Indexed OCR Text

Pages 541-560

٨ - عمر بن الخطاب. في ((المستدرك)) (٤ / ٤٤٩) وصححه ووافقه الذهبي،
وسیأتي (١٩٥٦).
٩ - جابر. عند مسلم وغيره، وسيأتي بزيادة في متنه (رقم ١٩٦٠).
١٠ - سلمة بن نفيل. رواه النسائي وغيره بزيادات كثيرة في متنه، وسنده
صحیح، وسيأتي برقم (١٩٣٥).
وفي الباب عن جمع آخر من الأصحاب، سيأتي تخريج أحاديثهم مع ألفاظها
في المجلد الرابع بإذنه تعالى، وقد أشرت إلى أرقامها .
فالحديث صحيح قطعاً، وإنما أوردته من أجل هذه الزيادة عن يزيد بن
هارون، وقد عرفت أن سندها إليه ضعيف.
وبهذا الإِسناد رواه أبو بكر الخطيب في كتابه ((شرف أصحاب الحديث)) (ق
٣٤ / ١)، وقد عزاها الحافظ في ((الفتح)) (١٣ / ٢٤٩ بولاق) إلى الحاكم في ((علوم
الحديث))، وما أظنه إلا وهماً؛ فإني قد بحثت عنها فيه فلم أجدها، وإنما وجدت عنده
ما يأتي عن الإِمام أحمد .
بيد أن هذه الزيادة معروفة وثابتة عن جماعة من أهل الحديث من طبقة يزيد بن
هارون وغیرها، وهم:
١ - عبدالله بن المبارك (١١٨ - ١٨١)، فروى الخطيب بسنده عن سعيد بن
يعقوب الطالقاني أو غيره قال:
((ذكر ابن المبارك حديث النبي ◌َلقر: لا تزال طائفة ... قال ابن المبارك: هم
عندي أصحاب الحديث)).
٢ - علي بن المديني (١٦١ - ٢٣٤)، وروى الخطيب أيضاً من طريق
الترمذي، وهذا في «سننه» (٢ / ٣٠)، وقد ساق الحديث من رواية المزني المتقدمة
(رقم ٥)، ثم قال:
٥٤١

((قال محمد بن إسماعيل (هو البخاري): قال علي بن المديني : هم أصحاب
الحديث)).
٣ - أحمد بن حنبل (١٦٤ - ٢٤١)، روى الحاكم في ((معرفة علوم الحديث))
(ص ٢) والخطيب بإسنادين، صحَّح أحدهما الحافظ ابن حجر عن الإِمام أحمد أنه
سُئل عن معنى هذا الحديث، فقال:
((إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث؛ فلا أدري مَن هم)).
وروى الخطيب (٣٣ / ٣) مثل هذا في تفسير الفرقة الناجية .
٤ - أحمد بن سنان الثقة الحافظ (٠٠٠ - ٢٥٩)، روى الخطيب عن أبي حاتم
قال: سمعت أحمد بن سنان وذكر حديث: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق))،
فقال :
((هم أهل العلم وأصحاب الآثار)).
٥ - البخاري محمد بن إسماعيل (١٩٤ - ٢٥٦)، روى الخطيب عن إسحاق
ابن أحمد قال: ثنا محمد بن إسماعيل البخاري، وذكر حديث موسى بن عقبة عن أبي
الزبير عن جابر عن النبي وق طر: ((لا تزال طائفة من أمتي))، فقال البخاري:
((يعني أصحاب الحديث)).
وقال في «صحيحه)) وقد علق الحديث وجعله باباً:
((وهم أهل العلم)) .
ولا منافاة بينه وبين ما قبله كما هو ظاهر؛ لأن أهل العلم هم أهل الحديث،
وكلما كان المرء أعلم بالحديث؛ كان أعلم في العلم ممَّن هودونه في الحديث؛ كما
لا یخفی .
وقال في كتابه «خلق أفعال العباد)» (ص ٧٧ - طبع الهند)، وقد ذكر بسنده
حديث أبي سعيد الخدري في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا
٥٤٢

