Indexed OCR Text

Pages 601-620

فيكون هذا أرجح ، ولا سيما ومعهم زيادة ، وزيادة الثقة مقبولة كما هو مشروح في
(( علم المصطلح)).
وما يرجح زيادة (ذر) في الإسناد أن شعبة قد تابع الأعمش عليها ، فرواه
النسائي رقم (٩٣٨ و٩٣٩) من طريق ابن أبي عدي ، والنضر بن شميل ، وأحمد
في ((مسائل ابنه صالح)) (ص ٥٨) عن يحيى بن سعيد ؛ ثلاثتهم عن شعبة عن
حبيب عن ذر عن سعيد عن أبيه عن أُبيّ ، ولم يرفعاه .
ومن طريق النسائي أخرجه الطحاوي ، وقال :
(( قال النسائي: وهو الصواب)) . يعني الوقف .
قلت : لكن قد رواه الثقة عن شعبة به مرفوعاً ، فقال عبد بن حميد في
((المنتخب من المسند)) (ق ٢٧ / ١): حدثنا مسلم بن إبراهيم - وتابعه سهل بن
حماد عند النسائي (٩٣٧) قالا - : ثنا شعبة به عن أبي بن كعب :
أن الريح هاجت على عهد رسول الله عَ ليه ، فسبها رجل ، فقال :
(( لا تسبها فإنها مأمورة، ولكن قل .. )) فذكر الدعاء.
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، ومسلم بن إبراهيم - وهو
الأزدي الفراهيدي - ثقة مأمون كما قال الحافظ في (( التقريب)). ولا يضره وقف
النضر وابن أبي عدي إياه لأنه لا يقال من قبل الرأي ، فهو في حكم المرفوع ، هذا
من جهة . ومن جهة أخرى فقد رفعه الأعمش في رواية الأكثرين عنه كما تقدم .
أضف إلى ذلك أن له شاهداً من حديث أبي هريرة مرفوعاً ، من طريقين عنه صحّح
أحدهما ابن حبان والحاكم والذهبي وغيرهم، وهو مخرج في (( الروض النضير))
برقم (١١٠٧)، ورواه أحمد أيضاً في ((المسائل)) (ص ٥٩).
وفي الحديث دلالة واضحة على أن الريح قد تأتي بالرحمة ، وقد تأتي
٦٠١

بالعذاب ، وأنه لا فرق بينهما إلا بالرحمة والعذاب ، وأنها ريح واحدة لا رياح ، فما
جاء في حديث الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ :
((اللهم اجعلها رياحاً، ولا تجعلها ريحاً)) .
فهو باطل ، وقال الطحاوي :
(( لا أصل له )).
وقد صح عن ابن عباس خلافه ، كما بيَّنته تحت حديث الطبراني المخرج في
الكتاب الآخر: (( الضعيفة)) (٥٦٠٠).
٢٧٥٧ - (كانَ إذا هاجتْ ريحٌ شديدةٌ قال : اللهم إني أسألُكَ من
خيرِ ما أُرسِلَت به ، وأعوذُ بك من شر ما أُرسِلت به ).
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٧١٧)، والطحاوي في ((مشكل
الآثار)» (١ / ٤٠٠)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٢ / ٧٦٣) من طرق عن
عبد الرحمن بن مهدي عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن أنس قال : فذكره
مرفوعاً .
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين .
وله شاهد من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً :
((كان إذا رأى سحاباً مقبلاً من أفق من الآفاق ترك ما هو فيه وإن كان في
صلاته حتى يستقبله فيقول :
((اللهم إنا نعوذ بك من شر ما أرسل به))، فإن أمطر قال: ((اللهم سيباً
نافعاً)) (مرتين أو ثلاثاً)، فإن كشفه الله ولم يمطر حمد الله على ذلك)).
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٠ / ٢١٨)، وعنه ابن ماجه
٦٠٢

(٣٨٨٩)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٧٧ / ٦٨٦)، وأبو داود (٥٠٩٩)
باختصار، وأحمد (٦ / ٢٢٢ - ٢٢٣) من طريق المقدام بن شريح عن أبيه عنها .
قلت : وإسناده صحيح ، وأخرجه ابن حبان (١٠٠٢ - الإحسان) من طريق
شريك عن المقدام به مختصراً، إلا أنه قال: ((غباراً))، مكان ((سحاباً))، فهو
منكر لضعف شريك ، ومخالفته لرواية الجماعة ، والعلة ليست منه ، وإنما من
الراوي عنه: يحيى بن طلحة اليربوعي، فإنه لين الحديث كما في ((التقريب))،
وقد خالفه حجاج - وهو ابن محمد المصيصي الثقة - فرواه عنه أحمد في الموضع
الثاني المشار إليه بلفظ الجماعة ، وخفي هذا التحقيق على المعلق على (( الإحسان -
٣ / ٢٨٧ - المؤسسة))، فقال :
((حديث صحيح))! ولو انتبه لقال: إلا لفظ ((غبار))، فإنه منكر.
وتابعه عطاء بن أبي رباح عنها قالت :
كان إذا عصفت الريح قال :
(( اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك من
شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به)) . قالت :
وإذا تخيلت السماء تغير لونه ، وخرج ودخل ، وأقبل وأدبر ، فإذا مطرت سُرّي
عنه ، فعرفت ذلك في وجهه . قالت عائشة : فسألته ؟ فقال :
(( لعله - يا عائشة - كما قال قوم عاد: ﴿فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم
قالوا : هذا عارض مطرنا بل هو ما استعجلتم به﴾)).
أخرجه مسلم (٣ / ٢٦)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١ / ٤٠٠)،
والنسائي (٩٤٠ و ٩٤١) الدعاء منه ، والبخاري مختصراً (١٠٣٢ و٣٢٠٦ و ٤٨٢٨
و ٤٨٢٩) ، وفي الموضع الأول منها هو مختصر جداً بلفظ :
(( كان إذا رأى المطر قال: صيِّباً نافعاً)).
٦٠٣

