Indexed OCR Text
Pages 461-480
ذكره البيهقي في ((سننه)) (٢ / ٩٠). فإن قيل: قد ورد ما يؤيِّد شمول الحديث للإسراع، ويخالف حديث ابن الزُّبير صراحة، وهو حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إذا أتى أحدكم الصلاة؛ فلا يركَعْ دون الصفِّ، حتى يأخذ مكانه من الصفِّ)). قلنا: لكنَّه حديث معلول بعلَّةٍ خفيَّةٍ، وليس هذا مكان بيانها، فراجع ((سلسلة ضمنة الأحاديث الضعيفة» (رقم ٢ ٩٩) الصحيح ٩٧٧ ثم إن الحديث ترجم له ابن خزيمة بقوله : («باب الرخصة في ركوع المأموم قبل اتِّصاله بالصفِّ، ودبيبه راكعاً حتى يتّصل بالصف في ركوعه)). ( انظر الاستدراك رقم : ٧ ) . ٥٠ م فَضْلُ إِقَامَةِ الحُدودِ ٢٣١ - (حَدٌّ يُعْمَلُ بهِ في الأرْضِ خيرٌ لأهْلِ الأرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَروا أربعينَ صَباحاً). أخرجه ابن ماجه (٢ / ١١١): حدثنا عمرو بن رافع: ثنا عبدالله بن المبارك: أنبأنا عيسى بن يزيد - أظنه - عن جرير بن يزيد عن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: (فذكره). وأخرجه النسائي (٢ / ٢٥٧)، وأحمد (٢ / ٤٠٢)، وكذا ابن الجارود في ((المنتقى)) (٨٠١)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٢٨٧ / ١) من طرق عن ابن المبارك به؛ إلَّ أنهم قالوا: ((ثلاثين))؛ بدل: ((أربعين))، وجمع بينهما على الشكّ الإِمام أحمد (٢ / ٣٦٢) في رواية من طريق زكريا بن عدي: أنا ابن مبارك به، فقال: ((ثلاثين أو أربعين صباحاً)). ٤٦١ والظاهر أن الشك من ابن المبارك، وأن الصواب رواية عمرو بن رافع عنه بلفظ: ((أربعين))؛ بدون شك؛ لمجيئه كذلك من طريق أخرى كما يأتي . وهذا الإِسناد رجاله ثقات؛ غير جرير بن يزيد - وهو البجلي -، وهو ضعيف؛ كما في ((التقريب)). لكنه لم يتفرَّد به؛ فقد أخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) (١٥٠٧) من طريق يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة به، ولفظه : ((إقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين صباحاً)). وسنده صحيح، رجاله كلُّهم ثقات. ثم استدركت فقلت: إنَّه معلول؛ فإنَّ إسناده عند ابن حبان هكذا: أخبرنا ابن قتيبة: حدثنا محمد بن قدامة: حدثنا ابن عُليّة عن يونس بن عبيد به . وكذا رواه أبو إسحاق المزكي في ((الفوائد المنتخبة)) (١ / ١١٤ / ١) من طريق أخرى عن ابن قدامة به، وقال : ((تفرَّد به محمد بن قُدامة)). وهذا الإِسناد، وإن كان ظاهر الصحّة، ورجاله كلَّهم ثقات، ومنهم محمد بن قدامة - وهو ابن أعين المصيصي - قال النسائي : «لا بأس به)). وقال مرة : ((صالح)). وقال الدارقطني : ((ثقة)) . وقال مسلمة بن قاسم : ٤٦٢ ((ثقة صدوق)) . أقول: فهو وإن كان ثقة كما رأيت؛ فقد خالفه في إسناده مَن هو أوثق منه وأحفظ؛ فقال النسائي عقب روايته السابقة : ((أخبرنا عمرو بن زرارة قال: أنبأنا إسماعيل قال: حدثنا يونس بن عبيد عن جرير بن يزيد عن أبي زرعة قال: قال أبو هريرة: إقامة حدٍّ ... )). فعمرو بن زرارة هذا هو ابن واقد النيسابوري المقرىء الحافظ، وقد اتَّفقوا على وصفه بأنه ثقة، بل قال فيه محمد بن عبدالوهّاب - وهو ابن حبيب النيسابوري الثقة العارف -: ثقة ثقة. فهو بلا شك أوثق من ابن قدامة الذي قيل فيه: لا بأس به، صدوق. ولذلك احتجَّ به الشيخان؛ بخلاف المذكور. وقد خالفه في موضعين : الأول: أنه أوقفه على أبي هريرة، وذاك رفعه. والآخر: أنه سمَّی شیخ یونس بن عبيد جریر بن یزید، وذاك سمّاه عمرو بن سعيد، وهذا ثقة، والذي قبله ضعيف كما سبق، وإذا اختلفا في تسميته؛ فالراجح رواية ابن زرارة؛ لأنه أوثق من مخالفه، وإذا كان كذلك؛ فقد رجعت هذه الرواية إلى أنها من الوجه الأول، وهو ضعيف كما عرفتَ. ثم رأيت لابن زرارة متابعاً، وهو الحسن بن محمد الزعفراني، رواه عنه المحاملي في ((الأمالي)) (١ / ٧٢ / ١). نعم؛ الحديث حسن لغيره؛ فإنَّ له شاهداً من حديث ابن عباس مرفوعاً بلفظ: ((حدٌّ يقام في الأرض أزكى فيها من مطر أربعين يوماً)). أخرجه سمويه في ((الفوائد))، والطبراني في ((الكبير))، و((الأوسط)) بإسناد؛ قال المنذري والعراقي : (حسن)) . ٤٦٣ وفيه نظر بيَّنْتُه في ((الأحاديث الضعيفة))، ولكنه لا بأس به في الشواهد، ولا سيَّما وقد رواه بحشل في ((تاريخ واسط)) (ص ١٠١) موقوفاً، وهو في حكم المرفوع، ورجاله ثقات . وله شاهد آخر من حديث ابن عمر، رواه ابن ماجه، والضياء في «المختارة» (ق ٩٠ / ١). لكن إسناده ضعيف جدّاً؛ فيه سعيد بن سنان، - وهو الحمصي - قال في ((التقريب)): ((متروك، رماه الدارقطني وغيره بالوضع)). فمثله لا یستشهد به . سُنّةُ الجُمُعَةِ وَالمَغْرِبِ القََِّّانِ ٢٣٢ - (ما مِنْ صَلاةٍ مَفْروضَةٍ إِلَّ وبَيْنَ يَدَيْها ركعتانٍ). أخرجه عباس الترقفي في ((حديثه)) (ق ٤١ / ١)، وابن نصر في ((قيام الليل)) (ص ٢٦)، والروياني في ((مسنده)) (ق ٢٣٨ / ١)، وابن حبان في ((صحيحه)) (رقم ٦١٥)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (ج ٦٩ / ٢١٠ / ٢)، وابن عدي في ((الكامل)) (ق ٤٦ / ٢)، والدارقطني في ((سننه)) (ص ٩٩) من طريقين عن ثابت بن عجلان عن سليم بن عامر عن عبدالله بن الزبير مرفوعاً. وقال ابن عدي : «ثابت بن عجلان لیس حديثه بالکثیر)) . قلت: هو ثقة كما قال الإِمام أحمد وابن معين، وقال دحيم والنسائي : «ليس به بأس)). ولذلك أشار الذهبي في ترجمته إلى أنه صحيح الحديث. وقال الحافظ في ((التقريب)): ٤٦٤ ((صدوق)). وأشار في ((التهذيب)) إلى أنه ثقة، وقال: ((مثل هذا لا يضرُّه إلا مخالفته الثقات لا غير، فيكون حديثه حينئذ شاذّاً)). قلت: فحديثُه هذا صحيح؛ لأنَّه لم يخالف فيه الثقات، بل وافق فيه حديث عبد الله بن مغفل مرفوعاً بلفظ: ((بين كل أذانين صلاة؛ قال في الثالثة: لمن شاء)). أخرجه الستة وابن نصر. وقد استدلَّ بالحديث بعض المتأخِّرين على مشروعية صلاة سنة الجمعة القبليَّة، وهو استدلالٌ باطل؛ لأنَّه قد ثبت في ((البخاري)) وغيره أنه لم يكن في عهد النبي ◌َّه يوم الجمعة سوى