Indexed OCR Text

Pages 201-220

كان زهيراً الذي يروي عنه الشاميون آخر. وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر
غلطه)).
قلت: وهذا من رواية التنيسي عنه وهو شامي، ولذلك فالإِسناد عندي ضعيف.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٤ /٢٧٢):
((رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه عبد الرحمن عن أنس، وعنه زهير بن محمد
ولم أعرفه؛ إلا أن يكون عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ فيكون إسناده منقطعاً، وإن كان
غيره فلم أعرفه. والله أعلم)).
قلت: بينت رواية الحاكم أنه عبد الرحمن بن زيد، ثم ذكر أنه ابن عقبة، وقد
ترجمه ابن أبي حاتم (٢٣٣/٢/٢) وقال:
((يعد في أهل المدينة، روى عن أنس بن مالك، روى عنه عمرو بن يحيى،
وسألت أبي عنه؟ فقال: ما بحديثه بأس)).
وأورده ابن حبان في ((الثقات)) (١٢٥/١).
(تنبيه): ذكرت آنفاً أن الذهبي أقر الحاكم على تصحيحه، وهو الذي وقع في
النسخة المطبوعة من ((التلخيص)). ثم رأيت المناوي يقول في ((الفيض)):
((قال الحاكم: صحيح. فتعقبه الذهبي بأن زهيراً وثق؛ لكن له مناكير. اهـ. وقال
ابن حجر: سنده ضعيف)».
ونقل المنذري في ((الترغيب)) (٦٨/٣) تصحيح الحاكم إياه، وأقره أيضاً!
وكذلك صنع الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (٢٢/٢)؛ ولكنه ذكر أن ابن
الجوزي رواه في ((العلل)) من حديث أنس بسند ضعيف)).
قلت: هو في ((العلل)) (٢ /١٢٢) من طريق أخرى ضعيفة عن يزيد الرقاشي به.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٤ /٢٥٢):
- ٢٠١ -

((رواه الطبراني في ((الأوسط)) بإسنادين، وفيهما يزيد الرقاشي وجابر الجعفي،
وكلاهما ضعيف، وقد وثقا)».
قلت: التوثيق المذكور مما لا يعتد به لا سيما في الجعفي؛ فقد اتهمه بعضهم؛
لكنه ليس في الطريق الأخرى عند الطبراني، وقد تابعه الخليل بن مرة وهو خير منه كما
سبق تحقيقه .
فإذا ضمت هذه الطريق إلى طريق عبد الرحمن بن زيد؛ أخذ الحديث بهما قوة.
والله تعالى أعلم.
٦٢٦ - (المُتَبَارِيَانِ لا يُجَابَانِ، ولا يُؤْكَلُ طعامُهُمَا).
هكذا أورده الخطيب التبريزي في ((المشكاة)) (٣٢٢٦)، ثم السيوطي في
((الجامع الصغير)) من رواية البيهقي في ((شعب الإِيمان)) عن أبي هريرة مرفوعاً. وقال
المناوي :
((ورواه عنه أيضاً ابن لال والديلمي)).
هكذا قال، ولم يتكلم على إسناده بشيء، وقد وقفت عليه؛ فقال ابن السماك في
جزء من ((حديثه)) (ق ١/٦٤): حدثنا سعيد بن عثمان الأهوازي: نا معاذ بن أسد: نا
علي بن الحسن الضرير عن أبي حمزة السكري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي
هريرة به؛ إلا أنه قال:
((المترائيان)).
وعليه حرف (صـ) إشارة إلى أنه كذلك هو في الأصل، والنسخة جيدة؛ فإنها
بخط الحافظ ابن عساکر مؤرخ دمشق وسماعه .
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال البخاري؛ غير سعيد بن عثمان
الأهوازي ترجمه الخطيب وقال (٩٧/٩):
- ٢٠٢ -

((وكان ثقة، وقال الدارقطني: صدوق، حدث ببغداد)).
قلت: وعلي بن الحسن الضرير هو علي بن الحسن بن شقيق العبدي مولاهم
المروزي، فقد ذكروا في شيوخه أبا حمزة السكري شيخه في هذا الحديث، ولكني لم
أر من وصفه بـ (الضرير). والله أعلم.
ثم رأيته في ((شعب البيهقي)) (٦٠٦٨/١٢٩/٥) من طريق أحمد بن عبيد،
و («مسند الديلمي)) (٨٣/٣) معلقاً على ابن لال، رواه عن شيخين له أحدهما عثمان بن
أحمد - وهو ابن السماك ــ قالوا: حدثنا سعيد بن عثمان الأهوازي به؛ لم يقع فيه عندهم
لفظ: ((الضرير))، فألقي في النفس أنها مقحمة من بعض النساخ أو الرواة، كما أنه
تحرف اسم ((معاذ)) إلى ((معلى)) في ((الشعب))، وقال في تفسير الحديث:
((يعني : المتباريين بالضيافة فخراً ورياءً)).
وللحدیث شاهد من حديث ابن عباس :
((أن النبي ◌َّ نهى عن طعام المتباريين أن يؤكل)).
أخرجه أبو داود (٣٧٥٤) وغيره بإسناد رجاله ثقات؛ لكنهم صححوا أنه مرسل؛
کما بينته في التعليق علی «المشكاة)، وهو مرسل صحيح الإسناد، فهو شاهد قوي؛ لا
سيما وقد أودعه الضياء المقدسي في ((المختارة)) (١/٤١/٦٤)، وأشار إلى الخلاف في
وصله وإرساله. وممن أرسله البغوي في ((الجعديات)) (٣٢٥٧/١١١٢/٢).
٦٢٧ - (إذا دخلَ أحدُكُم على أخيهِ المسلمِ، فَأَطْعَمَهُ منْ طعامِهِ؛
فليأكُلْ ولا يَسأَلْهُ عنه، وإنْ سَقَاهُ من شرابِهِ فليشربْ من شرابِهِ، ولا يسألُهُ
عنه) .
أخرجه الحاكم (١٢٦/٤)، وأحمد (٣٩٩/٢)، وأبو يعلى (٦٣٥٨)، والطبراني
في ((الأوسط)) (٢٤٦١/٢١٩/٣ ط و٥٤٣٨/٢/٢٣/٢ بترقيمي)، والخطيب (٨٧/٣
- ٢٠٣ -