٢٧٥٨ - (إذا قُبضَتْ نفسُ العبد تلقّاه أهلُ الرحمة من عباد الله
كما يلقون البشير في الدنيا ، فيقبلون عليه ليسألوه ، فيقول بعضُهم
لبعض : أنْظِروا أخاكم حتى يستريح ؛ فإنه كانَ في کرب ، فيقبلون
عليه ؛ فيسألونه : ما فعلَ فلان ؟ ما فعلتْ فلانةُ ؟ هل تزوجَتْ ؟ فإذا
سألوا عن الرجل قد ماتَ قبله قالَ لهم : إنه قَدْ هَلَك، فيقولُون: إنا لله
وإنا إليه راجعون ، ذهب به إلى أمه الهاوية ، فبئست الأمُّ وبئست
المربية . قال : فيعرض عليهم أعمالُهم ، فإذا رأوا حسناً فرحوا
واستبشروا وقالوا : هذه نعمتك على عبدك فأتمَّها، وإن رأوا سوءاً
قالوا : اللهم راجع بعبدكَ ) .
أخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٩ / ٤٤٣): أخبرنا ثور بن يزيد عن أبي
رهم السمعي عن أبي أيوب الأنصاري قال : فذكره موقوفاً علیه . قال ابن صاعد -
راوي الزهد - عقبه :
(( رواه سلام الطويل عن ثور فرفعه)).
قلت : إسناد الموقوف صحيح ، أبو رُهم السمعي اسمه أحزاب بن أسيد ، قال
الحافظ في (( التقريب )):
((مختلف في صحبته ، والصحيح أنه مخضرم ثقة)).
وثور بن يزيد ثقة ثبت من رجال البخاري ، وكونه موقوفاً لا يضر ، فإنه
يتحدث عن أمور غيبية لا يمكن أن تقال بالرأي ، فهو في حكم المرفوع يقيناً(١)، ولا
(١) ولعله من أجل ذلك أورده السيوطي في ((الجامع الكبير)) بهذه الرواية وتقدم الحديث برقم
(٢٦٢٨) .
٦٠٤

سيما وقد روي مرفوعاً من طريق عبد الرحمن بن سلامة : أن أبا رُهم حدثهم أن أبا
أيوب حدثهم أن رسول الله ثم قال : فذكره بنحوه .
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٤ / ١٥٤ / ٣٨٨٩)، ومن طريقه
عبد الغني المقدسي في ((السنن)) (ق ٩٣ / ٢) من طريق محمد بن إسماعيل بن
عياش : نا أبي عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد قال : كان عبد الرحمن
ابن سلامة يحدث به .
قلت : وهذا إسناد ضعيف ، ابن سلامة هذا لم أرله ترجمة ، ومحمد بن
إسماعيل بن عياش ضعيف ، وقد توبعا . فقد رواه مسلمة بن علي عن زيد بن واقد
وهشام بن الغاز عن مكحول عن عبد الرحمن بن سلامة به .
أخرجه الطبراني في «الكبير)) (٤ / ١٥٣ - ١٥٤/ ٣٨٨٧ و٣٨٨٨)، وفي
((مسند الشاميين)) (ص ٣٠٧ و٦٧٦)، و ((المعجم الأوسط)) (١/٧٢/١ - مجمع
البحرين)، ومن طريقه المقدسي في (( السنن)) (ق ١٩٨ / ١)، وقال الطبراني:
((لم يروه عن مكحول إلا زيد وهشام، تفرد به مسلمة)).
قلت: وهو الخشني متروك كما في ((التقريب))، وقال الهيثمي في ((المجمع))
(٢ / ٣٢٧) بعدما عزاه للمعجمين :
(( .. وهو ضعيف)).
قلت : والطريق التي قبله خير من هذه ، ولم يتعرض لذكرها الهيثمي !
وكنت خرجتهما في (( الضعيفة)) (٨٦٤) ، ولم أكن قد وقفت على الطريق
الأولى الموقوفة الصحيحة ، ولذا وجب نقلهما منها إلى هنا ، وكذا الحديث الذي
هناك (٨٦٣) من حديث أنس ◌ََّالله ينقل إلى هنا، لأن معناه في عرض الأعمال
على الأموات في آخر حديث الترجمة . والله أعلم .
٦٠٥