شُهَداءَ عَلى النَّاسِ﴾(١)؛ قال البخاري:
((هم الطائفة التي قال النبي ◌ّهر (فذكر الحديث)).
وقد يستغرب بعض الناس تفسير هؤلاء الأئمة للطائفة الظاهرة والفرقة الناجية
بأنهم أهل الحديث، ولا غرابة في ذلك إذا تذكّرنا ما يأتي :
أولاً: أن أهل الحديث هم - بحكم اختصاصهم في دراسة السنة وما يتعلَّق بها
من معرفة تراجم الرواة وعلل الحديث وطرقه - أعلم الناس قاطبة بسنة نبيهم وَير وهديه
وأخلاقه وغزواته وما يَتَّصل بِهِ وَهِ .
ثانياً: أن الأمة قد انقسمت إلى فرق ومذاهب لم تكن في القرن الأول، ولكل
مذهب أصوله وفروعه وأحاديثه التي يستدلُّ بها ويعتمد عليها، وأن المتمذهب بواحد
منها يتعصَّب له ويتمسَّك بكل ما فيه، دون أن يلتفت إلى المذاهب الأخرى، وينظر،
لعله يجد فيها من الأحاديث ما لا يجده في مذهبه الذي قلده؛ فإن من الثابت لدى
أهل العلم أن في كل مذهب من السنة والأحاديث ما لا يوجد في المذهب الآخر،
فالمتمسِّك بالمذهب الواحد يضلُّ ولا بدَّ عن قسم عظيم من السنة المحفوظة لدى
المذاهب الأخرى، وليس على هذا أهل الحديث؛ فإنهم يأخذون بكل حديث صحَّ
إسناده، في أي مذهب كان، ومن أي طائفة كان راويه ما دام أنه مسلم ثقة، حتى لو
كان شيعياً أو قدرياً أو خارجياً، فضلاً عن أن يكون حنفيّاً أو مالكياً أو غير ذلك، وقد
صرَّح بهذا الإِمام الشافعي رضي الله عنه حين خاطب الإِمام أحمد بقوله:
((أنتم أعلم بالحديث مني، فإذا جاءكم الحديث صحيحاً؛ فأخبرني به، حتى
أذهب إليه، سواء كان حجازيًاً أم كوفيّاً أم مصريًا)) (٢).
فأهل الحديث - حشرنا الله معهم - لا يتعصَّبون لقول شخص معيَّن مهما علا
(١) البقرة: ١٤٣.
(٢) انظر مقدمة كتابنا ((صفة صلاة النبي (َية).
٥٤٣

وسما؛ حاشا محمداً وَّر؛ بخلاف غيرهم ممَّن لا ينتمي إلى الحديث والعمل به؛
فإنهم يتعصَّبون لأقوال أئمتهم - وقد نهوهم عن ذلك - كما يتعصَّب أهل الحديث
لأقوال نبيهم !! فلا عجب بعد هذا البيان أن يكون أهل الحديث هم الطائفة الظاهرة،
والفرقة الناجية، بل والأمة الوسط، الشهداء على الخلق.
ويعجبني بهذا الصدد قول الخطيب البغدادي في مقدمة كتابه («شرف أصحاب
الحديث)) انتصاراً لهم وردّاً على مَن خالفهم:
((ولو أن صاحب الرأي المذموم شغل بما ينفعه من العلوم، وطلب سنن رسول
رب العالمين، واقتفى آثار الفقهاء والمحدِّثين؛ لوجد في ذلك ما يغنيه عن سواه،
واكتفى بالأثر عن رأيه الذي يراه؛ لأن الحديث يشتمل على معرفة أصول التوحيد،
وبيان ما جاء من وجوه الوعد والوعيد، وصفات رب العالمين - تعالى عن مقالات
الملحدين -، والإِخبار عن صفة الجنة والنار، وما أعدَّ الله فيها للمتَّقين والفجار، وما
خلق الله في الأرضين والسماوات، وصنوف العجائب وعظيم الآيات، وذكر الملائكة
المقرَّبين، ونعت الصافين والمسبحين.
وفي الحديث قصص الأنبياء، وأخبار الزهّاد والأولياء، ومواعظ البلغاء، وكلام
الفقهاء، وسير ملوك العرب والعجم، وأقاصيص المتقدمين من الأمم، وشرح مغازي
الرسول وَل# وسراياه، وجمل أحكامه وقضاياه، وخطبه وعظاته، وأعلامه ومعجزاته،
وعدة أزواجه وأولاده، وأصهاره وأصحابه، وذكر فضائلهم ومآثرهم، وشرح أخبارهم
ومناقبهم، ومبلغ أعمارهم، وبيان أنسابهم.
وفيه تفسير القرآن العظيم، وما فيه من النبأ والذكر الحكيم، وأقاويل الصحابة
في الأحكام المحفوظة عنهم، وتسمية من ذهب إلى قول كل واحد منهم، من الأئمة
الخالفين، والفقهاء المجتهدين.
وقد جعل الله أهله أركان الشريعة، وهدم بهم كل بدعة شنيعة، فهم أمناء الله
في خليقته، والواسطة بين النبي ◌َّ وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم
٥٤٤

زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرة، وكل فئة
تتحيَّز إلى هوى ترجع إليه، وتستحسن رأياً تعكف عليه، سوى أصحاب الحديث،
فإن الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرِّجون
على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون
عليه العدول، حفظة الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته، إذا اختلف في حديث؛
كان إليهم الرجوع، فما حكموا به؛ فهو المقبول المسموع.
منهم كل عالم فقيه، وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة،
وقارىء متقن، وخطيب محسن، وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم،
وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإِفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر، مَن كادهم؛
قصمه الله، ومَن عاندهم؛ خذله الله، لا يضرُّهم مَن خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم،
المحتاط لدينه إلى إرشادهم فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسير، وإن الله على
نصرهم لقدير)» .
ثم ساق الحديث من رواية قرَّة، ثم روى بسنده عن علي بن المديني أنه قال:
((هم أهل الحديث، والذين يتعاهدون مذاهب الرسول، ويذُبُّون عن العلم،
لولاهم لم تجد عند المعتزلة والرافضة والجهمية وأهل الإِرجاء والرأي شيئاً من
السنن)).
قال الخطيب :
((فقد جعل رب العالمين الطائفة المنصورة حرَّاس الدين، وصرف عنهم كيد
المعاندين؛ لتمسكهم بالشرع المتين، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين، فشأنهم حفظ
الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار، في اقتباس ما شرع الرسول
المصطفى، لا يعرجون عنه إلى رأي ولا هوى، قبلوا شريعته قولاً وفعلاً، وحرسوا سنَّته
حفظاً ونقلاً، حتى ثبّتوا بذلك أصلها، وكانوا أحقَّ بها وأهلها، وكم من ملحد يروم أن
يخلط بالشريعة ما ليس منها، والله تعالى يذبُّ بأصحاب الحديث عنها، فهم الحفاظ
٥٤٥

