Indexed OCR Text
Pages 601-620
رأيته، ولم أكتب عنه شيئاً)).
وضعفه غيره، وأما ابن حبان فذكره في ((الثقات)) (٩ / ٢٧٩)!
والطيب بن سليمان خير منه، فقد وثقه ابن حبان (٨ / ٣٢٨)، والطبراني أيضاً،
وقال الدارقطني :
((ضعيف)) .
لكن يشهد للحديث نهيه وَّ عبدَ الله بن عمرو أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث،
وقوله {مَلآد:
((من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه)).
وهو ثابت صحيح عنه وَلا، وهو مخرج في ((صفة الصلاة)) (ص١١٨ - ١١٩ الطبعة
السابعة).
وانظر الحديث (١٥١٢ و١٥١٣)، وما ذكر تحتهما.
ولا يشكِل على هذا ما ثبت عن بعض السلف مما هو خلاف هذه السنة
الصحيحة، فإن الظاهر أنها لم تبلغهم. وما أحسن ما قال الإِمام الذهبي رحمه الله تعالى
في ترجمة الحافظ وكيع بن الجراح، في كتابه العظيم ((سير أعلام النبلاء)) (٧ / ٣٩
/ ٢) وقد روى عنه أنه كان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة:
((قلت: هذه عبادة يخضع لها، ولكنها من مثل إمام من الأئمة الأثرية مفضولة،
فقد صح نهيه عليه السلام عن صوم الدهر، وصح أنه نهى أن يقرأ القرآن في أقل من
ثلاث، والدين يسر، ومتابعة السنة أولى، فرضي الله عن وكيع، وأين مثل وكيع؟ ومع هذا
فكان ملازماً لشرب نبيذ الكوفة الذي يسكر الإكثار منه، وكان متأولاً في شربه، ولو تركه
تورعاً لكان أولى به، فإن من توقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. وقد صح النهي
والتحريم للنبيذ المذكور، وليس هذا موضع هذه الأمور، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك،
فلا قدوة في خطإ العالم، نعم، ولا يوبخ بما فعله باجتهاد، نسأل الله المسامحة)).
٦٠١
من قصة موسى مع الخضر عليهما السلام
٢٤٦٧ - (لمَّا لَقِيَ موسى الخَضِرَ عليهِما السلامُ، جاءَ طَيْرٌ، فألقى
مِنْقَارَهُ في الماءِ، فقالَ الخَضِرُ لِموسى: تَدْري ما يَقولُ هذا الطَّيرُ؟ قالَ:
وما يَقولُ؟ قالَ: يقولُ: ما عِلْمُكَ وعلمُ موسى في عِلْمِ الله إلا كما أَخَذَ
مِنْقاري مِن الماءِ).
أخرجه الحاكم (٢ / ٣٦٩): حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه: ثنا أبو
عمران موسى بن هارون بن عبد الله الحافظ: حدثني أبي : ثنا أبو داود الطيالسي : ثنا ابن
عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني
أبي بن كعب أن النبي ◌َ ◌ّ قال: فذكره. وقال:
((صحيح على شرط الشيخين))، ووافقه الذهبي، وأقره السيوطي في (الدر المنثور))
(٤ / ٢٣٤).
وأقول: إنما هو على شرط مسلم وحده، فإن أبا داود الطيالسي وهارون بن
عبد الله - وهو الحمال - لم يحتج بهما البخاري.
وأما موسى بن هارون، وابن بالويه، فليسا من رجالهما، وموسى ثقة حافظ كبير،
كما قال الحافظ، وأورده تمييزاً.
وأما ابن بالويه، فترجمه الخطيب (١ / ٢٨٢) وقال:
((حدثنا عنه أبو بكر البرقاني، وسألته عنه؟ فقال: ((ثقة)). مات سنة أربع وسبعين
وثلاثمائة. وهو ابن أربع وتسعين سنة)).
والحديث قطعة من قصة الخضر مع موسى عليهما الصلاة والسلام في
((الصحيحين))، و((زوائد أحمد)) (٥ / ١١٧ - ١١٨)، لكنهم لم تقع لهم هذه القطعة
بهذا التمام، ولذلك خرجتها .
٦٠٢
امتحان من لم تبلغه الدعوة يوم القيامة
٢٤٦٨ - (يُؤْتِى بأربعةٍ يومَ القيامةِ؛ بالمولودِ، وبالمَعْتوهِ، وبمَن
ماتَ في الفَتْرَةِ، والشيخِ الفاني، كلُّهُم يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ، فيقولُ الرَّبُّ
تباركَ وتعالى لِعُنُقٍ مِن النّارِ: ابْرُزْ، فيقولُ لهُم: إِنِّي كُنْتُ أَبْعَثُ إلى
عِبادي رُسُلًا مِن أَنْفُسِهم، وإِنِّي رسولُ نَفْسي إليكُم، ادْخُلُوا هذه، فيقولُ
مَن كُتِبَ عليهِ الشَّقاءُ: ياربِّ! أينَ نَدْخُلُها ومنها كُنَّا نَفِرُّ؟ قالَ: ومَن كُتِبَ
عليهِ السَّعادةُ يَمضي فَيَقْتَحِمُ فيها مُسْرِعاً، قالَ: فَيَقولُ تَبَارَكَ وتَعالى: أَنْتُم
لِرُسُلِي أَشَدُّ تَكْذيباً ومَعْصِيَةً، فَيُدخِلُ هؤلاءِ الجَنَّةَ، وهؤلاءِ النَّارَ).