ثم وجدت للحديث شاهداً آخر مرسلاً بلفظ :
((إذا ماتَ العبدُ المؤمنُ تلقى روحُه أرواحَ المؤمنين فيقولون له : ما فعلَ فلانٌ ؟
فإذا قالَ : ماتَ)) قالوا : ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأمُّ، وبئست المربيةُ)).
أخرجه الحاكم (٢ / ٥٣٣) من طريق المبارك بن فضالة عن الحسن قال : قال
رسول الله ◌َلهُ : فذكره . وقال :
(( هذا حديث مرسل صحيح الإسناد)).
كذا قال، وابن فضالة كان يدلس ويسوي كما في «التقريب»، فهو على
إرساله ليس صحيح الإسناد ، وقد أعضله وأوقفه الأشعث بن عبد الله الأعمى
- وهو من الرواة عن الحسن البصري - فقال: إذا مات المؤمن .. الحديث نحوه .
أخرجه ابن جرير (٣٠ / ١٨٢): حدثنا ابن عبد الأعلى: ثنا ابن ثور عن
معمر عنه .
قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات ، ولكنه مقطوع موقوف على الأشعث هذا .
(تنبيه): من تشبُّع الشيخ الصابوني في كتابه (( مختصر تفسير ابن كثير))
الذي كنت بيّنت شيئاً منه في مقدمة المجلد الرابع من (( الصحيحة )) أنه ذكر هذا
الحديث في ((مختصره)) (٦٧٠/٣) فقال: ((روى ابن جرير .. )) تبعاً لأصله. ثم
كرر ذلك في الحاشية فقال: ((أخرجه ابن جرير))! فهل هذا التكرار في المتن
ـا* حين قال :
والحاشية من الاختصار أم التطويل وبما لا فائدة منه ، وصدق رسول الله
(( من تشبع بما لم يعط فهو كلابس ثوبي زور )).
أخرجه أبو داود والترمذي ، وكذا البخاري في (( الأدب المفرد )) من حديث
جابر ، وأحمد من حديث عائشة ، وأحدهما يقوي الآخر، وقد تكلمت على
إسنادهما في (( التعليق الرغيب)) (٢ / ٥٥ - ٥٦).
٦٠٦

ثم وجدت لبعضه شاهداً آخر من طريق عبد الله بن جبير بن نفير أن أبا
الدرداء كان يقول :
((إن أعمالكم تعرض على موتاكم فيُسرّون ، ويساؤون)) .
أخرجه نعيم بن حماد في «زوائد الزهد)) (٤٢ / ١٦٥): أنا صفوان بن عمرو
قال : حدثني عبد الله بن جبير بن نفير أن أبا الدرداء كان يقول : فذكره .
قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات ، لکن قول صفوان : حدثني عبد الله بن جبير
ابن نفير مشكل؛ لأنني لم أجد في الرواة (( عبد الله بن جبير بن نفير)). لكني
وجدت في شيوخ صفوان: (( جبير بن نفير))، ووجدت في ترجمة هذا أنه يكنى
بأبي عبد الرحمن ، وقيل : أبو عبد الله ، فغلب على ظني أن في الإسناد خطأ ،
وأن الصواب: ((أبو عبد الله: جبير بن نفير)). على أنه يحتمل أن يكون الصواب
عبد الرحمن بن جبير بن نفير؛ لأنهم ذكروا لصفوان رواية عن عبد الرحمن هذا
أيضاً ، فقد روى صفوان عن الوالد والولد، فعلى الأول الإسناد متصل ، لأن جبيراً
تابعي مخضرم ، وأما ابنه عبد الرحمن فتابعي صغير، فلم يذكروا له رواية إلا عن
أبيه وفراس بن مالك ، وجمع من التابعين . والله أعلم .
٢٧٥٩ - ( كان إذا أرادَ دخولَ قريةٍ لم يدخلها حتى يقولَ: اللهم
ربَّ السماواتِ السبع وما أظلّتْ ، وربّ الأرضين السبع وما أقلّت ،
وربَّ الرياح وما أذرت ، وربَّ الشياطين وما أضلَّت ؛ إني أسألُكَ خيرَها
وخيرَ ما فيها ، وأعوذ بك من شرِّها وشرٍّ ما فيها ) .
أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٢ / ١٤ / ٢ / ٧٦٦٧) : حدثنا
محمد بن عبد الله بن رستة : نا إبراهيم بن المستمرّ العُروقي : ثنا يعقوب بن محمد
٦٠٧