لأركانها، والقوّامون بأمرها وشأنها، إذا صدف عن الدفاع عنهم، فهم دونها يناضلون،
أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون».
ثم ساق الخطيب رحمه الله تعالى الأبواب التي تدلّ على شرف أصحاب
الحديث وفضلهم، ولا بأس من ذكر بعضها وإن طال المقال؛ لتتم الفائدة، لكني
أقتصر على أهمها وأمسها بالموضوع:
١ - قوله وَلَه: ((نضَّر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلَّغه)).
٢ - وصية النبي ◌َليل بإكرام أصحاب الحديث.
٣ - قول النبي وَلير: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عُدولُه)).
٤ - كون أصحاب الحديث خلفاء الرسول و لر في التبليغ عنه.
٥ - وصف الرسول وَل إيمان أصحاب الحديث.
٦ - كون أصحاب الحديث أولى الناس بالرسول ويلية؛ لدوام صلاتهم عليه.
٧ - بشارة النبي وير أصحابه بكون طلبة الحديث بعده واتصال الإِسناد بينهم
وبينه .
٨ - البيان أن الأسانيد هي الطريق إلى معرفة أحكام الشريعة.
٩ - كون أصحاب الحديث أمناء الرسول ملا لحفظهم السنن وتبيينهم لها.
١٠ - كون أصحاب الحديث حماة الدين بذبِّهم عن السنن.
١١ - كون أصحاب الحديث ورثة الرسول وم القر ما خلفه من السنة وأنواع
الحكمة ..
١٢ - كونهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر.
١٣ - كونهم خيار الناس.
١٤ - من قال: إن الأبدال والأولياء أصحاب الحديث.
٥٤٦

١٥ - من قال: لولا أهل الحديث لاندرس الإِسلام.
١٦ - كون أصحاب الحديث أولى الناس بالنجاة في الآخرة، وأسبق الخلق إلى
الجنة .
١٧ - اجتماع صلاح الدنيا والآخرة في سماع الحديث وكتبه.
١٨ - ثبوت حجة صاحب الحدیث.
١٩ - الاستدلال على أهل السنة بحبِّهم أصحاب الحديث.
٢٠ - الاستدلال على المبتدعة ببغض الحديث وأهله.
٢١ - من جمع بين مدح أصحاب الحديث وذم أهل الرأي والكلام الخبيث.
٢٢ - من قال: طلب الحديث من أفضل العبادات.
٢٣ - من قال: رواية الحديث أفضل من التسبيح .
٢٤ - من قال: التحديث أفضل من صلاة النافلة.
٢٥ - من تمنى رواية الحديث من الخلفاء ورأى أن المحدثين أفضل العلماء.
هذه هي أهم أبواب الكتاب وفصوله، أسأل الله تعالى أن ييسِّر له مَن يقوم بطبعه
من أنصار الحديث وأهله، حتى يسوغ لمثلي أن يحيل عليه مَن شاء التفصيل في
. معرفة ما جاء في هذه الفصول الرائعة من الأحاديث والنقول عن الأئمة الفحول!
وأختم هذه الكلمة بشهادة عظيمة لأهل الحديث من عالم من كبار علماء
الحنفية في الهند، ألا وهو أبو الحسنات محمد عبدالحي اللكنوي (١٢٦٤ -
١٣٠٤ هـ)، قال رحمه الله :
((ومَن نظر بنظر الإِنصاف، وغاص في بحار الفقه والأصول متجنُّباً الاعتساف؛
يعلم علماً يقينيّاً أن أكثر المسائل الفرعيَّة والأصليّة التي اختلف العلماء فيها؛ فمذهب
المحدِّثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم، وإني كلما أسير في شعب الاختلاف؛ أجد
٥٤٧

