Indexed OCR Text
Pages 381-400
قلت : وهو صدوق حسن الحديث من رجال مسلم ، وفيه كلام لا ينزل
حديثه عن مرتبة الحسن إن شاء الله تعالى .
لكن شيخه الهيثم بن علقمة بن قيس بن ثعلبة لم أعرفه ، ولم أر أحداً
٦
ذكره ، فأخشى أن يكون وقع في الرواية شيء من التحريف ، فقد أخرج الحديث
أبو إسحاق الحربي في ((غريب الحديث)) هكذا :
حدثنا عبد الله بن عمر : حدثنا يونس بن بكير عن الهيثم عن عطية بن
قيس عن الأزرق بن قيس به .
والحربي ثقة إمام حافظ ، فروايته مقدّمة على رواية علي بن سعيد الرازي ،
فإنّ هذا وإن وثّقه مسلمة بن قاسم فقد قال الدارقطني: ((ليس بذاك))، فقوله في
الإسناد: (( الهيثم بن علقمة بن قيس بن ثعلبة)) يكون من أوهامه إن كان
محفوظاً عنه ، والصواب قول الحربي: ((الهيثم عن عطية بن قيس)).
والهيثم هذا هو ابن عمران الدمشقي ، وثّقه ابن حبّان ، وقد روى عنه جمع
من الثقات؛ كما كنت حققته في (( الكتاب الآخر)) تحت الحديث (٩٦٧) مفصّلاً
القول هناك في مشروعية الاعتماد على اليدين عند القيام من السجدة الثانية أو
التشهد الأول ، وذكرت هناك متابعاً قوياً لعطية بن قيس فراجعه .
ومن العجيب أن يخفى هذا الحديث على كل من صنّف في ((التخريج)) كما
ذكرت هناك، وأعجب منه أن لا يورده الهيثمي في « مجمع البحرين في زوائد
المعجمين))، بل ولا في ((مجمع الزوائد))، مع أنّه أورد فيه ما يخالفه ، فقال
(٢ / ١٣٦) :
(( وعن عبد الرحمن بن يزيد قال : رمقت عبد الله بن مسعود في الصلاة
فرأيته ينهض ولا يجلس ، قال : ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى
والثالثة . رواه الطبراني في ((الكبير))، ورجاله رجال الصحيح)).
٣٨١
ونحوه ما صنعه الحافظ في ((التلخيص الحبير))، فإنّه بعد أن ذكر حديث
ابن عباس بمعنى حديث الترجمة ، ونقل أقوال مخرّجيه في تضعيف حديث ابن
عباس وإبطاله ، قال (١ / ٢٦٠) :
((وفي ((الطبراني الأوسط)) عن الأزرق بن قيس : رأيت عبد الله بن عمر
وهو يعجن في الصلاة ، يعتمد على يديه إذا قام كما يفعل الذي يعجن ))!
فذكر الموقوف دون المرفوع منه ، فأوهم القارىء خلاف الواقع ، ولذلك كنت
سمَّيته في الكتاب السابق الذِّكر أثراً اعتماداً عليه ، فلمّا وقفت على لفظه في
((المعجم الأوسط)) بادرت إلى إخراجه هنا وسقته كما رأيته فيه وتكلّمت على
إسناده نصحاً للأمّة ، وتأكيداً لما كنت ذكرته هناك من ثبوت الحديث . والحمد لله
الذي بنعمته تتمّ الصالحات .
ولا بدّ من التنبيه هنا على خطأ وقع لي ثمّة ، وذلك أنَّني رجَّحت أنَّ
عبد الله بن عمر - شيخ الحربي - الصواب فيه عبيد الله (مصغّراً) ، فلما وقفت على
رواية الطبراني ومطابقتها لرواية الحربي ، بل زاد فسمّى جده (أبان) تبيّن لي الخطأ ،
وأنّ الصواب كما وقع في الروايتين : (عبد الله بن عمر) وهو ابن محمد بن أبان
الأموي مولاهم الكوفي ، وهو ثقة أيضاً من رجال مسلم .
ثم رأيت ليونس بن بكير متابعاً، أخرجه الطبراني في «الأوسط)) أيضاً
(١ / ١٩٠ / ٢ رقم ٣٣٧١ - ط) من طريق عبد الحميد الحماني قال : نا الهيثم بن
عطية البصري عن الأزرق بن قيس قال :
(( رأيت ابن عمر في الصلاة يعتمد إذا قام ، فقلت : ما هذا؟ قال : رأيت
رسول الله ﴿ يفعله)). وقال :
((لم يروه عن الأزرق إلا الهيثم ، تفرّد به الحماني)).
٣٨٢
قلت : وفيه ضعف ، والهيثم بن عطية هذا لم أعرفه أيضاً، ولعلّه (( .. عن
عطية)) كما تقدّم في رواية أبي إسحاق الحربي . والله أعلم .
