Indexed OCR Text

Pages 261-280

وابنه كثير ثقة؛ فقد روى عنه أبو زرعة، وقد علم عنه أنه لا يروي إلا عن ثقة؛ بل
سئل عنه؟ فقال:
«صدوق)).
وقال أبو حاتم :
((محله الصدق، وكان يتشيع))؛ كما ذكره ابنه في ((الجرح والتعديل)).
قلت: ولا أدري إذا كان العقيلي عنى هذا الإِسناد أو غيره بقوله عقب حديث ابن
أبي الصبهاء:
((لا يتابع عليه عن ثابت، وقد روي بغير هذا الإِسناد بإسناد صالح)»؟
ونقل المناوي عن الحافظ العراقي أنه قال:
((وطرقه كلها ضعيفة)).
ثم قال المناوي :
((وكان ينبغي للمصنف تقويتها بتعددها الذي رقاه إلى رتبة الحسن، ولهذا قال في
((المنار)): هو حسن بها. بل قال المنذري: رواه البزار بإسناد جيد)).
(تنبيه) : لقد جرى الجمهور على التفريق بين سلام بن أبي الصهباء هذا؛ وبين
سلام بن سليمان المزني أبي المنذر الكوفي - أصله من البصرة - الذي روى له النسائي
عن ثابت عن أنس مرفوعاً:
((حُبب إليَّ من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة)).
ومنهم ابن أبي حاتم فقال في الأول منهما (٢٥٧/١/٢) عن أبيه:
((شيخ)).
وقال عن الآخر (٢٥٩/١/٢):
((قال أبي : صدوق صالح الحديث)).
- ٢٦١ -

وأما ابن عدي فجعلهما واحداً، فإنه لم يترجم للمزني هذا، وساق حديثه الذي
عند النسائي في ترجمة ابن أبي الصبهاء، وهو أمر محتمل جدّاً؛ فقد اشتركا في ثلاثة
أشياء، فكل منهما بصري، ويكنى بأبي المنذر، ويروي عن ثابت، ويبعد عادة مثل هذا
الاتفاق في الراويين المختلفين. والله أعلم.
٦٥٩ - (إنَّهُ أعظمُ للبركَةِ. يعني: الطعامَ الذي ذهبَ فَوْرُهُ ودخانُهُ).
أخرجه الدارمي (١٠٠/٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٣٤٤)، والحاكم
(١١٨/٤)، والبيهقي (٢٨٠/٧)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٢٦/٨٤/٢٤)
عن قرة بن عبدالرحمن عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن أسماء بنت أبي بكر:
((أنها كانت إذا ثردت غطته شيئاً حتى يذهب فوره ودخانه، ثم تقول: إني سمعت
رسول الله وَلا يقول:)) فذكره. وقال الحاكم:
((صحيح على شرط مسلم في الشواهد))، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا .
وقد تابعه عقيل بن خالد عن ابن شهاب به .
أخرجه أحمد (٣٥٠/٦)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٨ /١٧٧) من طريق عبدالله بن
المبارك: ثنا ابن لهيعة: حدثني عقيل به. وقال أبو نعيم:
((غريب من حديث ابن المبارك عن ابن لهيعة)).
قلت: وإسناده صحيح رجاله ثقات؛ فإن ابن لهيعة صحیح الحديث إذا روى عنه
العبادلة؛ ومنهم عبد الله بن المبارك هذا.
والحديث قال الهيثمي (١٩/٥):
((رواه أحمد بإسنادين أحدهما منقطع، وفي الآخر ابن لهيعة، وحديثه حسن، وفيه
ضعف، ورواه الطبراني، وفيه قرة بن عبد الرحمن وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن
معين وغيره، وبقية رجالهما رجال (الصحيح)).
- ٢٦٢ -

قلت: وكأنه لم يتنبه أن حديث ابن لهيعة من رواية ابن المبارك عنه؛ وإلا لما
ضعفه، والله أعلم. والإِسناد المنقطع الذي أشار إليه هو من تخاليط ابن لهيعة، يرويه
عنه حسن - وهو أن موسى الأشيب - قال: ثنا ابن لهيعة قال: ثنا عقيل بن خالد عن ابن
شهاب عن أسماء بنت أبي بكر .. فأسقط (عروة) من بين ابن شهاب وأسماء.
٦٦٠ - (اقرؤُوا القرآنَ فإنّكم تُؤْجَرُون عليه، أَمَا إني لا أقولُ: ﴿الَم}
حرفٌ، ولكنْ ألفُ عشرٌ، ولامُ عشرٌ، وميمٌ عشرٌ، فتلكَ ثلاثونَ).
أخرجه الخطيب في ((التاريخ)) (٢٨٥/١)، والديلمي (١٣/١/١) من طريق
محمد بن أحمد بن الجنيد قال: نا أبو عاصم عن سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي
الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول اللّه وَله: فذكره.
وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال ((الصحيح)) غير ابن الجنيد ترجمه الخطيب
وقال: ((وهو شيخ صدوق)). ووثقه غيره.
وقد خولف في رفعه؛ فقال الدارمي في ((سننه)) (٤٢٩/٢): حدثنا أبو عامر
قبيصة: أنا سفيان به نحوه إلا أنه أوقفه.
ويرجح الرفع أن الترمذي أخرجه (٥٣/٤) من طريق محمد بن كعب القرظي
فقال: سمعت عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ويلاته :
((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله ... )) الحديث نحوه.
ورواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٩٩٨٢/٤٦١/١٠).
وقال الترمذي :
«حديث حسن صحيح)).
قلت: وإسناده جيد أيضاً، وقد خرجته في تعليقي على ((الطحاوية)) (ص ٢٠١ -
الطبعة الرابعة، و((المشكاة)) (٢١٣٧).
- ٢٦٣ -