الأذان الأول والإِقامة، وبينهما الخطبة؛ كما فصَّلته في رسالتي ((الأجوبة النافعة))، ولذلك قال البوصيري في ((الزوائد)) وقد ذكر حديث عبدالله هذا (ق ٧٢ / ١)، وأنه أحسن ما يستدلُّ به لسنة الجمعة المزعومة! قال: ((وهذا متعدِّر في صلاته وَّر؛ لأنه كان بين الأذان والإقامة الخطبة، فلا صلاة حينئذ بينهما)). وكل ما ورد من الأحاديث في صلاته وَّلفي سنة الجمعة القبليَّة لا يصحُّ منها شيء البَّة، وبعضها أشدُّ ضعفاً من بعض؛ كما بيَّنه الزيلعي في ((نصب الراية)) (٢ / ٢٠٦ - ٢٠٧)، وابن حجر في ((الفتح)) (٢ / ٣٤١)، وغيرهما، وتكلَّمت على بعضها في الرسالة المشار إليها (ص ٢٣ - ٢٦)، وفي ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)). والحق أن الحديث إنَّما يدلُّ على مشروعية الصلاة بين يدي كل صلاة مكتوبة ثبت أن النبي ◌َ ◌ّ كان يفعل ذلك أو أمر به أو أقرَّه؛ كصلاة المغرب؛ فقد صحَّ فيها الأمر والإِقرار، وفي ثبوت فعله وَّ نظر؛ كما يأتي. أما الأمر؛ فهو في حديث صريح من رواية عبدالله المزني: أنّ رسول الله وَله ٤٦٥ صلَّى قبل المغرب ركعتين، ثم قال: ٢٣٣ - (صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ. ثمَّ قال في الثَّالثةِ: لِمَنْ شاءَ؛ خافَ أَنْ يَحْسَبَها النَّاسُ سُنّةً). أخرجه ابن نصر في ((قيام الليل)) (٢٨): حدثني عبدالوارث بن عبدالصمد بن عبدالوارث بن سعيد: ثني أبي: ثنا حسين عن ابن بريدة أن عبدالله بن مُغَفَّل المزني رضي الله عنه حدَّثه به . وقال مختصره العلامة المقريزي أحمد بن علي : ((هذا إسناد صحيح على شرط مسلم؛ فإنَّ عبد الوارث بن عبدالصمد احتجَّ به مسلم، والباقون احتجَّ بهم الجماعة، وقد صحَّ في ((ابن حبان)) حديث آخر: أن النبي وَل ◌ّ صلَّى ركعتين قبل المغرب)). قلت: السند صحيح كما قال؛ إلَّ أنَّ جَعْلَه ما في ((ابن حبان)) حديثاً آخر فيه نظر ظاهر؛ ذلك لأنَّه عنده من هذا الوجه بهذا المتن تماماً؛ فكيف يكون حديثاً آخر؟! والأعجب من ذلك أن المقريزي قد ساقه من طريق ابن حبان هكذا : ((قال ابن حبان: أخبرني محمد بن خزيمة: ثنا عبدالوارث بن عبدالصمد بن عبدالوارث: ثني أبي: ثنا حسين المعلِّم عن عبدالله بن بريدة أن عبدالله المزني رضي الله عنه حدثه أنَّ رسول الله وَ له صلَّى قبل المغرب ركعتين))! والحديث في ((موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان)) (رقم ٦١٧)، وقال عقبه: ((قلت: فذكر الحديث)). فهذا يشير إلى أن الحديث عند ابن حبان ليس بهذا القدر الذي نقله المقريزي، بل له تتمَّة، ومن الظاهر أنها قوله: ((ثم قال: صلَّوا ... ))، وعليه؛ فالحدیث یمکن أن يُقال في تخريجه: ٤٦٦ (رواه ابن نصر وابن حبان في (صحيحه)). قلت: ثم طُبع ((الإِحسان بترتيب صحيح ابن حبان))، فرأيت الحديث فيه (١٥٨٦ - دار الكتب)، وليس فيه: ((ثم قال: صلَّوا ... ))؛ فلا أدري أهكذا وقع الحديث في ((صحيحه)) أم سقط من المرتب أو الناسخ أو الطابع؟! وعلى كون السقط من المرتب تكون