(تنبيه): أَلَّف بعض الفضلاء جزءاً في كيفيّة النهوض في الصلاة ، نشره
سنة (١٤٠٦)، تأوّل فيه بعض الأحاديث الصحيحة على خلاف تفسير العلماء ،
وحشر أحاديث ضعيفة مقوِّياً تأويله بها ، وضعَّف حديثنا هذا الصحيح بأمور وعلل
دلَّت على أنَّه كان الأولى به أن لا يُدْخِلَ نفسه فيما لا يحسنه ، فرددتُ عليه ردّاً
مسهباً مبيِّناً أخطاءه الحديثيَّة والفقهيَّة في كتابي ((تمام المنَّة)) (ص ١٩٦ - ٢٠٧)،
فمن شاء التوسّع رجع اليه .
التحصیب سنَّة
٢٦٧٥ - ( من السنَّة النزولُ بـ (الأبطح) عشية النّفْرِ) .
أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط)) (١ / ١٩٨ /٢ - ١٩٩ /١) قال:
حدثنا الحسين بن محمد بن حاتم العجل قال : نا عبد الله بن محمد الأذرمي قال :
نا القاسم بن يزيد الجرمي قال : نا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن
عمر بن الخطاب قال : فذكره . وقال :
((لم يروه عن سفيان إلا القاسم الجرمي)).
قلت : وهو ثقة اتفاقاً ، ومثله الأذرمي الراوي عنه .
وأما الحسين بن محمد - وهو المعروف بعُبيد العجل - فهو ثقة حافظ متقن كما
قال الخطيب (٨ / ٩٤)، وهو من تراجم الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)).
وأما من فوقهم فثقات كلهم من رجال الشيخين لا يسأل عن مثلهم .
٣٨٣
فالإسناد صحيح، ولقد قصَّر الهيثمي حين اقتصر على تحسينه في ((المجمع))
(٣ / ٢٨٢) :
(رواه الطبراني في ((الأوسط))، وإسناده حسن))!
ولقد بادرت إلى تخريج هذا الحديث فور حصولي على نسخة مصوّرة من
((المعجم الأوسط)) لعزتّه ، وقلّة من أورده من المخرّجين وغيرهم، ولكونه شاهداً قوياً
لما رواه مسلم (٤ / ٨٥) عن نافع أنّ ابن عمر كان یری التحصیب سنّة.
قلت : فكأنّ ابن عمر تلقّى ذلك من أبيه رضي الله عنهما ، فتقوّى رأيه بهذا
الشاهد الصحيح عن عمر . وليس بخافٍ على أهل العلم أنّه أقوى في الدلالة على
شرعية التحصيب من رأي ابنه ؛ لما عرف عن هذا من توسّعه في الاتباع له
اتفاقاً لا قصداً ، والأمثلة على ذلك كثيرة ،
حتى في الأمور التي وقعت منه
وقد ذكر بعضها المنذري في أول («ترغيبه)»(١) ، بخلاف أبيه عمر كما يدلّ على ذلك
نهيه عن اتباع الآثار(٢)، فإذا هو جزم أنّ التحصيب سنّة ؛ اطمأن القلب إلى أنّه
يعني أنّها سنّة مقصودة أكثر من قول ابنه بذلك ، لا سيّما ويؤيّده ما أخرجه
الشيخان عن أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله عَ﴿ ونحن بمنى:
(( نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر )).
وذلك أنّ قريشاً وبني كنانة تحالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا
يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلّموا إليهم رسول الله ﴿ . . يعني بذلك
التحصيب . والسياق لمسلم
(١) انظر كتابي ((صحيح الترغيب والترهيب)) (١ / ٢٢ - ٢٣ / ٤٣ - ٤٦)، وهو تحت الطبع .
ثم طبع المجلد الأول منه سنة (١٤٠٨). ثم شرعنا في طبع الثاني منه في رجب هذه السنة (١٤١٥)
يسر الله نشره .
(٢) انظر كتابي ((تحذير الساجد)) (ص ١٣٦ /٦).
٣٨٤
قال ابن القيم في ((زاد المعاد )) :
((فقصد النبي * إظهار شعائر الإسلام في المكان الذي أظهروا فيه شعائر
الكفر ، والعداوة لله ورسوله . وهذه كانت عادته صلوات الله وسلامه عليه : أن
يقيم شعار التوحيد في مواضع شعائر الكفر والشرك كما أمر ** أن يبنى مسجد
الطائف موضع اللات والعزّى )).
وأما ما رواه مسلم عن عائشة أنّ نزول الأبطح ليس بسنّة ، وعن ابن عباس
أنّه ليس بشيء . فقد أجاب عنه المحقّقون بجوابين :
الأول : أنّ المثبت مقدّم على النافي .
والآخر : أنّه لا منافاة بينهما ، وذلك أنّ النافي أراد أنّه ليس من المناسك فلا
يلزم بتركه شيء، والمثبت أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله { ®د ، لا الإلزام
بذلك . قال الحافظ عقبه (٣ / ٤٧١) :
(( ويستحب أن يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ويبيت به بعض
اللیل کما دلّ عليه حديث أنس وابن عمر)) .
قلت: وهما في (( مختصري لصحيح البخاري )) ( كتاب الحج / ٨٣ - باب
و ١٤٨ - باب).
(الأبطح): يعني أبطح مكة ، وهو مسيل واديها ، ويجمع على البطاح
والأباطح ، ومنه قيل: قريش البطاح ، هم الذين ينزلون أباطح مكة وبطحاءها .
« نهاية)) .