ثم رأيت الحافظ ضياء الدين المقدسي قد أخرج الحديث في ((جزء فيه أحاديث
وحكايات وأشعار)) (١/٩) من طريق الخطيب به وقال:
((عطاء بن السائب ثقة؛ إلا أنه اختلط في آخر عمره، فإذا روى عنه مثل سفيان
وشعبة وحماد بن سلمة؛ فإنهم سمعوا منه قبل الاختلاط، وحديثهم عنه صحيح،
ومحمد بن الجنید وثقه أحمد بن إسحاق بن البهلول».
وأقول: قرن حماد مع سفيان وشعبة فيه عندي نظر؛ لأنه قد سمع من عطاء بعد
الاختلاط أيضاً كما حققه الحافظ في ((التهذيب))، فينبغي التوقف عن تصحيح حديثه
عنه؛ حتى يتبين أنه سمعه منه قبل الاختلاط خلافاً لبعض فضلاء المعاصرين، وقد
ألحق الحافظ في ((نتائج الأفكار)) بسفيان وشعبة الأعمشَ لعلو طبقته، وهذه فائدة لم أجد
أحداً نبه عليها غيره، فجزاه الله خيراً .
(تنبيه): في النسخة المطبوعة من ((تاريخ الخطيب)) بعد قوله: ((تؤجرون)) زيادة:
(([وكل حرف عشر حسنات]))؛ وضعها الطابع بين المعكوفتين، وكأنه أخذها من بعض
نسخ ((التاريخ))، ولكني لما وجدتها مباينة للسياق، ولم ترد في ((الجامع الصغير)) وكذا
((الكبير)) للسيوطي؛ لم أطمئن لثبوتها فلم أستدركها.
ثم تأكدت من ذلك حين رأيت الضياء قد رواه عن الخطيب بدونها، وكذلك هو
عند الديلمي، والحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله.
ثم وجدت لعطاء بن السائب متابعاً؛ فقال ابن نصر في ((قيام الليل)) (٧٠): حدثنا
يحيى : أخبرنا أبو معاوية عن الهجري عن أبي الأحوص به بلفظ أتم منه ونصه:
((إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا مأدبته ما استطعتم، وإن هذا القرآن هو حبل
الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة من تمسك به، ونجاة من تبعه، لا يعوج
فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، اتلوه فإن الله
يأجركم على تلاوتة بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول بـ ﴿الَمْ﴾ [حرف]، ولكن
بالألف عشراً، وباللام عشراً، وبالميم عشراً)).
- ٢٦٤ _

وهذا إسناد لا بأس به في المتابعات، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير
الهَجَري - واسمه إبراهيم بن مسلم - وهو لين الحديث.
ومن طريقه أخرجه الحاكم وكذا الدارمي (٤٣١/٢) وعبدالرزاق (٣٧٥/٣-٣٧٦)
إلا أنهما أوقفاه، وكذا الطبراني (١٣٩/٩) (٥٥٥/١) وقال: الحاكم:
«صحيح الإسناد).
ورده الذهبي بقوله :
«إبراهیم ضعيف)).
وله متابع آخر أخرجه الحاكم (٥٦٦/١) عن عاصم بن أبي النجود عن أبي
الأحوص به نحو حديث عطاء مختصراً موقوفاً ومرفوعاً وقال:
((صحيح الإِسناد))، وأقره الذهبي، وإنما هو حسن فقط.
وأخرجه ابن المبارك في ((الزهد)) (٨٠٨) موقوفاً: أخبرنا شريك عن أبي إسحاق
عن أبي الأحوص به.
وشریک سیء الحفظ، فیستشهد به .
٦٦١ - (أبشرُوا؛ هذا ربُّكم قد فتحَ باباً من أبوابِ السماءِ يُبَاهِي بِكُمُ
الملائكةَ، يقولُ: انظرُوا إلى عبادِي؛ قد قَضَوْا فَرِيضةٌ، وهم يَنْتَظِرُون
أخرى).
أخرجه ابن ماجه (٨١)، وأحمد (٢ /١٨٦) عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي
أيوب عن عبد الله بن عمرو قال:
((صلينا مع رسول الله وَّر المغرب، فرجع من رجع، وعقب من عقب، فجاء
رسول الله ﴿ ﴿ مسرعاً قد حفزه النفس، وقد حسر عن ركبتيه فقال:)) فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وأبو أيوب هو المراغي الأزدي
البصري. وقال البوصيري في ((الزوائد) (١/٥٤):
- ٢٦٥ -