قول المحدثين فيه قريباً من الإِنصاف؛ فلله درُّهم، وعليه شكرهم (كذا)؛ كيف لا
وهم ورثة النبي ◌َير حقّاً، ونواب شرعه صدقاً؟! حشرنا الله في زمرتهم، وأماتنا على
حبِّهم وسيرتهم)). ( انظر الاستدراك رقم : ٩ ).
النَّفْقَةُ عَلَى طَعَامِهِ ولِبِاسِهِ صَدَقَةٌ
٢٧١ - (يا أيُّها الّاسُ! ابْتَاعُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ مالِ اللهِ، فإِنْ
بَخِلَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُعْطِيَ مَالَهُ لِلنَّاسِ ؛ فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، ولْيَتَصَدَّقْ عَلى
نَفْسِهِ، فَلْيَأْكُلْ ولْيَكْتَس مِمَّا رَزَقَهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ).
أخرجه الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٥٤): حدثنا حماد بن الحسن الورَّاق:
حدثنا حَبَّان بن هلال: حدثنا سليم بن حيان: حدثنا حميد بن هلال عن أبي قتادة
قال: قال رسول الله ◌َلـ: (فذكره).
قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم؛ غير سليم بن
حيان، وقد وثّقه أحمد وابن معين وغيرهما، وترجمته في ((الجرح والتعديل)) (٢ / ١ /
٣١٤)، ثم استدركت فقلت: سَليم هذا - وهو بفتح المهملة - أخرج له الشيخان؛ كما
في ((الجمع بين رجال الصحيحين)) و((تهذيب الكمال)) و((الكاشف)) و((التقريب))،
ووقع في أصله: ((خ دت))، ولعله من تحريف النساخ.
ثم وقفت على طريق آخر للحديث من رواية أبي قلابة عن أنس، وسأتكلم عليه
فيما يأتي تحت هذا الحديث نفسه، وقد قدر أن يقع مكرراً برقم (٣٧٧).
وأبو قتادة هو العدوي البصري، أثبت صحبته ابن منده، ونفاها غيره، والله
أعلم .
ولبعضه شاهد في ((صحيح مسلم)) وغيره من حديث جابر، وهو مخرج في
((الإِرواء)) (٨٣٣).
٥٤٨

مِنْ فَضْلِ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلاءِ
٢٧٢ - (قالَ اللهُ تَعالى: إِذا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي المُؤمِنَ ولَمْ يَشْكُني
إِلى عُوَّادِهِ؛ أَطْلَقْتُهُ مِن أَساري، ثمَّ أَبْدَلْتُهُ لَحماً خيراً مِنْ لَحْمِهِ، وَدَماً
خَيراً مِنْ دَمِهِ، ثمَّ يَسْتَأْتِفُ العَمَلَ).
أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (١ / ٣٤٩)، ومن طريقه البيهقي في ((سننه))
(٣ / ٣٧٥) من طريق علي بن المديني: ثنا أبو بكر الحنفي: ثنا عاصم بن محمد
ابن زيد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
مَ *: (فذكره). وقال:
((صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرِّجاه)). ووافقه الذهبي في ((تلخيصه)).
وأما في ((المهذَّب)) - وهو مختصر ((سنن البيهقي)) -؛ فأشار إلى أن له علة،
فقال :
((لم يخرجه الستة لعلَّته))(١).
وكأنه يريد بها الوقف؛ فقد أخرجه البيهقي عقب هذا المرفوع من طريق أبي
صخر حميد بن زياد أن سعيداً المقبريَّ حدثه قال: سمعتُ أبا هريرة يقول:
((قال الله عزَّ وجلَّ: أبتلي عبدي المؤمن، فإذا لم يشكُ إلى عُوَّاده ذلك؛ حللتُ
عنه عقدي، وأبدلتُه دماً خيراً من دمه، ولحماً خيراً من لحمه، ثم قلت له: ائتنف
العمل)).
قلت: ورجاله ثقات رجال مسلم؛ إلا أن أبا صخر هذا فيه كلام من قبل حفظه،
وفي ((التقريب)):
(صدوق یھم)).
(١) المناوي على ((الجامع الصغير)).
٥٤٩

قلت: فمثله حسن الحديث، لكنه لا يصلح لمعارضة الرواية المرفوعة؛ لأن
رواتها كلهم ثقات، لا مغمز فيهم، فإما أن يُقال: إن أبا صخر وَهِمَ في وقفه والصواب
المرفوع، وإما أن يُقال: إن أبا هريرة كان يرفعه تارة ويوقفه أخرى، وكل حفظ ما وصل
إليه، والرفع لا يعارض الوقف، ولا سيما وهو في حكم المرفوع.
لكن وجدت له علة أخرى غريبة؛ فقد قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((شرح
علل الترمذي)) آخر ((السنن)) (٢٠٦ / ١):
((قاعدة مهمّة: حذَّاق النقاد من الحفاظ؛ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم
للرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهمّ خاصٌّ يفهمون به أن هذا الحديث يشبه
حديث فلان ولا يشبه حديث فلان، فيعلِّلون الأحاديث بذلك، وهذا مما لا يعبّر عنه
بعبارة مختصرة، وإنما يرجع فيه أهله إلى مجرَّد الفهم والمعرفة التي خصُّوا بها عن
سائر أهل العلم؛ كما سبق ذكره في غير موضع، فمن ذلك ... )).
ثم ذكر أمثلة كثيرة، بعضها مسلَّم، وبعضها غير مسلَّم، ومن ذلك هذا
الحديث، مع وهمه في عزوه، فقال (٢٠٧ / ١ - ٢):
((ومن ذلك أن مسلماً خرج في ((صحيحه)) (!) عن القواريري عن أبي بكر
الحنفي عن عاصم بن محمد العمري: ثنا سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة
(فذكر الحديث ثم قال: ) قال الحافظ أبو الفضل بن عمار الهروي الشهيد:
هذا حديث منكر، وإنما رواه عاصم بن محمد عن عبدالله بن سعيد المقبري
عن أبيه، وعبدالله بن سعيد شديد الضعف، قال يحيى القطان: ما رأيت أحداً
أضعف منه. ورواه معاذ بن معاذ عن عاصم بن محمد عن عبدالله بن سعيد عن أبيه
عن أبي هريرة، وهو يشبه أحاديث عبدالله بن سعيد)). انتهى .
قلت: معاذ بن معاذ - وهو العنبري - وأبو بكر الحنفي - واسمه عبدالكبير بن
عبدالمجيد - كلاهما ثقة محتجُّ به في ((الصحيحين))، فلا أرى استنكار حديث هذا
برواية ذاك بدون حجة ظاهرة، سوی دعوی أن حديثه یشبه أحادیث عبدالله بن سعيد
٥٥٠

