Indexed OCR Text
Pages 601-620
فإنهما قالا عنه : ((عن أسماء قالت: سألت رسول الله (وَلآت). فجعلا الراوية هي السائلة، وخالفهما الحميدي عند البيهقي وابن أبي عمر عند الترمذي، فقالا: عن سفيان بن عيينة مثل رواية الجماعة، ولا شك أنها هي المحفوظة، ورواية الشافعي وابن عون شاذة؛ لمخالفتها لرواية الجماعة عن هشام ورواية الحميدي وابن أبي عمر عن سفيان، ولذلك ضعفها النووي فأصاب، ولكنه لم يفصح عن العلة، فأوهم ما لا يريد، ولذلك تعقَّبه الحافظ في ((الفتح)) فقال (١ / ٢٦٤) بعد أن ذكر رواية الشافعي هذه: ((وأغرب النووي فضعَّف هذه الرواية بلا دليل، وهي صحيحة الإِسناد، لا علة لها، ولا بُعد في أن يبهم الراوي اسم نفسه كما سيأتي في حديث أبي سعيد في قصة الرقية بفاتحة الكتاب)). وقال في ((التلخيص)) (١٣): (((تنبيه): زعم النووي في ((شرح المهذب)) أن الشافعي روى في ((الأمِّ)) أن أسماء هي السائلة بإسناد ضعيف، وهذا خطأ، بل إسناده في غاية الصحة، وكأن النووي قلَّد في ذلك ابن الصلاح، وزعم جماعة ممَّن تكلّم على ((المهذَّب)) أنه غَلِط في قوله: إن أسماء هي السائلة، وهم الغالطون)). قلت: كلا؛ بل هم المصيبون، والحافظ هو الغالط، والسبب ثقته البالغة بحفظ الشافعي، وهو حريٌّ بذلك، لكن رواية الجماعة أضبط وأحفظ، ويمكن أن يُقال: إن الغلط ليس من الشافعي، بل من ابن عيينة نفسه؛ بدليل أنه صح عنه الروايتان، الموافقة لرواية الجماعة والمخالفة لها، فروى الشافعي والذي معه هذه، وروى الحميدي والذي معه رواية الجماعة، فكانت أولى وأصح، وخلافها معلولة بالشذوذ، ولو أن الحافظ رحمه الله جمع الروايات عن هشام كما فعلنا؛ لم يعترض ٦٠١ على النووي ومَن معه، بل لوافقهم على تغليطهم لهذه الرواية، والمعصوم مَن عصمه الله)». وأما قوله: ((ولا بُعْدَ في أن يبهم الراوي ... ))؛ فمسلم، ولكن ذلك عندما لا تكون الرواية التي وقع فيها التسمية شادَّة كما هنا. وممَّا يؤيد ما تقدَّم أن محمد بن إسحاق قد تابع هشاماً على روايته، فقال: حدثتني فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ((سمعتُ امرأة تسأل رسول الله وَ ل عن ثوبها إذا طُهُرت من محيضها؛ كيف تصنع به؟ قال: إن رأيتٍ فيه دماً؛ فحكِّيه، ثم اقرصيه بماء، ثم انضحي في سائره فصلِّي فیه)). أخرجه أبو داود (٣٦٠)، والدارمي (١ / ٢٣٩) والسياق له، والبيهقي (٢ / ٤٠٦)، وسنده حسن. فقولها: ((سمعتُ امرأة))؛ مما يبعد أن تكون هي السائلة كما هو ظاهر. (تنبيه): في هذه الرواية زيادة: «ثم انضحي في سائره)»، وهي زيادة هامَّة؛ لأنها تبيِّن أن قوله في رواية هشام: ((ثم لتنضحه))؛ ليس المراد نضح مكان الدم، بل الثوب کله، ویشهد لها حدیث عائشة قالت: ((كانت إحدانا تحيض، ثم تقرص الدم من ثوبها عند طهرها، فتغسله وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه)). أخرجه البخاري (١ / ٣٢٦)، وابن ماجه (١ / ٢١٧)، والبيهقي (٢ / ٤٠٦ - ٤٠٧). وظاهر الحديث يدلُّ كالحديث الذي قبلَه على أنَّ الماء يكفي في غسل دم الحيض، وأنه لا يجب فيه استعمال شيء من الحوادِّ؛ کالسِّذرِ والصابون ونحوه، لکن قد جاء ما يدلُّ على وجوب ذلك، وهو الحديث الآتي . ٦٠٢ ٣٠٠ - (حُكِّيهِ بِضِلَعٍ، واغْسِليهِ بِماءٍ وسِدْرٍ). أخرجه أبو داود (١ / ١٤١ - بشرح عون المعبود)، والنسائي (١ / ٦٩)، والدارمي (١ / ٢٣٩)، وابن ماجه (١ / ٢١٧)، وابن حبان في «صحيحه» (٢٣٥)، والبيهقي (٢ / ٤٠٧)، وأحمد (٦ / ٣٥٥ و٣٥٦) من طرق عن سفيان: ثني ثابت الحداد: ثني عدي بن دينار قال: سمعتُ أم قيس بنت محصن تقول: (سألت النبي والل عن دم الحيض يكون في الثوب؟ قال: (فذكره))). قلت: وهذا سند صحيح، ورجاله كلهم ثقات، وفي ثابت الحداد - وهو ابن هرمز الكوفي مولى بكر بن وائل - خلاف يسير، وثقه أحمد وابن معين وابن المديني وغيرهم، وتكلّم فيه بعضهم بدون حجة، وفي ((التقريب)): ((صدوق يهم)). وكأنه لهذا لم يصحح الحافظ في ((الفتح)) (١ / ٢٦٦) إسناده، بل قال: ((إسناده حسن)). وقال في ((التهذيب)): ((وأخرج ابن خزيمة وابن حبان حديثه في الحيض في ((صحيحيهما))، وصحَّحه ابن القطان، وقال عقبه: لا أعلم له علَّة، وثابت ثقة، ولا أعلم أحداً ضعَّفه غير الدارقطني)). ونقل في ((التلخيص)) (ص ١٢ - ١٣) تصحيح ابن القطان هذا، وأقرَّه، وهو الصواب . (تنبيه): قوله: ((بضلع))، كذا وقع عند جميع من أخرج الحديث بالضاد المعجمة، وهو بالكسر وفتح اللام ويكسر، وهو العود، لكن قال الحافظ في ((التلخيص)) (١٣): - ٦٠٣ ((ضبطه ابن دقيق العيد بفتح الصاد المهملة وإسكان اللام ثم عين مهملة، وهو الحجر. قال: ووقع في بعض المواضع بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام، ولعله تصحيف؛ لأنه لا معنى يقضي تخصيص الضلع بذلك. كذا قال، لكن قال الصغاني في ((العباب)) في مادة (ضلع) بالمعجمة: ((وفي الحديث: حتيه بضلع))، قال ابن الأعرابي: الضلع ها هنا العود الذي فيه اعوجاج. وكذا ذكره الأزهري في المادة المذكورة، وزاد عن الليث؛ قال: الأصل فيه ضلع الحيوان، فسمي به العود الذي یشبهه)) . فقه الحديث : يستفاد من هذه الأحاديث أحكام كثيرة أذكر أهمها : الأول: أن النجاسات إنما تزال بالماء دون غيره من المائعات؛ لأن جميع النجاسات بمثابة دم الحيض، ولا فرق بينه وبينها اتفاقاً، وهو مذهب الجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز تطهير النجاسة بكل مائع طاهر. قال الشوكاني (١ / ٣٥) : ((والحق أن الماء أصل في التطهير؛ لوصفه بذلك كتاباً وسنة وصفاً مطلقاً غير مقيّد، لكن القول بتعيّنه وعدم إجزاء غيره يرده حديث مسح النعل، وفرك المني، وإماطته بإذخرة، وأمثال ذلك كثير، فالإِنصاف أن يُقال: إنه يطهر كل فرد من أفراد النجاسات المنصوص على تطهيرها بما اشتمل عليه النص، لكنه إن كان ذلك الفرد المحال عليه هو الماء؛ فلا يجوز العدول إلى غيره؛ للمزية التي اختصَّ بها، وعدم مساواة غيره له فيها، وإن كان ذلك الفرد غير الماء؛ جاز العدول عنه إلى غير الماء؛ لذلك، وإن وجد فرد من أفراد النجاسة لم يقع من الشارع الإِحالة في تطهيره على فرد من أفراد المطهرات، بل مجرد الأمر بمطلق التطهير؛ فالاقتصار على الماء هو اللازم؛ لحصول الامتثال به بالقطع، وغيره مشكوك فيه، وهذه طريقة متوسطة بين القولين، لا محیص عن سلوكها)). ٦٠٤ قلت: وهذا هو التحقيق، فشدَّ عليه بالنواجذ. ومما يدلُّ على أن غير الماء لا يجزىء في دم الحيض قوله 18 في الحديث الثاني: ((يكفيك الماء)»؛ فإن مفهومه أن غير الماء لا يكفي، فتأمل. الثاني: أنه يجب غسل دم الحيض، ولو قل؛ لعموم الأمر، وهل يجب استعمال شيء من المواد لقطع أثر النجاسة كالسدر والصابون ونحوهما؟ فذهب الحنفية وغيرهم إلى عدم الوجوب؛ مستدلّين بعدم ورود الحاد في الحديثين الأولين، وذهب الشافعي والعترة - كما في ((نيل الأوطار)) (١ / ٣٥ -٣٦) - إلى الوجوب، واستدلوا بالأمر بالسدر في الحديث الثالث، وهو من الحوادّ، وجنح إلى هذا الصنعاني، فقال في ((سبل السلام)» (١ / ٥٥) ردّاً على الشارح المغربي - وهو صاحب ((بدر التمام)) أصل (السُّبل)) - في قوله: ((والقول الأول أظهر»: ((وقد يُقال: قد ورد الأمر بالغسل لدم الحيض بالماء والسدر، والسدر من الحواد، والحديث الوارد به في غاية الصحة كما عرفت، فيقيَّد به ما أطلق في غيره (كالحديثين السابقين)، ويخص الحاد بدم الحيض، ولا يقاس عليه غيره من النجاسات، وذلك لعدم تحقّق شروط القياس، ويحمل حديث: (ولا يضرُّك أثره))، وقول عائشة: ((فلم يذهب))؛ أي: بعد الحاد)). قلت: وهذا هو الأقرب إلى ظاهر الحديث، ومن الغريب أن ابن حزم لم يتعرَّض له في ((المحلى)) (١ / ١٠٢) بذكر، فكأنه لم يبلغه. الثالث: أن دم الحيض نجس للأمر بغسله، وعليه الإِجماع؛ كما ذكره الشوكاني (١ / ٣٥) عن النووي، وأما سائر الدماء؛ فلا أعلم نجاستها، اللهم إلا ما ذكره القرطبي في ((تفسيره)) (٢ / ٢٢١) من ((اتفاق العلماء على نجاسة الدم))، هكذا قال: ((الدم))، فأطلقه، وفيه نظر من وجهين: الأول: أن ابن رشد ذكر ذلك مقيّداً، فقال في ((البداية)) (١ / ٦٢): ٦٠٥ ((اتفق