و (التحصيب) : النزول بـ (المحصب) وهو الشعب الذي مخرجه إلى الأبطح
بين مكة ومنى . وهو أيضاً (خيف بني كنانة).
٣٨٥
إتمام المسافر وراء المقيم
٢٦٧٦ - ( تلكَ سنَّةَ أبي القاسم ﴿. يعني إتمامُ المسافر إذا
اقتدى بالمقيم ، وإلا فالقصرُ) .
هذه السنَّة الصحيحة ، يرويها قتادة عن موسى بن سلمة الهذلي عن ابن
عباس مَالُ . ويرويه عن قتادة جمع :
الأول : أیوب عنه عن موسى قال :
كنا مع ابن عباس بمكة ، فقلت : إنا إذا كنا معكم صلَّينا أربعاً ، وإذا رجعنا
إلى رحالنا صلَّينا ركعتين ؟ قال : فذكره .
أخرجه أحمد (٢١٦/١)، والسراج في ((مسنده)) (ق ١/١٢٠)، والطبراني
في ((المعجم الأوسط)) (١/٢٧٨/١ - مصوّرة الجامعة الإسلامية)، وأبو عوانة في
((مسنده)) (٢ / ٣٤٠) من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ، والطبراني
أيضاً (٢ / ٩٢ / ٢) من طريق الحارث بن عمير كلاهما عن أيوب عنه به ، وزاد
هو والسراج :
« وإن رغمتم )»، وقال :
((لم يروه عن أيوب إلا الحارث بن عمير والطفاوي)).
الثاني : شعبة عنه به ، ولفظه : قال :
سألت ابن عباس: كيف أصلِّي إذا كنت بمكة إذا لم أصلٌّ مع الإمام ؟ فقال :
ركعتين سنَّة أبي القاسم ت﴿﴾ .
أخرجه مسلم (٢ / ١٤٣ - ١٤٤)، والنسائي (١ / ٢١٢)، وابن خزيمة في
٣٨٦
((صحيحه)) (٩٥١)، والبيهقي (٣ / ١٥٣)، وابن حبّان (٤ / ١٨٥ / ٢٧٤٤)،
وأحمد (١ / ٢٩٠ و٣٣٧)، وأبو عوانة، والطحاوي (٢٤٥/١)، ولفظ البيهقي :
(( كم أصلِّي إذا فاتتني الصلاة في المسجد الحرام؟ ... )). والباقي مثله.
الثالث : سعيد بن أبي عروبة عنه نحوه .
أخرجه مسلم (٣ / ١٤٤)، والنسائي، وأحمد (١ / ٣٦٩).
الرابع: هشام الدستوائي. قال الطيالسي في ((مسنده)) (٢٧٤٢) : حدثنا
هشام عنه به . ولفظه :
قلت لابن عباس : إذا لم أدرك الصلاة في المسجد الحرام كم أصلي بـ
(البطحاء) ؟ قال : ركعتين .. إلخ.
وأخرجه أحمد (١ / ٢٢٦) : حدثنا يحيى عن هشام به .
الخامس : همّام : أخبرنا قتادة به مثل لفظ هشام .
أخرجه أحمد (١ / ٢٩٠). وقد صرح قتادة بالتحديث عنده في رواية شعبة .
قلت : وفي الحديث دلالةٌ صريحةٌ على أنَّ السنَّة في المسافر إذا اقتدى بمقيم
أنّه يتمّ ولا يقصر، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم ، بل حكى الإمام الشافعي
في ((الأم)) (١ / ١٥٩) إجماع عامة العلماء على ذلك، ونقله الحافظ ابن حجر
عنه في ((الفتح)) (٢ / ٤٦٥) وأقرّه ، وعلى ذلك جرى عمل السلف ، فروى مالكٌ
في ((الموطّأ)) (١ / ١٦٤) عن نافع:
أنّ ابن عمر أقام بمكة عشر ليال يقصر الصلاة، إلا أن يصلّها مع الإمام
فيصليها بصلاته .
٣٨٧
وفي رواية عنه :
أنّ عبد الله بن عمر كان يصلي وراء الإمام بمنى أربعاً ، فإذا صلّى لنفسه صلّى
ركعتين .
ورواه ابن خزيمة في «صحيحه» (٩٥٤) من طريق أخرى عن ابن عمر .
وأخرجه الطحاوي في ((شرح المعاني)) (١ / ٢٤٤) من طريق مالك ، ومن
قبله الإمام محمد في « موطئه » (ص ١٢٧ - ١٢٨) ، وقال :
(( وبهذا نأخذ إذا كان الإمام مقيماً والرجل مسافر ، وهو قول أبي حنيفة
رحمه الله )).
وقوله: ((إذا كان الإمام مقيماً ... )) مفهومه - ومفاهيم المشايخ معتبرة
عندهم ! - أن الإمام إذا كان مسافراً فأتم - كما يفعل بعض الشافعية -، أنّ المسافر
المقتدي خلفه يقصر ولا يتمّ ، وهذا خلاف ما فعله ابن عمر رضي الله عنهما،
وتبعه على ذلك غيره من الصحابة ، منهم عبد الله بن مسعود - الذي يتبنى
الحنفية غالب أقواله - فإنّه مع كونه كان ينكر على عثمان ◌َاللهُ إتمامه الصلاة في
منى، ويعيب ذلك عليه كما في «الصحيحين)) ، فإنّه مع ذلك صلّى أربعاً كما
في ((سنن أبي داود)) (١٩٦٠)، و((البيهقي)) (٣ / ١٤٤) من طريق معاوية بن
قرّة عن أشياخه أنّ عبد الله صلى أربعاً ، قال : فقيل له : عبت على عثمان ثم
صليت أربعاً ؟! قال : الخلاف شرّ.