روي من حديث أنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، ومعاذ بن جبل، والأسود
ابن سريع، وأبي هريرة.
١ - أما حديث أنس؛ فيرويه جرير عن ليث عن عبد الوارث عنه مرفوعاً به .
أخرجه أبو يعلى (٣ / ١٠٤٤ - ١٠٤٥)، والبزار (ص٢٣٢ - ٢٣٣ - زوائده).
قلت: وقال الهيثمي (٧ / ٢١٦) بعد أن عزاه إليهما:
((وفيه ليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح)).
کذا قال! وفيه نظر من وجهين :
الأول: أن ليثاً هذا لم أر من اتهمه بالتدليس، وإنما هو معروف بأنه كان اختلط.
ولذلك جزم في ((زوائد البزار)) بأنه ضعيف.
وقال الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق، اختلط أخيراً، ولم يتميز حديثه فترك)).
والآخر: أن عبد الوارث شيخ الليث - الظاهر أنه مولى أنس بن مالك الأنصاري -
٦٠٣
قال في ((الجرح والتعديل)) (٣ / ١ / ٧٤):
((روى عن أنس، روى عنه يحيى بن عبد الله الجابر، وجابر الجعفي، وقطري
الخشاب، وأبو هاشم، وسلمة بن رجاء قال أبي: هو شيخ)).
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٥ / ١٣٠) من رواية مختار بن أبي مختار عنه. وأما
الدارقطني فضعفه كما في ((الميزان))، ولم أر أحداً ذكر أنه من رجال ((الصحيح))، ولعل
الهيثمي توهم أنه عبد الوارث بن سعيد التميمي العنبري مولاهم؛ فإنه من رجال
((الشيخين))، لكنه يروي عن أنس بواسطة عبد العزيز بن صهيب وغيره. والله تعالى
أعلم.
٢ - أما حديث أبي سعيد الخدري؛ فيرويه فضيل بن مرزوق عن عطية عنه مرفوعاً
نحوه، ولم يذكر الشيخ الفاني .
أخرجه البغوي في ((حديث ابن الجعد)) (ق٩٤ / ١) والبزار أيضاً، وقال:
((لا نعلمه من حديث أبي سعيد إلا عن فضيل، وعطية ضعيف)).
٣ - وأما حديث معاذ؛ فلفظه :
((يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلاً، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيراً، فيقول
الممسوخ عقلًا: يا رب! لو آتيتني عقلاً ما كان من آتيته عقلاً بأسعد بعقله مني، ويقول
الهالك في الفترة: يا رب! لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه منك عهد بأسعد بعهده مني .
ويقول الهالك صغيراً: لو آتيتني عمراً ما كان من آتيته عمراً بأسعد من عمره مني. فيقول
الرب تبارك وتعالى: إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم وعزتك، فيقول: اذهبوا
فادخلوا النار، فلو دخلوها ما ضرتهم، فيخرج عليهم قوابس يظنون أنها قد أهلكت ما
خلق الله من شيء، فيرجعون سراعاً، فيقولون: خرجنا يا رب! نريد دخولها، فخرجت
علينا قوابس ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيأمرهم الثانية، فيرجعون كذلك
يقولون مثل قولهم، فيقول الله تبارك وتعالى: قبل أن تخلقوا علمت ما أنتم عاملون وإلى
٦٠٤
١
ـ
علمي تصيرون، فتأخذهم النار)).
قال الهيثمي :
((رواه الطبراني في ((الأوسط)) و ((الكبير))، وفيه عمرو بن واقد، وهو متروك عند
البخاري وغيره، ورمي بالكذب.
وقال محمد بن المبارك الصوري :
كان يتبع السلطان، وكان صدوقاً، وبقية رجال ((الكبير)) رجال الصحيح)).
وهو في ((المعجم الكبير)) (٢٠ / ٨٣ / ١٥٨) بإسنادین له عن عمرو به.
٤ و٥ - وأما حديث الأسود وأبي هريرة؛ فقد سبق تخريجهما برقم (١٤٣٤) وليس
فيهما ذكر المولود، والمقصود به مَن كان أبواه من الكفار.
أمره وَلّ أهله بالتمتع بالعمرة إلى الحج
٢٤٦٩ - (يا آلَ محمَّدٍ! من حَجَّ منكُمْ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فِي حَجَّةٍ).
أخرجه الطحاوي في ((شرح المعاني)) (١ / ٣٧٩)، وابن حبان (٩٨٧ و ٩٨٨)،
وأحمد (٦ / ٢٩٧ و٣١٧)، وأبو يعلى (٤ / ١٦٦٩ - ١٦٧٠) من طرق عن يزيد بن
أبي حبيب قال: حدثني أبو عمران الجوني أنه حج مع مواليه، قال: فأتيت أم سلمة
فقلت: يا أم المؤمنين! إني لم أحج قط، فبأيهما أبدأ؛ بالحج أو بالعمرة؟ قالت: إن
شئت فاعتمر قبل أن تحج، وإن شئت فبعد أن تحج. فذهبت إلى صفية، فقالت لي مثل
ذلك، فرجعت إلى أم سلمة، فأخبرتها بقول صفية، فقالت أم سلمة: سمعت رسول الله
ر* يقول: فذكره.