العلماء على أن دم الحيوان البريء نجس، واختلفوا في دم السمك ... )). والثاني: أنه قد ثبت عن بعض السلف ما ينافي الإِطلاق المذكور، بل إن بعض ذلك في حكم المرفوع إلى الرسول ويلات: ١ - قصة ذلك الصحابي الأنصاري الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم، وهو قائم يصلي، فاستمرَّ في صلاته والدماء تسيل منه، وذلك في غزوة ذات الرقاع؛ كما أخرجه أبو داود وغيره من حديث جابر بسند حسن؛ كما بيَّنته في ((صحيح أبي داود)) (١٩٢)، ومن الظاهر أن النبي ◌َّي علم بها؛ لأنه يبعد أن لا يطلع النبي ◌َّر على مثل هذه الواقعة العظيمة، ولم ينقل أنه أخبره بأن صلاته بطلت؛ كما قال الشوكاني (١ / ١٦٥). ٢ - عن محمد بن سیرین عن يحيى الجزار قال: صلى ابن مسعود وعلى بطنه فرث ودم من جزور نحرها، ولم يتوضأ. أخرجه عبدالرزاق في ((الأمالي)) (٢ / ١/٥١)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ١٥١/ ١)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ٢٨ / ٢)، وإسناده صحيح؛ أخرجوه من طرق عن ابن سيرين. ويحيى بن الجزار؛ قال ابن أبي حاتم (٤ / ٢ / ١٣٣): ((وقال أبي وأبو زرعة: ثقة)). ٣ - ذكر ابن رشد اختلاف العلماء في دم السمك، وذكر (١ / ٦٢): ((أن السبب في اختلافهم هو اختلافهم في ميتته، فمَن جعل ميتته داخلة تحت عموم التحريم؛ جعل دمه كذلك، ومن أخرج ميتته؛ أخرج دمه قياساً على الميتة)). فهذا يشعر بأمرين : أحدهما: أن إطلاق الاتفاق على نجاسة الدم ليس بصواب؛ لأن هناك بعض ٦٠٦ الدماء اختلف في نجاستها؛ كدم السمك مثلاً، فما دام أن الاتفاق على إطلاقه لم يثبت؛ لم يصحَّ الاستدلال به على موارد النزاع، بل وجب الرجوع فيه إلى النص، والنص إنما دلَّ على نجاسة دم الحيض، وما سوى ذلك؛ فهو على الأصل المتَّفق عليه بين المتنازعين، وهو الطهارة، فلا يخرج منه إلا بنصٍّ تقوم به الحجة . الأمر الآخر: أن القائلين بنجاسة الدماء ليس عندهم حجة؛ إلاّ أنه محرَّم بنصِّ القرآن، فاستلزموا من التحريم التنجيس؛ كما فعلوا تماماً في الخمر، ولا يخفى أنه لا يلزم من التحريم التنجيس؛ بخلاف العكس؛ كما بينه الصنعاني في ((سبل السلام))، ثم الشوكاني وغيرهما، ولذلك قال المحقّق صديق حسن خان في ((الروضة الندية)) (١ / ١٨) بعد أن ذكر حديث أسماء المتقدم وحديث أم قيس الثالث: ((فالأمر بغسل دم الحيض، وحكه بضلع، يفيد ثبوت نجاسته، وإن اختلف وجه تطهيره؛ فذلك لا يخرجه عن كونه نجساً، وأما سائر الدماء؛ فالأدلة مختلفة مضطربة، والبراءة الأصلية مستصحبة، حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة أو المساوية، ولو قام الدليل على رجوع الضمير في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾(١) إلى جميع ما تقدم في الآية الكريمة من: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير؛ لكان ذلك مفيداً لنجاسة الدم المسفوح والميتة، ولكن لم يرد ما يفيد ذلك، بل النزاع كائن في رجوعه إلى الكل أو الأقرب، والظاهر الرجوع إلى الأقرب، وهو لحم الخنزير؛ لإِفراد الضمير، ولهذا جزمنا هنا بنجاسة لحم الخنزير دون الدم الذي لیس بدم حيض، ومَن رام تحقيق الكلام في الخلاف الواقع في مثل هذا الضمير المذكور في الآية؛ فليرجع إلى ما ذكره أهل الأصول في الكلام على القيد الواقع بعد جملة مشتملة على أمور متعدِّدة)) . ولهذا لم يذكر الشوكاني في النجاسات من ((الدرر البهيّة)) الدم على عمومه، وإنما دم الحيض فقط، وتبعه على ذلك صديق حسن خان كما رأيت فيما نقلته عنه (١) الأنعام : ١٤٥ . ٦٠٧ آنفاً. وأما تعقُّب العلامة أحمد شاكر في تعليقه على ((الروضة)) بقوله: ((هذا خطأ من المؤلف والشارح؛ فإنَّ نجاسة دم الحيض ليست لأنه دم حيض، بل لمطلق الدم، والمتتبّع للأحاديث يجد أنه كان مفهوماً أن الدم نجس، ولو لم يأت لفظ صريح بذلك، وقد كانوا يعرفون ما هو قذر نجس بالفطرة الطاهرة)». قلت: فهذا تعقُّب لا طائل تحته؛ لأنه ليس فيه إلا مجرَّد الدعوى، وإلاّ؛ فأين الدليل على أن نجاسة دم الحيض ليس