Indexed OCR Text
Pages 501-520
قلت: وهذا سند رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، غير أن سماكاً روايته عن
عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغيَّر بآخره فكان ربما يلقَّن؛ كما في ((التقريب)).
٣ - وأما حديث عبادة بن الصامت؛ فيرويه الفضيل بن سليمان: ثنا موسى بن
عقبة عن إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة مرفوعاً به .
أخرجه ابن ماجه، وعبدالله بن أحمد في ((زوائد المسند)) (٥ / ٣٢٦).
قلت: وهذا سند ضعيف منقطع بين عبادة وحفيده إسحاق؛ قال الحافظ :
((أرسل عن عبادة، وهو مجهول الحال)).
٤ - وأما حديث عائشة؛ فله عنها طريقان :
الأولى: يرويها الواقدي: نا خارجة بن عبدالله بن سليمان بن زيد بن ثابت عن
أبي الرجال عن عمرة عنها .
أخرجه الدارقطني (٥٢٢).
قال ابن رجب :
((والواقدي متروك، وشيخه مختَلَف في تضعيفه)).
الثانية: عن روح بن صلاح: ثنا سعيد بن أبي أيوب عن أبي سهيل عن القاسم
ابن محمد عنها، وعن أبي بكر بن أبي سبرة عن نافع بن مالك أبي سهيل عن القاسم
به .
أخرجه الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٢٠٠٤ - مجمع البحرين).
((لم يروه عن القاسم إلا نافع بن مالك)).
قلت: وهو ثقة محتجِّ به في ((الصحيحين))، لكن الطريقان إليه ضعيفان كما
قال ابن رجب؛ ففي الأولى روح بن صلاح وهو ضعيف، وفي الأخرى أبو بكر بن أبي
سبرة وهو أشد ضعفاً؛ قال في ((التقريب)):
٥٠١
«رموه بالوضع)).
٥ - وأما حديث أبي هريرة؛ فيرويه أبو بكر بن عيَّاش قال: عن ابن عطاء عن
أبيه عن أبيه هريرة مرفوعاً.
أخرجه الدارقطني، وأعلَّه الزيلعي بأبي بكر هذا، فقال:
«مختلف فيه)».
وأعله ابن رجب بابن عطاء، فقال:
((هو يعقوب، وهو ضعيف)).
٦ - وأما حديث جابر؛ فيرويه حيان بن بشر القاضي قال: ثنا حماد بن سلمة
عن محمد بن إسحاق عن محمد بن یحیی بن حبان عن عمه واسع بن حبان عنه.
رواه الطبراني في ((الأوسط))، وسكت عليه الزيلعي، وقال ابن رجب:
((هذا إسناد مقارب، وهو غريب، لكن خرجه أبو داود في ((المراسيل)) من رواية
عبدالرحمن بن مغراء(١) عن ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع
مرسلاً، وهذا أصح)).
قلت: ومداره على ابن إسحاق، وهو مدلس وقد عنعنه، وحيان بن بشر الذي
في الطريق الموصولة؛ قال ابن معين :
«لا بأس به)).
وله ترجمة في «تاریخ بغداد)) (٨ / ٢٨٥)، وقد روی عن واسع بن حبان عن
أبي لبابة عن النبي ◌َّر .
رواه أبو داود في ((المراسيل)) كما نقله الزيلعي، ولم يسق إسناده لننظر فيه .
(١) في الأصل: ((معز عن أبي إسحاق))! والتصحيح من كتب الرجال و((المراسيل)) (٢٩٤
/ ٤٠٧).
٥٠٢
قلت: وما أظن إلاّ أنه وهم بذكر أبي لبابة فيه؛ فإنه من مرسل واسع كما تقدم،
وليس في ((المراسيل)) غيره.
٧ - وأما حديث ثعلبة؛ فهو من رواية إسحاق بن إبراهيم مولى مزينة عن صفوان
ابن سليم عنه .
رواه الطبراني في «معجمه)) (١٣٨٧)، وسكت عليه الزيلعي (٤ / ٣٨٥)،
وإسحاق بن إبراهيم هذا لم أعرفه .
ثم تبيَّن أنه ابن سعيد الصوَّاف المدني، وهو ليِّن الحديث كما قال الحافظ،
فيصلح للاستشهاد به .
وفات هذا الحديثُ الحافظَ الهيثميَّ، فلم يورده في ((المجمع)) (٤ / ١١٠)،
وأورد فيه فقط حديث جابر وعائشة .
وبالجملة؛ فهذه طرق كثيرة أشار إليها النووي في ((أربعينه))، ثم قال:
((يقوِّي بعضها بعضاً)). ونحوه قول ابن الصلاح:
(«مجموعها يقوِّي الحديث ويحسِّنه، وقد تقبَّله جماهير أهل العلم واحتجُوا به،
وقول أبي داود: إنَّه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها؛ يشعر بكونه غير ضعيف)).
٢٥١ - (حَرِيمُ الِثْرِ أَرْبَعونَ ذِراعاً مِنْ حَوالَيْها؛ كلُّها لأعْطان
الإِبِلِ والغَنَمِ).
