Indexed OCR Text
Pages 701-720
عبثاً .. )). رواه النسائي وغيره بسند ضعيف؛ لكن له شاهد، وهما مخرجان في ((غاية
المرام)» (٤٦ و ٤٧).
١٠٠٠ - (إنَّ الله معَ الدائنِ (أي: المَدِين) حتى يَقْضِيَ دَيْنَهُ؛ ما لم یکُنْ
فيما يَكْرَهُ الله).
أخرجه البخاري في ((التاريخ)) (٤٧٦/١/٢)، والدارمي (٢٦٣/٢)، وابن ماجه
(٧٥/٢)، والحاكم (٢٣/٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٤/٣)، والبيهقي في
((السنن)) (٣٥٥/٥)، وابن عساكر (١/٣٦/٩) من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي
فديك: ثنا سعيد بن سفيان مولى الأسلميين عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن
جعفر قال: قال رسول الله وَ لهو: فذكره، وزادوا إلا الحاكم:
((قال : وكان عبد الله بن جعفر يقول لخازنه: اذهب فخذ لي بدين؛ فإني أكره أن
أبيت ليلة إلا والله معي بعد ما سمعت من رسول الله وَلات)) فذكر الحديث. وقال الحاكم:
((صحيح الإِسناد)) ، ووافقه الذهبي.
وقال البوصيري في ((الزوائد)):
((إسناده صحيح)) .
وقال المنذري (٣٦/٣) :
((إسناده حسن)).
كذا قالوا! ورجاله رجال ((الصحيح))؛ غير سعيد بن سفيان قال الذهبي في
. ((الميزان)):
((لا یکاد یعرف، قواه ابن حبان».
قلت: يعني بذكره إياه في كتابه ((الثقات)) (٢٦٢/٨)، وذلك من تساهله الذي
عرف به، فإنه لا يعرف إلا برواية سعيد بن سفيان هذا.
- ٧٠١ -
وقال الحافظ في ((التقريب)):
((مقبول)). أي عند المتابعة .
ولم أقف له على متابع بهذا المتن أو السند، وإن كان له شواهد؛ فهو لذلك
صحيح المعنى، فانظر الحديث الآتي (١٠٢٩) بلفظ:
((من أخذ ديناً ... )).
ولعله لذلك قال الحافظ في ((الفتح)) (٥٤/٥) :
((إسناده حسن)).
انتهى المجلد الثاني من ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) والحمد لله تعالى، ويليه
إن شاء الله المجلد الثالث، وأوله:
١٠٠١ - (لا تَتَّخِذُوا المساجدَ طُرُقاً إلا .... ).
- ٧٠٢ -
الاستدراكات
١ - ٥٠٨ _ (يا نعايا العرب .. ).
ثم وجدت له شاهداً قوياً موقوفاً، أخرجه الحسين المروزي في ((زوائد الزهد))
(٣٩٣ / ١١١٤) قال:
أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن محمود بن الربيع عن شداد بن أوس أنه
قال حين حضرته الوفاة: فذكره، وتابعه صالح بن كيسان عن الزهري به .
أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٥ / ٣٣٣ / ٦٨٢٩).
وهذا إسناد صحيح، وهو أصح من المرفوع، وقد أشار إلى ذلك ابن أبي حاتم
في ((العلل)) (٢ / ١٢٤ / ١٨٦٤) عن أبيه. ولعله من الممكن أن يقال: إنه في حكم
المرفوع، وبخاصة أن شداداً قاله في حضرة وفاته .
والمرفوع عزاه الحافظ في ((المطالب العالية)) لأبي يعلى من الطريق المتقدمة
هناك عن عم عباد بن تميم به .
وليس هو في ((مسند أبي يعلى)) المطبوع، ولا عزاه إليه الهيثمي في ((مجمعه))،
فهو إذن في ((مسند أبي يعلى الكبير)).
ومن هذه الطريق أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٥ / ٣٣٢ / ٦٨٢٤). ثم رواه
(٦٨٢٥) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن جوتي: نا عبدالملك بن عبدالرحمن
الذَّماري: نا سفيان الثوري عن ابن أبي ذئب عن الزهري به .
- ٧٠٣ -
وإسحاق هذا من شيوخ الطبراني، وهو منكر الحديث كما قال ابن عدي رحمه
الله تعالى .
٢ - ٥٢٨ _ (لا تَلعن الريحَ، فإنها مأمورةٌ .. ).
لقد أشكل على بعض الطلبة تصحيح هذا الحديث من الحفاظ المذكورين
هناك، مع قول شعبة: ((لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث .. )) فذكرها،
وليس هذا منها.
وجواباً عليه أقول: إن هذا الحصر غير مسلم به عند العلماء؛ لأنه يخالف
الواقع، فقد سمع منه حدیثین آخرين :
أحدهما: رؤيته ◌َليم موسى عليه السلام ليلة المعراج؛ عند البخاري (٣٣٩٦)
ومسلم (١ / ١٠٥).
والآخر: دعاء الكرب، وهو في ((الصحيحين)) أيضاً، وصرح فيه بالتحديث في
رواية لمسلم (٨ / ٨٥) وأحمد (١ / ٣٣٩). وراجع ((تهذيب التهذيب)) و((فتح
الباري)) (١١ / ١٤٥ - ١٤٦).
٣ - ٥٤٨ - (لعن الله العقرب لا تدع مصلياً .. ).