الواهي! فإن هذه المشابهة إن كانت كافية لإِقناع مَن كان من النقّاد الحذَّاق؛ فليس
ذلك بالذي يكفي لإِقناع الآخرين، الذين قنعوا بصدق الراوي وحفظه وضبطه، ثم لم
يشعروا بذلك الشبه، أو شعروا به، ولكن لم يروا من الصواب في شيء جعله علَّة
قادحة يستنكر الحديث من أجلها، ويسلَّم للقادح بها، مع مخالفته لقاعدة أخرى هي
أهم وأقوى من القاعدة التي بنى ابن رجب عليها رد هذا الحديث، وهي أن زيادة الثقة
مقبولة، ومن حفظ حجّة على مَن لم يحفظ!
وما المانع أن يكون الحديث قد رواه عن أبي سعيد المقبري كل من ولديه :
سعيد الثقة، وعبدالله الضعيف، وأن عاصماً أخذ الحديث عنهما كليهما، فكان يرويه
تارة عن سعيد، فحفظه عنه أبو بكر الحنفي، وتارة عن عبدالله فحفظه معاذ بن معاذ؟!
لا يوجد قطعاً ما يمنع من القول بهذا، بل هو أمر لا بدَّ منه للمحافظة على
القاعدة التي ذكرناها؛ لقوَّتها واضطرادها؛ بخلاف القاعدة الأخرى؛ فإنها غير
مضطردة، ولا هي منضبطة؛ كما لا يخفى عمَّن له فهم وعلم في هذا الفن الشريف؛
فإن كون حديث الثقة مشابهاً الحديث الضعيف، لا يوجد في العلم الصحيح ما يدل
على أن الحديث حديث الضعيف، وأن الثقة وهم فيه، إذ قد يروي الضعيف ما يشبه
أحاديث الثقات على قاعدة: ((صدقك وهو كذوب))؛ فكيف يجوز مع ذلك أن نردًّ
حديث الثقة لمجرَّد مشابهته لحديث الضعيف؟! بل العكس هو الصواب: أن نقبل
من حديث الضعيف ما يشبه حديث الثقة ويوافقه، بل إن الراوي المجهول حفظه
وضبطه لا يعرف ذلك منه إلا بعرضه على أحاديث الثقات، فما وافقها من حديثه؛
قُبل، وما عارضه وخالفه؛ تُرك، وهذا علم معروف في ((مصطلح الحديث)).
ومما يؤيد صحة هذا الحديث، وأن أبا بكر الحنفي قد حفظه، وليس هو من
حديث عبدالله بن سعيد وحده: أن الإِمام مالك قال في ((الموطإ)) (٢ / ٩٤٠ /٥):
((عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله وسلم قال: إذا مرض العبد؛
بعث الله تعالى إليه ملكين، فقال: انظروا ماذا يقول لعوَّاده؟ فإن هو إذا جاؤوه؛ حمد
٥٥١

الله، وأثنى عليه؛ رفعا ذلك إلى الله عزَّ وجل - وهو أعلم-، فيقول: لعبدي عليَّ إن
توقَّيته أن أدخله الجنة، وإن أنا شفيته أن أبدل له لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من
دمه، وأن أكفِّر عنه سيئاته)).
وهذا سند مرسل صحيح، فهو شاهد قويٌّ لحديث أبي بكر الحنفي الموصول،
والحمد لله على توفيقه .
ثم رأيته موصولاً عن مالك، أخرجه أبو الحسين الأبنوسي في ((جزء فيه فوائد
عوال حسان منتقاة غرائب)) (٣ / ٢): أخبرنا علي (هو الدارقطني) قال: ثنا أبو بكر
عبدالله بن سليمان بن الأشعث إملاءً سنة ست عشرة وثلاث مئة قال: ثنا علي بن
محمد الزياداباذي قال: ثنا معن بن عيسى قال: ثنا مالك عن سهيل بن أبي صالح
عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ الر: (فذكره)، وقال:
((قال الدارقطني: تفرَّد به علي بن محمد عن معن عن مالك، وما نكتبه إلا عن
ابن أبي داود)».
قلت: لكن الزياداباذي هذا كأنه مجهول؛ فقد أورده السمعاني في هذه
النسبة، وذكر أنه روى عنه جماعة (وفي النسخة سقط)، ولم يحك فيه جرحاً ولا
تعديلاً، وأورده في ((الميزان))، وتبعه في ((اللسان))، من أجل هذا الحديث، وقال:
((وأشار الدارقطني في ((غرائب مالك)) إلى لينه، وأنه تفرَّد عن معن عن مالك
به، وقال: إنما هو في ((الموطأ)) بسند منقطع عن غير سهيل)).
٢٧٣ - (أَنَا زَعِيمُ بَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِراءَ وإِنْ كانَ
مُحِقّاً، وبيتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإِنْ كَانَ مَازِحاً، وبيتٍ
فِي أَعْلَى الجَنّةِ لمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ).
رواه أبو داود في «سننه)) (٤٨٠٠)، وعنه البيهقي (١٠ / ٢٤٩): حدثنا محمد
ابن عثمان الدمشقي أبو الجماهر قال: ثنا أبو كعب أيوب بن محمد السعدي قال:
٥٥٢