وهذا يحتمل أنّه صلاها أربعاً وحده ، ويحتمل أنّه صلاها خلف عثمان ،
ورواية البيهقي صريحة في ذلك ، فدلالتها على المراد دلالة أولوية ، كما لا يخفى
على العلماء .
ومنهم سلمان الفارسي ، فقد روى أبو يعلى الكندي قال :
* في غزاة ، وكان
« خرج سلمان في ثلاثة عشر رجلاً من أصحاب النبي
٣٨٨
سلمان أسنّهم ، فأقيمت الصلاة ، فقالوا : تقدّم يا أبا عبد الله ! فقال: ما أنا
بالذي أتقدّم؛ أنتم العرب؛ ومنكم النبي ﴿ ، فليتقدّم بعضكم ، فتقدّم بعض
القوم ، فصلى أربع ركعات ، فلما قضى الصلاة ، قال سلمان : ما لنا وللمربّعة ،
إنّما يكفينا نصف المربعة)) .
أخرجه عبد الرزاق (٤٢٨٣)، وابن أبي شيبة (٤٤٨/٢)، والطحاوي (١/
٢٤٢) بإسناد رجاله ثقات ، ولولا أنّ فيه عنعنة أبي إسحاق السبيعي واختلاطه
لصحّحت إسناده، فسكوت الشيخ عبد الله الغماري عنه في رسالته ((الرأي
القويم )) (ص ٣٠) ليس بجيد، لا سيّما وقد جزم بنسبته إلى سلمان في رسالته
الأخرى ((الصبح السافر)) (ص ٤٢) !!
هذا ولقد شذّ في هذه المسألة ابن حزم كعادته في كثير غيرها ، فقد ذهب إلى
وجوب قصر المسافر وراء المقيم، واحتجٌّ بالأدلّة العامة القاضية بأنّ صلاة المسافر
ركعتان ، كما جاء في أحاديث كثيرة صحيحة . وليس بخاف على أهل العلم أنّ
ذلك لا يفيد فيما نحن فيه ، لأنّ حديث الترجمة يخصِّص تلك الأحاديث
العامّة ، بمختلف رواياته ، بعضها بدلالة المفهوم ، وبعضها بدلالة المنطوق . ولا يجوز
ضرب الدليل الخاصّ بالعام ، أو تقديم العام على الخاص ، سواء كانا في الكتاب أو
في السنّة ، خلافاً لبعض المتمذهبة . وليس ذلك من مذهب ابن حزم رحمه الله ،
فالذي يغلب على الظنّ أنّه لم يستحضر هذا الحديث حين تكلم على هذه المسألة ،
أو على الأقل لم يطّلع على الروايات الدالّة على خلافه بدلالة المنطوق ، وإلا لم
يخالفها إن شاء الله تعالى ، وأما رواية مسلم فمن الممكن أن يكون قد اطلع عليها
ولكنّه لم يرها حجّة لدلالتها بطريق المفهوم ، وليس هو حجّة عنده خلافاً للجمهور،
ومذهبهم هو الصواب كما هو مبيّن في علم الأصول ، فإن كان قد اطّلع عليها ،
٣٨٩
فكان عليه أن يذكرها مع جوابه عنها ، ليكون القاريء على بيِّنة من الأمر.
وإنّ من غرائبه أنّه استشهد لما ذهب إليه ؛ بما نقله عن عبد الرزاق - وهو في
((مصنفه )) (٢ / ٥١٩) - من طريق داود بن أبي عاصم قال :
(( سألت ابن عمر عن الصلاة في السفر؟ فقال : ركعتان . قلت: كيف ترى
ونحن ههنا بمنى؟ قال: ويحك سمعت رسول الله ٤َ ﴿ وآمنت به ؟ قلت : نعم.
قال : فإنّه كان يصلي ركعتين . فصلِّ ركعتين إن شئت أو دع)) .
قلت : وسنده صحيح ، وقال عقبهُ :
(( وهذا بيان جليّ بأمر ابن عمر المسافر أن يصلي خلف المقيم ركعتين فقط)).
قلت : وهذا فهم عجيب ، واضطراب في الفهم غريب ، من مثل هذا الإمام
اللبيب ، فإنك ترى معي أنّه ليس في هذه الرواية ذكر للإمام مطلقاً ، سواء كان
مسافراً أم مقيماً. وغاية ما فيه أنّ ابن أبي عاصم بعد أن سمع من ابن عمر أنّ
الصلاة في السفر ركعتان ، أراد أن يستوضح منه عن الصلاة وهم - يعني الحجاج -
في منى: هل يقصرون أيضاً؟ فأجابه بالإيجاب ، وأنّ النبي {® كان يصلي فيها
ركعتين . هذا كلّ ما يمكن فهمه من هذه الرواية ، وهو الذي فهمه من خرّجها،
فأوردها عبد الرزاق في (( باب الصلاة في السفر)» في جملة أحاديث وآثار في
القصر، وكذلك أورده ابن أبي شيبة في باب ((من كان يقصر الصلاة )) من
((مصنفه)) (٢ / ٤٥١) .