أخرجه الإمام أحمد (٢ / ٤٩٤) والسياق له، وابن زنجويه في ((الأموال)) (٢ /
٦٥٣ / ١٠٧٥): ثنا هشيم قال: أنا عوف عن رجل حدثه عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله وَط *: (فذكره).
قلت: وهذا سند ضعيف؛ لجهالة الرجل الذي لم يسمَّ، وقال الهيثمي في
((مجمع الزوائد» (٣ / ١٢٥):
٥٠٣
(رواه أحمد، وفيه رجلٌ لم يسمَّ، وبقيّة رجاله ثقات)) .
قلت: وهكذا أخرجه البيهقي (٦ / ١٥٥) من طريق أخرى عن هشيم به، ثم
قال :
((وقد كتبناه من حديث مسدَّد عن هشيم: أخبرنا عوف: ثنا محمد بن سيرين
عن أبي هريرة أن رسول الله و الله قال: (فذكره). أخبرناه أبو الحسن المقري ... )).
ومسدَّد ثقة من رجال البخاري، لكن في السند إليه مَن لم أعرفه، ولم يتعرَّض
الحافظ الزيلعي في ((نصب الراية)) (٤ / ٢٩٢) وكذا الحافظ العسقلاني في
(التلخيص)) (ص ٢٥٦) لهذه الطريق. والله أعلم.
وللحديث شاهد من رواية عبدالله بن مغفل مرفوعاً بلفظ :
((مَن حفر بئراً؛ فله أربعون ذراعاً عطناً لماشيته)).
أخرجه الدارمي (٢ / ٢٧٣)، وابن ماجه (٢ / ٩٦) من طريق إسماعيل بن
مسلم المکي عن الحسن عنه.
وهذا سند ضعيف، وله علَّتان:
الأولى: عنعنة الحسن - وهو البصري - فقد كان مدلِّساً.
والأخرى: ضعف إسماعيل بن مسلم المكي؛ قال الحافظ في ((التقريب)):
((كان فقيهاً ضعيف الحديث)).
وقال في ((التلخيص)) (٢٥٦) بعد أن عزاه لابن ماجه وحده:
:
((وفي سنده إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف، وقد أخرجه الطبراني من طريق
أشعث عن الحسن، وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد)).
قلت: فما دام أنه قد تابعه أشعث؛ فإعلال الحديث بالعلَّة الأولى أولى كما لا
يخفى، وأشعث هذا واحد من أربعة، كلهم يروون عن الحسن:
٥٠٤
الأول: أشعث بن إسحاق بن سعد الأشعري القمي .
الثاني : أشعث بن سوار الكندي .
الثالث: أشعث بن عبدالله بن جابر الحداني .
الرابع : أشعث بن عبدالملك الحمراني .
وكل هؤلاء ثقات؛ غير الثاني؛ ففيه ضعف، ولكن لا بأس به في المتابعات؛
كما يشير إلى ذلك ما حكاه البرقاني عن الدارقطني ؛ قال:
((قلت للدارقطني: أشعث عن الحسن؟ قال: هم ثلاثة يحدِّثون جميعاً عن
الحسن: الحمراني - وهو عبدالملك أبو هاني - ثقة، وابن عبدالله بن جابر الحداني
یعتبر به، وابن سوار يعتبر به وهو أضعفهم)».
قلت: وقد فاته الأول، وهو ثقة أيضاً؛ كما قال ابن معين وغيره.
وبالجملة؛ فهذا شاهد لا بأس به؛ فالحدیث به حسن عندي، والله أعلم.
وقد ذهب إلى العمل به أبو حنيفة والشافعي؛ كما في ((سبل السلام)) (٣ / ٧٨
- ٧٩).
وجاء عن سعيد بن المسيب مرفوعاً بلفظ :
((حريم البئر العاديَّة خمسون ذراعاً، وحريم بئر البَدِي خمس وعشرون ذراعاً)).
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٦ / ٣٧٤ / ١٣٩٨)، وابن زنجويه في
((الأموال)) (٢ / ٦٥٤ / ١٠٧٨)، وأبو داود في ((المراسيل)) (٢٩٠ / ٤٠٢) مرسلًاً،
ووصله الدارقطني في «سننه)) (٤ / ٢٢٠)، وقال:
((الصحيح أنه مرسل عن ابن المسيب)).
قلت: فهو شاهد آخر قوي، وإن كان فيه زيادة؛ فالأقل يدخل في الأكثر؛ أي :
إن الأكثر يشهد للأقل، ولا عكس، فتأمَّل.
٥٠٥
٢٥٢ - (تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوُضوءُ).
صحيح من حديث أبي هريرة مصرِّحاً بسماعه من النبي ◌ِّر، وله عنه طريقان:
الأولى: عن خلف بن خليفة عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم قال:
((كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان يمد يده حتى يبلغ إبطه،
فقلت له: يا أبا هريرة! ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ! أنتم ها هنا؟! لو علمت
أنكم ها هنا؛ ما توضأت هذا الوضوء! سمعت خليلي يقول: (فذكره)).
أخرجه مسلم (١ / ١٥١)، وأبو عوانة (١ / ٢٤٤)، والنسائي (١ / ٣٥)،
والبيهقي (١ / ٥٦)، وأحمد (٢ / ٣٧١) عنه.