حدثني سليمان بن حبيب المحاربي عن أبي أمامة مرفوعاً.
قلت: وهذا سند رجاله ثقات معروفون؛ غير أيوب بن محمد السعدي، كذا
وقع في رواية أبي داود، قال الحافظ في ((التهذيب)):
((ورواه أبو زرعة الدمشقي، ويزيد بن محمد بن عبدالصمد، وهارون بن أبي
جميل، وأبو حاتم، وغيرهم عن أبي الجماهر، فقالوا: ((أيوب بن موسى))، قال ابن
عساكر: وهو الصواب)).
قلت: رواية هارون بن أبي جميل أخرجها ابن عساكر في ترجمته من ((تاريخ
دمشق)» (١٧ / ٤٩٣ / ١)، لكن وقع في نسختنا منه: ((حدثنا أبو أيوب بن موسى))،
فالظاهر أنه سقط منها: ((كعب))؛ فإنه أبو كعب أيوب بن موسى .
وفي اسمه اختلاف آخر؛ فقد رواه الدولابي في ((الكنى)) (٢ / ١٣٣) هكذا:
حدثنا عبدالصمد بن عبدالوهاب - صعيد - قال: حدثنا محمد بن عثمان أبو الجماهر
قال: حدثنا أبو موسى كعب السعدي عن سليمان بن حبيب؛ دون الفقرة الوسطى .
وليس هذا خطأ مطبعيّاً أو من بعض النساخ؛ فإن الدولابي أورده في (باب كنية
موسی)، ثم سرد مَن يكنى بذلك من الرواة، فقال:
(( ... وأبو موسى كعب السعدي عن سليمان بن حبيب، روى عنه محمد بن
عثمان أبو الجماهر)).
وعلى كل حال؛ فالصواب كما قال ابن عساكر: ((أيوب بن موسى))؛ لاتفاق
الجماعة عليه، ثم هو قد أورده الذهبي في ((الميزان)) فقال:
((روى عنه أبو الجماهر وحده، لكنه وثّقه)).
قلت: وسكت عنه ابن أبي حاتم (١ / ١ / ٢٥٨)، وقال الحافظ في
((التقريب)):
((صدوق)) .
٥٥٣

ولا يطمئن القلب لذلك؛ لتفرُّد أبي الجماهر عنه، بل هو بوصف الجهالة
أولى؛ كما تقتضيه القواعد الحديثية: أن الراوي لا ترتفع عنه الجهالة برواية الواحد.
لكن للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن على أقل الأحوال؛ فمنها
حديث ابن عباس ولفظه :
((أنا الزعيم ببيت في رياض الجنة، وبيت في أعلاها، وبيت في أسفلها؛ لمن
ترك الجدل وهو محقٌّ، وترك الكذب وهو لاعب، وحسن خلقه)).
رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣ / ١١٦ / ١) من طريق سويد أبي
حاتم: نا عبدالملك - راوية عطاء - عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً.
قلت: وهذا سند ضعيفٌ من أجل سويد هذا، وهو ابن إبراهيم، أورده الذهبي
في ((الضعفاء))، وقال:
((ضعفه النسائي)).
وقال الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق، سيىء الحفظ، له أغلاط، وقد أفحش ابن حبان فيه القول)).
وقال الهيثمي بعد أن عزاه للطبراني (٨ / ٢٣):
((وفيه أبو حاتم، سويد بن إبراهيم، ضعفه الجمهور، ووثقه ابن معين، وبقية
رجاله رجال الصحيح)).
قلت: لو قال: ووثقه ابن معين في رواية؛ لكان أقرب إلى الصواب؛ فقد قال
أبو داود :
«سمعت یحی بن معین یضعفه)).
فابن معين في هذه الرواية يلتقي مع الجمهور؛ فهي أولى بالقَبول.
وأما قول الهيثمي في مكان آخر (١ / ١٥٧): ((وإسناده حسن إن شاء الله
تعالى))؛ فتساهل منه لا يخفى .
٥٥٤