ثم رأيت الحديث في ((مصنف ابن أبي شيبة)) المطبوع في الهند (ج ١٠ /
٤١٨ / ٩٨٥٠) مرسلاً كما كنت نقلته عن مخطوطة الظاهرية، لكن محقق المطبوعة
زاد في السند بين معكوفتين: [عن علي]. وأحال فيها على تعليق له على الحديث
نفسه تقدم (ج ٧ / ٤٠ / ٣٦٠٤)، وذكر هناك أن الزيادة وردت في ((الكنز / كتاب
الطب)) برمز (ش) وغيره عن علي.
فرجعت إلى ((الكنز)) فوجدته في المجلد العاشر صفحة (١٠٧ حديث
٢٨٥٤٤) عزاه لـ (ش، هب، والمستغفري في ((الدعوات)) وأبو نعيم في ((الطب)) عن
علي). وفي مكان آخر قريب (١٠٩ / ٢٨٥٤٨) عزاه لـ (طس وابن مردويه وأبو نعيم
- ٧٠٤ -
في ((الطب)) عنه). ثم رأيته قد ذكره في ((كتاب القصاص)) (ج ١٥ / ٤٥ / ٤٠٠١٥)
عزاه مختصراً دون القصة لـ (هب) عنه.
وبناء عليه؛ كان لا بد لي من التحقيق في صحة نسبة هذه الزيادة إلى ابن أبي
شيبة أولاً، ثم صحة ثبوتها عن عبد الرحيم بن سليمان ثانياً، فرأيت الحديث في ((كتاب
الطب)) لأبي نعيم (ق ٩٧ / ٢) و((شعب الإيمان)) للبيهقي (٢ / ٥١٨ / ٢٥٧٥)
أخرجاه من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة: ثنا عمي أبو بكر: ثنا عبدالرحيم بن
سليمان بزيادة: ((عن علي)).
فانكشف لي أن هذه الزيادة لا تصح عنهما؛ لأن محمد بن عثمان بن أبي شيبة
- وهو ابن أخي أبي بكر عبدالله بن أبي شيبة مؤلف ((المصنف)) - مع كونه من
الحفاظ؛ فقد اختلف فيه اختلافاً شديداً، فمن موثّق، وقائل: ((لا بأس به))، ومن
مكذّب له، وقائل: ((كان يضع الحديث))! وله ترجمة مبسطة في ((الميزان)) و((اللسان))
و («سير الأعلام)» (١٤ / ٢١ - ٢٣)، وقد أورده الذهبي في ((الضعفاء)) وقال:
«حافظ، وثقه جزرة، وكذبه عبدالله بن أحمد)).
قلت: وهو إلى هذا قد خالف الإِمام الحافظ الثقة الأجل بقي بن مخلد راوي
((المصنف)) عن ابن أبي شيبة، ولذلك فزيادته عليه منكرة لا تصح، فبقي الحديث
عن ابن الحنفية مرسلاً، يتقوى بمسند ابن مسعود المخرج هناك، وبالله تعالى
التوفيق .
٤ - ٧٠٤ - (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام .. ).
يلحق بآخر البحث الوارد تحته المتعلق برد السلام على الذمي ما يأتي :
ثم قرأ علي أحد إخواننا من كتاب ((أحكام أهل الذمة)) لابن قيم الجوزية (١ /
١٩٩ - ٢٠٠) ما يوافق تماماً هذا الذي قلته من الرد على أهل الكتاب بالشرط
المذكور، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
- ٧٠٥ -
٥ - ٧١٧ - (كان إذا اعتم سدل .. ).
يلحق بالصفحة (٣٣٥) بعد السطر (١٥):
وقد خالفهما أبو أسامة فقال: حدثنا عبيدالله بن عمر عن نافع قال :
کان ابن عمر یعتم ویرخيها بين كتفيه .
قال عبيدالله: أخبرنا أشياخنا أنهم رأوا أصحاب النبي وم لم يعتمون ويرخونها بين
أکتافھم .
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٨ / ٤٢٧ / ٥٠٢٨)، ومن طريقه
البيهقي في ((الشعب)) (رقم ٦٢٤٩) بسند صحيح .
٦ - ٧٦٤ - (إن آل أبي فلان .. ).
يُلحق بآخر التخريج :
ثم وجدت لمحمد بن عبدالواحد متابعاً آخر عند أبي عوانة في ((صحيحه))
(١ / ٩٦) من طريقين عن أبي العاصي - من ولد سعيد بن العاص - قال: حدثني
عنبسة بن عبدالواحد به .
لكنّ أبا العاصي هذا لم أعرفه، ولم يذكره الذهبي في كتابه ((المقتنى في
الكنى))، إلا أنني أخشى أن تكون هي كنية محمد بن عبدالواحد نفسه، فإن
عبد الواحد هو من ولد سعيد بن العاص؛ فإنه عنبسة بن عبدالواحد بن أمية بن عبدالله
ابن سعيد بن العاص الأموي، فإذا كان هو نفسه لم يصلح أن يكون متابعاً كما هو
ظاهر، ولكن هل يخرج من الجهالة بإخراج أبي عوانة له في «صحيحه؟)) موضع نظر.
والله أعلم.
إلا أن الزيادة التي جاء بها - وحاول تضعيفها - هي صحيحة؛ لأن لها شاهداً
من حديث أبي هريرة، رواه مسلم وغيره، وسيأتي تخريجه في هذه السلسلة برقم
(٣١٧٧).