وخلف هذا فيه ضعف من قبل حفظه، وکان اختلط، لكنه قد توبع، فرواه أبو
عوانة من طريق عبدالله بن إدريس قال: سمعت أبا مالك الأشجعي به بلفظ:
((قال: رأيته يتوضأ فيبلغ بالماء عضديه، فقلت: ما هذا؟ قال: وأنتم حولي یا
بني فروخ؟! سمعت رسول الله وَلا يقول: الحلية تبلغ مواضع الطهور)).
وهذا إسناد صحيح لا غبار عليه.
والطريق الأخرى عن يحيى بن أيوب البجلي عن أبي زرعة قال:
أ
((دخلت على أبي هريرة، فتوضأ إلى منكبيه، وإلى ركبتيه، فقلت له: ألا تكتفي
بما فرض الله عليك من هذا؟ قال: بلى، ولكني سمعت رسول الله وَ ليل يقول: مبلغ
الحلية مبلغ الوضوء، فأحببت أن يزيدني في حليتي)).
أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١ / ٤٠): حدثنا ابن المبارك عن يحيى
به، وعلقه عنه أبو عوانة في «صحيحه)) (١ / ٢٤٣).
قلت: وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات رجال ((الصحيحين))، غير يحيى
هُذا، وهو ثقة اتفاقاً؛ إلَّ رواية عن ابن معين، وقال الحافظ:
٥٠٦
«لا بأس به)).
ولا يضره إن شاء الله تعالى أن خالفه غيره من الثقات فأوقفه؛ لأنَّ الرفع زيادة،
وهي من ثقة؛ فهي مقبولة، لا سيما ويشهد لها الطريق الأولى :
فأخرج البخاري (١٠ / ٣١٧)، وابن أبي شيبة (١ / ٤١ - ٤٢)، وأحمد (٢
/ ٢٣٢) عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة قال:
((دخلت مع أبي هريرة دار مروان، فدعا بوَضوء، فتوضأ، فلما غسل ذراعيه
جاوز المرفقين، فلما غسل رجليه جاوز الكعبين إلى الساقين، فقلت: ما هذا؟ قال:
هذا مبلغ الحلية)».
واللفظ لابن أبي شيبة .
قال الشيخ إبراهيم الناجي متعقِّباً رواية مسلم الأولى وقد أوردها المنذري في
((الترغيب)):
((وهذه الرواية تدلُّ على أن آخره ليس بمرفوع أيضاً)).
قلت: يعني قوله: ((تبلغ الحلية ... ))، وقد عرفت الجواب عن هذا الإِعلال
آنفاً، وغالب ظني أن الناجي لم يقف على المتابعة المذكورة لخلف عند أبي عوانة،
ولا على هذه الطريق الأخرى الصحيحة أيضاً، وإلَّ لما قال ذلك.
على أنه قد بدا لي أن هذه الرواية، وإن كانت موقوفة ظاهراً؛ فهي في الحقيقة
مرفوعة؛ لأن قوله: ((هذا مبلغ الحلية))؛ فيه إشارة قويَّة جدّاً إلى أن المخاطَب يعلم أن
هناك حديثاً مرفوعاً بلفظ: ((مبلغ الحلية مبلغ الوضوء))؛ كما هو مصرَّح به في الطريق
الثانية، فاكتفى الراوي بذلك عن التصريح برفعه إلى النبي ريَّ، فتأمل.
وجملة القول: أن الحديث مرفوع من الطريقين، ولا يعلَّه الموقوف؛ لأنه في
حكم المرفوع؛ كما سبق بيانه.
ثم وجدت للحديث طريقاً ثالثاً عن أبي حارم.
٥٠٧
أخرجه أبو يعلى (١١ / ٦٦ / ٦٢٠٢)، ومن طريقه ابن حبان (٢ / ١٩٠ /
١٠٤٢ - الإِحسان): حدثنا عبد الغفار بن عبدالله بن الزبير: حدثنا علي بن مسهر عن
سعد بن طارق عنه به. وزاد أبو يعلى :
((وذلك أن أبا هريرة توضأ ذات يوم، فبلغ الوضوء إلى إبطه)).
وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير عبد الغفار شيخ أبي يعلى :
وثقه ابن حبان (٨ / ٤٢١)، وروى عنه آخرون غير أبي يعلى .
ولم يذكر ابن حبان الزيادة المذكورة، فكأنه يشير إلى أنه لا يرى الأخذ بها،
وهو الصواب؛ لما يأتي بيانه .
إذا عرفت هذا؛ فهل في الحديث ما يدلُّ على استحباب إطالة الغرة
والتحجيل؟!
والذي نراه - إذا لم نعتدَّ برأي أبي هريرة رضي الله عنه - أنه لا يدلُّ على ذلك؛
لأن قوله: ((مبلغ الوضوء))؛ من الواضح أنه أراد الوضوء الشرعي، فإذا لم يثبت في
الشرع الإِطالة؛ لم يجز الزيادة عليه؛ كما لا يخفى .