الزهري : حدثني إسحاق بن جعفر: حدثني محمد بن عبد الله الكناني عن عامر
ابن عبد الله بن الزبير عن أبي لبابة بن عبد المنذر: أن رسول الله عَ لٍ كان ..
إلخ . وقال :
((لا يروى عن أبي لبابة إلا بهذا الإسناد، تفرد به إبراهيم بن المستمر
العروقي)).
قلت : وهو صدوق ، وكذا من فوقه مثله أو أوثق منه ؛ غیر يعقوب بن محمد
الزهري ، فهو كثير الوهم كما في (( التقريب)) ، والكناني لم يوثقه غير ابن حبان ،
أورده في ((ثقات أتباع التابعين)) ولم يذكر له راوياً غير إسحاق بن جعفر هذا،
وكذلك لم يذكر له غيره البخاري في («التاريخ الكبير» (١ /٢ /١٢٧)، وابن أبي
حاتم (٣/ ٢ /٣٠٩)، وقال عن أبيه :
(« لا أعرفه )).
ومع هذا كله قال الهيثمي (١٠ / ١٣٤) بعدما عزاه للطبراني في
(( الأوسط )) :
(( وإسناده حسن )) !
نعم ، إن كان يريد أنه حسن لغيره فهو مقبول ، لأن له شاهداً من حديث
صهيب ◌َُّالله، صححه ابن خزيمة (٢٥٦٥)، وابن حبان والحاكم والذهبي ، وفيه
نظر بينته في التعليق على (( الكلم الطيب)) (رقم التعليق ١٣١)، ولذلك كنت
حسنته في تعليقي على ((صحيح ابن خزيمة)) (٤ / ١٥٠).
ثم وجدت له شاهداً من حديث قتادة قال :
((كان ابن مسعود إذا أراد أن يدخل قرية قال : .. )) فذكره موقوفاً .
٦٠٨

أخرجه عبد الرزاق (٢٠٩٩٥/٤٥٦/١١)، ومن طريقه الطبراني في ((المعجم
الكبير» (٩ /١٩٥ / ٨٨٦٧) بسند رجاله ثقات لكنه منقطع.
ثم وجدت لحديث صهيب طريقاً أخرى ، فقال الطحاوي في (( مشكل
الآثار)) (٣ / ٢١٥) : حدثنا أحمد بن شعيب قال : أخبرنا محمد بن نصر قال :
ثنا أيوب بن سليمان بن بلال عن أبي سُهيل بن مالك عن أبيه أنه كان يسمع
عمر بن الخطاب وهو يؤم الناس في مسجد رسول الله عَ ليه من دار أبي جهم . قال :
وقال كعب الأحبار : والذي فلق البحر لموسى إن صهيباً حدثني: إن محمداً
رسول الله # لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين رآها :
((اللهم ربَّ السماوات السبع وما أظللن .. )) إلخ الدعاء ، وزاد :
((وحلف كعب بالذي فلق البحر لموسى أنها كانت دعوات داود حين يرى
العدو)).
قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال البخاري ؛ غير محمد بن نصر
وهو الفراء النيسابوري وهو ثقة . وأحمد بن شعيب هو الإمام النسائي صاحب
((السنن)) الصغرى المعروفة بـ ((المجتبى))، وهي المطبوعة، و((السنن الكبرى))،
ولما تطبع بعد ، وإنما طبع منها كتاب الطهارة بهمة الشيخ عبد الصمد شرف الدين
جزاه الله خيراً (١). وقد رواه النسائي في ((كتاب السير)) منها بهذا الإسناد ،
كما في ((تحفة الأشراف)) للحافظ المزّي (٤ / ٢٠١)، وكذلك رواه النسائي في
((عمل اليوم والليلة)) (رقم ٣٤٣) .
وأبو سهيل اسمه نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ، وهو وأبوه من رجال
الشيخين .
(١) ثم طبع بكامله ، والحمد لله .
٦٠٩

وأبو بكر بن أبي أوس اسمه عبد الحميد بن عبد الله الأصبحي ، وهو أيضاً
من رجال الشيخين .
هذا، ولما كنت حققت كتاب ((الكلم الطيب)) لشيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله وأنا في المدينة المنورة ، وجدته عزا حديث صهيب هذا للنسائي وغيره،
ولما لم يكن عنده في (( السنن الصغرى)) المطبوعة ، استعنت لمعرفة حال إسناده بـ
((تخريج الأذكار)) لابن علان، ومن المعلوم أن جل تخريجاته إنما هي نقل منه عن
(( نتائج الأفكار في تخريج الأذكار)) للحافظ ابن حجر العسقلاني ، فرأيته نقل عنه
بحثاً طويلاً في تخريج الحديث عزاه للنسائي وغيره، فعلّقت خلاصته على (( الكلم
الطيب))، وهي أن مدار الحديث عندهم على أبي مروان وهو غير معروف ، وأشرت
إلى استغرابي لقول الحافظ فيه: ((حديث حسن)) لأنه لا يلتقي مع جهالة أبي
مروان . ومن طريقه رواه ابن قانع في ترجمة صهيب من ((المعجم)).
أما الآن ، فقد تبين أنه كان مقصراً في تحسينه فقط إياه وادعائه أن مداره على
أبي مروان ، فقد تابعه - كما رأيت - مالك بن أبي عامر الأصبحي الثقة ، وبالإسناد
الصحيح عنه ، كما فاته أن يذكر حديث الترجمة كشاهد له . فالحمد لله الذي
هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، والحمد لله الذي بنعمته تتم
الصالحات .
ثم وجدت له شاهداً من أمره ټپڼ ، یرویه أيوب بن محمد بن زياد : ثنا
سعيد : ثنا محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر عن النبي ® أنه كان
يقول :
((إذا خرجتم من بلادكم إلى بلاد تريدونها فقولوا إذا أشرفتم على المدينة أو
القرية : اللهم رب السماوات السبع وما أظلّت ، ورب الأرضين السبع وما أقلّت)).
الحديث .
٦١٠