((هذا إسناد رجاله ثقات)) (١). وكذا قال المنذري في ((الترغيب)) (١٦٠/١)؛
ولكنه أعله بالانقطاع بين أبي أيوب وابن عمرو، ولا وجه له. والله أعلم.
وتابعه سليمان بن المغيرة عن ثابت: ثنا رجل من الشام عن ابن عمرو به .
أخرجه أحمد (١٩٧/٢).
وله طريق أخرى؛ أخرجه أحمد (٢٠٨/٢) عن علي بن زيد عن مطرف بن
عبد الله بن الشخیر عن عبد الله بن عمرو به.
وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد، رجاله كلهم ثقات؛ غير علي بن زيد - وهو
ابن جدعان - ففيه ضعف من قبل حفظه .
٦٦٢ - (ذَهَبَ أهلُ الهِجْرَةِ بما فيها).
أخرجه الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢٥٢/٣)، والحاكم (٦١٦/٣) من
طريقين عن زهير بن معاوية: ثنا عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي : ثنا مجاشع بن
مسعود قال :
((أتيت رسول الله وسلّ بأخي مجالد بعد الفتح، فقلت: يا رسول الله! جئتك بأخي
مجالد لتبايعه على الهجرة. فقال: فذكره. فقلت: فعلى أي شيء تبايعه يا رسول الله؟
قال: أبايعه على الإِسلام والإِيمان والجهاد)).
والسياق للحاكم، وسكت عليه هو والذهبي، وزاد الطحاوي :
((قال: فلقيت معبداً بعد - وكان أكبرهما - فسألته؟ فقال: صدق مجاشع)).
قلت: وإسناده صحيح .
ثم رأيته في ((البخاري)) (٤٣٠٥ - فتح)، و ((صحيح أبي عوانة)) (٤٩٩/٤)،
وأحمد (٤٦٩/٣) من طرق عن زهير؛ وهو ابن معاوية أبو خيثمة الكوفي .
'۔
وتابعه جمع عن عاصم الأحول به.
(١) وفي نقل السندي عنه: ((إسناده صحيح)). والله أعلم.
- ٢٦٦ -

أخرجه البخاري، ومسلم (٢٧/٦ - ٢٨)، وأبو عوانة، وأحمد. وله عنده طريق
أخرى عن مجاشع نحوه ولفظه :
((لا هجرة بعد الفتح، ويكون من التابعين بإحسان)).
وسنده صحيح .
وروى أحمد أيضاً (٢٢٣/٣)، والنسائي مثل هذه القصة عن يعلى بن أمية في
حق أبيه، وصححه ابن حبان (١٥٧٧)؛ لكن في إسناده جهالة كما بينته في ((تيسير
الانتفاع / عمرو بن عبد الرحمن بن أمية)).
٦٦٣ - (اجْتَنِبُوا هذه القاذورةَ التي نهى الله عزَّ وجلَّ عنها، فَمَنْ أَلَمَّ
فليستَتِرْ بسترِ اللهِ عزّ وجلّ؛ [فإنَّهُ من يُبْدِ لنا صفحَتَهُ نُقِمْ عليه كتابَ اللهِ]).
رواه أبو عبد الله القطان في ((حديثه)) (١/٥٦)، وعنه البيهقي (٣٣٠/٨): حدثنا
حفص بن عمرو الريالي قال: ثنا عبد الوهاب الثقفي قال: سمعت يحيى بن سعيد
الأنصاري یقول: حدثني عبد الله بن دینار عن ابن عمر:
((أن رسول الله وَ له بعد أن رجم الأسلمي قال:)) فذكره.
ورواه العقيلي (٢٠٣) من طريق الثقفي ومن طرق أخر عن يحيى بن سعيد به،
وزاد في رواية ما بين المعكوفتين.
وسندها حسن، والأصل صحيح .
وأخرجه أبو القاسم الحنائي في ((المنتقى من حديث الجصاص وأبي بكر
الحنائي)) (٢/١٦٠)، وابن سمعون في ((الأمالي)) (٢/١٨٣/٢) من طرق أخرى عن
الریالي به .
وتابعه أنس بن عياض عن يحيى بن سعيد به، وفيه الزيادة.
أخرجه الطحاوي في ((المشكل)) (٢٠/١)، والبيهقي، والحاكم
- ٢٦٧ -