علی أنه إن دلَّ الحدیث علی ذلك؛ فلن یدلَّ على غسل العضد؛ لأنه ليس من
:
الغرَّة ولا التَّحجيل، ولذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((حادي الأرواح إلى
بلاد الأفراح)) (١ / ٣١٥ - ٣١٦):
((وقد احتجَّ بهذا الحديث مَن يرى استحباب غسل العضد وإطالته، والصحيح
أنه لا يستحبُّ، وهو قول أهل المدينة، وعن أحمد روايتان، والحديث لا يدلُّ على
الإِطالة؛ فإن الحلية إنما تكون زينة في الساعد والمعصم، لا في العضد والكتف)).
واعلم أن هناك حديثاً آخر يستدل به من يذهب إلى استحباب إطالة الغرَّة
والتحجيل، وهو بلفظ :
((إن أمَّتي يأتون يوم القيامة غرّاً محجَّلين من آثار الوضوء، فمَن استطاع منكم
٥٠٨
أن يطيلَ غرَّته؛ فليفْعَل)).
وهو متَّفق عليه بين الشيخين، لكن قوله: ((فمن استطاع ... )): مدرجْ من قول
أبي هريرة، ليس من حديثه وَالر؛ كما شهد بذلك جماعة من الحفاظ؛ كالمنذري،
وابن تيمية، وابن القيم، والعسقلاني، وغيرهم، وقد بيَّنْتُ ذلك بياناً شافياً في
((الأحاديث الضعيفة)) (١٠٣٠)، فأغنى عن الإِعادة، ولو صحَّت هذه الجملة؛ لكانت
نصّاً على استحباب إطالة الغرة والتحجيل، لا على إطالة العضد. والله ولي التوفيق.
٢٥٣ - (مَن استعاذَ باللهِ؛ فَأَعيذُوهُ، ومَن سأَلَكُمْ بَوَجْهِ اللهِ؛
فَأَعْطوهُ).
أخرجه أبو داود (٢ / ٦٢٢ - الحلبية)، وأحمد (رقم ٢٢٤٨)، والخطيب في
((تاريخه)) (٤ / ٢٥٨) من طرق عن خالد بن الحارث: حدثنا سعيد [بن أبي عروبة]
عن قتادة عن أبي نَهيك عن ابن عباس مرفوعاً.
قلت: وهذا سند جيِّد إن شاء الله تعالى، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛
غير أبي نهيك، واسمه عثمان بن نهيك؛ كما جزم الحافظ تبعاً لابن أبي حاتم في
((الجرح والتعديل)) (٣ / ١ / ١٧١)، وذكر أنه روى عنه جماعة من الثقات، ولم يذكر
فيه جرحاً ولا تعديلاً، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال ابن القطان:
((لا يُعْرَف)).
وتناقض فيه الحافظ؛ فإنه في الأسماء قال:
((مقبول))، وفي الكنى قال:
((ثقة)) .
والظاهر أنه حسن الحديث؛ لأنه تابعي، وقد روى عنه الجماعة؛ فهو في حكم
مستوري التابعين الذين يحتجُّ بحديثهم ما لم يظهر خطؤهم فيه، وهذا الحديث من
٥٠٩
هذا القبيل، بل قد وجدنا ما شهد لصحّته، وهو حديث عبدالله بن عمر رضي الله
عنه، وهو الحديث الآتي بعده. وصحح له ابن حبان والحاكم والذهبي حديثاً آخر.
فائدة: روى ابن أبي شيبة (٤ / ٦٨) بسند صحيح إلى ابن جريج عن عطاء
أنه کړه أن يسأل بوجه الله أو بالقرآن شيء من أمر الدنیا.
٢٥٤ - (مَن استعاذَكُمْ باللهِ؛ فَأَعيذُوهُ، ومَن سَأَلَكُمْ باللهِ؛
فَأَعْطِوهُ، ومَن دَعاكُمْ؛ فأُجيبوهُ، [ومَن استجارَ باللهِ؛ فأُجيروهُ]، ومَن
أَتَى إِلِيكُمْ مَعْروفاً؛ فكافِئوهُ، فإِنْ لمْ تَجِدُوا؛ فادْعُوا اللهَ لهُ حتَّى تَعْلَموا
أَنْ قَدْ كافَأْتُموهُ).
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم ٢١٦)، وأبو داود (١ / ٣٨٩ ,٢ /
٦٢٢)، والنسائي (١ / ٣٥٨)، وابن حبان في ((صحيحه)) (رقم ٢٠٧١)، والحاكم
(١ / ٤١٢)، والبيهقي (٤ / ١٩٩)، وأحمد (٢ / ٦٨ ,٩٩)، وأبو نعيم في ((الحلية))
(٩ / ٥٦) من طرق عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعاً، والزيادة لأحمد
في رواية، وهي عند النسائي بديل التي قبلها. وقال الحاكم:
((صحيح على شرط الشيخين)).
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا .
وتابعه ليث عن مجاهد به دون الجملة الأولى والرابعة .
أخرجه أحمد (٢ / ٩٥ -٩٦)، ولابن أبي شيبة (٤ / ٦٨) الجملة الثانية فقط،
ولیث هو ابن أبي سليم، وهو ضعيف.
وقد خالف الجماعةَ أبو بكر بن عياش، فقال: عن الأعمش عن أبي حازم عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: (فذكره دون الجملة الرابعة وما بعدها، وجعله
من مسند أبي بكر ومن رواية أبي حازم عنه).