أخرجه أبو نعيم في «أخبار أصبهان)) (٢ / ٢٧٧).
قلت : وهذا إسناد حسن إن كان سعيد هذا هو ابن أبي أيوب المصري ، وهو
ثقة ثبت من رجال الشيخين ، وأما إن كان ابن مسلمة الجزري فهو ضعيف كما في
((التقريب))، وكلاهما ذكرهما المزّي في ((تهذيبه)) في الرواة عن ابن عجلان،
وكونه الجزري أقرب . والله أعلم .
ثم تأکد ذلك عندي بأمرین :
الأول : أن المزِّي ذكره في شيوخ أيوب بن محمد بن زياد دون سعيد بن أبي
أيوب المصري .
والآخر : أن الحافظ ابن حجر لما ذكره في (( تخريج الأذكار)) شاهداً لحديث
آخر بسنده إلى ابن عمر - كما في ابن علان (٥ / ١٥٨ - ١٥٩) - قال :
(( وفي سنده ضعف)).
فلو كان سعيد هذا هو المصري لم يضعف إسناده . والله أعلم .
ثم تأكَّدت مما استقربته بعد أن طبع كتاب (( الدعاء )) للطبراني ، فرأيته قد
أخرجه فيه (٢ / ١٢٨٨ / ٨٨٥) من طريق أخرى فقال: ((ثنا سعيد بن
مسلمة . .)) .
٢٧٦٠ - ( النُّشرةُ من عملِ الشيطانِ) .
أخرجه أحمد في ((المسند)) (٣ / ٢٩٤)، وعنه أبو داود في (( السنن))
(٣٨٦٨)، ومن طريقه البيهقي (٩ / ٣٥١): حدثنا عبد الرزاق : حدثنا عقيل بن
معقل قال : سمعت وهب بن منبه يحدث عن جابر بن عبد الله قال :
٦١١

سئل رسول الله
** عن النُّشرة ؟ فقال :
((هو من عمل الشيطان)).
قلت : وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير عقيل بن معقل
وهو ابن منبه اليماني، وهو ثقة اتفاقاً، فقول الحافظ فيه: ((صدوق))؛ وبناء عليه
اقتصر في ((الفتح)) (١٠ / ٢٣٣) على تحسين إسناده في هذا الحديث ؛ فهو تقصير
لا وجه له عندي ، ومن المحتمل أن یکون تأثر الحافظ بأمرین :
الأول : أن الحديث في ((مصنف عبد الرزاق» (١١ / ١٣ / ١٩٧٦٢) موقوف
هكذا : أخبرنا عقيل بن معقل عن همام (كذا) بن منبه قال : سئل جابر بن
عبد الله عن النشر؟ فقال : من عمل الشيطان .
قلت : كذا وقع فيه موقوفاً ، وقال (همام بن منبه) مكان (وهب بن منبه) ،
وهما أخوان روى عنهما عقيل ، وأنا أظن أن هذا خطأ كالوقف ، وأظن أنه من
الرواي عن عبد الرزاق ، وهو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدبري الراوي
لقسم كبير من (كتاب الجامع) من ((المصنف)) (انظر (٣٧٩/١٠) من ((المصنف)))
وهو متكلم فيه ، فلا يؤثر مثله أبداً في رواية أحمد عن عبد الرزاق مرفوعاً .
والآخر : أن البيهقي غمز من صحته فقال عقبه :
((وروي عن النبي :﴿ مرسلاً، وهو أصح)).
يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨ / ٢٩ / ٣٥٦٧)،
والبزار (٣ / ٣٩٣ - ٣٩٤) من طريق شعبة عن أبي رجاء قال: سألت الحسن عن
النشر؟ فذكر لي عن النبي ◌َّ﴿ قال:
((هي من عمل الشيطان)).
٦١٢