- ٧٠٦ -
وقد تغافل عنه الأخ حسان عبدالمنان في تعليقه على ما طبع هو من كتاب
((رياض الصالحين)) للنووي، معللاً إياها بالجهالة المذكورة؛ مقتبساً إياها من
تخريجي المتقدم للحديث دون أن يشير إلى ذلك كما هي عادته، ودون أن يستدرك
عليّ ما به تتقوى الزيادة كهذا الشاهد؛ لأن همه تكثير سواد الأحاديث الضعيفة وانتقاد
من صححها؛ متشبثاً بما قد يبدو له من علة، ومعرضاً عما قد يقويها من المتابعات
والشواهد كما هو الشأن في هذه الزيادة، وهذا أمر ظاهر جلي في ((ضعيفته)) التي
طبعها في آخر طبعته لـ ((الرياض))، فقد ضعف فيها عشرات الأحاديث الصحيحة،
بعضها في ((الصحيحين)) أو أحدهما كهذا، والغريب أن الشاهد المذكور هو في طبعته
من ((الرياض)) قبيل هذا الحديث! فهل تعامى عنه قصداً تظاهراً بالتحقيق؛ أم كان
ذلك عن سهو منه؟ لقد كان المفروض أن نحسن الظن به، ولكن تصرفه السيىء في
((ضعيفته)) منعنا من ذلك، فقد رأيته ضعف فيها كثيراً من أحاديث ((مسلم)) بمثل هذا
التعامي ، فقد انتقد فيها (٥٥٨ / ١١٦) تصحيحي لحديث جابر: ((وجنبوه السواد))
في ((غاية المرام))، فأعله هو - محقاً - بعنعنة أبي الزبير، ولكنه تعامى أيضاً عن شاهده
من حديث أنس الذي أشرت إليه هناك، وقلت فيه :
((وهو مخرج في ((الأحاديث الصحيحة)) (٤٩٦)))!
وانظر الاستدراك الآتي (١١ و١٣) فهناك ترى أحاديث أخرى صحيحة
ضعفها، وبعضها في ((صحيح مسلم)) أيضاً!
٧ - ٨٠٨ - (بعثت في نسم الساعة).
ثم وقفت على خلافٍ وقع في إسناد الحديث، وذلك على وجهين :
الأول: في اسم راوي الحديث عن أبي جبيرة، فسماه ابن عيينة - كما تقدم
هناك - قيس بن أبي حازم .
وخالفه المسعودي فقال: عن إسماعيل عن الشعبي عن أبي جبيرة.
- ٧٠٧ -
أخرجه ابن جرير الطبري في ((تاريخه)) (١ / ٨). لكن المسعودي - واسمه
عبدالرحمن بن عبدالله - كان اختلط .
وخالفهما مروان بن معاوية فقال: عن إسماعيل عن شبيل بن عوف عن أبي
جبيرة .
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٢ / ٣٩٠ - ٣٩١) من طريق يعقوب
ابن حميد: ثنا مروان .. وقال الهيثمي (١٠ / ٣٩٠):
((رواه الطبراني بإسناد حسن)).
قلت: وهو كما قال للخلاف المعروف في يعقوب هذا. وأشار إلى ذلك الحافظ
فقال في «التقریب)):
(صدوق، ربما وهم)).
قلت: ولكن قد توبع من جمع، فروایته أرجح من رواية اللذين قبله، ولکنھم
قد خولفوا جميعاً، وهو الوجه التالي :
والوجه الآخر: أن جمعاً من الثقات قالوا: عن إسماعيل عن شبيل عن أبي
جبيرة عن أشياخ من الأنصار قالوا: سمعنا رسول اللـه وسلم .. فزاد: الأشياخ.
أخرجه الطبري في ((التاريخ)) (١ / ٨ - ٩) عن يزيد - وهو ابن هارون -
والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٢ / ٣٩١ / ٩٧٢) ومن طريقه أبو نعيم في
((الحلية)) (٤ / ١٦١) عن معتمر بن سليمان، كلاهما عن إسماعيل به ..
وتابعه غیرهما، فقال أبو نعيم عقبه :
((رواه أبو حمزة السكري، ومروان بن معاوية (الذي تقدم في الوجه الأول)
وغيرهم عن إسماعيل مثله)).
قلت: فهؤلاء الثقات جعلوا الحديث من مسند الأشياخ من الأنصار من رواية
- ٧٠٨ -
أبي جبيرة عنه، وليس من مسنده هو نفسه. وهذا هو الصحيح لاتفاق الجماعة عليه .
وهو للحديث أقوى؛ للخلاف في صحبة أبي جبيرة كما تقدم ذكره هناك.
٨ - ٨٣٩ - (أتاني جبريل فقال: يا محمد .. ).
ثم رأيت في ((تاريخ أبي زرعة الدمشقي)) (١ / ٤٤٢ / ١٠٩٤) أنه قال للحافظ
أحمد بن صالح المصري الطبري: ما تقول في مالك بن الخير الزبادي؟ قال:
(ثقة)) .
قلت: وهذه فائدة عزيزة - خلت منها كتب التراجم المعروفة - أطلعني عليها
الأخ علي الحلبي، تولاه الله وجزاه خيراً.
٩ - ٨٦٦ - (بئس مطية الرجل زعموا).
ثم وقفت على تخريج الشيخ شعيب لهذا الحديث في تعليقه على ((مشكل
الآثار)) (١ / ١٧٣ - ١٧٤)؛ تبنى فيه قول الحافظ بأنه منقطع، يعني: بين أبي قلابة
وأبي مسعود، وبينه وبين حذيفة، وبين وفاة هذين (٦٨) سنة. وبناء على ذلك توقف
الشيخ عن قبول تصريح أبي قلابة في إسناد الطحاوي بالتحديث، زاعماً أن التصريح
بالتحديث لم يرد في المصادر الأخرى التي وقف هو عليها، ثم ختم كلامه بتوهيمي
بإيرادي الحديث في ((الصحيحة)).