٠
بل إن هذا الحديث ليدلُّ على ضعفه؛ فإنه قد خلط في هذا الحديث وأفسد
معناه؛ فإن المعروف في حديث غيره توزيع هذه المنازل الثلاث على ثلاثة أشخاص،
وفي ذلك أحاديث عن أبي أمامة وأنس بن مالك، وقد اتَّفقا على أن البيت الذي في
أعلى الجنة لمَن حسن خلقه، على خلاف هذا؛ فإنه جعل له البيت الذي في
أسفلها، هذا إن اعتبرنا الترتيب المذكور فيه من قَبيل لف ونشر مرتب.
ثم اختلف الحديثان المشار إليهما في البيتين الآخرين؛ فحديث أبي أمامة
جعل البيت في ربض الجنة لمَن ترك المراء وهو محقٌّ، والبيت في وسطها لمن ترك
الكذب، وعكس ذلك حديث أنس، فأردنا أن نرجح أحدهما على الآخر بشاهد، فلم
نجد أصلح من هذا إسناداً، وقد علمت ما في متنه من الفساد في المعنى.
نعم؛ وجدنا حديثاً آخر يصلح شاهداً لحديث أبي أمامة، وهو ما أخرجه
الطبراني في ((المعجم الصغير)) (ص ١٦٦) وفي ((المعجمين)) الآخرين من طريق
محمد بن الحصين القصاص: ثنا عيسى بن شعيب عن روح بن القاسم عن زيد بن
أسلم عن مالك بن عامر عن معاذ بن جبل مرفوعاً بلفظ :
((أنا زعيم ببيت في ربض الجنة، وبيت في وسط الجنة، وبيت في أعلى
الجنة؛ لمَن ترك المراء وإن كان محقّاً، وترك الكذب وإن كان مازحاً، وحسن خلقه)».
وقال الطبراني :
((لم يروه عن روح إلَّ عيسى، تفرد به ابن الحصين)).
قلت: ولم أجد مَن ترجمه .
وعيسى بن شعيب - وهو النحوي - قال الحافظ فى ((التقريب)):
((صدوق، له أوهام)).
وقال الهيثمي في ((المجمع)) (٨ / ٢٣):
((رواه الطبراني في الثلاثة، والبزار، وفي إسناد الطبراني محمد بن الحصين،
٥٥٥

ولم أعرفه، والظاهر أنه التميمي، وهو ثقة، وبقيَّة رجاله ثقات)).
قلت: وما استظهره بعيد عندي؛ فإنَّ ابن الحصين هذا في طبقة الإِمام أحمد،
وأما التميمي؛ فمِن أتباع التابعين، جعله الحافظ من الطبقة السادسة التي عاصرت
الطبقة الخامسة من صغار التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة؛ بخلاف
السادسة، فلم يثبت لهم لقاء أحد منهم.
وقوله في التميمي: إنه ثقة. فيه تساهل؛ لأنه لم يوثقه غير ابن حبان، وهو
معروف بتساهله في التوثيق، أضف إلى ذلك أن الدارقطني خالفه، فقال:
((مجهول))، وهو الذي اعتمده الحافظ في ((التقريب)).
وجملة القول أن هذا الإِسناد ضعيف، ولكن ليس شديد الضعف، فيصلح
شاهداً لحديث أبي أمامة ، فيرتقي به إلى درجة الحسن، والله أعلم.
٢٧٤ - (أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى، يَقولونَ: يَثْرِبُ، وهِيَ
المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ).
أخرجه البخاري (٤ / ٦٩ - ٧٠)، ومسلم (٩ / ١٥٤)، ومالك (٣ / ٨٤ -
٨٥)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٢ / ٢٣٢ - ٢٣٣)، وأحمد (رقم ٧٢٣١
و٧٣٦٤)، والخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (٦٢ / ٢)، وأبو يعلى في («مسنده)) (٣٠٠
/ ٢) عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله وَّل ◌َه يقول: (فذكره).
وفي رواية من طريق أخرى عنه مرفوعاً بلفظ :
((يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلمَّ إلى الرخاء، هلمَّ
إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده؛ لا يخرج منهم
أحد رغبةً عنها؛ إلاّ ألف الله فيها خيراً منه، ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبيث، لا
تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد)).
٥٥٦

أخرجه مسلم (٩ / ١٥٣)، وابن حبان (٨ / ٢٧٢ / ٦٧٣٧ - الإحسان).
الغريب :
١ - (أمرت بقرية)؛ قال الخطيب:
((المعنى: أمرت بالهجرة إلى قرية. (تأكل القرى)؛ أي: يأكل أهلها القرى؛
كما قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئَّةً﴾(١)؛ يعني: قرية كان
أهلها مطمئنين، وكان ذكر القرية عن هذا كناية عن أهلها، وأهلها المرادون بها لا
هي، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَذاقَها اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ والخَوْفِ بِمَا كَانُوا
يَصْنَعُونَ﴾(٢)، والقرية لا صنع لها، وقوله: ﴿فَكَفَرَتْ بأَنْعُمِ اللهِ﴾ (٣)، والقرية لا كفر
لها .
٢ - (تأكل القرى)؛ بمعنى تقدر عليها؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ
الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ (٤)، ليس يعني بذلك أكَلَتها دون محتجبيها عن اليتامى لا بأكل لها،
وكقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلوها إِسْرافاً وبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾(٥)؛ يعني: تغلبوا عليها إسرافاً
على أنفسكم، وبداراً أن يكبروا، فيقيموا الحجة عليكم بها، فينتزعوها منكم
لأنفسهم، فكان الأكل فيما ذكرنا يراد به الغلبة على الشيء، فكذلك في الحديث)).
٢٧٥ - (كانَ يُصَلِّي عِنْدَ المَقامِ، فَمَرَّ بِهِ أَبو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ
فقالَ: يا مُحَمَّدُ! أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هذا؟! وَتَوَعَّدَهُ، فَأَغْلَظَ لَهُ رَسولُ اللهِ
﴿ وَانْتَهَرَهُ، فقال: يا مُحمَّدُ! بأَيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُني؟! أَما واللهِ إِنِّي لأكْثَرُ
زالله
وَسَيّـ
(١) النحل: ١١٢.
(٢) النحل: ١١٢ .
(٣) النحل: ١١٢.
(٤) النساء: ١٠ .
(٥) النساء: ٦.
٥٥٧