قلت : وهذا مرسل صحيح الإسناد، وقد رواه أبو داود في ((المراسيل))،
وإليه عزاه الحافظ، ولعله رواه من طريق ابن أبي شيبة، فإن ((المراسيل)) المطبوعة
محذوفة الأسانيد ، وقد جاء فيها قول أبي داود عقب الحديث (ص ٤٨) :
((أُسنِد ولا يصح)).
ولست أدري والله وجه هذا النفي ، وقد قدمناه برواية شيخه الإمام أحمد
بإسناده الصحيح ، وهو عنه(١) ؟
ثم روى ابن أبي شيبة، والخطابي في ((معالم السنن)) (٥ / ٣٥٣) من طريق
أخرى عن الحسن قال :
((النشرة من السحر)).
وإسناده حسن .
و ((النشرة)): الرقية . قال الخطابي:
(( النشرة: ضرب من الرقية والعلاج؛ يعالج به من كان يظن به مس الجن)).
قلت : يعني الرقى غير المشروعة ، وهي ما ليس من القرآن والسنة الصحيحة
وهي التي جاء إطلاق لفظ الشرك عليها في غير ما حديث ، وقد تقدم بعضها ،
فانظر مثلا : (٣٣١ و١٠٦٦)، وقد يكون الشرك مضمراً في بعض الكلمات المجهولة
المعنى ، أو مرموزاً له بأحرف مقطعة ، كما يرى في بعض الحجب الصادرة من
بعض الدجاجلة ، وعلى الرقى المشروعة يحمل ما علقه البخاري عن قتادة قال :
قلت لسعيد بن المسيب : رجل به طب ( أي سحر) أو يؤخذ عن امرأته ، أَيُحَلُّ
(١) ثم طبعت ((المراسيل)) بأسانيدها، فإذا هو فيه (٣١٩ / ٤٥٣) من طريق أخرى عن شعبة
به، وليس فيه ما استشكلته من قوله: ((أسند ولا يصح)) ، فالظاهر أنه كان حاشية من بعضهم ،
طبع خطأ في الصُّلْب ، كما هو خطأ في العلم .
٦١٣

عنه أو يُنَشِّر؟ قال : لا بأس به ، إنما يريدون به الإصلاح ، فأما ما ينفع فلم ينه عنه .
ووصله الحافظ في (( الفتح)) (١٠ / ٢٣٣) من رواية الأثرم وغيره من طرق
عن قتادة عنه . ورواية قتادة أخرجها ابن أبي شيبة (٨ / ٢٨) بسند صحيح عنه
مختصراً .
هذا ولا خلاف عندي بين الأثرين ، فأثر الحسن يُحْمَل على الاستعانة بالجن
والشياطين والوسائل المرضية لهم كالذبح لهم ونحوه ، وهو المراد بالحديث ، وأُثر
سعيد على الاستعانة بالرقى والتعاويذ المشروعة بالكتاب والسنة . وإلى هذا مال
البيهقي في (( السنن))، وهو المراد بما ذكره الحافظ عن الإمام أحمد أنه سئل عمن
يُطْلِق السحر عن المسحور؟ فقال: ((لا بأس به)).
وأما قول الحافظ :
((ويختلف الحكم بالقصد، فمن قصد بها خيراً، وإلا فهو شر)).
قلت : هذا لا يكفي في التفريق ، لأنه قد يجتمع قصد الخير مع كون الوسيلة
إليه شر، كما قيل في المرأة الفاجرة :
ليتها لم تزن ولم تتصدق .
ومن هذا القبيل معالجة بعض المتظاهرين بالصلاح للناس بما يسمونه بـ
(الطب الروحاني) سواء كان ذلك على الطريقة القديمة من اتصاله بقرينه من الجنّ
كما كانوا عليه في الجاهلية ، أو بطريقة ما يسمى اليوم باستحضار الأرواح ، ونحوه
عندي التنويم المغناطيسي ، فإن ذلك كله من الوسائل التي لا تشرع ؛ لأن مرجعها
إلى الاستعانة بالجن التي كانت من أسباب ضلال المشركين كما جاء في القرآن
الكريم : ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً ﴾ أي
خوفاً وإثماً . وادعاء بعض المبتلين بالاستعانة بهم أنهم إنما يستعينون بالصالحين
٦١٤

منهم ، دعوى كاذبة لأنهم مما لا يمكن - عادة - مخالطتهم ومعاشرتهم، التي
تكشف عن صلاحهم أو طلاحهم ، ونحن نعلم بالتجربة أن كثيراً من تصاحبهم
أشد المصاحبة من الإنس ، يتبين لك أنهم لا يصلحون ، قال تعالى : ﴿يا أيها
الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم﴾ هذا في الإنس
الظاهر، فما بالك بالجن الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إنه يراكم هو وقبيله من
حیث لا ترونهم﴾ .
ونزول المعوذتين
سحر اليهود للنبي
٢٧٦١ - (كانَ رجلٌ [من اليهود] يدخلُ على النبيّ ◌َةٍ، [وكانَ
يأمنه] ، فعقد له عقداً، فوضعه في بئر رجل من الأنصار، [فاشتكى
لذلك أياماً، (وفي حديث عائشة: ستة أشهر)]، فأتاه ملكان
يعودانه ، فقعد أحدُهما عندَ رأسه، والآخر عند رجليه، فقال
أحدهما : أتدري ما وجعه؟ قال : فلان الذي [كان] يدخلُ علیه عقد
له عقداً، فألقاه في بئر فلانِ الأنصاري ، فلو أرسَل [إليه] رجلاً،
وأخذ [منه] العقد لوجد الماء قد اصفرّ. [فأتاه جبريل فنزل عليه بـ
(المعوذتين)، وقال : إن رجلاً من اليهود سحرك، والسحرُ في بئرٍ
فلان، قال:] فبعَثَ رجلاً (وفي طريق أخرى: فبعث علياً وَالشله)
[فوجد الماء قد اصفرّ] فأخذ العقدَ [فجاء بها]، [فأمره أن يحل العقد
ويقرأ آيةٍ]، فحلها ، [فجعل يقرأ ويحلّ]، [فجعل كلما حلَّ عقدة وجدَ
لذلكَ خفة] فبرأ، (وفي الطريق الأخرى: فقام رسول الله ◌َّةٍ كأنما
نُشطَ من عقال)، وكان الرجلُ بعدَ ذلك يدخلُ على النبي ◌َُّ فلم
٦١٥