٥١٠
أخرجه أحمد (٢ / ٥١٢)، والحاكم (١ / ٤١٣)، وقال:
((إسناد صحيح؛ فقد صحَّ عند الأعمش الإِسنادان جميعاً على شرط الشيخين،
ونحن على أصلنا في قبول الزيادات من الثقات في الأسانيد والمتون)).
ووافقه الذهبي، وفي ذلك نظر عندي من وجهين :
الأول: أن أبا بكر بن عياش لم يخرج له مسلم شيئاً، وإنما البخاري فقط.
الآخر: أن أبا بكر فيه ضعف من قبل حفظه، وإن كان ثقة في نفسه؛ فلا يحتجُّ
به فيما خالف الثقات.
قال الذهبي نفسه في ((الميزان)) من ترجمته:
((صدوق، ثبت في القراءة، لكنه في الحديث يغلط ويهم)).
وقال الحافظ في ((التقريب)):
((ثقة، عابد؛ إلاّ أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح)).
وقد تقدَّم (ص ٣٤٨ - ٣٤٩) من هذا المجلَّد تفصيل القول فيه.
٢٥٥ - (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ مَنْزِلَةً؟ قُلْنا: بَلَى. قال: رَجُلٌ
مُمْسِكٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ - أو قال: فَرَسٍ - في سبيلِ اللهِ حتَّى يموتَ أو
يُقْتَلَ. قال: فَأُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَليهِ؟ فقلنا: نَعَمْ يا رسولَ اللهِ! قال: امرؤٌ
مُعْتَزِلُ في شِعْبٍ؛ يُقيمُ الصَّلاةَ، ويُؤْتِي الزَّكَاةَ، ويَعْتَزِلُ النَّاسَ. قالَ:
فَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً؟ قلنا: نَعم يا رسولَ اللهِ! قال: الَّذِي يُسْأَلُ
باللهِ العَظيمِ ولا يُعْطِي بِهِ).
أخرجه النسائي (١ / ٣٥٨)، والدارمي (٢ / ٢٠١ - ٢٠٢)، وابن حبان في
((صحيحه)) (١٥٩٣)، وأحمد (١ / ٢٣٧ و٣١٩ و٣٢٢)، والطبراني في ((المعجم
٥١١
الكبير)) (٣ / ٩٧ /١) من طرق عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن إسماعيل
ابن عبدالرحمن بن ذؤيب عن عطاء بن يسار عن ابن عباس :
((أن النبيَّ ◌َّ خرج عليهم وهم جلوس، فقال: (فذكره)).
قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات.
وأخرجه الترمذي (٣ / ١٤) من طريق قتيبة عن ابن لهيعة عن بكير بن الأشجِّ
عن عطاء بن يسار به نحوه باختصار ألفاظ، وقال:
«هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ویروی من غير وجه عن ابن عباس
عن النبي (مَلآ)).
قلت: وابن لهيعة سيىء الحفظ، لكنه من رواية قتيبة عنه، وهي صحيحة كما
تقدَّم بيانه تحت الحديث (١٥٥).
ثم إنه قد توبع، فأخرجه ابن حبان (١٥٩٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٣ / ٩٧
/ ١) عن عمرو بن الحارث أن بكراً حدَّثه به، فصحَّ بهذا الإِسناد أيضاً عن عطاء.
(فائدة): في الحديث تحريم سؤال شيء من أمور الدنيا بوجه الله تعالى،
وتحريم عدم إعطاء من سأل به تعالی .
قال السندي في ((حاشيته على النسائي)):
(((الذي يسأل بالله)؛ على بناء الفاعل؛ أي: الذي يجمع بين القبيحتين:
أحدهما السؤال بالله، والثاني عدم الإِعطاء لمن يسأل به تعالى، فما يراعي حرمة
اسمه تعالى في الوقتين جميعاً، وأما جعله مبنيّاً للمفعول؛ فبعيد، إذ لا صنع للعبد
في أن يسأله السائل بالله، فلا وجه للجمع بينه وبين ترك الإِعطاء في هذا المحل)).
قلت: وممَّا يدلُّ على تحريم عدم الإِعطاء لمن يسأل به تعالى حديث ابن عمر
وابن عباس المتقدمين: ((ومَن سألكم بالله؛ فأعطوه)).
ويدل على تحريم السؤال به تعالى حديث: ((لا يسأل بوجه الله إلَّ الجنة))،
٥١٢
ولكنه ضعيف الإِسناد؛ كما بيَّنه المنذري وغيره، ولكن النظر الصحيح يشهد له؛ فإنه
إذا ثبت وجوب الإِعطاء لمن سأل به تعالى كما تقدَّم؛ فسؤال السائل به قد يعرِّض
المسؤول للوقوع في المخالفة، وهي عدم إعطائه إياه ما سأل، وهو حرام، وما أدى
إلى محرم فهو حرام، فتأمل.
وقد تقدَّم قريباً عن عطاء أنه كره أن يسأل بوجه الله أو بالقرآن شيء من أمر
الدنيا .
ووجوب الإِعطاء إنما هو إذا كان المسؤول قادراً على الإِعطاء، ولا يلحقه ضرر
به أو بأهله، وإلاّ؛ فلا يجب عليه. والله أعلم.