(٤ /٢٤٤ و ٣٨٣) وقَال:
((صحيح على شرط الشيخين))، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا .
وقد وجدت له شاهداً من حديث أبي هريرة مرفوعاً به.
أخرجه الديلمي في ((مسنده)) (٤٠/١/١ - مختصره) عن يحيى بن أبي سليمان
عن زید أبي عتاب عنه.
وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد، زيد هذا - وهو ابن أبي عتاب - وثقه ابن
معین .
ويحيى بن أبي سليمان قال أبو حاتم :
((يكتب حديثه، ليس بالقوي)).
وقال البخاري :
«منكر الحديث)).
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٦١٠/٧).
وشاهد آخر عن زيد بن أسلم مرسلاً.
رواه مالك (٤٣/٣) عنه.
٦٦٤ - (اجتَمِعُوا على طعامِكُم، واذْكُرُوا اسمَ اللهِ تعالى عليه يُبارَكْ
لكم فيه).
أخرجه أبو داود (١٣٩/٢)، وابن ماجه (٣٠٧/٢)، وابن حبان (١٣٤٥)،
والحاكم (١٠٣/٢)، وأحمد (٥٠١/٣)، وأبو نعيم في ((الأخبار)) (٢ /٣٥٠) من طريق
الوليد بن مسلم قال: ثني وحشي بن حرب بن وحشي عن أبيه عن جده:
((أن رجلاً قال: يا رسول الله! إنا نأكل ولا نشبع؟ قال: فلعلكم تأكلون متفرقين؟
اجتمعوا .... )) إلخ.
ومن هذا الوجه رواه البيهقي في ((الشعب)) (٥٨٣٥/٧٥/٥) والطبراني في
((المعجم الكبير)) (٣٦٨/١٣٩/٢٢) وابن عساكر في ((التاريخ)) (٧٣٤/١٧)، والمزي
في ((التهذيب)) (٥٣٩/٥).
- ٢٦٨ -

أورده الحاكم شاهداً: ولم يصححه هو ولا الذهبي، وأما الحافظ العراقي فقال
في ((تخريج الإحياء)) (٤/٢):
(إسناده حسن)).
قلت: وليس بحسن؛ فإن وحشي بن حرب بن وحشي قال صالح جزرة:
((لا يشتغل به ولا بأبيه))؛ كما في («الميزان)). وقال في ترجمة أبيه حرب:
«ما روی عنه سوى ابنه وحشي الحمصي)).
ولذلك قال الحافظ في ((التقريب)): ((مستور)).
وقال في أبيه :
((مقبول)).
قلت: وإعلاله بأبيه أولى من إعلاله بابنه وحشي؛ فإن هذا قد روى عنه جمع من
الثقات، وذكره فيهم ابن حبان (٥٦٤/٧)، بخلاف أبيه فما روى عنه سوى ابنه كما
تقدم .
وفي ((فيض القدير)):
((ووحشي هذا قال فيه المزني ! والذهبي: فيه لين. وقصارى أمر الحدیث ما قاله
الحافظ العراقي أن إسناده حسن. وقال ابن حجر: في صحته نظر؛ فإن وحشي الأعلى
هو قاتل حمزة، وثبت أنه لما أسلم قال له المصطفى: ((غيب وجهك عني)). فيبعد
سماعه منه بعد ذلك إلا أن يكون أرسل. وقول ابن عساكر: إن صحابي هذا الحديث غیر
قاتل حمزة. يرده ورود التصريح بأنه قاتله في عدة طرق للطبراني وغيره)).
أقول: وبالجملة؛ فالإِسناد ضعيف لما ذكرناه، وأما ما نظر فيه ابن حجر فلا طائل
تحته؛ فإن غاية ما فيه أن وحشيّاً أرسله، ومرسل الصحابي حجة كما تقرر في
المصطلح؛ على أنه لا تلازم عندي بين قوله عليه السلام: ((غيب وجهك عني)) وبين
عدم سماعه من النبي ◌َّر. والله أعلم.
لكن الحديث حسن لغيره؛ لأن له شواهد في معناه فانظر:
- ٢٦٩ -

((إن الله يحب كثرة الأيدي في الطعام))، و((أحب الطعام ... ))، ويأتيان في هذا
المجلد (٨٩٥)، و((كلوا جميعاً))، وسيأتي في المجلد الرابع (١٦٨٦)، والمجلد
السادس (٢٦٩١).
ولعله لذلك أقر الحافظ المنذري في ((الترغيب)) (١٢١/٣) ابن حبان على
تصحيحه إياه، ولم يشر إلى تضعيفه له بتصديره إياه بقوله: ((وروي ... )) كما هي عادته
واصطلاحه. والله أعلم.
٦٦٥ - (عليكم بالإِثْمِدِ؛ فإنَّهُ مَنْبَةٌ للشعرِ، مذهبةٌ للقَذَى، مصفاةٌه
للبصرِ).
رواه البخاري في ((التاريخ)) (٤١٢/٢/٤)، والطبراني (١/١٢/١) عن أبي
جعفر النفيلي: نا يونس بن راشد عن عون بن محمد ابن الحنفية عن أبيه عن جده
علي بن أبي طالب مرفوعاً.
وأخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٨/٣) من طرق عن الفريابي به. وقال:
((حديث غريب من حديث ابن الحنفية، لم يروه عنه إلا ابنه عون، ولا عنه
إلا يونس)).
قلت: وهذا سند رجاله كلهم ثقات معروفون؛ غیر عون هذا فأورده ابن حبان في
((الثقات)) (٢٢٨/٢) وقال:
((يروي عن أبيه عن جده، روى عنه عبد الملك بن أبي عياش))
قلت: فقد روى عنه يونس بن راشد أيضاً، وزاد في ((الجرح والتعديل))
(٣٨٦/١/٣): ((محمد بن موسى)).
فالسند حسن كما قال المنذري في ((الترغيب)) (١١٥/٣).
٦٦٦ - (أكرِمُوا الشَّعْرَ).
أخرجه البزار (٢٩٧٤ - الكشف)، وابن عدي في ((الكامل)) (ق ١١٣ - ١١٤)،
- ٢٧٠ -

وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢١٤/٢)، والديلمي (٣٤/١/١) من طريق خالد بن
إلياس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي وَ ﴾ قال: فذكره. وقال ابن عدي :
((وهذا يرويه عن هشام بن عروة خالد بن إلياس)).
يعني أنه تفرد به، وهو ضعيف جدّاً.
وبه أعله الهيثمي في ((المجمع)) فقال (١٦٤/٥):
((وهو متروك».
وقال الحافظ في ((مختصر الديلمي)):
((ضعيف)) .
قلت: لكنه لم يتفرد به؛ فقد تابعه إسماعيل بن عياش؛ لكنه خالفه في إسناده
فقال: عن هشام بن عروة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال:
((كانت لأبي قتادة جمة، فقال له رسول الله وَ طاهر: أكرمها. فكان يرجلها غبّاً)).
أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٢/٢٦٥/٢)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
(١/٥٠٩/٨)، وكذا الطبراني في ((الأوسط)) (٦٦٣/١/٣٩/١). وقال الهيثمي:
((رواه من رواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين وهي ضعيفة، وبقية رجاله
ثقات)) .
:
لكن الحديث له شواهد كثيرة تدل على صحته، وقد مضى ذكرها تحت الحديث
(٥٠٠ - من كان له شعر فليكرمه).
ومما يشهد له ما أخرجه البيهقي أيضاً من طريق أحمد بن منصور: ثنا عبد الرزاق:
ثنا معمر عن سعيد بن عبد الرحمن الجرشي عن أشياخهم أن النبي ◌َّير قال لأبي قتادة:
((إن اتخذت [شعراً] فأكرمه)).
- ٢٧١ -

قال: فكان أبو قتادة - حسبت - يرجله كل يوم مرتين.
والجرشي هذا لم أعرفه، وكذا الأشياخ!
ثم رواه من طريقين عن محمد بن المنكدر به مرسلاً وقال:
((وهو أصح، ووصله ضعيف)).
ثم رأيت الحديث عند عبد الرزاق، ومنه تبين أن ((الجرشي)) محرف، وأن
الصواب: ((الجحشي))، وهو معروف؛ كما سيأتي تحقيقه برقم (٢٢٥٢) إن شاء الله
تعالى .
٦٦٧ - (الجماعةُ رحمةٌ، والفُرقةُ عذابٌ).
أخرجه أحمد (٢٧٨/٤)، وهو وابنه عبد الله في ((الزوائد)) (٤ /٣٧٥)، وابن أبي
عاصم في ((السنة)) (٩٣/٤٤)، والقضاعي (١/٣) عن أبي وكيع الجراح بن مليح عن
أبي عبد الرحمن عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال النبي ◌َّ: فذكره.
قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات، وفي أبي عبد الرحمن - واسمه القاسم بن
عبد الرحمن - كلام لا ينزل حديثه من رتبة الحسن، وكذلك الجراح بن مليح .
والحديث عزاه السيوطي لعبد الله والقضاعي فقط، وهو قصور.
واعلم أن الحدیث عند أحمد وابنه قطعة من حديث نصه بتمامه :
((من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله،
والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة ... )).
وقد أورده السيوطي بتمامه في ((الجامع الكبير)) من رواية عبد الله بن أحمد
والبيهقي في ((شعب الإِيمان)) والخطيب في ((المتفق)) دون أحمد! وهو عند البيهقي
(٥١٦/٦ - ٥١٧).
٦٦٨ - (آيةُ الإِيمانِ حبُّ الأنصارِ، وآيةُ النَّاقِ بُغْضُ الأنصارِ).
أخرجه البخاري (١٠/١و٢٢٣/٤)، ومسلم (٦٠/١)، والنسائي (٢٧١/٢)،
- ٢٧٢ -

والطيالسي (ص ٢٨١ رقم ١١٠١)، وأحمد (١٣٠/٣ و١٣٤ و٢٤٩) من حديث أنس
رضي الله عنه مرفوعاً. ولفظه عند مسلم والنسائي على القلب:
((حب الأنصار آية الإِيمان، وبغض الأنصار آية النفاق».
٦٦٩ - (كانَ يأخذُ الوبرةَ مِنْ قُصَّةٍ من فَيْءِ اللهِ عز وجل فيقولُ: مالي مِنْ
هذا إِلا مِثْلُ ما لأحدِكم؛ إلا الخُمسَ، وهو مردودٌ فيكم، فأدُّوا الخيطَ
والمخيطَ فما فوقَهُما، وإياكم الغلولَ! فإنه عارٌ وشنارٌ على صاحبِهِ يومَ
القيامةِ).
أخرجه أحمد (٤ /١٢٧ - ١٢٨): ثنا أبو عاصم: ثنا وهب أبو خالد قال: حدثتني
أم حبيبة بنت العرباض عن أبيها مرفوعاً .
ومن هذا الوجه أخرجه البزار (١٧٣٤/٢٩١/٢)، والطبراني في ((الكبير))
(١٨/ ٦٤٩/٢٥٩).
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات؛ غير أم حبيبة هذه، قال الذهبي :
((تفرد عنها وهب أبو خالد)).
وفي ((التقريب)):
«مقبولة)).
وقال الهيثمي (٣٣٧/٥):
((رواه أحمد والبزار والطبراني، وفيه أم حبيبة بنت العرباض، ولم أجد من وثقها
ولا جرحها، وبقية رجاله ثقات)).
قلت: وقال الذهبي أيضاً:
((وما علمت في النساء من اتهمت، ولا من تركوها)).
- ٢٧٣ -