يذكرْ له شيئاً منه ، ولم يعاتبْه [قط حتى مات]).
قلت: هذا من حديث زيد بن أرقم مَالش ، وله عنه طريقان ، مدارهما على
الأعمش رحمه الله تعالى .
الأول: عنه عن ثمامة بن عقبة عن زيد جَاللهِ.
أخرجه الطبراني في « المعجم الكبير)) (٥ / ٢٠١ / ٥٠١١) والسياق له،
والحاكم (٤ / ٣٦٠ - ٣٦١) والزيادة الرابعة والخامسة والسادسة له ؛ كلاهما من
طريق جرير عن الأعمش به . وقال الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين )).
ورده الذهبي بقوله :
((قلت : لم يخرجالثمامة شيئاً، وهو صدوق )) .
قلت: بل هو ثقة كما قال الذهبي نفسه في ((الكاشف)) ، تبعاً لابن معين
والنسائي، وكذا قال الحافظ في ((التقريب)»، فالسند صحيح .
وقد تابعه شيبان عن الأعمش به .
أخرجه الطبراني (٥٠١٢) ، وقال :
(( خالفهما أبو معاوية في إسناده )).
قلت : يشير إلى الطريق الآتي .
وقد تابعهما سفيان الثوري عن الأعمش به .
أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٢ / ١٩٩)، والزيادة الثانية له .
الطريق الثاني : يرويه أبو معاوية عن الأعمش عن يزيد بن حبان عن زيد بن
٦١٦

أرقم به .
أخرجه النسائي في «السنن)) (٢ / ١٧٢)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
(٢٩/٨ - ٣٠ /٣٥٦٩)، وأحمد (٤ /٣٦٧)، وعبد بن حميد في ((المنتخب
من المسند)) (ق ٤٠ / ١ - ٢)، والطبراني أيضاً (٥ / ٢٠٢ / ٥٠١٣ و٥٠١٦).
قلت : وهذا إسناد صحيح كما قال الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء))
(٢ / ٣٣٦)، وهو على شرط مسلم ، فإن رجاله رجال الشيخين ؛ غير يزيد بن حبان
فهو من رجال مسلم .
وأبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير، قال الحافظ في (( التقريب)):
(( ثقة ، أحفظ الناس لحديث الأعمش )).
قلت : وهذا مما يمنعنا من الحكم على إسناده بالشذوذ لمخالفته للثقات الثلاثة
المتقدمين ، فالظاهر أن للأعمش فيه شيخين عن زيد بن أرقم . والله أعلم .
ثم إن سائر الزيادات لابن أبي شيبة وأحمد ، إلا زيادة قراءة آية فهي لعبد بن
حميد ، وكذا زيادة نزول جبريل بـ (المعوذتين) ، وسندها صحيح أيضاً .
ولها شاهد من حديث عمرة عن عائشة قالت :
كان لرسول الله # غلام يهودي يخدمه يقال له : لبيد بن أعصم، وكانت
يذوب ولا
تعجبه خدمته ، فلم تزل به يهود حتى سحر النبي # ، فكان
** ذات ليلة نائم إذ أتاه ملكان ، فجلس
يدري ما وجعه ، فبينما رسول الله :
أحدهما عند رأسه ، والآخر عند رجليه ، فقال الذي عند رأسه للذي عند رجليه :
ما وجعه ؟ قال : مطبوب . فقال : من طبه ؟ قال : لبيد بن أعصم. قال : بم طبه ؟
قال : بمشط ومشاطة وجُف طلعة ذكر بـ (ذي أروى) ، وهي تحت راعوفة البئر.
٦١٧

فاستيقظ رسول الله عَ ليه، فدعا عائشة فقال: يا عائشة! أشعرت أن الله قد أفتاني
بوجعي ، فلما أصبح غدا رسول الله :﴿﴿ ، وغدا أصحابه معه إلى البئر ، وإذا ماؤها
كأنه نقيع الحناء ، وإذا نخلها الذي يشرب من مائها قد التوى سيفه كأنه رؤوس
الشياطين ، قال : فنزل رجل فاستخرج جف طلعة من تحت الراعوفة ، فإذا فيها
مشط رسول الله 2* ومن مشاطة رأسه ، وإذا تمثال من شمع تمثال رسول الله
عطارة : وإذا فيها إبر مغروزة ، وإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة ، فأتاه جبريل بـ
(المعوذتين) فقال : يا محمد ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ وحل عقدة، ﴿من شر ما
خلق﴾ وحل عقدة حتى فرغ منها ، وحل العقد كلها ، وجعل لا ينزع إبرة إلا وجد
لها ألماً ثم يجد بعد ذلك راحة . فقيل : يا رسول الله ! لو قتلت اليهودي؟ فقال
﴿﴿ُ : قد عافاني الله عز وجل ، وما وراءه من عذاب الله أشد ، قال :
رسول الله
فأخرجه .
رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢ /١/٢٢٦/٢ -٢ و٩٢/٧ - ٩٤ ط)
من طريق سلمة ابن حَبّان : حدثنا يزيد بن هارون: أخبرنا محمد بن عبيد الله عن
أبي بكر بن محمد عن عمرة به .
قلت : وهذا إسناد ضعيف جداً ، محمد بن عبيد الله هو العرزمي ، وهو متروك .
وسلمة بن حبان - وهو بفتح الحاء (١) - روى عنه جمع من الثقات ، وذكره ابن
حبان في (( ثقاته)) (٨ / ٢٨٧) فالعلة من العرزمي . وإن مما يوهن حديثه هذا أنه
قد جاء مختصراً من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً نحوه دون
ذكر التمثال وما بعده .
(١) كما في ((التبصير))، وذكر أنه من شيوخ أبي يعلى وعبد الله بن أحمد ويوسف القاضي.
٦١٨