لأنه دم حيض بل لمطلق الدم؟! ولو كان هناك دليل على هذا؛ لذكره هو نفسه، ولما خفي إن شاء الله تعالى على الشوكاني وصديق خان وغيرهما . ومما يؤيِّد ما ذكرته أن ابن حزم - على سعة اطلاعه - لم يجد دليلاً على نجاسة الدم مطلقاً؛ إلَّ حديثاً واحداً، وهو إنما يدلُّ على نجاسة دم الحيض فقط؛ كما سيأتي بيانه، فلو كان عنده غيره؛ لأورده؛ كما هي عادته في استقصاء الأدلَّة، لا سيما ما كان منها مؤيِّداً لمذهبه . وأما قول الشيخ أحمد شاكر: ((والمتتبِّع للأحاديث يجد أنه كان مفهوماً أن الدم نجس))؛ فهو مجرَّد دعوى أيضاً، وشيء لم أشعر به البتة فيما وقفت عليه من الأحاديث، بل وجدتُ فيها ما يبطلُ هذه الدعوى؛ كما سبق في حديث الأنصاري وأثر ابن مسعود. ومثل ذلك قوله: ((وقد كانوا يعرفون ما هو قذر نجس بالفطرة الطاهرة))؛ فما علمنا أن للفطرة مدخلاً في معرفة النجاسات في عرف الشارع، ألا ترى أن الشارع حكم بطهارة المني ونجاسة المذي؛ فهل هذا مما يمكن معرفته بالفطرة؟! وكذلك ذهب الجمهور إلى نجاسة الخمر وأنها تطهُر إذا تخلَّت؛ فهل هذا مما يمكن معرفته بالفطرة؟! اللهم! لا، فلو أنه قال: ((ما هو قذر))، ولم يزد؛ لكان مسلَّماً. والله تعالى ولي الهداية والتوفيق . ٦٠٨ ◌ِلَّهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ ٣٠١ - (إِنَّمَا ذَلك عِرْقٌ، ولَيْسَتْ بِالحَيْضَةِ، فإِذا أُقْبَلَتِ الحَيْضَةُ؛ فَدَعِي الصَّلاةَ، فإِذا أَدْبَرَتْ؛ فَاغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ، [ثُمَّ تَوَضَّتِي لِكُلِّ صَلاةٍ حتَّى يَجِيءَ ذلك الوقتُ]، ثمَّ صَلِّي). أخرجه الشيخان وأبو عوانة في ((صحاحهم))، وأصحاب ((السنن)) الأربعة، ومالك، والدارمي، والدارقطني، والبيهقي، وأحمد من حديث عائشة قالت: ((إن فاطمة بنت حبيش جاءت رسول الله وَالر، فقالت: إني امرأة أستحاض فلا أطهر؛ أفأدع الصلاة؟ قال: (فذكره))). وقال الترمذي : (حديث حسن صحيح)). والزيادة له وللبخاري . والشاهد من الحديث قوله: ((فاغسلي عنك الدم))؛ فهو دليل آخر على نجاسة دم الحيض . ومن غرائب ابن حزم أنه ذهب إلى أن قوله فيه (الدم) على العموم يشمل جميع الدماء من الإِنسان والحيوان! فقال في ((المحلّى)) (١ / ١٠٢ - ١٠٣): ((وهذا عموم منه وَّر لنوع الدم، ولا نبالي بالسؤال إذا كان جوابه عليه السلام قائماً بنفسه غير مردود بضمير إلى السؤال)»! وقد رد عليه بعض الفضلاء، فقال في هامش النسخة المخطوطة من ((المحلى)) - نقلاً عن حاشية المطبوعة - ما نصّه: ((بل الأظهر أنه يريد دم الحيض، واللام للعهد الذِّكْري الدال عليه ذكر الحيضة والسياق، فهو كعود الضمير سواء، فلا يتم قوله: وهذا عموم ... إلخ)). قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه عليه : ((وهو استدراك واضح صحيح)). ٦٠٩ قلت: فهذا يدلُّك على أن الذين ذهبوا إلى القول بنجاسة الدم إطلاقاً ليس عندهم بذلك نقل صحيح صريح؛ فهذا ابن حزم يستدل عليه بمثل هذا الحديث، وفيه ما رأيت، واقتصاره عليه وحده يشعر اللبيب بأن القوم ليس عندهم غيره، وإلاّ لذكره ابن حزم، وكذا غيره، فتأمل. وجملة القول: أنه لم يرد دليل فيما نعلم على نجاسة الدم على اختلاف أنواعه؛ إلا دم الحيض، ودعوى الاتفاق على نجاسته منقوضة بما سبق من النقول، والأصل الطهارة؛ فلا يترك إلا بنصٍّ صحيح يجوز به ترك الأصل، وإذ لم يرد شيء من ذلك؛ فالبقاء على الأصل هو الواجب. والله أعلم. المُصطفى واَية صَلىالله ٣٠٢ - (إنَّ اللهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِنْ وَلَدِ إسماعيلَ، واصْطَفى قُرَيْشاً مِنْ كِنانَةَ، واصْطَفِى مِنْ قُرَيْشٍ بَني هاشِمٍ ، واصْطَفاني مِن بَني هَاشِمٍ). أخرجه مسلم (٧ / ٥٨)، وأبو يعلى في («مسنده)) (٣٥٥ / ٢)، والخطيب (١٣ / ٦٤)، وابن عساكر (١٧ / ٣٥٣ / ١) من طريق الوليد بن مسلم: حدثنا الأوزاعي عن أبي عمار شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعتُ رسول الله وَ له يقول: (فذكره). وأخرجه أحمد (٤ / ١٠٧): ثنا أبو