قلت: وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، غير أبي عمران
الجوني - واسمه أسلم - وهو ثقة.
٦٠٥
٢٤٧٠ - (إنّ من المؤمنينَ من يلينُ لي قلبُهُ).
أخرجه الإمام أحمد (٥ / ٢٦٧): ثنا حيوة: ثنا بقية: ثنا محمد بن زياد حدثني
أبو راشد الحبراني قال:
((أخذ بيدي أبو أمامة الباهلي، قال: أخذ بيدي رسول الله وَ لّ فقال لي: يا أبا
أمامة! إن ... )) الحديث.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وبقية إنما يخشى منه التدلیس، وقد
صرح بالتحديث، فأمنا بذلك تدليسه.
(تنبيه): انقلب هذا الحديث على الحارث المحاسبي؛ فأورده في كتابه ((رسالة
المسترشدين)) (ص٦٦) بلفظ :
((له قلبي)). وعلق عليه محققه الشيخ عبد الفتاح أبو غدة الحنفي الكوثري بقوله :
((لم أقف عليه فيما رجعت إليه من المراجع الحديثية، فالله أعلم بثبوته)).
قلت: لورجع إلى ((المسند)) لوجده، بل لو أنه رجع إلى ما هو أقرب منالاً منه لوقف
عليه، فقد أورده الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١٠ / ٢٧٦) باللفظ الذي ذكره
المحاسبي، وقال الهيثمي :
((رواه الطبراني، ورجاله وثقوا)).
قلت: وفاته أنه في ((المسند)» باللفظ الأول، ثم رأيته قد أورده في مكان آخر (١ /
٦٣) باللفظ الأول، وقال:
(رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح)).
ولعل قوله: ((ورجاله وثقوا))، إنما هو لأن بقية لم يصرح بالتحديث في رواية
الطبراني، فإذا كان كذلك، فتلك فائدة أخرى؛ أن الإِمام أحمد أسند الحديث عن بقية
مصرحاً بالتحديث، فجزاه الله عن الحديث وأهله خيراً.
٦٠٦
ثم طبع ((المعجم الكبير» للطبراني، فرأيته قد أخرج الحدیث فيه بإسنادین له عن
بقية، صرح في أحدهما بالتحديث، فقال: (٨ / ١٢٢ / ٧٤٩٩): حدثنا أبو يزيد
يوسف بن يزيد القراطيسي : ثنا المعلى بن الوليد القعقاعي : ثنا بقية بن الوليد: ثنا محمد
ابن زياد ... باللفظ الآخر.
قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات غير القعقاعي هذا، فلم يوثقه غير ابن حبان (٩ /
١٨٢)، ومع ذلك قال فيه :
((ربما أغرب)).
ثم قال (٧٦٥٥): حدثنا أحمد بن خليد الحلبي: ثنا عبيد بن جناد: ثنا بقية بن
الولید عن محمد بن زیاد به .
قلت: وهذا رجاله ثقات أيضاً، غير أحمد هذا، فلم أجد له ترجمة .
فإذا صح هذا اللفظ؛ فيجمع بينه وبين الأول بنحوه: ((يلين لي قلبه، ويلين له
قلبي)). والله أعلم.
٢٤٧١ - (لِكلِّ شيءٍ حقيقَةٌ، وما بَلَغَ عبدٌ حقيقةَ الإِيمانِ حتى يَعْلَمَ
أنَّ ما أصابَهُ لم يكن ليُخْطِئَهُ، وما أَخطأُهُ لم يكنْ ليُصيبَهُ).
أخرجه أحمد (٦ / ٤٤١ - ٤٤٢)، والبزار (٨ - زوائده)، والقضاعي (٧٥ /١)،
وابن عساكر (٤ / ٣٣٢ / ١) من طريق أبي الربيع سليمان بن عتبة السلمي عن يونس
ابن ميسرة عن أبي إدريس عن أبي الدرداء عن النبي ◌َّ﴾. قال: فذكره. وقال البزار:
((إسناده حسن)).
وهو كما قال أو أعلى، فإن رجاله ثقات كلهم، لا كلام فيهم، غير سليمان بن
عتبة، وقد وثقه جماعة، وما قيل فيه فلا حجة له.
٦٠٧
ثم إن للحديث شواهد كثيرة، تقدم ذكر الكثير الطيب منها تحت الحديث
(٢٤٣٩) .
سبب نزول آية: ﴿وَلَقَدْ عِلِمِنَا المُستَقْدِمينَ مِنْكُم ولقَدْ عِلِمِنَا
المُستَأَخِرِينَ﴾(١).