وداود بن أبي عاصم هذا طائفي مكي ، فمن المحتمل أنّه عرضت له شبهة من
جهة كونه مكّياً ، والمسافة بينها وبين منى قصيرة ، فأجابه ابن عمر بما تقدّم ، وكأنّه
* قصر في منى هو ومن كان معه من المكيِّين الحجاج . والله
يعني أنّ النبي
أعلم .
٣٩٠
1
وإنّ مما يؤكد خطأ ابن حزم في ذلك الفهم ما سبق ذكره بالسند الصحيح عن
ابن عمر أنه كان إذا صلّى في مكة ومنى لنفسه قصر ، وإذا صلى وراء الإمام صلى
أربعاً . فلو كان سؤال داود عن صلاة المسافر وراء المقيم ، لأفتاه بهذا الذي ارتضاه
لنفسه من الإتمام في هذه الحالة ، ضرورة أنه لا يعقل أن تخالف فتواه قوله ، ويؤيّد
هذا أنّه قد صحّ عنه أنّه أفتى بذلك غيره، فروى عبد الرزاق (٢/ ٥٤٢ / ٤٣٨١)
بسند صحيح عن أبي مجلز قال : قلت لابن عمر : أدركت ركعة من صلاة
المقيمين وأنا مسافر؟ قال : صلِّ بصلاتهم .
أورده في ((باب المسافر يدخل في صلاة المقيمين )) . وذكر فيه آثاراً أخرى
عن بعض التابعين بمعناه ، إلا أنّ بعضهم فصّل ، فقال في المسافر يدرك ركعة من
صلاة المقيمين في الظهر: يزيد إليها ثلاثاً ، وإن أدركهم جلوساً صلى ركعتين . ولم
يرو عن أحد منهم الاقتصار على ركعتين على كلّ حال كما هو قول ابن حزم !
وأما ما ذكره من طريق شعبة عن المغيرة بن مقسم عن عبد الرحمن بن تميم
ابن حذلم قال :
(( كان أبي إذا أدرك من صلاة المقيم ركعة وهو مسافر صلّى إليها أخرى ، وإذا
أدرك رکیتین اجتزاهما )» ، وقال ابن حزم :
((تميم بن حذلم من كبار أصحاب ابن مسعود ◌َالله)).
قلت : نعم ، ولكنّه مع شذوذه عن كلّ الروايات التي أشرت إليها في الباب
وذكرنا بعضها ، فإنّ ابنه عبد الرحمن ليس مشهوراً بالرواية ، فقد أورده البخاري في
((التاريخ)) (٢٦٥/١/٣)، وابن أبي حاتم (٢١٨/٢/٢)، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا
تعديلاً، وذكر ابن أبي حاتم أنّه روى عنه أبو إسحاق الهمداني أيضاً، وذكره ابن
حبّان في ((الثقات)) (٦٨/٧) برواية المغيرة. وهذا قال فيه الحافظ في ((التقريب)):
٣٩١
(( كان يدلِّس )).
وذكر أيضاً من طريق مطر بن فيل عن الشعبي قال :
((إذا كان مسافراً فأدرك من صلاة المقيم ركعتين اعتدّ بهما)).
ومطر هذا لا يُعْرف .
وعن شعبة قال : سمعت طاوساً وسألته عن مسافر أدرك من صلاة المقيم
ركعتين؟ قال: ((تجزيانه)).
قلت : وهذا صحيح إن سلم إسناده إلى شعبة من علّة ، فإن ابن حزم لم
يسقه لننظر فيه .
وجملة القول أنّه إن صحّ هذا وأمثاله عن طاوس وغيره ، فالأخذ بالآثار
المخالفة لهم أولى لمطابقتها لحديث الترجمة وأثر ابن عمر وغيره . والله أعلم .
من خُلقه
وتواضعه وفضل الموفين
٢٦٧٧ - ( أولئك خيارُ عباد الله عندَ الله يوم القيامة: الموفون
الْمُطَيِّبون) .
أخرجه أحمد (٦ / ٢٦٨)، والبزار (١٣٠٩) عن ابن إسحاق : حدثني
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت :
ابتاع رسول الله :﴿ من رجل من الأعراب جزوراً - أو جزائر - بوسق من تمر
* إلى بيته والتمس له
الذُّخْرة (وتمر الذخرة : العجوة) ، فرجع به رسول الله
فقال له :
التمر فلم یجده ، فخرج إليه رسول الله
(( يا عبد الله ! إنّا قد ابتعنا منك جزوراً - أو جزائر - بوسق من تمر الذخرة ،
٣٩٢
- --
۔۔
فالتمسناه فلم نجده )) قال : فقال الأعرابي : واغدراه! قالت : فهمَّ الناس وقالوا :
؟! قالت: فقال رسول الله عَ ليه :
قاتلك الله ، أيغدر رسول الله
(( دعوه ، فإنّ لصاحب الحق مقالاً)).