وجوابي عليه من وجوه :
أولاً: بطلان زعمه المذكور؛ لأنه قائم على إنكار الواقع الذي لم يحط به
علمه، فقد كنت ذكرت هناك من مصادر الحديث مخطوط ((المعرفة)) لابن منده؛ مع
ذكر المجلد والورقة والوجه! وسقت إسناده مسلسلا بالتحديث من الوليد بن مسلم إلى
أبي قلابة قال: نا أبو عبدالله. فهذا مصدر غير ((مشكل الطحاوي))، وفيه فائدة مهمة
جداً، وهي تصريح الوليد بالتحديث في الإِسناد في كل طبقاته، فَأَمِنَّا بذلك تدليسه
تدليس التسوية أولاً، وتحققنا من صحة سماع أبي قلابة من أبي عبدالله حذيفة
- ٧٠٩ -
للحديث ثانياً، ولذلك فتغاضي الشيخ شعيب عن هذه الحقيقة مما يتنافى مع الأمانة
العلمية؛ لما يترتب عليه من قلب الحقائق، وإظهار الحديث الصحيح بمظهر
الحديث المعلول!
ثانياً: لا يجوز - في نقدي - تقديم نفي السماع على إثباته لمخالفته القاعدة
المتفق عليها: ((المثبت مقدم على النافي))، ولا سيما والنافي ليس عنده إلا تاريخ
الوفاة التي لا سند لها إلا أقوال معلقة، والمثبت معه السند الصحيح! وكأنه لذلك أشار
الحافظ المزي في ((تهذيبه)) إلى تضعيف الانقطاع المذكور، فقال - وقد ذكر رواية أبي
قلابة عن حذيفة - :
((وقيل: لم يسمع منه)).
ویشبه ما فعله الشیخ شعیب بهذا الحديث ۔ إلى حد كبير- ما صنعه أصحابه
الحنفية بحديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين التي صرح فيها أبو هريرة بأنه كان
حاضرها بقوله: صلى بنا النبي مسلم ... كما في البخاري (١٢٢٧) وغيره، فنفوا
ذلك! متعلقين بقول الزهري المقطوع: إن ذا اليدين استشهد ببدر، وإسلام أبي
هريرة كان بعد بدر بأربع سنين، فلم يشهد القصة، فردوا الصحيح بما لم يصح من
قول الزهري، انظر ((فتح الباري)) (٣ / ٩٦ - ٩٧).
على أنه لو فرض ثبوت تاريخ وفاة حذيفة وأبي قلابة فذلك لا يعني الانقطاع ؛
إلا لو ثبت مع ذلك تاريخ ولادة أبي قلابة؛ بحيث يقطع أنه لم يدرك حذيفة في وقت
التحمل على الأقل، وهيهات! فقد نفى ذلك الذهبي - وهو من أعلم الناس بالتاريخ -
فقال في ((سير الأعلام)) (٤ / ٤٦٨):
((ما علمت متى ولد)). والله أعلم.
١٠ - ٨٩٥ - (أحب الطعام إلى الله ما كثرت عليه الأيدي).
ثم وجدتُ له شاهداً آخر من حديث أنس مرفوعاً بلفظ :
- ٧١٠ -
((إن الله يحب كثرة الأيدي على الطعام)).
أخرجه الدولابي في ((الكنى)) (١ / ١٨٨) بسند ضعيف.
ويبدو لي أن الحديث كان مشهوراً عند السلف؛ فقد رواه الأصبهاني في
((ترغيبه)) (٢ / ٨١٩) عن عطاء مقطوعاً. ورواه البيهقي في ((الشعب)) (٥ / ٧٦ /
٥٨٣٧) عن الأوزاعي كذلك.
١١ - ٩٠٧ - (خيار أئمتكم .. ).
هذا الحديث قد أخرجه مع الإِمام مسلم ابن حبان أيضاً (٧ / ٥٥ / ٤٥٧٠ -
الإِحسان) وأبو عوانة (٤ / ٤٨٢ - ٤٨٦)، وكلهم أخرجوه من طريق مسلم بن قرظة
عن عوف بن مالك رضي الله عنه.
قلت: وهذا الحديث مما جنى عليه المشار إليه في الاستدراك رقم (٦)، فأعله
فيما علق على ما سماه بـ ((رياض الصالحين))! بقوله :
((مسلم بن قرظة مجهول الحال. وانظر الحديث رقم (١٢٩)).
وجهل أن إخراج هؤلاء الثلاثة له في ((صحاحهم)) إنما هو منهم توثيق له؛ أعني
مسلماً وابن حبان وأبا عوانة، كما أنه تجاهل إيراد ابن حبان إياه في ((الثقات)) (٥ /
٣٩٦)، وجزم الذهبي في ((الكاشف)) بأنه ثقة، ولذلك لم يسع شيخه شعيباً الأرناؤوط
إلا أن يقول في تعليقه على ((الإِحسان)) (١٠ / ٤٤٩): ((إسناده قوي على شرط
مسلم)). وكيف لا والرجل تابعي مشهور كما قال البزار؟! وذكره يعقوب بن سفيان في
الطبقة العليا من تابعي أهل الشام في كتابه ((المعرفة)) (٢ / ٣٣٣). ونحوه ما في
((تاريخ ابن عساكر)) (١٦ / ٤٨٢) عن أبي زرعة الدمشقي أنه ذكره في الطبقة التي
تلي أصحاب النبي بَّ وهي العليا.
يضاف إلى ذلك أن الإِمام أحمد احتج بهذا الحديث على عدم جواز الخروج
على الأئمة، وذكر أنه جاء من غير وجه. كما رواه عنه الخلال في ((السنة)) (١ / ٣ /
- ٧١١ -
٦٢٩ تحقيق الزهراني). كل هذا قالوه في ابن قرظة وحديثه، والرجل يعله بجهالته!