٢٥٦ - (مَن أَخَذَ عَلى تَعْلِيمِ القُرْآنِ قَوْساً؛ قَلَّدَهُ اللهُ قَوْساً مِنْ نَارٍ
يَوْمَ القِيامَةِ).
رواه أبو محمد المخلدي في ((الفوائد)) (ق ٢٦٨ / ١): حدثنا أحمد بن منصور
الرمادي: ثنا عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيدالله بن أبي المهاجر
المخزومي الدمشقي : ثنا الوليد بن مسلم: ثنا سعيد بن عبد العزيز عن إسماعيل بن
عبيدالله قال: قال لي عبدالملك بن مروان: يا إسماعيل! علُّمْ ولدي؛ فإني معطيك
أو مثيبك. قال إسماعيل: يا أمير المؤمنين! وكيف بذلك وقد حدَّثتني أم الدرداء عن
أبي الدرداء أن رسول الله وَّر قال: (فذكره)؟! قال عبد الملك: يا إسماعيل! لست
أعطيك أو أثيبك على القرآن، إنما أعطيك أو أثيبك على النحو)).
وأخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢ / ٤٢٧ / ٢) من طريق أخرى عن
أحمد بن منصور الرمادي به.
وأخرجه البيهقي في («سننه)) (٦ / ١٢٦) من طريق عثمان بن سعيد الدارمي:
ثنا عبدالرحمن بن یحیی بن إسماعيل به .
٥١٣
ثم روى البيهقي عن عثمان بن سعيد الدارمي عن دُحيم؛ قال:
«حديث أبي الدرداء هذا ليس له أصل)).
قلت: كذا قال، وقد ردَّه ابن التركماني بقوله :
«قلت: أخرجه البيهقي هنا بسند جيد، فلا أدري ما وجه ضعفه وکونه لا أصل
له؟!)).
قلت: وهذا ردِّ قويٍّ، ويؤيِّده قول الحافظ في ((التلخيص)) (٣٣٣):
((رواه الدارمي بسند على شرط مسلم، لكن شيخه عبدالرحمن بن يحيى بن
إسماعيل لم يخرج له مسلم، وقال فيه أبو حاتم: ما به بأس)).
ثم ذكر قول دخیم .
قلت: ولم يتفرَّد به عبدالرحمن بن يحيى بن إسماعيل، بل تابعه إبراهيم بن
يحيى بن إسماعيل أخوه، أخرجه ابن عساكر في ترجمته (٢ / ٢٨٤ / ٢) ولم يذكر
فیه جرحاً ولا تعديلاً.
ثم أخرجه ابن عساكر من طريق هشام بن عمار: نا عمرو بن واقد: نا إسماعيل
ابن عبيدالله به .
قلت: فهذه طريق أخرى عن إسماعيل، ولكنها واهية؛ فإن عمرو بن واقد
متروك كما في ((التقريب))؛ فالاعتماد على الطريق الأول، وقد علمت أن ابن
التركماني جوَّد إسناده، وأشار إلى ذلك الحافظ، وهو حريٌّ بذلك، لولا أن فيه علَّتين:
الأولى: أن سعيد بن عبدالعزيز وإن كان على شرط مسلم؛ فقد اختلط في آخر
عمره كما في ((التقريب))، ولا ندري أحدث بهذا قبل الاختلاط أم بعده.
وإن كان من رجال الشيخين؛ فإنه كثير التدليس
الثانية : أن الوليد بن مسلم،
والتسوية، فيخشى أن يكون أسقط رجلاً بين سعيد وإسماعيل، وعليه؛ فيحتمل أن
يكون المسقَط ضعيفاً؛ مثل عمرو بن واقد أو غيره، ولعل هذا هو وجه قول دحيم في
٥١٤٠
هذا الحدیث: ((ليس له أصل)).
غير أن له شاهداً يدلُّ على أن له أصلاً أصيلاً، وهو من حديث عبادة بن
الصامت رضي الله عنه، وله طريقان:
الأولى: عن مغيرة بن زياد عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عنه قال:
((علمت ناساً من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إليَّ رجلٌ منهم قوساً،
فقلتُ: ليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله عزَّ وجلَّ؛ لآتينَّ رسول الله وَه
فلأسألنَّه، فأتيتُه، فقلتُ: يا رسول الله! رجلٌ أهدى إليَّ قوساً ممَّن كنت أعلمه
الكتاب والقرآن، وليست بمال، وأرمي عنها في سبيل الله؟ قال: إن كنتَ تحبُّ أن
تطوّق طوقاً من نار؛ فاقبلها)).
أخرجه أبو داود (٢ / ٢٣٧ - الحلبي)، وابن ماجه (٢ / ٨)، والطحاوي (٢ /
١٠)، وأبو نُعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢ / ٨٢)، والحاكم (٢ / ٤١)، والبيهقي (٦
/ ١٢٥)، وأحمد (٥ / ٣١٥)، وقال الحاكم:
((صحيح الإِسناد)).
وقال الذهبي :
((قلت: مغيرة صالح الحديث، وقد ترکه ابن حبان)).