ثم عاد رسول الله ﴿﴿ فقال: (( يا عبد الله ! إنا ابتعنا منك جزائر ونحن نظنّ
أنّ عندنا ما سمّينا لك، فالتمسناه فلم نجده )) ، فقال الأعرابي: واغدراه ! فَنَهَمَهُ
المُ: (( دعوه ،
. ؟! فقال رسول الله
الناس وقالوا : قاتلك الله ، أيغدر رسول الله
فإنّ لصاحب الحق مقالاً))، فردّد رسول الله عَ لَهُ ذلك مرّتين أو ثلاثا، فلمّا رآه لا
يفقه عنه قال لرجل من أصحابه : اذهب إلى خولة بنت حكيم بن أمية فقل لها :
رسول الله :﴿ ﴿ يقول لك : إن كان عندك وسق من تمر الذخرة فأسلفيناه حتى نؤدِّيه
إليك إن شاء الله ، فذهب إليها الرجل ، ثم رجع فقال : قالت : نعم ، هو عندي یا
رسول الله! فابعث من يقبضه ، فقال رسول الله عَ ليه للرجل : اذهب به فأوفه
الذي له. قال: فذهب به فأوفاه الذي له. قالت: فمرَّ الأعرابي برسول الله عَلُ
وهو جالس في أصحابه . فقال : جزاك الله خيرا ، فقد أوفيت وأطيبت . قالت :
فقال رسول الله مح لل : فذكره .
قلت : وهذا إسناد حسن رجاله كلّهم ثقات رجال الشيخين ؛ غير ابن
إسحاق - وهو محمد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة - وهو حسن الحديث إذا
صرّح بالتحديث ، فقد فعل كما ترى ، فثبت الحديث والحمد لله .
وقال الهيثمي (١٤٠/٤) :
((رواه أحمد والبزّار، وإسناد أحمد صحيح))!
ونقله عنه الشيخ الأعظمي في تعليقه على (( الكشف )) وأقرّه ! وذلك مما يدلّ
٣٩٣
القارىء على ضآلة علمه ، وقلّة معرفته بهذا الفن، وضيق باعه فيه ، فإنّه لم يبيّن
سبب التصحيح لسند أحمد دون سند البزّار ، ألا وهو التحديث وعدمه ، وسكت
عن التصحيح ، وإنّما حقّه التحسين كما فعلنا ؛ للخلاف المعروف في ابن إسحاق ،
وجلّ تعليقاته من هذا النوع ، لا تحقيق فيها ولا علم ، وإنّما هو مجرّد النقل مما لا
يعجز عنه المبتدئون في هذا العلم كأمثاله من متعصّبة الحنفيّة وغيرهم ، ومع ذلك
لم يخجل بعضهم من السعي حثيثاً لترشيحه لنيل جائزة السُّنة لهذه السَّنة
(١٤٠٠) من الدولة السعودية تعصّباً منه له، وصدق من قال: (( إنّ الطيور على
أشكالها تقع ))! وإنّما حَظِيَ بها الأعظمي الآخر ، ولعلّها وجدت محلّها . ولله في
خلقه شؤون .
ثمّ إنّ قوله تعَّهُ: ((دعوه فإنّ لصاحب الحق مقالاً)). قد جاء في قصة أخرى
مختصراً من حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما ، وهو مخرّج في
(( أحاديث البيوع)).
قوله: (الذُّخرة): بمعنى الذخيرة، في ((اللسان)): (( والذخيرة : واحدة
الذخائر، وهي ما ادّخر ، وكذلك (الذخر)، والجمع: أذخار)).
ولم يعرفها الأعظمي فعلّق عليها بقوله :
(( كذا في الأصل مضبوطاً بالقلم، وفي ((النهاية)): الذخيرة نوع من التمر
معروف ))!
قلت : وهي مفسّرة في رواية أحمد بـ (العجوة) كما رأيت .
(الموفُون المطيِّبون) أي الذين يؤدُّون ما عليهم من الحق بطيب نفس .
٣٩٤
(نَهَمَهُ) أي زجره .
ثم وجدت له طريقاً أخرى ، فقال البزار (١٣١٠) : حدثنا معمر بن سهل :
ثنا خالد بن مخلد : ثنا يحيى بن عمير عن هشام به ، قال البزار نحوه . ثم قال :
(( لا نعلم أحداً رواه عن هشام إلا يحيى)).
قلت: قال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٧ /
٦٠١)، وقال الذهبي: ((صدوق)). وهذا هو المعتمد، فقول الحافظ: ((مقبول))؛
غير مقبول . وقد روى عنه أربعة من الثقات .
وسائر الرجال ثقات ، فالإسناد جيد ، والحديث به صحيح .
٢٦٧٨ - ( ألا عسى أحدُكم أن يضربَ امرأتَه ضربَ الأَمة ! ألا
خیرُ کم خیرُ کم لأَهلِه ).
أخرجه البزّار في (( مسنده » (رقم ١٤٨٤ - كشف الأستار) قال : حدثنا
زكريا بن يحيى الضرير: ثنا شبابة بن سوار : ثنا المغيرة بن مسلم عن هشام بن
عروة عن أبيه عن الزبير قال: قال رسول الله :﴿: فذكره ، وقال البزّار:
(( لا نعلم أحداً قال فيه: ((عن الزبير)) إلا مغيرة ، ولم نسمعه إلا من زكريا
عن شبابة عن مغيرة )) .