٢٤٧٢ - (كَانت امرأةٌ تُصلِّي خلفَ النَّبِيِّ بَّهِ [حَسناءُ مِنْ] أجمل
النَّاس ، فكانَ ناسٌ يُصَلُونَ في آخِرٍ صُفُوفِ الرِّجالِ فينظُرُونَ إِليها،
فكانَ أَحدُهُم ينظُرُ إِليها مِنْ تحتِ إِبِطِهِ [إذا ركَعَ]، وكانَ أَحدُهُم يتقدَّمُ
إلى الصَّفِّ الأوَّلِ حتَّى لا يَرَاهَا، فَأَنْزَلَ الله عزَّ وجَلَّ هذهِ الآيةَ: ﴿وَلِقَدْ
عَلِمْنَا المُستَقدِمِينَ مِنْكُمْ ولقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَأْخِرِينَ﴾).
أخرجه أبو داود الطيالسي في («مسنده» (٢٧١٢): حدثنا نوح بن قيس قال: حدثني
عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس قال ...
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رجال مسلم، غير عمرو بن مالك
النكري، وهو ثقة، كما قال الذهبي في ((الميزان)) ذكره فيه تمييزاً، ووثقه أيضاً من صحح
حديثه هذا ممن یأتي ذکرهم.
وأخرجه البيهقي في ((سننه)) (٣ / ٩٨) من طريق الطيالسي، وأخرجه أحمد (١ /
٣٠٥)، والترمذي (٢ / ١٩١ - بولاق)، والنسائي (١ / ١٣٩)، وابن ماجه (١٠٤٦)،
وابن خزيمة في ((صحيحه)) (رقم ١٦٩٦ - ١٦٩٧)، وابن حبان (١٧٤٩)، والطبري في
(١) الحجر: ٢٤.
٦٠٨
((تفسيره)) (١٤ / ١٨)، والحاكم (٢ / ٣٥٣)، والبيهقي أيضاً من طرق أخرى عن نوح
ابن قيس به. وقال الحاكم:
((صحيح الإِسناد، وقال عمرو بن علي: لم يتكلم أحد في نوح بن قيس الطاحي
بحجة»، ووافقه الذهبي وقال:
«هو صدوق خرج له مسلم)).
وقال في («الميزان)):
((صالح الحال)).
قلت: لم يحك هو ولا الحافظ في ((التهذيب)) عن أحد من الأئمة تضعيفه إلا رواية
عن ابن معين، وهي مع كونها لا تصح عنه لأن أبا داود قال: ((بلغني عن يحيى أنه
ضعفه))، فهي معارضة برواية عثمان الدارمي عنه أنه ثقة. وهذه مع صحتها فهي المطابقة
لقول أحمد وسائر الأئمة الذين وثقوه. فهي العمدة.
وإذا عرفت هذا فقد أعل الحديث بالإِرسال، فقال الترمذي عقبه:
((وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء نحوه؛
لم يذكر فيه ((عن ابن عباس))، وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح)).
واعتمده الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) (٥ / ١٢ - ١٣)، وقال:
((حديث غريب جداً، وفيه نكارة شديدة)).
وهذا الإعلال ليس بشيء عندي، وذلك من وجوه.
أولاً: إرسال جعفر بن سليمان للحديث، ومخالفته لنوح بن قيس لا تضر، لأنه لو
كان في الثقة في مرتبة نوح؛ لورد هنا القاعدة المعروفة في علم المصطلح : زيادة الثقة
مقبولة. فكيف وهو دونه الثقة؟ فإنه وإن كان من رجال مسلم فقد ضعفه غير واحد من
الأئمة، منهم البخاري، فقال:
٦٠٠٩
«یخالف في بعض حديثه)).
وهذا وإن كان لا يسقط حديثه بالمرة، فإنه يسقطه عن المرتبة العليا من الصحة،
ويجعله لا يعتد به عند المخالفة، ولذلك قال الذهبي في ((الميزان)):
((وهو صدوق في نفسه، وينفرد بأحاديث عُدّتْ مما ينكر، واختلف بالاحتجاج
بها، منها (فساق أحاديث له، قال:) وغالب ذلك في (صحيح مسلم)).
وإذا كان الأمر كذلك، فوصل نوح بن أبي قيس مقدم على إرسال جعفر، لأنه أوثق
منه، ولأن الوصل زيادة من ثقة فيجب قبولها.
ثانياً: الغرابة التي أشار إليها منفية بمجيء أصل الحديث من طرق أخرى ولو
باختصار.
١ - فقال الحاكم عقب ما نقلته من كلامه السابق :
((وله أصل من حديث سفيان الثوري، أخبرناه أبو بكر الشافعي : ثنا إسحاق بن
الحسن: ثنا أبو حذيفة: ثنا سفيان عن رجل عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال : ﴿المُسْتَقْدِمينَ﴾: الصفوف المقدمة، ﴿والمُسْتَأْخِرِينَ﴾: الصفوف
المؤخرة)) .
٢ - روى الطبري عن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن رجل: أخبرنا عن مروان بن
الحكم أنه قال :
كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء، قال: فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا
المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمِ ولقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَأْخِرِينَ﴾.
٣ - وأخرج ابن مردويه عن داود بن صالح قال: قال سهل بن حنيف الأنصاري:
أتدرون فيم أنزلت: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُستَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ... ) الآية؟ قلت: في سبيل الله،
قال: لا، ولكنها في صفوف الصلاة. ذكره في ((الدر المنثور)) (٤ / ٩٧).