وقال البيهقي عن ابن المديني :
((إسناده كله معروف؛ إلَّ الأسود بن ثعلبة؛ فإنَّا لا نحفظ عنه إلَّ هذا
الحدیث».
كذا قال، وله أحاديث أخرى ثلاثة أشار إليها ابن التركماني وابن حجر، وانصرفا
بذلك عن بيان حال الأسود هذا، وهو مجهول كما في ((التقريب))، وقال في
((الميزان)):
((لا يُعْرَف)».
٥١٥
ومع ذلك وثَّقه ابن حبان (٤ / ٣٣)، لكنه لم ينفرد به، فقال بقيَّة: حدثني بشر
ابن عبدالله بن يسار وحدثني عبادة بن نسي عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن
الصامت نحو هذا الخبر، والأول أتم. فقلتُ: ما ترى فيها يا رسول الله! فقال: جمرة
بين كتفيك تقلَّدتها أو تعلقها)).
أخرجه أبو داود، وعنه البيهقي، وقال:
«هذا حديث مختلف فيه على عبادة بن نسي كما ترى)).
يعني أن المغيرة بن زياد سمى شيخ ابن نسي الأسود بن ثعلبة، وبشر بن
عبدالله بن يسار سماه جنادة بن أبي أمية، وليس هذا في نقدي اختلافاً؛ لاحتمال أن
یکون لا بن نسي فيه شیخان، فكان يرويه تارة عن هذا، وتارة عن هذا، فروی کل من
المغيرة وبشر ما سمع منه، وكأنه لما ذكرنا لم يعله ابن حزم بالاختلاف المذكور، بل
أعل الطريق الأولى بجهالة الأسود، وأعل الأخرى بقوله:
(بقيَّة ضعيف)).
قلت: والمتقرِّر في بقيّة أنه صدوقٌ؛ فهو حسن الحديث؛ إلَّ إذا عنعن، فلا
يحتجُ به حينئذ، وفي هذا الحديث قد صرَّح بالتحديث، فأمنَّا بذلك تدليسه.
على أنه لم يتفرَّد به، فقال الإِمام أحمد (٥ / ٣٢٤): ثنا أبو المغيرة: ثنا بشر
ابنعبدالله ۔ یعني : ابن يسار - به.
ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (٣ / ٣٥٦) أيضاً، وقال:
«صحيح الإِسناد)).
ووافقه الذهبي .
قلت: وهو كما قالا إن شاء الله تعالى؛ فإن رجاله كلهم ثقات معروفون؛ غير
بشر هذا، وقد روى عنه جماعة، ووثّقه ابن حبان، وقال الحافظ فيه :
((صدوق)).
٥١٦
+۔۔
(تنبيه): عزى الحافظ في ((التلخيص)) (ص ٣٣٣) هذا الحديث للدَّارمي،
وتبعه على ذلك الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (٥ / ٢٤٣)، ومن المصطلح عليه عند
أهل العلم أن الدَّارِمي إذا أطلق فإنما يراد به الإِمام عبدالله بن عبدالرحمن صاحب
كتاب ((السنن)) المعروف بـ ((المسند))، وعليه؛ فإني أخذت أبحث عنه فيه، ولكن
عبثاً، وكان ذلك قبل أن أقف على سند الحديث في ((سنن البيهقي))، وحينذاك تبيَّن
لي أنه ليس هو المراد، وإنما هو عثمان بن سعيد الدارمي الذي من طريقه رواه
البيهقي، فرأيت التنبيه على ذلك.
وأيضاً؛ فقد وقع من الشوكاني ما هو أبعد عن الصواب، وذلك أنه قال: إن
إسناد الدارمي على شرط مسلم، ولم يذكر الاستثناء الذي تقدم عن الحافظ.
ثم إن للحديث شاهداً آخر من حديث أبي بن كعب، ولكن سنده ضعيف، وقد
تكلَّمت عليه في ((الإِرواء)) (١٤٩٣)، وفيما تقدَّم كفاية .
٢٥٧ - (مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ؛ فَلْيَسْأَلِ اللهَ بِهِ؛ فإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقوامٌ
يَقْرِؤونَ القُرآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ).
أخرجه الترمذي (٤ / ٥٥)، وأحمد (٤ / ٤٣٢ - ٤٣٣ و٤٣٩) عن سفيان عن
الأعمش عن خيثمة عن الحسن عن عمران بن حصين أنه مرَّ على قارىء يقرأ، ثم
سأل، فاسترجع، ثم قال: سمعت رسول الله وَليل يقول: (فذكره). وقال الترمذي:
((وقال محمود (يعني : شيخه ابن غيلان): هذا خيثمة البصري الذي روى عنه
جابر الجُعفي، وليس هو خيثمة بن عبدالرحمن، هذا حديث حسن، وخيثمة هذا
شیخ بصري یکنی أبا نصر)» .
قلت: قال فيه ابن معين :
((ليس بشيء)).
٥١٧٠
وأما ابن حبان؛ فتناقض فذكره في ((الثقات)) وفي ((الضعفاء)) (١ / ٢٨٧)، وقال
الحافظ: ((لين الحديث)).
قلت: والحسن هو البصري، وهو مدلِّس، وقد عنعنه.