قلت: وعليه فحديثها حسن؛ لأن له شاهداً من حديث عبادة بن الصامت بلفظ :
٦٧٠ - (كانَ يأخذُ الوبرةَ من جنبِ البعيرِ منَ المغنمِ ، فيقولُ: مالي فيه
إلا مِثْلُ ما لأحدِكم منه، إياكم والغلولَ! فإنّ الغلولَ خِزْيٌ علی صاحبِهِ يومَ
القيامةِ، أَدُّوا الخيطَ والمخيطَ وما فوقَ ذلك، وجاهِدُوا في سبيلِ اللهِ تعالى
القريبَ والبعيدَ؛ في الحضرِ والسفرِ؛ فإنّ الجهادَ بابٌ مِنْ أبواب الجنةِ، إنهُ
لَيُنَجِّي الله تبارك وتعالى به منَ الهَمِّ والغَمِّ، وأقِيمُوا حُدُودَ اللهِ في القريبِ
والبعيدِ، ولا يأخُذْكم في الله لومة لائمٍ).
أخرجه عبد الله بن أحمد (٤ /٣٣٠) قال: ثنا عبد الله بن سالم الكوفي المفلوج
- وكان ثقة - : ثنا عبيدة بن الأسود عن القاسم بن الوليد عن أبي صادق عن ربيعة بن
ناجد عن عبادة بن الصامت مرفوعاً .
وهذا إسناد رجاله ثقات؛ غير ربيعة بن ناجد قال في ((الخلاصة)):
((روى عنه أبو صادق الأزدي فقط)) .
ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
وقال الذهبي في ((الميزان)):
((لا یکاد یعرف)».
وأما الحافظ فقال في ((التقريب)):
((إنه ثقة)).
وما أدري عمدته في ذلك، وما أراه إلا وهماً منه رحمه الله تعالى.
ثم الحدیث روى ابن ماجه (١١١/٢ - ١١٢) منه قوله :
((أقيموا حدود الله)) إلخ. بإسناد عبد الله بن أحمد. وقال في ((الزوائد)):
- ٢٧٤ _

((هذا إسناد صحيح على شرط ابن حبان، فقد ذكر جميع رواته في (ثقاته)) .
قلت: وشرط ابن حبان في التوثيق فيه تساهل كثير؛ فإنه يوثق المجاهيل مثل :
ربيعة بن ناجد هذا الذي لم يرو عنه غير أبي صادق.
ورواه الضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة)) (ق ١/٦٧) من الوجه المذكور
بتمامه .
وأخرجه أحمد (٢١٦/٥ و٢٢٦)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١/٤٢٨/٨)
من طريقين آخرين عن المقدام بن معدي كرب عن عبادة بن الصامت به نحوه .
فالحديث بمجموع طرقه صحيح إن شاء الله تعالى .
ثم رأيت ابن أبي حاتم قد أورده (٤٥٣/١) من طريق أخرى عن عبادة به مثل
رواية ابن ماجه وقال :
((قال أبي: هذا حديث حسن إن كان محفوظاً)).
وأقول: هو بلا شك محفوظ بمجموع هذه الطرق.
٦٧١ - (كان بَشراً منَ البشرِ؛ يفلي ثوبَهُ، ويحلبُ شاتَهُ، ويخدُمُ
نَفْسَهُ).
أخرجه الإِمام أحمد (٢٥٦/٦): ثنا حماد بن خالد قال: ثنا ليث بن سعد عن
معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة قالت:
((سئلت: ما كان رسول الله ﴿ يعمل في بيته؟ قالت: )) فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم .
وقد خالفه عبد الله بن صالح فقال: حدثني معاوية بن صالح به، إلا أنه قال:
((عروة)) مكان ((القاسم)).
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٥٤١)، وعنه الترمذي في ((الشمائل))
- ٢٧٥ -