- ٨٨)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) (١١٣/١/١ - مختصره) من طريق مسلم بن
خالد عن زيد بن أسلم عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله مؤلّ:
فذكره. وقال الحاكم :
((صحيح الإِسناد، وله شاهد صحيح على شرط مسلم حدثناه ... )).
ثم ساقه من طريق ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة رواية قال: فذكره. ووافقه
الذهبي .
وقوله: ((إنه على شرط مسلم)) فيه تساهل؛ لأنه إنما روى لابن عجلان متابعة؛
ولذلك قال المناوي في ((التيسير)): ((وإسناده لا بأس))، فالحديث بمجموع الطريقين
صحيح .
وقوله: ((رواية)) هو بمعنى مرفوعاً كما هو مقرر في علم المصطلح، فلا ينبغي أن
يعلَّ الإِسناد الأول بهذا؛ بل هذا شاهد قوي له كما ذكر الحاكم. والله أعلم.
هذا والظاهر أن الحديث محمول على من غلب على ظنه أن الأخ المسلم ماله
حلال ويتقي المحرمات، وإلا جاز بل وجب السؤال، كما هو شأن بعض المسلمين
· المستوطنين في بلاد الكفر، فهؤلاء وأمثالهم لا بد من سؤالهم عن لحمهم مثلاً أقتيل هو
أم ذبیح؟
٦٢٨ - (عليكم بالرَّمْيِ فإنّهُ خيرُ لَعِبِكُم).
رواه البزار في («مسنده)) (١٧٠١/٢٧٩/٢ - الكشف)، والطبراني في ((الأوسط))
(٢٠٧٠/٣٩/٣ ط)، وأبو حفص المؤدب في ((المنتقى من حديث ابن مخلد وغيره))
(٢/٢٢٥)، والخطيب في ((الموضح)) (٣٠/٢) عن حاتم بن الليث: ثنا يحيى بن.
حماد: ثنا أبو عوانة عن عبدالملك بن عمير عن مصعب بن سعد عن أبيه مرفوعاً.
قلت: وهذا سند حسن، رجاله كلهم ثقات من رجال ((التهذيب))؛ غير حاتم بن
الليث فقال الخطيب (٢٤٥/٨):
((كان ثقة ثبتاً متقناً حافظاً)).
وبقية رجاله رجال الشيخين، ولولا أن عبد الملك بن عمير كان تغير حفظه في آخر
- ٢٠٤ -

عمره؛ لجزمت بصحة هذا السند، ولا يضره أنه وصف بالتدليس؛ لأنه مغتفر لقلته؛ كما
أشار إلى ذلك الحافظ بقوله: ((ربما دلس))، وأعله البزار بالوقف، ولا أدري وجهه!
والحديث قال المنذري في ((الترغيب)) (١٧٠/٢):
((رواه البزار والطبراني في ((الأوسط))، وإسنادهما جيد قوي)).
وقال الهيثمي (٢٦٨/٥):
((رواه الطبراني في ((الأوسط)) و((الكبير))، والبزار، ورجالهما رجال ((الصحيح))؛
خلا عبد الوهاب بن بخت وهو ثقة)).
كذا وقع فيه؛ ولعله من الناسخ، والصواب: خلا حاتم بن الليث.
٦٢٩ - (ما مِنْ إمامٍ يُغْلِقُ بابَهُ دونَ ذَوِي الحاجةِ والخَلَّةِ والمسكنةِ؛ إلا
أغلقَ الله أبوابَ السماءِ دونَ خَلَّتِهِ وحاجَتِهِ ومسكنَتِهِ).
أخرجه الترمذي (٢٤٩/١)، والحاكم (٩٤/٤)، وأحمد (٢٣١/٤) من طريق
علي بن الحكم قال: حدثني أبو حسن عن عمرو بن مرة قال: قلت لمعاوية بن أبي
سفيان: إني سمعت رسول الله وَ ل ( يقول: فذكره. قال: فجعل معاوية رجلاً على حوائج
الناس. وقال الحاكم :
(إسناده صحيح))، ووافقه الذهبي! وذلك من أوهامهما؛ فإن أبا الحسن هذا هو
الجزري، وقد قال الذهبي نفسه في ترجمته من ((الميزان)):
((تفرد عنه علي بن الحكم)).
وقال الحافظ في ((التقريب)):
«مجهول)) .
لكن الحديث له إسناد آخر صحيح بلفظ :
((من ولاء الله عز وجل شيئاً من أمر المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم
وفقرهم؛ احتجب الله عنه دون حاجته وخَلَّتِه وفقره)).
أخرجه أبو داود (٢٩٤٨)، والترمذي ولم يسق لفظه، وابن سعد في ((الطبقات))
- ٢٠٥ -