المغيرة قال: ثنا الأوزاعي قال: حدثني أبو عمار به . قلت: وهذه متابعة قوية من أبي المغيرة للوليد بن مسلم، وإنما أخرجتها مع إخراج مسلم لحديثه؛ خشية أن يتعلَّق أحدٌ بالولید، فیعلَّ الحدیث به؛ لأنه کان یدلِّس تدليس التسوية، وهو لم يصرح بالتحديث بين الأوزاعي وأبي عمار، فأمنًّا تدليسه بهذه ٦١٠ المتابعة. ( انظر الاستدراك رقم : ١١ ). وقد تابعه أيضاً يزيد بن يوسف - وهو الرحبي الصنعاني الدمشقي -، ولكنه ضعيف كما في ((التقريب)). أخرجه أبو يعلى في مسنده (١٣ / ٤٧٢ / ٧٤٨٧). وتابعه أيضاً محمد بن مصعب قال: ثنا الأوزاعي به؛ إلا أنه زاد في أوله : ((إن الله عزَّ وجلَّ اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة ... )). أخرجه أحمد والترمذي (٢ / ٢٨١)، وقال: ((حديث حسن صحيح)). قلت: محمد بن مصعب - وهو القرقساني - صدوق كثير الغلط؛ كما في ((التقریب))؛ ففيما تفرد به دون الثقات نظر. وتابعه يحيى بن أبي كثير، لكن الراوي عنه سليمان بن أبي سليمان - وهو الزهري اليمامي - أشدُّ ضعفاً من القرقساني، فقال ابن معين : ((ليس بشيء)). وقال البخاري : «منكر الحديث)). ولفظ حديثه مغاير للجميع، وهو: ((إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم واتَّخذه خليلاً، ثم اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ثم اصطفى من ولد إسماعيل نزاراً، ثم اصطفى من ولد نزار مضر، واصطفى من ولد مضر كنانة، ثم اصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفى من بني هاشم بني عبدالمطلب، واصطفاني من بني عبدالمطلب)). ٦١١ أخرجه الخطيب في ((الموضح)) (١ / ٦٨ - ٦٩). وجملة القول: إن الحديث إنما يصحُّ باللفظ الأول. ٣٠٣ - (أَمِرْتُ أَنْ أَقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلهَ إِلَّ اللهُ وأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورَسولُهُ، وأَنْ يَسْتَقْبِلوا قِبْلَتَنا، ويَأْكُلُوا ذَبِيحَتَنا، وأَنْ يُصَلُّوا صَلاتَنَا، فإِذا فَعَلوا ذلك؛ [فقد] حَرُمَتْ علينا دِماؤهُم وأَموالُهُمْ إِلَّ بِحَقُّها، لهم ما للمُسلمينَ، وعليهِم ما على المُسلمين). أخرجه أبو داود (٢٦٤١)، والترمذي (٢ / ١٠٠) عن سعيد بن يعقوب الطالقاني، والنسائي (٢ / ١٦١ و٢٦٩)، وابن حبان (٧ / ٥٥٧ / ٥٨٦٥ - الإِحسان) عن حبان - وهو ابن موسى المروزي -، وأحمد (٣ / ١٩٩) عن علي بن إسحاق - وهو السلمي المروزي -؛ كلهم عن عبدالله بن المبارك: أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صل: (فذكره). وقال الترمذي : «حديث حسن صحيح)). وتابعه ابن وهب: أخبرني يحيى بن أيوب عن حميد الطويل به . أخرجه أبو داود (٢٦٤٢)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢ / ١٢٣). قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وكذلك طريق حِبان المروزي . ورواه محمد بن عبدالله الأنصاري قال: أنبأنا حميد قال: سأل میمون بن سیاه أنس بن مالك قال: يا أبا حمزة! ما يحرم دم المسلم وماله؟ فقال: (فذكره موقوفاً). أخرجه النسائي، وابن منده في ((الإِيمان)) (رقم ١٩٤ - تحقيق الفقيهي). ٦١٢ وإسناده صحيح أيضاً، ولا منافاة بينه وبين المرفوع، فكل صحيح، على أن المرفوع أصح، ورواته أكثر. وفيه دليل على بطلان الحديث الشائع اليوم على ألسنة الخطباء والكتاب: أن النبي م قال في أهل الذمة: ((لهم ما لنا، وعليهم ما علينا)). وهذا مما لا أصل له عنه ◌َله، بل هذا الحديث الصحيح يبطله؛ لأنه صريح في أنه مَّ﴿ إنما قال ذلك فيمَن أسلم من المشركين وأهل الكتاب، وعمدة أولئك الخطباء على بعض الفقهاء الذين لا علم عندهم بالحديث الشريف؛ كما بينته في ((الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) (رقم ١١٠٣)، فراجعه؛ فإنه من المهمات. وللحديث شاهد بلفظ آخر، وهو: ٣٠٤ - (مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ؛ فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَينِ، ولَهُ مِثْلُ الَّذِي