(١٨٥/٢ - طبع المطبعة الأدبية)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣٢٨/١)؛ لكن وقع
فيه: ((عَمرة))!
قلت: وعبد الله بن صالح فيه ضعف من قبل حفظه؛ فلا يعتد بمخالفته.
وخالفه أيضاً عبد الله بن وهب عن معاوية فقال: ((عَمرة)) بدل ((القاسم)).
أخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٢١٣٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٣١/٨) من
طريقين عنه به. وقال أبو نعيم:
((روى الليث بن سعد عن معاوية مثله)).
قلت: في روايته: ((القاسم)) بدل ((عمرة)) كما سبق، فلعل ما ذكره أبو نعيم رواية
وقعت له عن اللیث. ثم قال:
((واختلف على يحيى بن سعيد؛ فرواه يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن
حمید بن قیس عن مجاهد عن عائشة. ورواه ابن جریح عن یحیی بن سعید عن مجاهد
عن عائشة رضي الله تعالى عنها من دون حميد)).
قلت: وأصح الروايات عندي رواية الليث وابن وهب؛ لأنهما من الثقات
الحفاظ، ولم يترجح عندي أي روايتيهما أصح؛ اللهم! إلا إذا ثبت أن الليث قد رواه مرة
مثل رواية ابن وهب عن عمرة كما ذكر أبو نعيم، وحينئذ فهذه الرواية أصح لاتفاقهما
عليها، وعلى كل حال؛ فهذا الاختلاف لا يخدش في صحة الحديث؛ لأن كلاً من
القاسم وعمرة ثقة، فهو انتقال من ثقة إلى آخر، فالاختلاف في ذلك ليس مما يضر في
صحة الحديث. والله أعلم.
ثم وقفت على رواية الليث المعلقة عند أبي نعيم، وصلها ابن عدي في ((الكامل))
(٤٠٦/٦) بسند صحيح عنه عن معاوية عن يحيى عن عمرة .. فاتفقت الروايتان وصح
الترجيح المذكور.
٦٧٢ - (وَلَدُ الزنا شَرُّ الثلاثةِ).
أخرجه أبو داود (٣٩٦٣)، والطحاوي في ((المشكل)) (٣٩١/١)، والحاكم
(٢١٤/٢ و١٠٠/٤)، والبيهقي (٥٧/١٠ و٥٩)، وأحمد (٣١١/٢)، وابن عدي
- ٢٧٦ -

(٤٤٨/٣). من طرق عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول
اللّهِ اَلّ: فذكره. وزاد البيهقي في رواية:
((قال سفيان: يعني: إذا عمل بعمل أبويه)).
وقال الحاكم :
((صحيح على شرط مسلم))، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، ولا ينافيه قول
الذهبي في ((سير الأعلام)) (٤٥٩/٥) أنه من غرائب سهيل؛ لأنه إنما يعني أنه من
أفراده، وهو ما أشار إليه ابن عدي عقب الحديث، وقد قال في آخر ترجمته :
((وسهيل عندي مقبول الأخبار، ثبت، لا بأس به)).
ومن المعروف عند العلماء أن ما تفرد به الثقة فهو حجة؛ لا يجوز رد حديثه لمجرد
التفرد، ولهذا حسن إسناده ابن القيم كما يأتي، وتبعه المناوي في ((التيسير)».
وتابعه عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة به .
أخرجه الحاكم وعنه البيهقي .
قلت: وإسناده حسن في المتابعات والشواهد.
وتفسير سفيان المذكور قد روي مرفوعاً من حديث عبد الله بن عباس وعائشة.
أما حديث ابن عباس؛ فيرويه ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عنه قال: قال
رسول الله مثل :
((ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه)).
أخرجه ابن عدي (٢/١٢٧)، ومن طريقه البيهقي، والطبراني في ((المعجم
الكبير)) (٢/٩٢/٣)، و((الأوسط)) (٢/١٨٣/١) وقال:
((لم يروه عن داود إلا ابن أبي ليلى)).
قلت: واسمه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو ضعيف لسوء حفظه،
- ٢٧٧ -

ولهذا قال البيهقي :
(إسناده ضعيف)) .
وأما المناوي فحسنه، ولعله يعني لغيره!
وأما حديث عائشة؛ فيرويه إبراهيم بن إسحاق عن محمد بن قيس عنها به.
أخرجه هكذا ابن الأعرابي في ((المعجم)) (١/٨ -٢) من طريق إسحاق بن
منصور: نا إسرائیل عنه .
وخالفه أسود بن عامر فقال: ثنا إسرائيل قال: ثنا إبراهيم بن إسحاق عن
إبراهيم بن عبيد بن رفاعة عنها به .
أخرجه أحمد (١٠٩/٦).
قلت: وهذا الاضطراب من إبراهيم بن إسحاق، وهو إبراهيم بن الفضل
المخزومي المترجم في ((التهذيب))، وهو متروك كما في ((التقريب))، وسائر الرواة
ثقات .
وهذا التفسير وإن لم يثبت رفعه؛ فالأخذ به لا مناص منه؛ كي لا يتعارض
الحديث مع النصوص القاطعة في الكتاب والسنة؛ أن الانسان لا يؤاخذ بجرم غيره.
وراجع لهذا المعنى الحديث (١٢٨٧) من ((الكتاب الآخر)).
وقد روي الحديث عن عائشة رضي الله عنها على وجه آخر؛ لو صح إسناده لكان
قاطعاً للإِشكال ورافعاً للنزاع، وهو ما روى سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق عن الزهري
عن عروة قال :
((بلغ عائشة رضي الله عنها أن أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَله: ((ولد الزنا شر
الثلاثة)). فقالت: [يرحم الله أبا هريرة]! أساء سمعاً فأساء إجابة؛ لم يكن الحديث على
هذا؛ إنما كان رجل [من المنافقين] يؤذي رسول الله وَلل، فقال: ((من يعذرني من
فلان؟)). قيل: يا رسول الله! إنه مع ما به ولد زنا. فقال رسول الله وَل: ((هو شر الثلاثة)).
والله عز وجل يقول: ﴿ولا تزرُ وازرةٌ وزرَ أخرى﴾)).
- ٢٧٨ -