(٤٣٧/٧)، والحاكم، والبيهقي (١٠١/١٠)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
(١/٨٤/١٩ -٢) من طريق القاسم بن مخيمرة أن أبا مريم الأزدي أخبره قال:
((دخلت على معاوية فقال: ما أنعمنا بك أبا فلان ! - وهي كلمة تقولها العرب -
فقلت: حديثاً سمعته أخبرك به؛ سمعت رسول الله وَّ ر يقول: فذكره. وقال الحاكم:
((وإسناده شامي صحيح))، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا .
وله شاهد من حديث معاذ مرفوعاً به نحوه.
أخرجه أحمد (٢٣٨/٥)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣١٦/١٥٢/٢٠)
بإسناد قال المنذري (١٤١/٣): ((جيد)»؛ وإنما هو حسن في الشواهد؛ لأن فيه شريكاً
القاضي وهو سىء الحفظ.
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٢١٠/٥):
((رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات))!
٦٣٠ - (بَلْ عَارِيَةٌ مؤداةٌ).
أخرجه أبو داود (٢٦٦/٢)، والنسائي كما في ((المحلی)) (١٧٣/٩)، وابن حبان
في ((صحيحه)) (١١٧٣)، وأحمد (٢٢٢/٤) عن حبان بن هلال: نا همام بن يحيى : نا
قتادة عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قال: قال لي رسول الله
:醬
((إذا أتتك رسلي؛ فأعطهم ثلاثين درعاً وثلاثين بعيراً. فقلت: يا رسول الله!
أعارية مضمونة أم عارية مؤداة؟(١) قال: )) فذكره. وقال ابن حزم:
(١) قال الصنعاني في «سبل السلام)) (٥٥/٣):
((المضمونة التي تضمن إن تلفت بالقيمة، والمؤداة التي يجب تأديتها مع بقاء عينها؛ فإن تلفت
لم تضمن بالقيمة)».
قلت: وذلك مقيد بما إذا كان من غير تعدي المستعير؛ وإلا فهو ضامن. كما هو ظاهر.
- ٢٠٦ -

(«حديث حسن، ليس في شيء مما يروى في العارية خبر يصح غيره)).
کذا قال، وفي الباب حديثان آخران ثابتان سأذكرهما بعد هذا.
وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات، وقد قال الحافظ في ((بلوغ المرام)):
(رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان)).
قلت: وليس هو عند النسائي في (المجتبى))؛ فالظاهر أنه في ((سننه الكبرى))!
وفي الحديث دلالة على وجوب أداء العارية ما بقيت عينها، فإذا تلفت في يد
المستعير؛ لم يجب عليه الضمان؛ لأنه فرق فيه بين الضمان والأداء، فأوجب الأداء دون
الضمان. وهذا مذهب أبي حنيفة وابن حزم، واختاره الصنعاني فقال:
((والحديث دليل لمن ذهب إلى أنها لا تضمن العارية إلا بالتضمين، وهو أوضح
الأقوال)».
ويدل للاستثناء المذكور حديث صفوان بن أمية الآتي وهو:
٦٣١ - (لا؛ بَلْ عارِيَةٌ مضمونةٌ).
أخرجه أبو داود (٢٦٥/٢)، والبيهقي (٨٩/٦)، وأحمد (٤٠١/٣ و٤٦٥/٦)،
والطبراني (٧٣٣٩/٥٩/٨) عن شريك عن عبد العزيز بن رفيع عن أمية بن صفوان بن
أمية عن أبيه أن رسول الله و الهر استعار منه أدراعاً يوم حنين، فقال: أغصب يا محمد؟
فقال: فذكره. وزاد أحمد وغيره قال:
((فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله ﴿ ﴿ أن يضمنها له، قال: أنا اليوم يا رسول
الله! في الإِسلام أرغب)).
ولهذه الزيادة شاهد مرسل عن أناس من آل عبدالله بن صفوان عند أبي داود
وغيره. ورجاله ثقات. وقال أبو داود:
((وكان أعاره قبل أن يسلم)).
- ٢٠٧ -