أخرجه البخاري (٣٢٦٨ و ٥٧٦٣ و ٥٧٦٥ و ٥٧٦٦ و٦٣٩١)، ومسلم
(٧ / ١٤)، وابن أبي شيبة (٣٥٧٠/٣٠/٨)، ومن طريقه ابن ماجه (٣٥٩٠ -
الأعظمي) ، وأحمد (٦ / ٥٠ و ٥٧ و ٦٣ و٩٦)، والحميدي (٢٥٩) ، وابن سعد
(٢ / ١٩٦)، وأبو يعلى (٣ / ١٩٤)، والبيهقي (٢ /٢ /١٥٧ /٢) من طرق عن
هشام به . وزيادة ستة أشهر المذكورة في حديث الترجمة ، هي عند أحمد في
رواية، وسندها صحيح، وصححها الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٢٢٦).
وبالجملة ؛ فحديث العرزمي وما فيه من الزيادات منكر جداً ، إلا ما وافق
حديث هشام عن عروة ، وحديث الترجمة ، ومن ذلك نزول (المعوذتين) ، فقد
ذكره الرافعي في كتابه ، فقال الحافظ في ((تلخيصه)) (٤ / ٤٠) :
((وهذا ذكره الثعلبي في (( تفسيره )) من حديث ابن عباس تعليقاً، ومن
حديث عائشة أيضاً تعليقاً ، طريق عائشة صحيح ، أخرجه سفيان بن عيينة في
(( تفسيره)) رواية أبي عبيد الله عنه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - فذكر
الحديث - وفيه: ونزلت ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾)).
وهذه فائدة هامة من الحافظ رحمه الله تعالى، لم ترد في كتابه ((فتح
الباري )) ، وهي شاهد قوي لحديث الترجمة . والله أعلم .
ومن المفيد أن نذكر أن بعض المبتدعة قديماً وحديثاً قد أنكروا هذا الحديث
الصحيح ، بشبهات هي أوهى من بيت العنكبوت ، وقد ردَّ عليهم العلماء في
شروحهم ، فليرجع إليها من شاء .
وقد أخطأ المعلق على ((الدلائل )) خطأ فاحشاً في عزوه رواية البيهقي إلى
الشيخين وغيرهما ، دون أن ينبه إلى ما فيه من المنكرات المخالفة لروايتيهما !
٦١٩

٢٧٦٢ - ( من قالَ في يوم مائتي مرةٍ [مائة إذا أصبح، ومائة إذا
أمسی ]: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمدُ ، وهو
على كلِّ شيءٍ قدير ))؛ لم يسبقْه أحدٌ كانَ قبله ، ولا يدركه أحدٌ كان
بعدَه ، إلا من عَمِل أفضل من عملِهِ ) .
أخرجه النسائي في (( اليوم والليلة)) (٥٧٦ و ٥٧٧) ، وكذا ابن السني
(٧٣)، وابن الأعرابي في ((المعجم)) (ق ٢١٦ /١)، والحاكم (١ / ٥٠٠) وقال :
((مائة))!، وأحمد (٢ / ١٨٥ و٢١٤)، والخطيب في ((التاريخ)) (٣ / ٢٥) من
طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله
قال : فذكره .
قلت : وهذا إسناد حسن للخلاف المعروف في عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جده، ولذا قال في ((الفتح)) (١١ / ٢٠٢):
(( إسناده صحيح إلى عمرو)).
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (١٠ / ٨٦):
(( رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: ((كل يوم)) ورجال أحمد ثقات ، وفي
رجال الطبراني من لم أعرفه )» .
قلت : وليس المراد من الحديث أن يقول المائتي مرة في وقت واحد كما تبادر
لبعض المعاصرين ممن ألَّف في (( سنِّية السبحة))! وإنما تقسيمهما على الصباح
والمساء ، فقد جاء ذلك صريحاً في رواية شعبة عن الحكم عن عمرو بن شعيب
به ، ولفظه :
(( من قال .. مائة مرة إذا أصبح، ومائة مرة إذا أمسى .. ).
٦٢٠