لكن أخرجه أحمد (٤ / ٤٣٦) من طريق شريك بن عبدالله عن منصور عن
خيثمة عن الحسن قال :
(«كنت أمشي مع عمران بن حصين، أحدنا آخذ بيد صاحبه، فمررنا بسائل يقرأ
القرآن ... )) الحديث نحوه.
قلت: وشريك هذا هو القاضي، وهو سيىء الحفظ، فلا يحتجُّ به، لا سيما مع
مخالفته لرواية سفيان، وإنَّما حسِّن الترمذي هذا الحديث مع ضعف إسناده؛ لما له
من الشواهد الكثيرة، وذلك اصطلاح منه نصَّ عليه في ((العلل)) التي في آخر
((السنن))، فقال (٤ / ٤٠٠):
((وما ذكرنا في هذا الكتاب: ((حديث حسن))؛ فإنما أردنا حسن إسناده عندنا،
كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذّاً،
ویروی من غير وجه نحو ذلك؛ فهو عندنا حديث حسن)).
ومن الغرائب أن يخفى قول الترمذي هذا على الحافظ ابن كثير؛ فإنه لما ذكره
في ((اختصار علوم الحديث)) عن ابن الصلاح؛ تعقّبه بقوله (ص ٤٠):
((وهذا إذا كان قد روي عن الترمذي أنه قاله؛ ففي أي كتاب له قاله؟!)).
فقد عرفت في أي كتاب له قاله، فسبحان مَن لا تخفى عليه خافية .
ثم إن الحديث نقل الشوكاني (٥ / ٢٤٣) عن الترمذي أنه قال بعد إخراجه:
«هذا حديث حسن، ليس إسناده بذاك)).
وليس في نسختنا منه هذا: ((ليس إسناده بذاك))، والله أعلم، ثم رأيتها في
٥١٨
نسخة بولاق من ((السنن)) (٢ / ١٥١).
أما شواهد الحديث؛ فهي عن جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة، وهاك
بعضها :
٢٥٨ - (تَعَلَّمُوا القُرْآنَ، وسَلُوا اللهَ بِهِ الجَنَّةَ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ قَوْمٌ
يسألونَ بِهِ الدُّنْيا؛ فإِنَّ القرآن يَتَعَلَّمُهُ ثَلاثةٌ: رَجُلٌ يُباهِي بِهِ، ورجُلّ
يَسْتَأْجِلُ بِهِ، ورَجُلٌ يَقْرَأُهُ للهِ).
رواه ابن نصر في ((قيام الليل)) (ص ٧٤)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١١٨٢)
عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أنه سمع
النبي { *: (فذكره).
قلت: وهذا سند ضعيف من أجل ابن لهيعة؛ فإنه سيىء الحفظ، لكنه لم يتفرَّد
به - كما يأتي ؛ فالحديث جيِّد، وأبو الهيثم اسمه سليمان بن عمرو العُنْواري
المصري .
والحديث عزاه الحافظ في ((الفتح)) (٩ / ٨٢) لأبي عُبيد في ((فضائل القرآن))
عن أبي سعيد وصحَّحه الحاكم، وأقرَّ الحافظ عليه، ولم أجده الآن في
((المستدرك))، ولعله من غير طريق ابن لهيعة كما يأتي .
وله طريق أخرى عند البخاري في ((خلق أفعال العباد)) (ص ٩٦)، والحاكم (٤
/ ٥٤٧)، وأحمد (٣ / ٣٨ - ٣٩)، وابن أبي حاتم كما في ((تفسير ابن كثير)) (٣ /
١٢٨) عن بشير بن أبي عمرو الخولاني أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا
سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله وچ يقول:
((يخلف قوم من بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة، واتَّبعوا الشهوات؛ فسوف
يلقون غيّاً، ثم يكون قوم يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن،
٥١٩
ومنافق، وفاجر».
قال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل
به، والمؤمن يؤمن به .
وقال الحاكم :
((صحيح الإسناد)).
ووافقه الذهبي .
قلت: ورجاله ثقات، غير أن الوليد هذا لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، لكن
روى عنه جماعة، وقال الحافظ في ((التقريب)):
«مقبول)) .
فحديثه يحتمل التحسين، وهو على كل حال شاهد صالح(١).
وللحديث شواهد أخرى تؤيِّد صحته عن جماعة من الصحابة لا بدَّ من ذكرها
إن شاء الله تعالى.
٢٥٩ - (اقرَؤوا فَكُلٌّ حَسَنٌ، وسَيَجِيءُ أَقوامُ يُقيمونَهُ كما يُقامُ
القَدَحُ؛ يَتَعَجَّلونَهُ ولا يَتَأَجَّلونَهِ).
أخرجه أبو داود (١ / ١٣٢ - الطبعة التازية): حدثنا وهب بن بقية: أخبرنا خالد
عن حميد الأعرج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبدالله قال:
((خرج علينا رسول الله وَ له ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والعجمي، فقال:
(فذكره))).
(١) ثم ترجح عندي أنه صدوق؛ لرواية الجماعة عنه؛ كما في كتابي الجديد ((تيسير
الانتفاع))؛ خلافاً لمن يظن أن كل من وثقه ابن حبان فهو مجهول؛ كما حققته في ((تمام المنة)).
٥٢٠