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٤ / ٣٠٣):
(( رواه البزّار عن شيخه زكريا بن يحيى بن أيوب الضرير ولم أعرفه، وبقيّة
رجاله رجال (الصحيح) )) .
٣٩٥
وأقرّه محقّق ((الكشف)) حبيب الرحمن الأعظمي كما هي عادته التي تدلّ
الباحثين على أنّه لا تحقيق عنده في هذا العلم ؛ إلا النّقل ، أما النّقد العلمي الحُرّ
فلا شيء عنده منه ، كما يدلّ على ذلك تعليقاته على بعض الكتب ، وبخاصة
منها ((مصنف عبد الرزاق)) رحمه الله ، فإنّ الواقف عليها لا يستفيد منها تصحيحاً
ولا تضعيفاً، وهو الغاية من علم المصطلح ورجاله ، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً
جداً ، وها هو واحد منها بين يديك ، فماذا تستفيد أيّها القارىء الكريم مما نقله عن
الهيثمي في هذا الحديث ؟ الصحّة ، أم الضعف ؟ لا شيء من ذلك ! ومع ذلك
ففيما نقله مؤاخذتان :
الأولى : إطلاق القول أنّ رجاله رجال (( الصحيح)) ليس بصحيح ، لأنّ
المغيرة بن مسلم إنّما أخرج ه البخاري في ((الأدب المفرد))، ولم يخرج له في
(( الصحيح)) لا هو ولا مسلم ! إلا أنّه ثقة ، ولم يضعّفه أحد .
والأخرى : أنّ زكريا بن يحيى الضرير شيخ البزّار، قد ترجمه الخطيب
البغدادي في (( التاريخ)) (٤٥٧/٨) برواية خمسة من ثقات البغداديين ، بعضهم
من الحفاظ المشهورين ؛ وهم: تمتام ، وابن صاعد ، والمحاملي ، وفاته الحافظ البزّار.
وهو وإن لم يذكر الخطيب فيه جرحاً ولا تعديلاً ، فمثله مقبول الحديث عند
العلماء ؛ كما يعرف ذلك من سبر تخاريجهم وتصحيحهم للأحاديث ، لا سيّما
وهو لم يرو منكراً ، فالشطر الأول من حديث الترجمة له شواهد كثيرة منها قوله
ـية: ((يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد! فلعلّه يضاجعها في آخر يومه)).
متفق عليه . وهو مخرج في (( الإرواء)) (٧ / ٩٧ / ٢٠٣١)، وفي معناه أحاديث
أخرى راجعها إن شئت في ((المشكاة)) (٣٢٤١ و٣٢٦٠ و٣٢٦١).
٣٩٦
۔۔
وأما الشطر الآخر منه فله شواهد كثيرة من حديث عائشة وابن عباس
وغيرهما ، وقد سبق تخريجها برقم (٢٨٥) .
٢٦٧٩ - ( من كنَّ له ثلاثَ بناتٍ يؤويهنّ ، ويرحمُهنّ ويكفلُهنّ
وجبَتْ له الجنةُ البتة . قيل : يا رسول الله ! فإن كانت اثنتين ؟ قال :
وإن كانت اثنتين . قال : فرأى بعضُ القوم أنْ لو قالوا له : واحدةً ؟
لقال : واحدةٌ ) .
أخرجه الإمام أحمد (٣ / ٣٠٣) : ثنا هشيم: أنا علي بن زيد عن محمد بن
المنكدر قال : حدثني جابر - يعني ابن عبد الله - قال : قال رسول الله
:
فذكره .
قلت : وهذا إسناد حسن في المتابعات ، ورجاله ثقات رجال الشيخين ؛ غير
علي بن زيد ، وهو ابن جدعان ، وفيه ضعف من قبل حفظه ، لكنّه لم يتفرّد به كما
يأتي .
والحدیث قال المنذري (٣ / ٨٤ - ٨٥) :
((رواه أحمد بإسناد جيّد، والبزّار، والطبراني في ((الأوسط))، وزاد:
(ويزوجهنّ) )) .
وكذا قال الهيثمي (٨ / ١٥٧)، إلا أنّه زاد قوله: ((من طرق)).
وقد فاتهما أبو يعلى ، فقد أخرجه في ((مسنده)) (٢ / ٥٩١) : حدثنا أبو
خيثمة : نا يزيد بن هارون : أنا سفيان بن حسين عن محمد بن المنكدر به .
كذا وقع في نسختنا منه لم يذكر ابن جدعان ، وغالب الظنّ أنّه سقط من
الناسخ ، فإنّ سفيان هذا لم يذكروا له رواية عن محمد بن المنكدر ، وإنما يروي عن
٣٩٧
ابن جدعان، وهذا عن محمد كما تراه في «مسند أحمد »، وكما ذكروا في
تراجم هؤلاء الثلاثة .