٦١٠
قلت: فهذه الروايات وإن كانت لا تخلو من ضعف؛ فبعضها يشد بعضاً، فهي
صالحة للاستشهاد، ويدل مجموعها على أن الآية الكريمة نزلت في صفوف الصلاة،
فأين الغرابة؟!
وإن كان المقصود بها غرابة المعنى ومباينة تفسير الآية بما دل عليه سبب النزول
لما قبلها من الآيات: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لواقِحَ فَأَنْزلنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأُسْقَيْنَاكُمُوهُ، وما أَنْتُمْ
لهُ بخازنينَ. وإنَّا لنحنُ نُحيي ونُميتُ ونحنُ الوارثُونَ. ولقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ ولقَدْ
علمنَا المُستَأْخِرِينَ . وإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُم ◌ِنَّهُ حَكِيمٌ عليمٌ﴾(١).
فالجواب: أن المعنى المستفاد من سبب النزول ليس مبايناً للعموم الذي تدل عليه
الآية بسباقها وسياقها، ومن المعلوم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال
العلامة الآلوسي في ((روح المعاني)) (٤ / ٢٩٠):
((ومن هنا قال بعضهم: الأولى الحمل على العموم، أي: علمنا من اتصف بالتقدم
والتأخر في الولادة والموت والإِسلام وصفوف الصلاة وغير ذلك)).
وهو يشير بذلك إلى الإِمام ابن جرير رحمه الله، فإنه اختار حمل الآية على العموم
المذكور ثم قال :
((وجائز أن تكون نزلت في شأن المستقدمين في الصف لشأن النساء،
والمستأخرين فيه لذلك، ثم يكون الله عز وجل عم بالمعنى المراد منه جميع الخلق،
فقال جل ثناؤه لهم: قد علمنا ما مضى من الخلق وأحصيناهم وما كانوا يعملون ومن هو
حي منكم، ومن هو حادث بعدكم أيها الناس! وأعمال جميعكم؛ خيرها وشرها،
وأحصينا جميع ذلك، ونحن نحشرهم جميعهم فنجازي كلا بأعماله إن خيراً فخيراً، وإن
شراً فشراً، فيكون ذلك تهديداً ووعيداً للمستأخرين في الصفوف لشأن النساء، ولكل من
تعدى حد الله وعمل بغير ما أذن له به، ووعداً لمن تقدم في الصفوف لسبب النساء،
(١) الحجر: ٢٢ - ٢٥.
٦١١
وسارع إلى محبة الله ورضوانه في أفعاله كلها)).
وهذا في غاية التحقيق كما ترى. جزاه الله خيراً.
ثالثاً: وأما النكارة الشديدة التي زعمها ابن كثير رحمه الله، فالظاهر أنه يعني أنه
من غير المعقول أن يتأخر أحد من المصلين إلى الصف الآخر لينظر إلى امرأة!
وجوابنا عليه؛ أنهم قد قالوا: إذا ورد الأثر بطل النظر، فبعد ثبوت الحديث لا مجال
لاستنكار ما تضمنه من الواقع، ولو أننا فتحنا باب الاستنكار لمجرد الاستبعاد العقلي للزم
إنكار كثير من الأحاديث الصحيحة، وهذا ليس من شأن أهل السنة والحديث، بل هو
من دأب المعتزلة وأهل الأهواء.
ثم ما المانع أن يكون أولئك الناس المستأخرون من المنافقين الذين يُظْهرون
الإِيمان ويبطنون الكفر؟ بل وما المانع أن يكونوا من الذين دخلوا في الإِسلام حديثاً، ولما
يتهذبوا بتهذيب الإِسلام، ولا تأدبوا بأدبه؟
٢٤٧٣ - (إنَّ الله عزَّ وجَلَّ يقولُ: يا ابنَ آدَمَ! إنْ تُعْطِ الفَضْلَ فَهُوَ
خَيْرٌ لَكَ، وإِنْ تُمْسِكْهُ فَهُوَ شَرِّ لكَ، وابدأُ بمَنْ تعولُ، ولا يلومُ الله على
الكَفَافِ، واليَدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفْلَى).
أخرجه أحمد (٢ / ٣٦٢): ثنا زيد بن يحيى الدمشقي: ثنا عبد الله بن العلاء بن
زبر قال: سمعت القاسم مولى يزيد يقول: حدثني أبو هريرة أنه سمع النبي ◌َّ قال:
فذكره.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات على ضعف في القاسم - وهو ابن
عبدالرحمن الشامي، أبو عبدالرحمن الدمشقي، مولى آل أبي سفيان بن حرب الأموي -
لكن لا ينزل حديثه عن مرتبة الحسن، وقد قيل: إنه لم يسمع من أحد من الصحابة إلا
من أبي أمامة، وهذا الإِسناد يرده، فقد صرح فيه بالتحديث عن أبي هريرة، وقد جزم
٦١٢
البخاري بأنه سمع علياً وابن مسعود، وقد ماتا قبل أبي هريرة بنحو عشرين سنة .
وللحدیث شاهد من حديث أبي أمامة مرفوعاً به .