فهل هو الجهل أو التجاهل؛ أم الأمران معاً؟!
ولم يكتف الرجل بتضعيف هذا الحديث فقط من أحاديث مسلم، بل هناك
أحاديث أخرى ضعفها بمثل هذا الجهل والجهالة (!) كما ستأتي الإِشارة إلى ذلك
تحت الاستدراك (١٣)، ولكني أريد هنا أن أبين أن الرقم (١٢٩) الذي ذكره في آخر
كلمته الآنفة الذكر إنما يشير به إلى حديث أم سلمة :
((إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون .. )) الحديث، وفيه: ((قالوا: ألا
نقاتلهم؟ قال: لا ما أقاموا الصلاة)).
رواه مسلم. فقد أعله الرجل بمثل ما أعل الذي قبله من الجهل؛ فقال
(٨٩ / ٦) :
((في صحته نظر، فإن في إسناده ضبة بن محصن، وفيه جهالة حال)).
كذا قال هداه الله، فإنه لا يزال ضالعاً في مخالفة الأئمة، راكباً رأسه، لا يلوي
على شيء من العلم، فإن هذا الحديث يقال فيه مثل ما قلنا في الذي قبله وزيادة،
فقد قال الحافظ ابن خلفون الأندلسي في ضبة هذا:
((ثقة مشهور)).
وقال الذهبي :
((ثقة)) .
وقال الحافظ: ((صدوق)).
وصحح حديثه هذا الترمذي، ولم يضعفه أحد إلا هذا المتأخر، بل يزيده قوة
أن له شاهدين؛ أحدهما حديث عوف هذا؛ والآخر حديث أبي هريرة نحوه رواه ابن
حبان وغيره بسند صحيح، وسيأتي تخريجه برقم (٣٠٠٧)، وتحته الرد على هذا
المتأخر. والله المستعان على فساد أهل هذا الزمان، وإعجاب كل ذي رأي برأيه،
- ٧١٢ -
فوالله الذي لا إله إلا هو لولا أن كثيراً من الناس يغترون بكل ما يطبع وينشر من أي
شخص كان - يحسبون السراب ماء، والعظم لحماً، وإنما هو كما قيل قديماً: عظم
على وضم - لما سودت سطراً واحداً في الرد على هذا وأمثاله كذاك السقاف الآتي بيان
بعض ويلاته، ونحوه من الأغرار الذين ليس لهم سابقة في هذا العلم وغيره، ولم
يتأدبوا بقوله {وَّلة: ((ليس منا .. من لم يعرف لعالمنا حقه))، ولا هم يقبلون نصيحة
العلماء، قال العلامة الشاطبي رحمه الله في كتابه ((الاعتصام)) - وهو في صدد بيان
علامات أهل الأهواء والبدع (٣ / ٩٩) -:
((والعالم (تأملوا لم يقل: طالب العلم!) إذا لم يشهد له العلماء فهو في الحكم
باق على الأصل من عدم العلم حتى يشهد فيه غيره، ويعلم هو من نفسه ما شهد له
به، وإلا فهو على يقين من عدم العلم أو على شك، فاختيار الإِقدام في هاتين
الحالتين على الإِحجام لا يكون إلا باتباع الهوى، إذ كان ينبغي له أن يستفتي في
نفسه غيره، ولم يفعل، وكان من حقه أن لا يقدم إلا أن يقدمه غيره، ولم يفعل)).
هذه نصيحة الإِمام الشاطبي إلى (العالم) الذي بإمكانه أن يتقدم إلى الناس
بشيء من العلم، ينصحه بأن لا يتقدم حتى يشهد له العلماء خشية أن يكون من أهل
الأهواء، فماذا كان ينصح يا ترى لو رأى بعض هؤلاء المتعلقين بهذا العلم في زمننا
هذا؟! لا شك أنه كان يقول له: ((ليس هذا عشك فادرجي))، فهل من معتبر؟! وإني
والله لأخشى على هذا البعض أن يشملهم قوله وهل: ((يُنزع عقول أهل ذلك الزمان،
ويُخلف لها هباء من الناس، يحسب أكثرهم أنهم على شيء، وليسوا على شيء))(١).
والله المستعان .
١٢ - ٩٢٥ - (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).
أقول: هذا الحديث مع صحته كما تقدم هناك وتلقي الأمة له بالقبول على
(١) مخرج فيما سيأتي برقم (١٦٨٢) من (المجلد الرابع).
- ٧١٣ -
اختلاف مشاربهم، فقد تجرأ المدعو بـ (حسن السقاف) على إنكاره بكل صفاقة،
مخالفاً بذلك سبيل المؤمنين، فصرح في تعليقه على ((دفع شبه التشبيه)) لابن الجوزي
فزعم (ص ٦٢): أنه حديث ضعيف! ثم غلا فصرح (ص ٦٤) بأنه حديث باطل !!
ثم أخذ يرد عليّ تصحيحي إياه لشواهده؛ متحاملاً متجاهلاً لتصحيح من صححه من
الحفاظ، مشككاً فيما نقلته عن بعض المخطوطات التي لم ترها عيناه، وما حمله على
ذلك إلا جهمية عارمة طغت على قلبه، فلم يعد يفقه ما يقوله العلماء من المتقدمين
أو المتأخرين، فذكرت هناك من المصححين: الترمذي والحاكم والذهبي والخِرقى
والمنذري والعراقي وابن ناصر الدين الدمشقي، وأضيف الآن إليهم الحافظ ابن حجر
في كتابه الذي طبع حديثاً ((الإِمتاع)) (ص ٦٢ - ٦٣) حتى قال في معناه شعراً:
آن أن يرحمه من في السما
إن من يرحم من في الأرض قد
يرحم الرحمن فينا الرحما
فارحم الخلق جميعاً إنما
ومن المتأخرين الذين صححوا هذا الحديث الشيخان الغماريان: أحمد
الغماري في كتابه ((فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب)) (١ / ٤٥٩) وقال:
((وقد رويناه من طرق متعددة)) .