ثم إنّ في تجويد إسناد أحمد نظراً ؛ لما ذكرنا من حال ابن جدعان ، إلا إذا
كان المراد أنّه جيّد لغيره فنعم، فإنّه قد توبع عند البزار وغيره، فقال في ((مسنده))
(رقم ١٩٠٨) - ((كشف الأستار)): حدثنا محمد بن كثير ابن بنت يزيد بن
هارون : ثنا سرور بن المغيرة أبو عامر الواسطي : ثنا سليمان التيمي عن محمد بن
المنكدر عن جابر بن عبد الله عن النبي :﴿ ، وحدثنا عمرو بن علي : ثنا حاتم بن
وردان : ثنا علي بن زيد عن محمد بن المنكدر عن جابر به . وقال البزار:
(( لا نعلم رواه هكذا إلا سليمان وعلي بن زيد ، ولم نسمعه إلا من محمد
عن سرور)) .
قلت : وبالإسناد الأول أخرجه بحشل في (( تاريخ واسط)) (ص ٩٢) : ثنا
محمد بن كثير بن نافع الثقفي ابن بنت يزيد بن هارون قال : ثنا سرور بن
المغيرة به .
أورده في ترجمة سرور هذا وكنّاه أبا عامر، لم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ؛
كعادته. وقال ابن سعد في ((الطبقات)) (٧ / ٣١٥) :
((كان يروي التفسير عن عباد بن منصور عن الحسن ، وكان معروفاً )).
وذكر أنّه ابن المغيرة بن زاذان ابن أخي منصور بن زاذان ، وکذلك ذکر ابن
أبي حاتم في (( الجرح والتعديل)) (٢ / ١ / ٣٢٥)، وقال:
((روى عن عباد بن منصور. روى عنه أبو سعيد أحمد بن داود الحدّاد،
سألت أبي عنه ؟ فقال : شيخ )) .
٣٩٨
وذكره ابن حبّان في ((الثقات)»، وقال (٨ / ٣٠١):
((روى عنه أبو سعيد الحدّاد الغرائب)).
وقال في مكان آخر (٦ / ٤٣٧) :
(( ... روى عنه الواسطيّون)).
ونقله عنه الحافظ في ((اللسان)). ومن الغريب، أنّه لم يذكر في هذه
الترجمة كل ما نقلته آنفاً عن ابن أبي حاتم ومن قبله !
وأما محمد بن كثير ابن بنت يزيد بن هارون فلم أقف الآن على ترجمة له
فيما بين يديّ من المصادر ، وقد عرفت مما سبق أنّه من شيوخ البزار وبحشل ، وقد
روى هذا له أحاديث أخرى (ص ١٦٠ و ٢٠٥) ويبدو أنه ليس واسطياً ، فقد ترجم
لجماعة كثيرة من شيوخه في آخر الكتاب (ص ٢١٨ - ٢٩٢) ، وليس هو فيهم ،
فلعلّه بصري . والله أعلم .
ثم رأيت في المكان الآخر من ((الثقات)):
(« أصله من البصرة ، سكن واسط )).
وبالجملة ؛ فهذه الطريق تقوِّي رواية ابن جدعان ، لا سيّما وللحديث شواهد
كثيرة تقدَّم ذكر جملة طيِّبة منها برقم (٢٩٤ و٢٩٧) .
٢٦٨٠ - (ما من امرأة تقدّم ثلاثاً من الولد تحتسبهنّ إلا دخلت
الجنةُ . فقالت امرأةٌ منهنّ : أو اثنان ؟ قال : أو اثنان) .
أخرجه الإمام أحمد (٢ / ٢٤٦) : ثنا سفيان : ثنا سهيل بن أبي صالح عن
أبيه عن أبي هريرة :
٣٩٩
جاء نسوة إلى رسول الله :﴿ فقلن : يا رسول الله ! ما نقدر عليك في
مجلسك من الرجال ، فواعدنا منك يوماً نأتيك فيه . قال :
((موعدكن بيت فلان)).
وأتاهنّ في ذلك اليوم ، ولذلك الموعد. قال : فكان مما قال لهنّ ، يعني :
فذكره .
قلت : وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم ، و(سفيان) هو ابن عيينة،
وقد أخرجه في ((صحيحه)) (٨ / ٣٩) من طريق أخرى عن سهيل به مختصراً ،
ولفظه :
إنّ رسول الله
قال لنسوة من الأنصار :
((لا يموت لإحداكنّ ثلاثة من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنّة)). فقالت
امرأة منهنّ : أو اثنين يا رسول الله؟ قال :
(( أو اثنين)) .
وهو رواية لأحمد (٢ / ٣٧٨) .
والحديث في «الصحيحين)) من حديث أبي سعيد نحوه ، وهو في كتابي
(( مختصر صحيح البخاري)) (٩٦ - كتاب / ٩ - باب) ، وقد مضى تحت
الحديث (٢٣٠٢) .
وفيه فوائد كثيرة ؛ أذكر بعضها :
١ - أنّ من مات له ولدان دخل الجنة وحجباه من النار ، وليس ذلك خاصاً
بالإناث آباءً وأولاداً؛ لأحاديث أخرى كثيرة تعمّ الجنسين ، وتجد جملة طيبة منها
في ((الترغيب والترهيب)) (٣ / ٨٩ - ٩١)، ويأتي بعد هذا أحدها .
٤٠٠