أخرجه مسلم (٣ / ٩٤)، والترمذي (٢٣٤٤)، وأحمد (٥ / ٢٦٢) من طريق
عكرمة بن عمار: حدثنا شداد بن عبد الله قال: سمعت أبا أمامة به. وقال الترمذي :
(حديث حسن صحيح)).
قلت: عكرمة بن عمار فيه كلام أيضاً، فحديثه يتقوى بالطريق الأولى. والله تعالى
ولي التوفيق .
فضل صلة الرحم
٢٤٧٤ - (إنَّ الرَّحِمَ شِجْنَةٌ مِنَ الرَّحمن عزَّ وجَلَّ واصِلَةٌ، لها لسانٌ
ذَلِقٌ، تتكلَّمُ بما شاءَتْ، فمن وصلها وصلهُ الله، ومن قطعَها قطعَهُ الله).
أخرجه الطيالسي في ((مسنده)) (٢٥٥٠): حدثنا شعبة قال: حدثنا عثمان بن
المغيرة قال: حدثنا أبو العنبس قال: حدثنا عبد الله بن عمرو - بالوهط - قال:
عطف لنا رسول الله وَالر إصبعه فقال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله ثقات رجال البخاري، غير أبي العنبس - وهو
الثقفي - فقد وثقه ابن حبان، وروى عنه جماعة من الثقات، فمثله يحتج به في التابعين،
ولا سيما ولحديثه شواهد كثيرة تقدم بعضها برقم (١٦٠٢).
وقد تابعه قتادة عن أبي ثمامة الثقفي عن عبد الله بن عمرو به مرفوعاً نحوه.
أخرجه أحمد (٢ / ١٨٩، ٢٠٩) وغيره، ورجاله ثقات رجال مسلم، غير أبي
ثمامة الثقفي، وثَّقه ابن حبان (٥ / ٥٦٧)، وعزاه الهيثمي (٨ / ١٥٠) للطبراني أيضاً.
وراجع لشواهده ((تخريج الحلال والحرام)) (٤٠٥)، والحديث المتقدم برقم
٦١٣
(١٦٠٢ ).
(شُجنة): الشعبة من كل شيء؛ كما في ((المعجم الوسيط))، وهي بالضم
والكسر؛ كما في ((النهاية))، وفي الترغيب (٣ / ٢٢٦):
((قال أبو عبيد: يعني قرابة مشتبكة كاشتباك العروق)).
صحة صلاة الصبح بإدراك الركعة الأولى
٢٤٧٥ - (إِذا أَدْرَكْتَ ركعةً من صلاةِ الصُّبْحِ قبلَ أَن تطلُعَ
الشمس، [فَطَلَعَتْ]، فصَلِّ إِليها أُخرى).
أخرجه الطحاوي (١ / ٢٣٢)، والبيهقي (١ / ٣٧٩) والزيادة له، وأحمد (٢ /
٢٣٦ - ٤٨٩) عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن خِلاس عن أبي رافع عن أبي هريرة
أن رسول الله الحملة قال: فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وأعله الكوثري تعصباً لمذهبه
فقال في ((النكت الطريفة)) (ص٨٦):
((في سنده عنعنة ابن أبي عروبة وقتادة وهما مدلسان)).
قلت: تدليس قتادة قليل مغتفر، ولذلك مشاه الشيخان، واحتجا به مطاقاً، كما
أفاده الذهبي، وكأنه لذلك لم يترجمه الحافظ في ((التقريب)) بالتدليس، بل قال فيه:
((ثقة ثبت)) .
على أنه قد صرح بالتحدیث کما يأتي .
وابن أبي عروبة من أثبت الناس في قتادة، ومع ذلك فإنه لم يتفرد به، فقد تابعه
همام قال: سئل قتادة عن رجل صلى ركعتين من صلاة الصبح ثم طلع قرن الشمس؟
فقال: حدثني خلاس عن أبي رافع أن أبا هريرة حدثه: أن رسول الله وَّر قال: يتم
٦١٤
صلاته .
أخرجه أحمد (٢ / ٤٩٠)، والدارقطني (١٤٧)، والبيهقي أيضاً.
وهذا إسناد صحيح أيضاً.
وقد تعمد الكوثري تجاهل هذا الإِسناد الصحيح وغيره مما يأتي، تضليلاً للقراء،
فإنه مع إعلاله للإِسناد الأول بالعنعنة، أعلَّ متنه فقال:
((وأما حديث البيهقي (فليصل إليها أخرى) فقبل (الأصل: فبعد ولعله سبق قلمٍ
منه) طلوع الشمس بنصه، وكلامنا في الصلاة أثناء الطلوع))!
فتأتي هذه الرواية الثانية لترد عليه إسناداً ومتناً، فالإِسناد فيه التصريح بالتحديث.
والمتن فيه التصريح بأن ذلك في أثناء الطلوع .
بل إن الزيادة التي في الرواية الأولى عند البيهقي وأحمد (فطلعت) مما تجاهله
الكوثري أيضاً، ولعله توهم أن رواية البيهقي مثل رواية الطحاوي التي لم تقع فيها هذه
الزيادة، وإلا لما قال ما قال .