ولصفوان ترجمة حسنة في ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٥٦٢/٢ -٥٦٧).
قلت: وهذا سند ضعيف، وله علتان :
الأولى : جهالة أمية هذا، لم يورده ابن أبي حاتم، ولا وثقه أحد، ولهذا
قال الحافظ :
«مقبول». لكنه لم يتفرد به کما یأتي .
وأما ما نقله الدكتور بشار في تعليقه على ((تهذيب الكمال)) (٣٣٣/٣) عن («تاريخ
الإِسلام)» للذهبي (٤٤/٢) أنه قال: ((صدوق)). فهذا إنما قاله الذهبي في (أمية بن
صفوان بن عبدالله بن صفوان بن أمية )، فهذا متأخر عن صاحب الترجمة، ويؤيد قول
الذهبي توثيق ابن حبان إياه (٤١/٤)، وإخراج مسلم له في ((صحيحه))، وسيأتي تحت
الحديث (٢٤٣٢).
الثانية : شريك - وهو ابن عبد الله القاضي - وهو سىء الحفظ، وقد تابعه
قيس بن الربيع؛ ولكنه خالفه في إسناده، فأدخل بين عبد العزيز وأمية بن صفوان (ابن
أبي مليكة). علقه البيهقي .
وتابعه أيضاً جرير؛ لكنه قال: عن عبد العزيز عن أناس من آل عبد الله بن صفوان
أن رسول الله وَ ا﴾ قال:
((يا صفوان! هل عندك من سلاح؟)). قال: عارية أم غصباً؟ قال: ((لا؛ بل
عارية)). فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين درعاً .. الحديث.
أخرجه أبو داود وعنه البيهقي .
ثم أخرجه هذا من طريق أنس بن عياض الليثي عن جعفر بن محمد عن أبيه .
أن صفوان أعار رسول الله والتر سلاحاً؛ هي ثمانون درعاً، فقال له: أعارية
- ٢٠٨ -

مضمونة أم غصباً؟ فقال رسول الله وَ لتر: فذكره. ثم قال:
((وبعض هذه الأخبار وإن كان مرسلاً؛ فإنه يقوى بشواهده مع ما تقدم من
الموصول)).
ويشير بقوله: ((بشواهده)) إلى حديث جابر بن عبد الله، وحديث ابن عباس.
أما حديث جابر؛ فأخرجه الحاكم (٤٨/٣ - ٤٩)، وعنه البيهقي (٨٩/٦) من
طريق ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه
جابر بن عبد الله :
((أن رسول الله وسلو سار إلى حنين - فذكر الحديث وفيه : - ثم بعث رسول الله إلى
صفوان بن أمية؛ فسأله أدراعاً عنده مائة درع وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصباً يا
محمد؟ فقال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها عليك. ثم خرج رسول الله ﴿ ل ﴿ سائراً).
وقال الحاكم :
((صحيح الإِسناد))، ووافقه الذهبي.
قلت: وإنما هو حسن فقط للكلام المعروف في ابن إسحاق، والمتقرر أنه حسن
الحديث إذا صرح بالتحديث كما في هذا.
وأما حديث ابن عباس؛ فأخرجه البيهقي (٨٨/٦) عن الحاكم عن إسحاق بن
عبد الواحد القرشي: ثنا خالد بن عبد الله عن خالد الحذاء عنه:
((أن رسول الله و # استعار من صفوان بن أمية أدراعاً وسلاحاً في غزوة حنين،
فقال: يا رسول الله! أعارية مؤداة؟ قال: عارية مؤداة)).
قلت: وهذا سند ضعيف علته إسحاق هذا؛ قال أبو علي الحافظ :
(متروك الحديث)).
وقال الخطيب :
- ٢٠٩ -

((لا بأس به)).
ورده الذهبي بقوله :
((قلت: بل هو واه)).
ولهذا قال الحافظ في ((بلوغ المرام)) عقب حديث صفوان هذا:
((وصححه الحاكم، وأخرج له شاهداً ضعيفاً عن ابن عباس)).
وفي الحديث دليل على أن العارية تضمن، ولا خلاف بينه وبين الحديث الذي
قبله؛ لأنه يدل على الضمان إذا تعهد بذلك المستعير، والحديث المشار إليه محمول
على ما إذا لم يتعهد، فلا تعارض. أي أن الأصل في العارية إذا تلفت أن لا تضمن؛ إلا
بالتعهد. قال الصنعاني :
((الحديث دليل على تضمين العارية، فإن وصفها بـ ((مضمونة)) يحتمل أنها صفة
موضحة، وأن المراد من شأنها الضمان، فيدل على ضمانها مطلقاً. ويحتمل أنها صفة
للتقييد، وهو الأظهر؛ لأنها تأسيس، ولأنها كثيرة. ثم ظاهره أن المراد عارية قد ضمناها
لك، وحينئذ يحتمل أنه يلزم؛ ويحتمل أنه غير لازم؛ كالوعد وهو بعيد. فيتم الدليل
بالحديث للقائل أنها تضمن، وهو الأظهر بالتضمين، إما بطلب صاحبها له؛ أو بتبرع
المستعير)) .
٦٣٢ - (المختلعاتُ والمنتزعاتُ هُنَّ المنافقاتُ).
أخرجه النسائي (١٠٤/٢)، والبيهقي (٣١٦/٧)، وأحمد (٤١٤/٢) من طريق
أيوب عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي ◌َّلو أنه قال: فذكره. قال النسائي:
((قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة)).
قلت: وهذا نص صريح منه أنه سمعه من أبي هريرة، وهو ثقة صادق؛ فلا أدري
وجه جزم النسائي رحمه الله تعالى بنفي سماعه منه! مع أن السند إليه صحيح على شرط
- ٢١٠ -