أخرجه الطحاوي والحاكم وعنه البيهقي وضعفه بقوله :
((سلمة بن الفضل الأبرش يروي مناكير)).
قلت: وقال الحافظ :
((صدوق كثير الخطأ)).
وفيه علة أخرى؛ وهي عنعنة ابن إسحاق فإنه مدلس، ومع ذلك فقد قال الحاكم :
((صحيح على شرط مسلم))!
ورده الذهبي بقوله :
((كذا قال، وسلمة لم يحتج به (م)؛ وقد وثق، وضعفه ابن راهويه)).
قلت: وكذلك ابن إسحاق لم يحتج به مسلم؛ وإنما روى له متابعة؛ على أنه
مدلس وقد عنعنه .
قال الإِمام الطحاوي عقبه :
((فبان لنا بحديث عائشة رضي الله عنها أن قول رسول الله يَّر الذي ذكره عنه أبو
هريرة: ((ولد الزنا شر الثلاثة))؛ إنما كان لإِنسان بعينه كان منه من الأذى لرسول الله والقل ما
كان منه؛ مما صار به كافراً شرّاً من أمه ومن الزاني الذي كان حملها به منه. والله تعالى
نسأله التوفيق)).
قلت: ولكن في إسناد حديثها ما علمت من الضعف، وذلك يمنع من تفسير
الحديث به؛ فالأولى تفسيره بقول سفيان المؤيد بحديثين مرفوعين ولو كانا ضعيفين؛ إلا
أن یبدو لأحد ما هو أقوى منه فيصار حينئذ إليه .
ويبدو من كلام ابن القيم رحمه الله في رسالته ((المنار)) أنه جنح إلى هذا التفسير؛
لأن مؤداه إلى أن الحديث ليس على عمومه؛ فقد ذكر حديث: ((لا يدخل الجنة ولد زنا))
الآتي عقب هذا، وحكى قول ابن الجوزي أنه معارض لآية ﴿ولا تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرىٌ﴾
- ٢٧٩ -

فقال :
((قلت: ليس معارضاً لها إن صح؛ فإنه لم يحرم الجنة بفعل والديه؛ بل إن النطفة
الخبيثة لا يتخلق منها طيب في الغالب، ولا يدخل الجنة إلا نفس طيبة، فإن كانت في
هذا الجنس طيبة دخلت الجنة، وكان الحديث من العام المخصوص. وقد ورد في ذمه
أنه ((شر الثلاثة))، وهو حديث حسن، ومعناه صحيح بهذا الاعتبار؛ فإن شر الأبوين
عارض، وهذا نطفته خبيثة، وشره من أصله، وشر الأبوين من فعلهما)).
(تنبيه) : لقد تبين لكل ذي عين من هذا التخريج والتحقيق أن الحديث بهذه
الطرق صحيح بلا ريب، وأقواها حديث سهيل، ولذلك قصر ابن الجوزي - ومن قلده -
تقصيراً فاحشاً بإيراده الحديث في ((موضوعاته)) (١١٠/٣) من رواية ابن عدي وحده؛
ليتسنى له أن يقول: ((فيه من لا يعرف))! يشير إلى شيخ ابن عدي فيه (حمزة بن داود
الثقفي)، فخفيت عليه الطرق الأخرى من تخريج أبي داود وغيره، وقد سبقت الإِشارة
إليها، وهي عن جرير بن عبدالحميد وخالد الحذاء وأبي حذيفة والثوري ويعقوب بن
عبدالرحمن، فهؤلاء الثقات رووه عن سهيل! ولقد تعامى عنها - مع الأسف - المعلق
على ((سير الذهبي)) - كعادته فيما لا يوافق هواه من الحديث - فأوهم قراءه أن الحديث من
رواية ابن عدي فقط المعللة! وتشبث بتضعيف شيخه حمزة وشيخه، وهو واهم أيضاً في
ذلك، ولا داعي لمناقشته في ذلك؛ ففي تلك الطرق غنية عن المناقشة لو أنصف!
٦٧٣ - (لا يدخلُ الجنةَ عاقٌّ، ولا مَنَّانٌ، ولا مُدْمِنُ خمر، [ولا ولدُ
زنيةٍ]).
أخرجه الدارمي (١١٢/٢)، وكذا النسائي (٣٣٢/٢)، والبخاري في ((التاريخ
الصغير)) (١٢٤)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٢٠٥/٢)، وابن خزيمة في ((التوحيد))
(ص ٢٣٦)، وابن حبان (١٣٨٢ و ١٣٨٣)، والطحاوي في ((المشكل)) (٣٩٥/١)،
وأحمد (٢٠١/٢ و٢٠٣) من طريق سالم بن أبي الجعد عن جابان عن عبدالله بن عمرو
عن النبي ◌َّ به. وليس للبخاري منه إلا الزيادة وقال:
- ٢٨٠ _