حتى يموت؛ معزواً لـ (م، ن) والنون إشارة إلى ((سنن
النسائي))، وهو خطأ، والصواب (ت) أي الترمذي ، وعلى الصواب جاء في
(( الزيادة على الجامع الصغير)) نسخة الظاهرية.
٢٨٦٣ - ( إنما النساءُ شقائقُ الرجالِ).
قال في ((الكشف)) (١ / ٢١٤) تبعاً لأصله :
(( رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عائشة ، ورواه البزار عن أنس ، قال ابن
القطان: هو من طريق عائشة ضعيف ، ومن طريق أنس صحيح)).
قلت : أما حديث عائشة فهو من طريق حماد بن خالد الخياط : ثنا عبد الله
العمري عن عبيد الله عن القاسم عنها . قالت :
٨٦٠