ونقل تصحيح الترمذي والحاكم وأقرهما.
والغماري الآخر الشيخ عبدالله الذي صحح الحديث في كتابه الذي أسماه
((الكنز الثمين))، فإنه أورده فيه برقم (١٨٦٧)، وقد ذكر في مقدمته أن كل ما فيه
صحيح، وهو أخو الشيخ أحمد الغماري، وهو أصغر منه سنًّا وعلماً، وهما ممن
يُجِلُّهُما السقاف ويقلدهما تقليداً أعمى، وإذا ذكر أحدهما قال فيه: ((سيدي))!
فما عسى أن يقول المسلم المنصف في مثل هذا الرجل الذي يخالف أولئك
الحفاظ ويسلك غير سبيلهم، بل ويخالف شيخه وسيده - على حد تعبيره - عبدالله
الغماري؟! لا شك أنه ﴿في ضلال مبين﴾ .
- ٧١٤ -
هذا أولاً .
وثانياً: هذا الحديث فيه جملتان مباركتان :
الأولى: ((ارحموا من في الأرض))، وشواهده كثيرة جداً عن جمع من الصحابة؛
استوعبهم الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في مجلسه المشار إليه هناك عند تخريج
الحديث، وقد طبع أخيراً بتحقيق الأخ الفاضل أبي عبدالله محمود بن محمد الحداد،
فراجع فهرس أحاديثه تجد أسماءهم والإِشارة إلى مواضع أحاديثهم منه، وبعضها مما
اتفق عليه الشيخان، من ذلك أسامة بن زيد، وهو مخرج في ((أحاكم الجنائز))
(١٦٣ - ١٦٤) بلفظ :
((إنما يرحم الله من عباده الرحماء)).
والجملة الأخرى: ((يرحمكم من في السماء)).
وهي صحيحة كما تقدم، وقد بسط الكلام عليها الأخ الفاضل المشار إليه آنفاً،
وهي التي أقامت ذاك المبطل وأقعدته، بل وقصمت ظهره؛ لأن حرف ((في)) فيها هو
بمعناه في الجملة الأولى بداهة؛ أي: ((على))، لا يجادل في ذلك إلا معاند، فهي
تؤكد أن هذا الحرف هو بهذا المعنى نفسه في قوله تعالى : ﴿أأمنتم من في السماء﴾؛
أي: على السماء؛ أي: فوق العرش، وبذلك فسرها علماء السلف والخلف - ومنهم
ابن عبدالبر في ((التمهيد))، والبيهقي في كتابيه: ((الأسماء)) و((الاعتقاد)) - وذاك
المبطل يعلم هذه الحقيقة ولكنه يكابر، ويبطل الحديث الصحيح ليسمي هذا التفسير
تأويلاً، ويسمي تعطيله لمعنى الآية الكريمة تفسيراً على قاعدة: (رمتني بدائها
وانسلت)، فيقول (ص ٦٥): ((أي صاحب العظمة والرفعة والكبرياء وهو الله
تعالى .. )). ويؤكد هذا التعطيل في مكان آخر (ص ١٣٩)، ويضيف إليه فيقول
۔ فض فوه ـ :
((والآية مؤولة عند المجسمة بـ (من على السماء) .. ))!
- ٧١٥ -
فيا ويله ما أجرأه على نبز السلف بـ ((المجسمة))! وفيهم من يتظاهر بتبجيله؛
وإن كنت أعلم أنه لا مبجَّل عنده إلا هواه، وإلا فقل لي بربك كيف يرمي بالتجسيم
من فسر الآية بما سبق أن عزوته للسلف؛ ومنهم الإِمام البيهقي في كتابيه المذكورين
آنفاً(١)، وهما من الكتب التي يحض هذا الهالك على قراءتها في تعليقه (ص ٧٨)؟!
وهل أدل على اتباعه لهواه من مخالفته للعلماء الذين صححوا حديث الرحمة هذا،
ومنهم شيخاه الغماريان؟! وكذلك تضعيفه لكثير من الأحاديث الصحيحة الأخرى
كحديث الجارية؛ وقول النبي صل#1: ((أين الله؟)). رواه مسلم، وصححه جمع كما
فصلت القول في ذلك فيما يأتي برقم (٣١٦١)، وكحديث اختصام الملأ الأعلى،
وقد صححه البخاري والترمذي وأبو زرعة والضياء، وهو غير حديث: ((رأيت ربي
جعداً أمرد .. )) فإنه منكر، وحديث: ((رأيت ربي بمنى عند النفر على جمل .. ))، فإنه
موضوع كما هو مبين في ((الضعيفة)) (٦٣٣٠)، وقد لَبَّس (السقاف) بهذا على القراء
فأوهمهم أن الذهبي أنكر حديث الاختصام، وإنما أراد هذا، فارجع إلى الرقم
المذكور لترى العجب من تدليس هذا الرجل وتضليله للقراء. وقد وجدت لحديث
الاختصام طريقاً أخرى - بل شاهداً صحيحاً - فخرجته في ((الصحيحة)) (٣١٦٩).