مسلم؟! وقد قال الحافظ في ((التهذيب)) بعد أن ساقه في ترجمة الحسن:
((وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته، وهو يؤيد أنه سمع من أبي هريرة في
الجملة، وقصته في هذا شبيهة بقصته في سمرة سواء)).
قلت: يعني أن الذي تحرر في اختلاف العلماء في سماع الحسن من سمرة أنه
سمع منه شيئاً قليلاً، فكذلك سماعه من أبي هريرة ثابت؛ ولكنه قليل أيضاً بدلالة هذا
الحديث. والله أعلم.
وبالجملة؛ فهذا الإِسناد متصل صحيح، فلا يلتفت إلى إعلال النسائي
بالانقطاع؛ لأنه يلزم منه أحد أمرين: إما تكذيب الحسن البصري في قوله المذكور،
وإما توهيم أحد الرواة الذين رووا ذلك عنه. وكل منهما مما لا سبيل إليه، أما الأول
فواضح، وأما الآخر؛ فلأنه لا يجوز توهيم الثقات بدون حجة أو بينة، وهذا واضح بين.
ثم إن للحديث شواهد:
الأول : عن أنس بن مالك مرفوعاً مثله.
أخرجه المخلص في ((العاشر من حديثه)) (٢/٢١٤) عن أبي سحيم: ثنا
عبد العزيز بن صهيب عنه .
وهذا إسناد ضعيف جدّاً؛ أبو سحيم - واسمه المبارك بن سحيم - قال الحافظ في
((التقريب)»:
((متروك)).
الثاني : عن عبد الله بن مسعود أن النبي ◌َ﴿ قال: فذكره؛ إلا أنه قال:
((والمتبرجات)) مكان ((والمنتزعات)).
أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٧٦/٨)، والخطيب في ((التاريخ)) (٣٥٨/٣) من
طريق محمد بن هارون الحضرمي : ثنا الحسين بن علي بن الأسود العجلي: ثنا وكيع :
- ٢١١ -

ثنا سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي وائل عنه. وقال أبو نعيم:
«غریب من حديث الأعمش والثوري، تفرد به وکیع)).
قلت: هو ثقة حجة، وكذلك من فوقه، فالسند صحیح إن سلم ممن دونه، وهو
الذي يدل عليه قول أبي نعيم: ((تفرد به وكيع))؛ فإن مفهومه أن من دونه لم يتفرد به،
وهذا خلاف ما رواه الخطيب عن الدارقطني أنه قال:
«ما حدث به غیر أبي حامد)).
قلت: يعني الحضرمي هذا وهو ثقة أيضاً؛ لكن شيخه العجلي متكلم فيه؛ قال
أبو حاتم :
«صدوق)).
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) وقال:
((ربما أخطأ)).
وقال أحمد :
((لا أعرفه)).
وقال ابن عدي :
((يسرق الحديث، وأحاديثه لا يتابع عليها)).
قلت: فإن كان قد توبع عليه كما يفيده مفهوم كلام أبي نعيم المتقدم فالإِسناد
صحيح، وذلك ما أستبعده لما سبق ذكره عن الدارقطني، ولأن العجلي قد خولف في
إسناده! فقال ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٧/ ١/١٤١): نا وكيع قال: نا أبو الأشهب
عن الحسن قال: قال رسول الله وَالتر: فذكره بلفظ العجلي.
فهذا هو الصحيح عن وكيع، وهو إسناد صحيح مرسل، فهو على كل حال شاهد
- ٢١٢ -

قوي للحديث. والله أعلم.
الثالث: عن ثوبان عن النبي ◌َّ قال: فذكره دون قوله: ((والمنتزعات)).
أخرجه الترمذي (٣٢٣/١)، وابن عدي، والحربي في ((غريب الحديث))
(١/١٨٥/٥) عن ليث عن أبي الخطاب عن أبي زرعة عن أبي إدريس عنه. وقال
الترمذي :
«هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوي)).
قلت: وعلته ليث وهو ابن أبي سليم ضعيف، وشيخه أبو الخطاب مجهول كما
قال الحافظ.
وله علة أخرى؛ فقد ذكره ابن أبي حاتم (١ /٣٠٤ - ٣٠٥) من طريق أبي بكر بن
عياش عن ليث به؛ إلا أنه لم يذكر في إسناده أبا إدريس وقال:
((وهذا الصحیح، قد وصلوه؛ زادوا فیه رجلاً)).
قلت: لكن الحديث صحيح يشهد له ما قبله من الطرق.
الرابع: عقبة بن عامر الجهني بلفظ:
((إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات)).
رواه الطبري (ج ٤ رقم ٤٨٤٢ صفحة ٥٦٨) قال: حدثنا أبو کریب قال: حدثنا
حفص بن بشر قال: حدثنا قيس بن الربيع عن أشعث بن سوار عن الحسن عن ثابت بن
يزيد عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله وَّر: فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف من أجل أشعث بن سوار؛ فإنه ضعيف كما في
((التقريب)).
ومثله قيس بن الربيع، وبه وحده أعله الهيثمي (٥/٥) بعد أن عزاه للطبراني
وقال :
- ٢١٣ -