لَنا، وعليهِ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْنا، ومَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْمُشْرِكِين؛ فلهُ أَجْرُهُ، ولهُ مثلُ الَّذي لنا، وعليهِ مِثْلُ الَّذي علينا). رواه الروياني في ((مسنده)) (٣٠ / ٢٢٠ /١): نا أحمد: ناعمي: نا ابن لهيعة عن سليمان بن عبدالرحمن عن القاسم عن أبي أمامة الباهلي قال: ((كنت تحت راحلة رسول الله وقر في حجة الوداع، فقال قولاً حسناً، فقال فيما قال: (فذكره))). قلت: وهذا سند حسن، القاسم هو ابن عبدالرحمن أبو عبدالرحمن الشامي، صاحب أبي أمامة، وهو صدوق. وسليمان بن عبدالرحمن هو أبو عمر الخراساني الدمشقي، وهو ثقة . ٦١٣ وابن لهيعة هو عبدالله المصري، وهو سيىء الحفظ؛ إلا ما رواه العبادلة عنه: عبدالله بن وهب، وعبدالله بن يزيد المقرىء، وعبدالله بن المبارك، وهذا من رواية الأول منهم؛ فإن عم أحمد في هذا السند هو عبدالله بن وهب، وهو أشهر من أن يُذكر. وأما أحمد؛ فهو ابن عبدالرحمن بن وهب بن مسلم المصري الملقَّب بـ (بحشل)، وهو صدوق تغيَّر بآخره؛ كما في ((التقريب))، واحتجَّ به مسلم؛ فحديثه حسن إذا لم يخالف. وقد أخرجه الإِمام أحمد (٥ / ٢٥٩): ثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني : ثنا ابن لهيعة به؛ إلاّ أنه قال: ((يوم الفتح))؛ بدل: ((حجة الوداع))، والأول أصح. ٣٠٥ - (لا تَسِمُوا بالحَريقِ. يعني: في الوَجْهِ). رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ١٤٢ / ١-٢): حدثنا زكريا بن يحيى الساجي: نا محمد بن المثنى: نا عثمان بن عمر: نا عثمان بن مرة عن عكرمة عن ابن عباس قال : ((كان العباس يسير مع النبي وَّر على بعير قد وسمه في وجهه بالنار، فقال: ما هذا الميسم يا عباس؟! قال: ميسم كنا نسمه في الجاهلية. فقال: (فذكره)). قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم رجال الصحيح، سوى الساجي، وهو ثقة فقيه؛ كما في ((التقريب)). وله شاهد من حديث جعفر بن تمام عن جده العباس بن عبدالمطلب: ((أن النبي ◌َّ نهى عن الوسم في الوجه، فقال العباس: لا أسم إلا في الجاعرین)). أخرجه أبو يعلى (٣١٢ / ٢)، ورجاله ثقات؛ إلا أنه منقطع بين جعفر وجده. ٦١٤ تَسْمِّةُ أَبِي بَكْرٍ بِالصَّدِّيقِ ٣٠٦ - ( لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِّ وََّ إِلى المسجِدِ الأقصى؛ أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ ناسٌ مِمَّن كَانُوا آمَنُوا بِهِ وصَدَّقوهُ، وَسَعَوْا بذلك إِلى أَبِي بَكْرٍ رضيَ اللهُ عنهُ، فقالوا: هَلْ لكَ إِلى صاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنّهُ أَسْريَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلى بيتِ المَقْدِس ؟ قال: أَوَ قالَ ذلكَ؟ قالوا: نعم. قالَ: لَئِنْ كانَ قالَ ذلكَ؛ لَقَدْ صَدَقَ. قالوا: أَوَ تُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ الليلَةَ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ وجَاءَ قبلَ أَنْ يُصْبِحَ؟! قالَ: نعم؛ إِنِّي لأصَدِّقُهُ فيما هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ؛ أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّماءِ فِي غَدْوَةٍ أَو رَوْحَةٍ؛ فلذُلكَ سُمِّيَ أَبو بَكْرٍ : الصِّدِّيقَ). أخرجه الحاكم (٣ / ٦٢) من طريق محمد بن كثير الصنعاني: ثنا معمر بن راشد عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: (فذكره). وقال: ((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي . قلت: وفيه نظر؛ لأنَّ الصَّنعاني فيه ضعف من قِبل حفظه، ولذلك أورده الذَّهبي في ((الضعفاء)) وقال: «ضعَّفه أحمد)). وقال الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق، كثير الغلط)). قلت: فمثله لا يحتجُّ به إذا انفرد، لكنَّه قد توبع كما يأتي؛ فحديثه لذلك صحيح . وقد عزاه الحافظ ابن كثير في ((التفسير)) (٥ / ١٣٨) للبيهقي (يعني في ٦١٥ ((الدلائل))) من طريق الحاكم، ثم سكت عليه، وكأنَّ ذلك لشواهده التي أشرنا إليها