وإن مما يجب التنبيه عليه بهذه المناسبة أن الرجل كما يضعف الأحاديث
الصحيحة؛ فهو على العكس من ذلك يقوي الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ويحتج
بها معطلا بها معاني الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة، فهو مثلاً يبطل دلالة
الحديث المتواتر في النزول الإلهي، وقوله تعالى فيه: ((من يدعوني فأستجيب له .. ))
بحديث تفرد بروايته حفص بن غياث لم يذكر فيه النزول ولا قوله تعالى
المذكور، بل رواه بلفظ: ((ثم يأمر منادياً ينادي يقول: هل من داع .. ))، وهذا خطأ
بيقين؛ لمخالفة حفص لستة من الثقات رووه باللفظ الأول، وهو المحفوظ في
(١) وقد نقلت عبارته تحت الحديث (٦٣٣٢ - الضعيفة)، ونقلت هناك عن ابن الجوزي أنه
فسر الآية كما فسرها البيهقي ؛ فهل هو مجسم أيضاً؟ !.
-٧١٦ -
((الصحيحين)) وغيرهما، وهو متواتر كما ذكر ابن عبدالبر في ((التمهيد))، وقد بسطت
القول في هذا وسميت المخالفين لحفص في ((الضعيفة)) (٣٨٩٧)، ورددت على هذا
المبطل ما زعمه من صحة حديث حفص بما لا يتسع المجال لذكره هنا .
وكذلك احتج بحديث موضوع من أحاديث الإِباضية فيه !: (( .. ولا تضربوا لله
الأمثال، ولا تصفوه بالزوال، فإنه بكل مكان)). وقد بينت بطلانه، وكشفت عواره في
((الضعيفة)) (٥٣٣٢)، والغريب العجيب من هذا الأفين أنه نقل الحديث من كتاب
((مسند الربيع بن حبيب))، وهو الكتاب الوحيد من تأليف الإِباضية، ركن إليه المذكور
من باب القاعدة اليهودية: ((الغاية تبرر الوسيلة))؛ لأن فيه رد حديث النزول الذي
اصطلح علماء الكلام على تفسير ((النزول)) بالزوال تحريفاً للكلم عن مواضعه، وتنفيراً
من الإِيمان بالنزول الإِلهي، وأعجب من ذلك أن قوله فيه: ((فإنه بكل مكان)) مما
يكفر الأفين به (ص ١٢٧) من تعليقه على ((ابن الجوزي))، ومع ذلك روى هذا
الحديث الإباضي الموضوع ليعطل به حديث النزول المتواتر، أليس ذلك من أكبر
الأدلة على أنه ينطلق من تلك القاعدة اليهودية، ومنها يندفع لإبطال الأحاديث
الصحيحة؟! والأمثلة على ذلك كثيرة وكثيرة جداً، فحسبنا الآن حديث الرحمة هذا
وما ذكر معه. والله المستعان.
١٣ - ٩٣٧ - (عن العرباض بن سارية في الموعظة).
كنت خرجته هناك من الطريق المشهور في السنن وغيرها من رواية عبد الرحمن
ابن عمرو السلمي عنه، وصححته لرواية جمع من الثقات عنه، مع توثيق ابن حبان
إياه، وتصحيح من صحح حديثه هذا كالترمذي وابن حبان والحاكم وأبي نعيم والضياء
المقدسي .
فأزید هنا فأقول :
وصححه أيضاً جمع آخر من الحفاظ كالبزار والهروي وأبي العباس الدغولي
- ٧١٧ -
والذهبي، وقال في السلمي هذا: ((صدوق))، وابن القيم في ((إعلامه)) وغيرهم.
ويلحق بهؤلاء المصححین کل من احتج به أو شرحه، وهم جمع غفير لا يمكن
حصرهم، منهم الخطيب في ((الفقه والمتفقه))، والخطابي في ((معالمه))، وابن تيمية
في ((فتاويه))، والشاطبي في (اعتصامه))، وغيرهم كثير وكثير جداً.
يضاف إلى إجماع هؤلاء الحفاظ والأئمة على تصحيحه أنه قد جاء من وجوه
أخر كما قال الشاطبي وابن رجب الحنبلي، وقد كنت خرجت الكثير الطيب منها؛ في
((الإِرواء)) (٨ / ١٠٧ -١٠٨) و((ظلال الجنة)) (١ / ١٧ - ٢٠)، فأرى من الضروري
أن ألخص الكلام عليها هنا للسبب الآتي بيانه.
تلك هي الطريق الأولى وقد عرفت صحتها.
الطريق الثانية: عن يحيى بن أبي المطاع قال: سمعت العرباض بن سارية.
أخرجه ابن ماجه وابن أبي عاصم وابن نصر والحاكم والطبراني. وإسناده
صحيح متصل.
الثالثة: من طريقين عن أرطأة بن المنذر عن المهاصِر بن حبيب عنه.
أخرجه ابن أبي عاصم والطبراني في ((الكبير)) و((مسند الشاميين)). وإسناده
صحیح لا علة فيه .
الرابعة: عن جبير بن نفير عنه .
الخامسة: من طريقين عن خالد بن معدان عن ابن أبي بلال عن العرباض.
أخرجه أحمد والطبراني بسند حسن في الشواهد، وابن أبي بلال - اسمه
عبدالله - وثقه ابن حبان، وحسن إسناده الحافظ في حديث آخر له.
وللحديث شاهد عن رجل أنصاري من أصحاب النبي پ# بسند حسن عنه،
مخرج في ((الإِرواء)) (٨ / ١٠٨).