((وبقية رجاله رجال (الصحيح)))!
كذا قال؛ ولا أدري إذا كان شيخ قيس في رواية الطبراني هو غير أشعث بن سوار؟
ثم طبع ((المعجم الكبير)) للطبراني؛ فرأيته فيه (٩٣٥/٣٣٩/١٧) من طريق
الأشعث، فتبين أن الهيثمي كان واهماً فيما قال.
٦٣٣ - (كانَ يَكْتَحِلُ في عینِهِ الیمنی ثلاثَ مراتٍ، والیسری مرتين).
أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٤٨٤/١)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
(٥٩٩/٨) عن عبدالحميد بن جعفر عن عمران بن أبي أنس قال: فذكره مرفوعاً.
قلت: وهذا إسناد مرسل قوي، عمران تابعي، مات سنة (١١٧).
ثم أوقفني الأستاذ شعيب الأرناؤط على وصله في ((أخلاق النبي (َّات)) لأبي الشيخ
(ص ١٨٣)، ومن طريقه البغوي في ((شرح السنة)) (١١٩/١٢) من هذا الوجه عن
عمران عن أنس مرفوعاً به.
ورجاله ثقات، فثبت موصولاً والحمد لله.
وقد روي له شاهد من طريق عتيق بن يعقوب الزبيري: نا عقبة بن علي عن
عبدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ:
((كان إذا اكتحل جعل في العين اليمنى ثلاثاً، وفي اليسرى مِرْوَدَّيْنِ، فجعلها
وتراً)).
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١/١٩٩/٣)، و((المعجم الأوسط))
(٨٦٤/٢/٥٠/١ بترقيمي).
قلت: وهذا إسناد ضعيف؛ عبد الله بن عمر - وهو العمري المكبر - ضعيف.
وعقبة بن علي ليس بالمشهور؛ قال العقيلي في ((الضعفاء)):
- ٢١٤ _

((لا يتابع على حديثه، وربما حدث بالمنكر عن الثقات)).
وعتيق بن يعقوب فيه ضعف يسير كما بينه في ((اللسان))، فالعلة ممن فوقه؛
عبدالله أو عقبة.
ومن طريقه أخرجه البزار أيضاً كما في ((مجمع الزوائد)) (٩٦/٥) وقال:
((وهو ضعيف)».
قلت: ولم أره في ((الطب)) ولا في ((الزينة)) من ((زوائد البزار)). والله أعلم.
وإنما فيه (ص ١٦٦) من طريق الوضاح بن يحيى: حدثنا أبو الأحوص عن عاصم
عن أنس مرفوعاً بلفظ:
((كان يكتحل وتراً».
وقال الهيثمي :
((والوضاح بن يحيى ضعيف)).
ثم وجدت له ما يقويه؛ فأخرجته فيما يأتي برقم (٢٧٤٦).
قلت: ولفظه مجمل يحتمل أنه عنى وتراً في عين واحدة دون الأخرى؛ أي فهو
وتر بالنسبة إليهما معاً وهو الأظهر. ويحتمل أنه عنى وتراً بالنسبة لكل واحدة منهما؛ يعني
ثلاثاً في كل عين، وهذا روي صريحاً في حديث ابن عباس من طريق عباد بن منصور
عن عكرمة عنه.
لكنه إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن عباد بن منصور كان تغير في آخره؛ مع كونه
مدلساً؛ كما كنت بينته في تخريج حديثه هذا في (إرواء الغليل)) رقم (٧٥)، وأن بينه
وبين عكرمة رجلين أسقطهما هو؛ أحدهما - وهو إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي -
كذاب، والآخر ضعيف.
وأشرت هناك إلى تخطئة العلامة الشيخ أحمد شاكر؛ لتصحيحه إسناد هذا
- ٢١٥ __