ولقتادة فيه شيوخ آخرون، فقال همام أيضاً: ثنا قتادة عن النضر بن أنس عن بشير
ابن نهيك عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ :
((من صلى من الصبح ركعة ثم طلعت الشمس فليصل إليها أخرى، وفي رواية :
فلیتم صلاته)).
أخرجه ابن حبان (١٥٧٩ - الإِحسان)، وأحمد (٢ / ٣٠٦، ٣٤٧، ٥٢١)
والدارقطني :
وهذا إسناد صحيح على شرطهما أيضاً.
وقال هشام الدستوائي : عن قتادة عن عزرة بن تميم عن أبي هريرة مثل الرواية
الأولى .
٦١٥
أخرجه الدارقطني والبيهقي. وعزرة هذا مقبول عند الحافظ عند المتابعة، وقد
تابعه جمع کما رأيت.
وتابعه أيضاً يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة: حدثني أبو هريرة مرفوعاً بلفظ:
((من صلى ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فلم تفته، ومن صلى ركعة
من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فلم تفته)).
أخرجه أحمد (٢ / ٢٥٤)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه
البخاري بنحوه، وقد مضى لفظه برقم (٦٦)، وزاد فيه بعضهم لفظ: ((أول)) في كل من
الصلاتین، فراجعه، وصححه ابن حبان (١٥٨٤).
وهذا أعله الكوثري أيضاً بعنعنة يحيى بن أبي كثير، متجاهلاً احتجاج الشيخين به
مطلقاً، واحتجاج البخاري بحديثه هذا خاصة، ولو كان ذلك علة قادحة في هذا الإِسناد
فلا يقدح في صحة الحديث لمجيئه من تلك الطرق الكثيرة الصحيحة؛ كما لا يخفى
على أهل العلم بهذا الفن الشريف.
وله طرق أخرى، فقال الطيالسي في ((مسنده)) (٢٣٨١): حدثنا زهير بن محمد
عن زيد بن أسلم عن الأعرج وبسر بن سعيد وأبي صالح عن أبي هريرة به مثل حديث
ابن أبي کثیر.
وهذا إسناد جيد رجاله رجال الشيخين. وصححه ابن حبان (١٥٨١).
وبعد جمع طرق الحديث يتبين لكل ذي عينين أن الحديث صريح الدلالة في
إيطال مذهب الحنفية القائلين بأن من طلعت عليه الشمس في صلاة الصبح بطلت ولو
أدرك منها ركعة! وقد تفننوا في التفصي من هذه الأحاديث، تارة بإعلال ما يمكن إعلاله
منها ولو بعلة غير قادحة، وتارة بتجاهل الطرق الصحيحة، كما فعل متعصب العصر
الحاضر الشيخ الكوثري، وتارة بادعاء نسخها بأحاديث النهي عن الصلاة عند طلوع
الشمس، وتارة بتخصيصها بالصبيان ونحوهم كما فعل الطحاوي وجرى خلفه الكوثري .
٦١٦
قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٢ / ٤٦) عقب الروايه الأولى:
((ويؤخذ من هذا الرد على الطحاوي حيث خص الإِدراك باحتلام الصبي وطهر
الحائض، وإسلام الكافر، ونحوها. وأراد بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح
ركعة تفسد صلاته؛ لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة. وهو مبني على أن الكراهة تتناول
الفرض والنفل، وهي خلافية مشهورة. قال الترمذي :
وبهذا يقول الشافعي وأحمد وإسحاق. وخالف أبو حنيفة فقال: من طلعت عليه
الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته. واحتج لذلك بالأحاديث الواردة في النهي
عن الصلاة عند طلوع الشمس، وادعى بعضهم أن أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث،
وهي دعوى تحتاج إلى دليل؛ فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين
ممكن بأن يحمل أحاديث النهي على مالا سبب له من النوافل، ولا شك أن التخصيص
أولى من ادعاء النسخ)).
٢٤٧٦ - (كُلُّ أَيَّامِ النَّشْرِيقِ ذَبْحٌ).
روي عن جبير بن مطعم، وعن رجل من أصحاب النبي وَّر، وعن أبي سعيد
الخدري أو أبي هريرة.
١ - أما حديث جبير بن مطعم؛ فيرويه سعيد بن عبد العزيز التنوخي، وقد اختلف
عليه في إسناده على وجوه :
الأول: رواه أبو المغيرة وأبو اليمان عنه قال: حدثني سليمان بن موسى عن جبير
ابن مطعم مرفوعاً به .
أخرجه أحمد (٤ / ٨٢)، والبيهقي (٩ / ٢٩٥)، وقال:
((هذا هو الصحيح، وهو مرسل)).
قلت: يعني أنه منقطع بين سليمان بن موسى وجبير بن مطعم، وقد وصله
٦١٧
بعضهم، وهو الوجه التالي :
الثاني: رواه أبو نصر التمار عبد الملك بن عبد العزيز القشيري: حدثنا سعيد بن
عبدالعزيز عن سليمان بن موسى عن عبدالرحمن بن أبي حسين عن جبير بن مطعم به .
أخرجه ابن حبان (١٠٠٨)، والبزار (١١٣٠ - الكشف)، والبيهقي، وقال:
((رواه سويد بن عبد العزيز - وهو ضعيف عند بعض أهل النقل - عن سعيد)).