- ٧١٨ -
لقد أفضت في ذكر هذه الطرق تأكيداً لصحة الحديث، ورداً على رجل طلع
علينا أخيراً بطبعةٍ جديدة لكتاب النووي ((رياض الصالحين)) منمقة مزخرفة يعجبك
مظهرها، ولكنها قبيحة جداً في مخبرها، ويكفي القارىء دلالة على ذلك أنه حذف
منه قرابة (١٣٠) حديثاً زاعماً أنها كلها ضعيفة، وبعضها في ((صحيح البخاري))
و((مسلم))، ونقدها كلها نقداً خالف فيه أصول علم الحديث وقواعده المعروفة عند
العلماء(١)، وجعلها في آخر طبعته، ثم أتبعها بأرقام يشير بها إلى أحاديث أخرى
ضعفها في التعليق عليها، وهذه كلها صحيحة، وعددها (١٥) حديثاً، وبعضها في
((الصحيحين)) أو أحدهما، وإليك أرقامها في طبعته مع الرمز لما كان منها فيهما:
(١٠٥ - وهو حديث العرباض هذا، ١٢٩ - م، والرد عليه في ((الصحيحة))
(٣٠٠٧)، ٢٠٧ (انظر الصحيحة ١٧٣)، ٢١٧ - مروا أولادكم بالصلاة (مخرج في
الإِرواء ٢٤٧)، ٢٤١ - خ (الصحيحة ٧٦٤)، ٢٤٣ (الصحيحة ٩١٩)، ٢٧٣ - م،
٥٠١ - م، ٥٠٩ -م، والرد عليه في ((الصحيحة)) (٣١٧٦)، ٩٥٧ - م، وهو في فضل
صوم يوم عرفة، ص ٤٠٥ - م (الصحيحة ٥٤٥)، ١٢٦٢ (الصحيحة ١٢٤٣)،
ص ٤٤١، ص ٤٥٠ (الصحيحة ٢٤٣٥)، ١٤٣١ (الصحيحة ١٢٨).
وأما أحاديث ((ضعيفته)) البالغ عددها (١٣٠) فهي على قسمين: أحدهما مما
كنت نبهت على ضعفه في مقدمة طبعتنا لـ ((الرياض))، وتبناه هو وتوسع في تخريجه
والكشف عن علله، وهو في ذلك عالة على كتبي مثل: ((الإِرواء)) والسلسلتين وغيرها
دون أن يصرح بذلك إلا نادراً لتقوية موقفه فقط! وذلك مِن تشبعه بما لم يعط، وذلك
ما يظهر لكل من يتنبه لبعض عباراته، ولمن قابل تخريجه بتخريجاتي، ولا أدل على
ذلك من وقوعه في الخطأ الذي كنت وقعت فيه بسبب أو آخر، فقد نقل من
(١) ذكرت فيما تقدم بعض الأحاديث الصحيحة مما ضعفه بجهل بالغ، فانظر الاستدراك
(٦ و١١).
- ٧١٩ -
((الصحيحة)) (٢٦٦) - دون عزو طبعاً - تخريج الحديث وفيه: (( .. وأحمد (١ /
١٥٣)))، وهذا خطأ! والصواب: ((وعبدالله بن أحمد .. )) كما هو مصحح عندي في
نسختي، أضف إلى ذلك أنه كتم عن قرائه تحسين الترمذي إياه وتصحيح الحاكم
والذهبي، وموافقتي للترمذي.
وأغرب من ذلك وأسوأ أنه قلدني (ص ٥١٨ / ٢٥) في تضعيف الحديث رقم
(١٦٨١ - الضعيفة)، ووافقه على ذلك شيخه شعيب، وأنا قد رجعت عنه فنقلته إلى
((الصحيحة)) (٢٨٢٧ و٢٨٢٨)؛ لشواهد وقفت عليها، فما أشبههما بالجن الذين قال
الله فيهم: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب .. ) الآية! فلو
أن الرجل يريد الإصلاح والنصح لحاول إنقاذ ما يمكن من الأحاديث الضعيفة السند
بتتبع الطرق والشواهد لتقويتها لو كان أهلاً لذلك، وإلا فإن تضعيف الأحاديث
الصحيحة لا يعجز عنه الملاحدة فضلاً عن المنافقين وأهل الأهواء أمثال أبي ريا
وأذنابه .
وبالجملة؛ ففي هذا القسم أحاديث ضعيفة فعلاً، مما كنت أشرت إلى ضعفها
في المقدمة كما سبق، وفصلت الكلام على ضعفها في بعض مؤلفاتي المشار إليها
آنفاً، فأخذ الرجل منها خلاصتها، وقدمها إلى القراء على أنها من جهده وتحقيقه !!
وأما القسم الآخر؛ فهو مما اشتط فيه عن القواعد العلمية، واتبع فيه هواه، فبلغ
عدد الأحاديث الصحيحة التي جنى عليها وضعّفها نحو (٦٠) حديثاً، بعضها في
(الصحيح) أيضاً كالأحاديث (٦٨، ١١٦، ١٢٣، ١٢٧ بترقيم ضعيفته). ومنها
حديث الزهد (رقم ٢٠) تعامى فيه عن طرقه وشواهده، وأحال فيها إلى ((الصحيحة))!
وقد سبق الرد على مقلّده في المقدمة (ص ١٣ - ١٧)؛ فارجع إليها لزاماً. وبسط
القول في بيان عوار كلامه في تضعيفه إياها كلها يحتاج إلى تأليف كتاب خاص،
وذلك مما لا يتسع له وقتي، فعسى أن يقوم بذلك بعض إخواننا الأقوياء في هذا العلم
كالأخ علي الحلبي، وسمير الزهيري، وأبي إسحاق الحويني ونحوهم جزاهم الله
- ٧٢٠ -