آنفاً. ثم رأيته في ((الدلائل)) (٢ / ٣٦٠ - ٣٦١) من طريق الحاكم وغيره. وإنما ذكرتُ الحديث من أجل ما فيه من سبب تسمية أبي بكر بـ (الصديق)، وإلَّ فسائره متواتر، صحَّ من طرق جماعة من الصحابة، قد استقصى كثيراً منها الحافظ ابن كثير في أول تفسيره لسورة ﴿الإِسراء﴾؛ فلنذكر هنا الشواهد لهذه الزيادة، فأقول : الأول: عن شدَّاد بن أوس مرفوعاً بلفظ : ((صليت بأصحابي صلاة العتمة بمكة مُعْتِماً، فأتاني جبريلُ عليه السلام بدابَّة أبيض أوقال: بيضاء ... (الحديث، وفيه:) فقال أبو بكر: أشهد أنك لرسول الله . وقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة، يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة !... (الحديث))) . أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي (٢ / ٣٥٥ - ٣٥٧)، وقال: «هذا إسناد صحيح)). الثاني: عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبدالرحمن في قصة الإِسراء قال: («فتجهّز - أو كلمة نحوها - ناس من قريش إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أنه جاء إلى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة؟! فقال أبو بكر: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أشهد لئن كان قال ذلك؛ لقد صدق. قالوا: فتصدِّقه في أن يأتي الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح؟! قال: نعم؛ أنا أصدقه بأبعد من ذلك؛ أصدِّقه بخبر السماء. قال أبو سلمة: سمي أبوبكر: الصديق)). أخرجه البيهقي (٢ / ٣٦٠). قلت: وهذا سند صحيح مرسل، وشاهد قويٌّ لموصول عائشة. الثالث: عن أبي معشر قال: نا أبو وهب مولى أبي هريرة: ٦١٦ ((أن رسول الله وَّليه ليلة أسري به قال: قلت لجبريل: إن قومي لا يصدِّقوني، فقال له جبريل: يصدقك أبو بكر، وهو الصديق)). أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (٣ / ١ / ١٢٠)، وهذا سند ضعيف. وروى الحاكم (٣ / ٦٢) عن محمد بن سليمان السعدي يحدث عن هارون ابن سعد عن عمران بن ظبيان عن أبي یحبی سمع عليّاً: ((أنزل الله تعالى اسم أبي بكر رضي الله عنه من السماء صديقاً). وقال : ((لولا مكان محمد بن سليمان السعيدي من الجهالة؛ لحكمت لهذا الإِسناد بالصحة)). ووافقه الذهبي . (تنبيه): كذا وقع في ((المستدرك)): ((السعدي))، وفي الموضع الآخر: ((السعيدي))، وكله خطأ، والصواب: ((العبدي))؛ كما في ((الجرح والتعديل)) (٣ / ٢ / ٢٦٩)، و((الميزان))، و((اللسان)). هذا؛ وقد جزم الإِمام أبو جعفر الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢ / ١٤٥) بأن سبب تسمية أبي بكر رضي الله عنه بـ (الصديق)؛ إنما هو سبقه الناس إلى تصديقه رسول الله وَر على إتيانه بيت المقدس من مكة، ورجوعه منه إلى منزله بمكة في تلك الليلة، وإن كان المؤمنون يشهدون لرسول الله وَلل بمثل ذلك إذا وقفوا عليه . ٣٠٧ - (تَنْكَحُ المَرْآةُ عَلى إِحدى خِصالٍ ثَلاثةٍ: تُنْكَحُ المَرْأةً على مالِها، وتُنْكَحُ المرأَةُ على جمالِها، وتُّنْكَحُ المَرْأَةُ عَلى دِينِها، فخُذْ ذاتَ الدِّينِ والخُلْقِ تَرِبَتْ يَمِينُكَ). أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (١٢٣١)، والحاكم (٢ / ١٦١)، وأحمد (٣ / ٨٠ - ٨١) من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته عن أبي سعيد ٦١٧ الخدري قال: قال رسول الله وَله: (فذكره). وقال الحاكم: ((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي. قلت: ورجاله ثقات معروفون؛ غير عمَّة سعد، واسمها زينب بنت كعب بن عجرة، روى عنها ابنا أخويها سعد بن إسحاق هذا وسليمان بن محمد ابنا كعب بن عجرة، وذكرها ابن حبان في ((الثقات))، وهي زوجة أبي سعيد الخدري، وذكرها ابن الأثير وابن فتحون في ((الصحابة))، وقال ابن حزم: ((مجهولة))؛ كما في ((الميزان)) للذهبي وأقره، ومع ذلك؛ فقد وافق الحاكم على تصحيحه! وللحديث شاهد معروف من حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما، وهو مخرَّج في ((الإِرواء)) (١٧٨٣) وغيره. ٣٠٨ - (اللهُمَّ! أَحْيِنِي مِسْكيناً، وأَمِتْنِي مِسْكيناً، واحْشُرْنِي في زُمْرَةِ المَساكينِ). أخرجه ابن ماجه (٦ / ٤١٢)، وعبد بن حميد في ((المنتخب))، والسلمي في ((الأربعين الصوفية)) (ق ٥ / ٢)، والخطيب في ((التاريخ)) (٤ / ١١١) من طريق يزيد ابن سنان عن أبي المبارك عن عطاء عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف، أبو المبارك مجهول، ويزيد بن سنان ضعَّفه الجمهور، وقال البخاري : ((مقارب الحديث)). وله طريق أخرى عن عطاء، صححه الحاكم والذهبي والسيوطي، وهو مردود؛ كما بينته في ((الإِرواء)) (٨٦١)، لكن ذكرت له فيه بعض الشواهد تقويه، يرتقي بها الحديث إلى مرتبة الحسن إن شاء الله تعالى، فراجِعْها هناك. وغلا ابن الجوزي، فذكره في ((الموضوعات)) (٣ / ١٤١)، وقال الحافظ في ٦١٨ ((التلخيص» (ص ٢٧٥): ((أسرف ابن الجوزي فذكر هذا الحديث في ((الموضوعات))، وكأنه أقدم عليه لما رآه مبايناً للحال التي مات عليها النبي ◌َّليّة؛ لأنه كان مكفيّاً، قال البيهقي : ووجهه عندي أنه لم يسأل حال المسكنة التي يرجع معناها إلى القلّة، وإنما سأل المسكنة التي يرجع معناها إلى الإِخبات والتواضع)). (تنبيه): كنت في الطبعة السابقة ذكرت لهذا الحديث طريقاً أخرى عن أبي سعيد معزوّاً لـ ((المنتخب من المسند)) لابن حميد، ثم نبهني بعض الإِخوان جزاهم الله خيراً - منهم الشيخ عبدالرحيم صديق المكي رحمه الله - أنه لحديث آخر؛ كما كنت نبهت على ذلك في ((الإِرواء)) (٣ / ٣٦٣)، فأستغفر الله وأتوب إليه. والحديث المشار إليه مخرَّج فيما يأتي برقم (١٩٨١). وُجِبُ الَعُنِ بِالمالِ فِي الُّروفِ الطّرِةِ ٣٠٩ - (يا مَعْشَرَ المُهاجِرينَ والأنصارِ! إِنَّ مِنْ إِخوانِكُمْ قَوْماً ليسَ لهُم مالٌ ولا عَشِيرةٌ؛ فليَضُمَّ أَحَدُكُمْ إِليهِ الرَّجلينِ أَو الثلاثةَ). أخرجه أبو داود (٣٥٣٤) عن الأسود بن قيس عن نُبيح العنزي عن جابر بن عبدالله حدث عن رسول الله ولو أنه أراد أن يغزو، فقال: (فذكره). قال جابر: ((فما لأحدنا من ظهر يحمله إلا عقبة كعقبة - يعني: أحدهم -، فضممت إليَّ اثنين أو ثلاثة. قال: ما لي إلاّ عقبة كعقبة أحدهم من جملي)). قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ سوى الأسود بن قيس، وقد وثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة والعجلي وابن حبان، وصحّح له الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم؛ فلا يضرُّه بعد هذا ذكر علي بن المديني إياه في جملة المجهولين الذين يروي عنهم الأسود بن قيس. ٦١٩ الأُخْذُ بالأَسْبابِ مِنَ الَّكُّل ٣١٠ - (لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلى اللهِ حَقَّ تَوَكُلِهِ؛ لَرَزَقَكُمْ كَما يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدو خماصاً، وتَروحُ بِطاناً). أخرجه أحمد (١ / ٣٠)، والترمذي (٢ / ٥٥ - بولاق)، والحاكم (٤ / ٣١٨) عن حيوة بن شريح: أخبرني بكر بن عمرو أنه سمع عبدالله بن هبيرة يقول: إنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: إنه سمع نبي الله ◌َ﴾ يقول: (فذكره). وقال الترمذي: ((حديث حسن صحيح)). وقال الحاكم : «صحیح الإِسناد)). وأقره الذهبي، وأقول: بل هو صحيح على شرط مسلم؛ فإن رجاله رجال الشيخين؛ غير ابن هبيرة وأبي تميم؛ فمن رجال مسلم وحده، وصححه ابن حبان (٢٥٤٨). وقد تابعه ابن لهيعة عن ابن هبيرة به . أخرجه أحمد (١ / ٥٢)، وابن ماجه (٤١٦٤)، وهو عنده من رواية عبدالله بن وهب عنه؛ فالسند صحيح . ◌ُّ الَّسِ يَدْخُلُ النَّارَ! ٣١١ - (يَرِدُ النَّاسُ [ِكُلُّهُمُ] النَّارَ، ثُمَّ يَصْدُرونَ [منها] بأعمالِهم، [فأَوَّلُهُمْ كَلَمْعِ البَرْقِ، ثمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كَحَضْرِ الفَرَسِ ، ثمَّ كالرَّاكِبِ، ثمَّ كَشَدِّ الرِّجالِ، ثمَّ كَمَشْبِهِم]). أخرجه الترمذي (٢ / ١٩٨)، والدارمي (٢ / ٣٢٩)، والزيادة الأخيرة لهما، وكذا الحاكم (٢ / ٣٧٥، ٤ / ٥٨٦) والسياق له، وأحمد (١ / ٤٣٥)، وأبو يعلى ٦٢٠