هذا الوادي نادياً، فَأَنْزَّلَ اللهُ: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ. سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾(١). قال
ابنُ عبَّاسٍ : لو دَعا نَادِيَهُ؛ أَخَذَتْهُ زَبانِيَةُ العَذابِ مِن سَاعَتِهِ).
رواه الترمذي (٢ / ٢٣٨)، وابن جرير في «تفسيره)) (٣٠ / ١٦٤) من طرق
عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: (فذكره). والسياق لابن جرير.
قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم، وقال الترمذي :
(حديث حسن غريب صحيح)).
قلت: وقد رواه البخاري، والطبراني في ((الكبير)) (٣ / ١٤١ / ١)، وغيره من
طرق أخرى عن عكرمة به نحوه .
وله في ((المعجم)) (٣ / ١٧٣ / ١) طريق أخرى عن ابن عباس.
الأمْرُبِتَعَلُّمِ الأنسابِ
٢٧٦ - (تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسابِكُمْ مَا تَصِلونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ؛ فإِنَّ صِلَةَ
الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ في الأهْلِ ، مَثْراةٌ في المالِ ، مَنْسَأَةٌ في الأثَرِ).
أخرجه الترمذي (١ / ٣٥٧ - ٣٥٨)، والحاكم (٤ / ١٦١)، وأحمد (٢ /
٣٧٤)، والسمعاني في ((الأنساب)) (١ / ٥) عن عبد الملك بن عيسى الثقفي عن يزيد
مولى المنبعث عن أبي هريرة مرفوعاً به. وقال الترمذي :
((حديث غريب من هذا الوجه)).
قلت: وإسناده جيد، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير عبدالملك هذا؛ قال
أبو حاتم :
«صالح)).
(١) العلق: ١٧ - ١٨.
٥٥٨

وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٢ / ١٧٥)، وروى عنه جماعة من الثقات؛
منهم عبد الله بن المبارك، وهو الذي روى عنه هذا الحديث، فلا أدري لماذا لم
يحسِّنه الترمذي على الأقل. وقال الحاكم :
((صحيح الإِسناد)).
ووافقه الذهبي .
وللشطر الأول منه طريق أخرى، يرويه أبو الأسباط الحارثي اليماني عن يحيى
ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة به .
أخرجه ابن عدي (٣٣ / ٢).
وأبو الأسباط هذا هو بشر بن رافع؛ قال الحافظ :
«فقيه، ضعيف الحديث)).
وقد وجدت له شاهدین :
أحدهما: من حديث العلاء بن خارجة مرفوعاً به .
أخرجه الطبراني (١٨ / ٩٨)، ورجاله قد وثّقوا؛ كما في ((المجمع)) (١ /
١٩٣ و٨ / ١٥٢)، وقال المنذري (٣ / ٢٢٣):
((لا بأس بإسناده)).
وهو كما قال.
والآخر: من حديث علي رضي الله عنه.
أخرجه الخطيب في ((الموضح)) (١ / ٢١٥)، ورجاله ثقات، غير علي بن
حمزة العلوي، ولم أجد له ترجمة، ولا أورده الطوسي في ((فهرسته)).
والشطر الثاني من الحديث رواه الطبراني في ((الأوسط)) من حديث عمرو بن
سهل؛ قال الهيثمي :
٥٥٩

((وفيه مَن لم أعرفهم)).
وقد صحَّ عن النبي ◌َير أنه قال:
((من أحبَّ أن يُبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أثره؛ فليَصِلْ رَحِمه)).
متفق عليه من حديث أنس، وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، والحاكم
(٤ / ١٦٠) من حديث علي وابن عباس، وأحمد (٥ / ٢٧٩) عن ثوبان، والأول في
((صحيح أبي داود)) (١٤٨٦).
وللحدیث شاهد ثالث بنحوه وهو:
٢٧٧ - (اعْرِفوا أَنْسابَكُمْ؛ تَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ؛ فَإِنَّهُ لا قُرْبَ بالرَّحِمِ
إِذا قُطِعَتْ وإِنْ كانَتْ قَرِيبَةً، ولا بُعْدَ بها إِذا وُصِلَتْ وإِنْ كانَتْ بَعيدةً).
أخرجه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) (٢٧٥٧): حدثنا إسحاق بن سعيد قال:
حدثني أبي قال:
((كنت عند ابن عباس، فأتاه رجل، فسأله: مَن أنت؟ قال: فمت له برحم
بعيدة، فألان له القول، فقال: قال رسول الله وَ له ... (فذكره)).
وأخرجه الحاكم (٤ / ١٦١)، والسمعاني في ((الأنساب)) (١ / ٧) من طريق
الطيالسي به، وقال الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين)).
ووافقه الذهبي .
وأقول: إنما هو على شرط مسلم وحده؛ فإن الطيالسي لم يحتج به البخاري،
وإنما روى له تعليقاً.
والحديث أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم ٧٣): حدثنا أحمد بن
يعقوب قال: أخبرنا إسحاق بن سعيد بن عمرو به موقوفاً على ابن عباس دون قصة
٥٦٠