الحديث في تعليقه على ((المسند)) (٣٣١٨).
والآن قد بدا لي أنه لا بد من توضيح ما أشرنا إليه هناك؛ لأن بعض الأساتذة
المشتغلين بالتحقيق لما اطلع عليه أشكل عليه الأمر، فأقول:
إن العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى بنى تصحيحه المذكور على أمور هامة :
الأول : أن عباد بن منصور ثقة (ج ٦/٤ و١٠٨/٥).
الثاني : أنه لم يكن مدلساً أصلاً.
الثالث : شكه في ثبوت الكلمات التي وردت عن بعض أئمة الحديث الدالة على
أن عباداً كان مدلساً، وشكه في دلالتها إن صحت!
الرابع : أن ابن أبي يحيى الذي دلسه عباد ليس هو إبراهيم بن أبي يحيى
الكذاب؛ وإنما هو محمد بن أبي يحيى الثقة!
هذه هي الدعائم التي بنى عليها الشيخ المومى إليه صحة الحديث.
وجواباً على ذلك أقول وبالله التوفيق :
أولا : لا نعلم أحداً من الأئمة المتقدمين - ولا من الحفاظ المتأخرين - أطلق
التوثيق على عباد بن منصور كما فعل الشيخ رحمه الله تعالى، اللهم إلا رواية عن
يحيى بن سعيد هي معارضة بأقوى منها عنه نفسه.
وقبل الشروع في بيان ذلك أسرد لك أقوال الأئمة التي ذكرها الحافظ في
((التهذيب» في ترجمة عباد هذا:
١ - قال علي بن المديني: ((قلت ليحيى بن سعيد: عباد بن منصور كان قد تغير؟
قال: لا أدري؛ إلا أنا حين رأيناه نحن كان لا يحفظ. ولم أر يحيى يرضاه)). ((الجرح
والتعديل)) (٨٦/١/٣)، وابن عدي (ق ١/٢٣٨).
٢ - وقال أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد: ((قال جدي: عباد ثقة، لا ينبغي أن
- ٢١٦ -

يترك حديثه لرأي أخطأ فيه. يعني: القدر)).
٣ - وقال الدوري عن ابن معين: ((ليس بشيء(١)، وكان يُرمى بالقدر)).
٤ - وقال أبو زرعة: ((لين)). ((الجرح)) (٨٦/١/٣).
٥ - وقال أبو حاتم: ((كان ضعيف الحديث، يكتب حديثه، ونرى أنه أخذ هذه
الأحاديث عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود بن الحصين عن عكرمة)). ((الجرح))
(٨٦/١/٣) دون التصريح باسم (إبراهيم).
٦ - وقال علي بن المديني: ((سمعت يحيى بن سعيد: قلت لعباد ين منصور:
سمعتَ حديث: ((مررت بملأٍ من الملائكة .. ))، و((أن النبي ◌َّلو كان يكتحل ... ))
يعني من عكرمة؟ فقال: حدثهن ابن أبي يحيى عن داود عن عكرمة)).
٧ - وقال أبو داود: ((ليس بذاك))(٢).
٨ - وقال النسائي: ((ليس بحجة)). وفي موضع آخر: ((ليس بالقوي))(٣).
٩ - وقال ابن عدي - كما تقدم في الحديث الذي قبله - : ((هو في جملة من یکتب
حديثه)) .
١٠ - وقال ابن حبان: ((كل ما روى عن عكرمة سمعه من إبراهيم بن أبي يحيى عن
داود بن الحصين عنه، فدلسها عن عكرمة)).
١١ - وقال الدارقطني: ((ليس بالقوي)).
١٢- وقال أحمد: ((كانت أحاديثه منكرة، وكان قدرياً، وكان يدلس)).
(١) زاد في ((الجرح والتعديل)) عنه: ((ضعيف)). وكذا عنده في رواية ابن أبي خيثمة عن ابن
معين. وعند ابن عدي (١/٢٣٨) ((ليس حديثه بالقوي)). وعنده من طريق الدورقي عن ابن معين:
(ضعيف الحديث)).
(٢) قلت: وزاد العقيلي عنه: ((وعنده أحاديث فيها نكارة، وقالوا: تغير)).
(٣) قلت: وقال في ((الضعفاء: ((ضعيف، وقد كان أيضاً تغير)).
- ٢١٧ -

١٣- وقال ابن أبي شيبة: ((روى عن أيوب وعكرمة أحاديث مناكير)).
١٤- وقال أبو بكر البزار: ((روى عن عكرمة أحاديث، ولم يسمع منه)).
١٥- وقال العجلي: ((لا بأس به يكتب حديثه)). وقال مرة: ((جائز الحديث)).
١٦ - وقال ابن سعد: ((وهو ضعيف عندهم، وله أحاديث منكرة)).
١٧ - وقال الجوزجاني: ((كان يُرمى برأيهم، وكان سيىء الحفظ، وتغير أخيراً)).
قلت : بعد هذا السرد لما قيل في عباد؛ يتبين لك أن كل هؤلاء الأئمة اتفقت
أقوالهم على تضعيفه؛ إلا ما في الرواية رقم (٢) عن يحيى بن سعيد، فسيأتي بیان ما
يعارضها، وإلا قول العجلي (١٥): ((لا بأس به يكتب حديثه)). وقال مرة: ((جائز
الحديث)). وهذا كما ترى ليس صريحاً في التوثيق؛ بل إن كل من كان على علم بأقوال
الأئمة في الرجال، وتعابيرهم في التعديل والتجريح؛ ليشعر معي أن هذا القول من
العجلي ليشير إلى أن في الرجل ضعفاً ولو يسيراً، وحينئذ فلا يجوز الاعتماد عليه في
توثيق عباد توثيقاً مطلقاً لأمرين:
الأول : أنه ليس صريحاً في ذلك كما ذكرنا.
والآخر : أنه لو كان صريحاً؛ فالعجلي معروف بالتساهل في التوثيق كابن حبان
تماماً، فتوثيقه مردود إذا خالف أقوال الأئمة الموثوق بنقدهم وجرحهم؛ على أنه يمكن
بشيء من التسامح أن يحمل كلامه على موافقة كلماتهم؛ لأنه ليس صريحاً في التوثيق
کما ذكرنا.
وأما قول يحيى بن سعيد في الرواية الثانية عنه: ((ثقة)).
فالجواب من وجهين :
الأول : معارضته بما في الرواية الأولى عنه وترجيحها عليه بأمرين :
١ - أنها أصح؛ لأنها من رواية علي بن المديني الإمام الثبت، وتلك من رواية
- ٢١٨ -

أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد الذي لم يزد الحافظ في ترجمته على قوله فيه :
((صدوق))!
٢ - أنها تضمنت جرحاً مفسراً، والجرح المفسر مقدم على التعديل عند
التعارض؛ كما هو معلوم في ((المصطلح)).
وثمة وجه آخر : معارضته بأقوال الأئمة الآخرين؛ فإنها متفقة على تضعيف
الرجل؛ مع بيان سبب التضعيف في كثير منها مثل قول ابن سعد نفسه: ((إنه لا يحفظ)).
ومثله وأصرح منه قول الجوزجاني: ((إنه كان سبىء الحفظ، وإنه تغير أخيراً)). ومثل قول
أبي داود: ((إن عنده أحاديث فيها نكارة)). وكأنه تلقى ذلك من قول شيخه أحمد:
((أحاديثه منكرة)). ونحوه قول ابن سعد: ((له أحاديث منكرة)).
وبعضهم رماه بالتدليس، وعبارة أحمد أعم وأشمل من عبارة ابن حبان التي توحي
بأن تدلیسه خاص بما رواه عن عكرمة.
قلت: فالأخذ بأقوال هؤلاء الأئمة الجارحة لعباد خير من الأخذ بقول يحيى بن
سعيد الموثق له؛ لا سيما وقوله الأول موافق لهم كما هو بين ظاهر، والحمد لله تعالى.
قلت: فإذا عرفت هذا فانظر إلى ما صنع العلامة أحمد شاكر؛ لقد ذكر قول
النسائي وابن سعد المضعفين له ثم قال عقبه مباشرة (٤ /٦):
((وكلامهم فيه يرجع إلى رأيه في القدر، وإلى أنه يدلس، فيروي أحاديث عن
عكرمة لم يسمعها منه، ولم يطعن أحد في صدقه)).
قلت: كذا قال، وهو من الغرائب؛ إذ كيف يسوغ أن يوجه كلامهم المضعف له
بخلاف ما نص جمهورهم على سبب التضعيف؟! فهذا النسائي نفسه أطلق التضعيف
ولم يرمه بالقدر؛ بل أضاف إلى ذلك أنه كان تغير! وكذلك نسبه إلى التغير الجوزجاني
كما في الفقرة (١٧)، وزاد على ذلك أنه كان سبىء الحفظ. ونحوه قول يحيى بن سعيد
رقم (١): ((كان لا يحفظ)).
- ٢١٩ -

وهذا ابن سعد بعد أن عزا تضعيفه إلى أئمة الحديث أتبعه بقوله:
«وله أحاديث منكرة».
ومثله قول ابن أبي شيبة رقم (١٣)، وأعم منه قول أحمد رقم (١٢):
«كانت أحاديثه منكرة».
فهذه الأقوال علاوة على أنها جرح واضح؛ فهي تتضمن في نفس الوقت بيان
سبب الجرح؛ وهو أنه يتفرد بأحاديث لا يتابعه عليها الثقات. وذلك يلتقي مع أقوال
الذين وصفوه بسوء الحفظ وبالتغير، وذلك جرح مفسر، فكيف يصح مع هذا كله أن
يقال:
((وكلامهم فيه يرجع إلى رأيه في القدر))؟!
والحقيقة أنه لو ثبتت ثقة عباد وحفظه وعدم تدليسه؛ لم يضر في روايته رأيه في
القدر؛ لأن العمدة فيها إنما هو العدالة والضبط والسلامة من العلة القادحة كالتدليس،
وهذا مفقود هنا .
أما الضبط؛ فلِمَا سبق بيانه من أقوال الأئمة أنه كان لا يحفظ. ومنه تعلم أنه لا
ینافي ذلك قول الشيخ أحمد :
((ولم يطعن أحد في صدقه)).
لأنه ليكون ثقة لا بد مع ذلك أن لا يطعن أحد في حفظه أيضاً، وهذا غير متحقق
هنا كما سلف.
وأما التدليس؛ فقد جزم بنفيه الشيخ أحمد، والرد عليه فيما يأتي، وهنا ينتهي
الكلام عليه في قوله: ((إنه ثقة)). ويتبين أنه ضعيف سبىء الحفظ.
ثانياً: قوله : ((إنه لم يكن مدلساً أصلاً)).
ويكفي في الرد على هذا قول الإِمام أحمد فقرة (١٢):
- ٢٢٠ -