قلت: ومما يؤيد ضعفه أنه خالف الثقات المتقدمين الذين رووه على الوجهين
السابقين، ورواه هو على الوجه الثالث الآتي ..
وعلة هذا الوجه الثاني، أن أبا نصر هذا؛ وإن كان ثقة من رجال مسلم، فقد خالف
الثقتین المذکورین في الوجه الأول، فزاد علیهما وصله بذکر عبد الرحمن بن أبي حسين
بين سليمان بن موسى وجبير بن مطعم؛ فوصله. فروايته شاذة، وقد أشار إلى ذلك
البيهقي بتصحيحه الرواية الأولى المنقطعة كما سبق.
ثم إن عبد الرحمن بن أبي حسين هذا، لم أعرفه، لكن ابن حبان ذكره على
قاعدته في ((الثقات))، وقال (٣ / ١٦٠):
((أحسبه والد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المدني)).
وقد توهم بعض القائمين على تحقيق المطبوعات أنه سقط من الإِسناد اسم ابنه،
فصحح نسخة ((موارد الظمآن)) المطبوعة والمحفوظة في ظاهرية دمشق بقلم الرصاص
فجعلها هكذا: (عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسین))!
وهذا خطأ محض، لاتفاق الروايتين، رواية الثلاثة المخرجين؛ ابن حبان،
والبزار، والبيهقي على أنه عبدالرحمن بن أبي حسين، لا عبدالله بن عبدالرحمن ...
ولإِيراد ابن حبان إياه في ((الثقات)).
ثم رأيت الزيلعي ذكره (٤ / ٢١٢) على الصواب من رواية ابن حبان، ثم قال:
٦١٨
((ورواه البزار في («مسنده))، وقال: ابن أبي حسين لم يلق جبير بن مطعم)).
الوجه الثالث: يرويه سويد بن عبد العزيز عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي عن
سلیمان بن موسی عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه به .
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١ / ٧٩ / ١)، والدارقطني (ص٥٤٤)،
والبيهقي، وضعفه بسويد كما تقدم قريباً، فهو علة الحديث من هذا الوجه، وقد أورده
البيهقي في مكان آخر (٥ / ٢٣٩) من الوجه الأول، ومن هذا الوجه، ثم قال:
((الأول مرسل، وهذا غير قوي؛ لأن راويه سويد، وقد رواه أبو معبد عن سليمان
عن عمرو بن دينار عن جبير)) .
قلت: وفي جزمه بأن أبا معبد رواه عن سليمان نظر بين لما سيأتي بيانه في الوجه
الرابع .
واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة مدارها كلها على سعيد بن عبد العزيز التنوخي، وهو
وإن كان ثقة إماماً، سوَّاه الإِمام أحمد بالإِمام الأوزاعي، فإنه كان اختلط في آخر عمره،
فلعله حدَّث به في اختلاطه، فاضطرب فيه كما رأيت، ومن الممكن أن يكون بعضها من
غيره كالوجه الثالث.
وقد رواه غيره موصولاً عن جبير على وجه آخر، وهو:
الوجه الرابع: يرويه أحمد بن عيسى الخشاب: ثنا عمرو بن أبي سلمة: ثنا أبو
مُعَيْد عن سلیمان بن موسی أن عمرو بن دینار حدثه عن جبير بن مطعم به .
أخرجه الدارقطني: حدثنا أبو بكر النيسابوري: نا أحمد بن عيسى الخشاب ..
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات، غير الخشاب هذا، وهو ضعيف، قال ابن
عدي :
«له مناکیر)) .
٦١٩
وقال الدارقطني :
((ليس بالقوي)).
وقال مسلمة :
«كذاب، حدث بأحاديث موضوعة)).
وقال ابن يونس :
(مضطرب الحدیث جدا))
وقال ابن حبان :
((يروي المناكير عن المشاهير، والمقلوبات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج بما
انفرد به» .
وقال ابن طاهر:
((كذاب يضع الحديث)).
قلت: فإذا عرفت هذا، يتبين لك خطأ البيهقي في قوله جازماً: ((وقد روى أبو مُعَيْد
عن سليمان بن موسى ... )) كما تقدم، لأن الجزم به يشعر بأن السند إلى أبي مُعيد
صحيح، فكيف وفي الطريق إليه هذا الضعيف المتهم؟! فمثله لا يصلح للاستشهاد،
بله الاحتجاج! ولعل الحافظ قلد البيهقي فيما سبق حين قال في (الفتح)) (١٠ / ٦):
((أخرجه أحمد، لكن في سنده انقطاع، ووصله الدارقطني، ورجاله ثقات))!
فإن الدارقطني لم يوصله إلا من هذه الطريق وطريق سويد الضعيف !!
٢ - عن رجل من أصحاب النبي ◌َّ. أخرجه البيهقي عن ابن جريج: أخبرني
عمرو بن دينار أن نافع بن جبير بن مطعم رضي الله عنه أخبره عن رجل من أصحاب النبي
* - قد سماه نافع فنسيته - أن النبي وَ لّ قال لرجل من غفار:
((قم فأذن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأنها أيام أكل وشرب أيام منى - زاد
٦٢٠