إشارته في قوله المذكور: ((قلت: فذكر الحديث)) إلى قوله: ((ثم قال في الثالثة ... ))، وهو بعيد لا يناسب ترجمة ابن حبان للحديث بـ ((ذكر أمر المصطفى بالركعتين قبل صلاة المغرب))! فالظاهر أن السقط من غيره . ثم رأيت الشيخ شعيباً قد صرَّح في تعليقه على ((الإِحسان)) (٤ / ٤٥٧ - طبع الرسالة) أن السقط من ((الإِحسان))، وأنه ثابت في أصله ((التقاسيم)). وهو عند البخاري وغيره من الستة من طرق أخرى عن عبدالوارث بن سعيد جد عبدالوارث بن عبدالصمد بن عبدالوارث بن سعيد عن حسين المعلم به دون قوله في أوله: ((صلَّی قبل المغرب ركعتين)). قلت: فالحديث صحيح دون الفعل؛ فهو شاذٍّ؛ كما كنت حقَّقته في ((الضعيفة)) (٥٦٦٢)، ثم في «تمام المنة)) (ص ٢٤٢ - عمان). (فائدة): وفي الحديث دليلٌ على أنَّ أمر النبي ◌َّر على الوجوب حتى يقوم دليل الإباحة، وكذلك نهيه على التحريم إلَّ ما يُعرف إباحته؛ كذا في ((شرح السنة)) (١ / ٧٠٦ - ٧٠٧) للبغوي . ومعنى قوله: ((قبل المغرب))؛ أي: صلاة المغرب بعد غروب الشمس؛ فهو في ذلك کالحدیث الذي قبله، وبهذا ترجم له ابن حبان (٣ / ٥٩)، وبه عمل کبار الأصحاب الكرام؛ كما في الحديث التالي . وأما تقريره وَلّ لهاتين الركعتين؛ فهو في الحديث الآتي: ٤٦٧ ٢٣٤ - (كانَ المُؤذّنُ يُؤذِّنُ على عهْدِ رسولِ اللهِ وَلَه لصلاةٍ المَغْرِبِ، فَيَبْتَدِرُ لُبابُ أَصحابِ رسولِ اللهِ وَّهِ السَّوارِيَ؛ يُصَلُّونَ الرَّكعتين قبلَ المَغْرِبِ، حتَّى يَخْرُجَ رسولُ اللهِ وَلَ وهم يُصلُّونَ، [فيجيءُ الغَرِيبُ فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةٍ مَن يُصلِيهما]، [وكانَ بينَ الأذانِ والإِقامةِ يَسيرٌ]). أخرجه البخاري (٢ / ٨٥)، وابن نصر (ص ٢٦)، وابن خزيمة (١٢٨٨)، وابن حبان (١٥٨٨ - الإِحسان)، وأحمد (٣ / ٢٨٠) من طرق عن شعبة عن عمرو ابن عامر قال: سمعتُ أنس بن مالك يقول: (فذكره). والسياق لابن نصر، والزيادة الثانية للبخاري وأحمد، ورواية لابن نصر واللفظ له، ولفظ البخاري : ((ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء))! وتفسيرهما في رواية معلقة عنده: ((لم يكن بينهما إلا قليل))، وهي رواية أحمد . وأخرجه مسلم (٢ / ٢١٢)، وأبو عوانة في ((صحيحه)) (٢ / ٢٦٥)، والبيهقي (٢ / ٤٧٥) من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس به نحوه، وفيه الزيادة الأولى. وله عند ابن نصر و ((المسند)) (٣ / ١٢٩ و١٩٩ و٢٨٢) طرق أخرى عن أنس نحوه، ذكرت بعضها في ((صحيح أبي داد)) (١١٦٢). وفي هذا الحديث نصِّ صريح على مشروعيَّة الركعتين قبل صلاة المغرب؛ لتسابق كبار الصحابة عليهما، وإقرار النبي ◌َّير لهم على ذلك، ويؤيِّده عموم الحديثين قبله، وإلى استحبابهما ذهب الإمام أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث، ومَن خالفهم - كالحنفية وغيرهم - لا حجة لديهم تستحقُّ النظر فيها، سوى ما روى شعبة عن أبي شعيب عن طاوس قال: ٤٦٨ ((سُئل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب؟ فقال: ما رأيت أحداً على عهد رسول الله (* يصليهما)). أخرجه أبو داود (١ / ٢٠٢)، وعنه البيهقي (٢ / ٤٧٦ - ٤٧٧)، والدولابي في (الکنی)) (٢ / ٥)، وقال أبو داود: ((سمعتُ يحيى بن معين يقول: هو شعيب؛ يعني: وهم شعبة في اسمه)). قلت: ولم أدرِ ما هي حجته في التَّوهيم المذكور؛ إلاّ أن يكون مخالفة شعبة ليحيى بن عبدالملك بن أبي غنية؛ فإنه سمَّاه شعيباً كما يستفاد من ((التهذيب))، فإن كان هو هذا؛ فلا أراه يسلّم له؛ فإنَّ شعبة أحفظ من ابن أبي غنية كما يتبيَّن للناظر في ترجمتيهما؛ فالقول قول شعبة عند اختلافهما، وقد روى ابن أبي حاتم (٤ / ٣٨٩ / ٢) عن ابن معين أنه قال: ((أبو شعيب الذي روى عن طاوس عن ابن عمر مشهور بصريٍّ)). فلم يذكر عنه ما ذكر أبو داود عنه، مما يشعر أن ابن معين لم يكن جازماً بذلك، ويؤيِّده أن أحداً من الأئمة لم ينقل عنه ما ذكر أبو داود، بل قال الدولابي : ((سمعتُ عبدالله بن أحمد بن حنبل قال: سمعتُ أبي يقول: أبو شعيب سمع طاوساً يروي عنه شعبة)) . قلت: وهو عندي مستور، وإن قال الحافظ في ((التقريب)): ((لا بأس به))؛ فإن هذا إنما قاله أبو زرعة في شعيب السمان؛ كما ذكره الحافظ نفسه في ((التهذيب))، وذهب إلى أنه غير صاحب الترجمة، وبذلك يشعِر صنيع ابن أبي حاتم؛ فإنَّه فرِّق بينهما، ولم أر أحداً ممَّن يوثق به قد عدَّله. والله أعلم. وجملة القول: أن القلب لا يطمئنُّ لصحَّة هذا الأثر عن ابن عمر، وقد أشار الحافظ في ((الفتح)) (٢ / ٨٦) لتضعيفه، فإن صحَّ؛ فرواية أنس المثبتة مقدَّمة على نفيه؛ كما قال البيهقي ثم الحافظ وغيرهما . ٤٦٩ ويؤيِّده أن ابن نصر (٢٧) روى أن رجلاً سأل ابن عمر فقال: ممَّن أنت؟ قال: من أهل الكوفة. قال: من الذين يحافظون على ركعتي الضحى؟ فقال: وأنتم تحافظون على الركعتين قبل المغرب؟ فقال ابن عمر: كنَّا نُحَدَّث أن أبواب السماء تُفْتَح عند كل أذان. قلت: فهذا نصٌّ من ابن عمر على مشروعيَّة الركعتين، على خلاف ما أفاده ذلك الحديث الضعيف عنه، ولكنَّ هذا النصَّ قد حذف المقريزي إسناده كما هو الغالب عليه في كتاب ((قيام الليل))، فلم يتسنَّ لي الحكم عليه بشيء من الصحة أو الضعف . : ومن الطرائف أن يردّ بعض المقلِّدين هذه الدلالات الصريحة على مشروعية الركعتين قبل المغرب، فلا يقول بذلك، ثم يذهب إلى سنِّيَّة صلاة السنَّة القبليّة يوم الجمعة، ويستدلُّ عليه بحديث ابن الزبير وعبدالله بن مغفل، يستدل بعمومها، مع أن هذا الدليل نفسه يدلُّ أيضاً على ما نفاه من مشروعيَّة الركعتين، مع وجود الفارق الكبير بين المسألتين؛ فالأولى قد تأيَّدت بجريان العمل بها في عهده وَّ وإقراره، وبأمره الخاص بها؛ بخلاف الأخرى؛ فإنها لم تتأيَّد بشيء من ذلك، بل ثبت أنه لم يكن هناك مکان لها يومئذ؛ فهل من معتبر؟! نَوْجِيهُ الغَرِيزَةِالجِنْسِيَّةِ ٢٣٥ - (مَرَّتْ بِي فُلانَة، فَوَقَعَ في قَلْبِي شَهْوَةُ النِّساءِ، فَأَتَيْتُ بَعْضَ أَزْوَاجِي، فَأَصَبْتُها؛ فكذلك فافْعَلُوا؛ فإِنَّهُ مِن أَماثِلِ أَعْمالِكُمْ إِثْيانُ الحَلالِ). رواه أحمد (٤ / ٢٣١)، والطبراني في «الأوسط)) (١ / ١٦٨ / ١ -٢)، وأبو بكر محمد بن أحمد المعدل في ((الأمالي» (٨ / ١) عن أزهر بن سعيد الحرازي قال: ٤٧٠ سمعتُ أبا كبشة الأنماري قال : ((كان رسول الله ◌َ ل# جالساً في أصحابه، فدخل، ثم خرج وقد اغتسل، فقلنا: يا رسول الله! قد كان شيء؟! قال: أجل؛ مرَّت بي فلانة ... )). قلت: وهذا سند حسن، بل أعلى إن شاء الله تعالى، رجاله كلُّهم ثقات رجال مسلم؛ غير الحرازي، ويقال فيه: عبدالله بن سعيد الحرازي؛ قال الحافظ في (التهذيب» : ((لم يتكلّموا إلَّ في مذهبه (يعني: النصب)، وقد وثّقه العجلي وابن حبان)). وقال في ((التقريب)): ((صدوق)) . والحديث أورده الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٦ / ٢٩٢) وقال: ((رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات)). قلت: وللحديث شاهد من حديث أبي الزُّبير عن جابر: ((أنَّ رسول الله وَّة رأى امرأة فأعجبته، فأتى زينب وهي تَمْعَس منيئة(١)، فقضى حاجته، وقال: إن المرأة تُقْبِل في صورة شيطان، وتدبِرُ في صورة شيطان، فإذا رأى أحدُكُم امرأة فأعجَبَتْه؛ فليأت أهله؛ فإنَّ ذاك يردُّ ما في نفسه)). أخرجه مسلم (٤ / ١٢٩ - ١٣٠)، وأبو داود (٢١٥١)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٥٥٤٦ - ٥٥٤٧ - الإحسان)، والبيهقي (٧ / ٩٠)، وأحمد (٣ / ٣٣٠ و٣٤١ و٣٤٨ و٣٩٥) واللفظ له، وعبد بن حُميد في ((المنتخب)) (ق ١٣٨ / ١)، والطبراني في «الكبير)) (٢٤ / ٥٠ / ١٣٢) من طرق عن أبي الزبير به . (١) أي: أديماً، ووقع في ((المسند)): ((منية))، ولعله على التليين والتدغيم، و(تمعس)؛ أي : تدبغ . ٤٧١ قلت: وأبو الزبير مدلِّس، وقد عنعنه، لكن حديثه في الشواهد لا بأس به، لا سيما وقد صرَّح بالتحديث في رواية ابن لهيعة عنه، وأما مسلم؛ فقد احتجَّ به! وله شاهد آخر عن عبدالله بن مسعود؛ قال: ((رأى رسول الله وَّ امرأة فأعجبتْهُ، فأتى سودة وهي تصنعُ طيباً وعندها نساء، فأخلينَه، فقضى حاجته، ثم قال: أيما رجل رأى امرأة تعجبه؛ فليَقُمْ إلى أهله؛ فإنَّ معها مثل الذي معها)). أخرجه الدارمي (٢ / ١٤٦)، والسري بن یحیی في «حديث الثوري» (ق ٢٠٥ / ١) عن أبي إسحاق عن ابن مسعود. ٢٣٦ - (طَهِّرُوا أَقْنِيَتَكُمْ؛ فإِنَّ الْيَّهُودَ لَ تُطَهِّرُ أَقْنِيَتَها). رواه الطبراني في «الأوسط)) (١١ / ٢ من الجمع بین زوائد المعجمین): حدثنا علي بن سعيد: ثنا زيد بن أخزم: ثنا أبو داود الطيالسي: ثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه مرفوعاً، وقال: ((لم يروه عن الزهري إلا إبراهيم، ولا عنه إلا الطيالسي، تفرَّد به زيد)). قلت: وهو ثقة حافظ، وبقيَّة رجاله ثقات رجال مسلم؛ غير علي بن سعيد - وهو الرَّازي - قال الذهبي : ((حافظ، رحَّال، جوَّال، قال الدارقطني: ليس بذاك، تفرَّد بأشياء. قال ابن يونس: كان يفهم ويحفظ)). وزاد الحافظ في ((اللسان)): ((وقال مسلمة بن قاسم: وكان ثقة عالماً بالحديث)). وقال المناوي : ((قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، خلا شيخ الطبراني)). ٤٧٢ قلت: كأن الهيثمي توقّف فيه فسكت عنه، وهو مختَلَف فيه، ومثله حسن الحديث إذا لم يخالف، لا سيما إذا لم يتفرَّد بما روى، وهذا الحديث كذلك. فقد أخرجه الترمذي (٢ / ١٣١) من طريق خالد بن إلياس - ويقال: ابن إياس - عن صالح بن أبي حسان قال: سمعتُ سعيد بن المسيب يقول: إن الله طيِّب يحبُّ الطّيِّب، نظيف يحبُّ النظافة، كريم يحبُّ الكرم، جواد يحبُّ الجود، فنظّفوا - أراه قال - أفنيتكم، ولا تشبّهوا باليهود. قال: فذكرتُ ذلك لمهاجر بن مسمار، فقال: حدَّثنيه عامر بن سعد عن أبيه عن النبي ◌َّ مثله؛ إلَّ أنه قال: نظّفوا أفنيتكم. وقال الترمذي : ((هذا حديث غريب، وخالد بن إلياس يضعف)). قلت: وفي ((التقريب)): ((متروك الحديث)). والحديث أورده ابن القيم في ((زاد المعاد)) (٣ / ٢٠٨) فقال: ((وفي «مسند البزار)) عن النبي ◌َر أنه قال: إن الله طيِّب ... (الحديث)، فنظّفوا أفناءكم وساحاتكم، ولا تشبَّهوا باليهود؛ يجمعون الأكباء في دورهم)). فلا أدري إذا كان عند البزار من طريق خالد هذا أم من طريق أخرى؟ فقد وجدتُ له طريقاً آخر، ولكنَّه مما لا يُفرَح به، أخرجه الدولابي في ((الكنى» (٢ / ١٦) عن أبي الطَّيِّب هارون بن محمد قال: ثنا بكير بن مسمار عن عامر بن سعد به. ورجاله كلُّهم ثقات، غير أبي الطَيِّب هذا؛ فليس بطيِّب! قال ابن معين : «کان کذِّاباً)). ثم طبع ((مسند البزار)) المسمى بـ ((البحر الزخَّار))، فرأيت الحديث فيه (٣ / ٤٧٣ ٣٢٠) من طريق خالد بن إلياس بإسناده المتقدم عند الترمذي، وقال: (لا يروى عن سعد إلا بهذا الإِسناد)). قلت: ولعله يعني بهذا التمام، وإلا؛ فرواية الطبراني ترد عليه. ووجدت للحديث شاهداً بلفظ : ((نظّفوا أفنيتكم؛ فإنَّ اليهود أنتن الناس)). رواه وكيع في ((الزهد)) (٢ / ٦٥ /١): حدثنا إبراهيم المكي عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر مرفوعاً . وهذا سند ضعيف، إبراهيم المكي هو ابن يزيد الخوزي، متروك الحديث؛ كما في ((التقريب)). وأبو جعفر؛ الظاهر أنه محمد بن علي بن الحسين الباقر،. وهو تابعي؛ فهو مرسل . وبالجملة؛ فطرق هذا الحديث واهية؛ إلَّ الأولى؛ فهي حسنة، فعليها العمدة، والله أعلم. (الأفنية): جمع (فِناء)، وهو الساحة أمام البيت. ٢٣٧ - (كانَ إِذا صَلَّى الفَجْرَ أَمْهَلَ حتَّى إِذا كانتِ الشَّمْسُ مِن ها هُنا - يعني: مِن قِبَل المشرقِ - مِقْدارَها من صلاةِ العصر(١) من ها هُنا - مِن قِبَل المغرب -؛ قام فصلَّى ركعتين، ثم يُمْهِلُ حتى إذا كانت الشمسُ من ها هنا - يعني: مِن قِبَل المشرقِ - مقدارَها مِن صلاةِ الظهر (١) أي: مقدارها في وقت صلاة العصر، وهذا الوقت يكون بالتخمين وقت الضحى، ووقت الأربع بعدها قبل الزوال بشيء يسير، وذلك قبل وقت الكراهة قُبيل الزوال إن شاء الله تعالى. ٤٧٤ مِنْ ها هُنا - يعني: مِن قِبَل المغرب -؛ قام فصلّى أربعاً، وأربعاً قبلَ الظُهْرِ إذا زالتِ الشَّمسُ، وركعتينِ بعدَها، وأربعاً قبلَ العصرِ، يَفْصِلُ بينَ كُلِّ ركعتينٍ بالتسليمِ على الملائكَةِ المُقَرَّبِينَ والنّبِّينَ ومَن تَبِعَهُمْ مِن المُسْلِمِينَ؛ [يجْعَلُ التَّسليمَ في آخِرِهِ]). ١ أخرجه أحمد (رقم ٦٥٠ و ١٣٧٥)، وابنه (١٢٠٢)، والترمذي (٢ / ٢٩٤ و٤٩٣ - ٤٩٤)، والنسائي (١ / ١٣٩ - ١٤٠)، وابن ماجه (١ / ٣٥٤)، والطيالسي (١ / ١١٣ - ١١٤)، وعنه البيهقي (٢ / ٢٧٣)، والترمذي أيضاً في ((الشمائل)) (٢ / ١٠٣ - ١٠٤) من طريق شعبة وغيره عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة قال: ((سألنا عليّاً عن تطوُّع النبي ◌َّ بالنهار؟ فقال: إنَّكم لا تطيقونه. قال: قلنا: أخبرنا به نأخذ منه ما أطقنا. قال: (فذكره))). وقال الترمذي : ((حديث حسن، وقال إسحاق بن إبراهيم: أحسن شيء روي في تطوع النبي ◌َّ في النهار هذا، ورُوي عن عبدالله بن المبارك أنه كان يضعِّف هذا الحديث، وإنَّما ضعَّفه عندنا - والله أعلم - لأنه لا يروى مثل هذا عن النبي ◌ََّ إلَّ من هذا الوجه عن عاصم بن ضمرة عن علي، وهو ثقة عند بعض أهل العلم)). قلت: وهو صدوق؛ كما قال الحافظ في ((التقريب))، وقد وثّقه ابن المديني وغيره، وقال النسائي : ((ليس به بأس)). فهو حسن الحديث. والزيادة التي في آخره للنسائي . وروى منه أبو داود (١ / ٢٠٠)، وعنه الضياء في ((المختارة)) (١ / ١٨٧) من ٤٧٥ طريق شعبة عن أبي إسحاق به الصلاة قبل العصر فقط، لكنه قال: ((ركعتين)). وهو بهذا اللفظ شاذٍّ عندي؛ لأنه في ((المسند)) وغيره من هذا الوجه باللفظ المتقدِّم: ((أربعاً))، وكذلك في الطرق الأخرى عن أبي إسحاق كما تقدَّم. ومثل هذا في الشذوذ أن بعض الرواة عن أبي إسحاق قال: ((قبل الجمعة))؛ بدل: ((قبل الظهر))؛ كما أخرجه الخِلَعي في ((فوائده)) بإسناد جيد؛ كما قال العراقي والبوصيري في ((زوائده)) (٧٢ / ١)، ولم يتنبَّها لشذوذه؛ كما نَبَّهتُ عليه في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة))(١)، والله أعلم. فقه الحديث : دلَّ قوله: ((يجعل التسليم في آخره))؛ على أن السنة في السنن الرباعية النهارية أن تصلَّى بتسليمة واحدة، ولا يسلّم فيها بين الركعتين، وقد فهم بعضهم من قوله : ((يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقرَّبين ومن تبعهم من المؤمنين)): أنَّه يعني تسليم التحلُّل من الصلاة، وردَّه الشيخ علي القاري في ((شرح الشمائل)) بقوله : ((ولا يخفى أنَّ سلام التحليل إنَّما يكون مخصوصاً بمَن حضر المصلَّى من الملائكة والمؤمنين، ولفظ الحديث أعم منه، حيث ذكر الملائكة والمقرَّبين والنبيِّين ومَن تبعهم من المؤمنين والمسلمين إلى يوم الدين)). ! ولهذا جزم المناوي في ((شرحه على الشمائل)) أن المراد به التشهُّد؛ قال: ((الاشتماله على التسليم على الكلَّ في قولنا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)). قلت: ويؤيِّده حديث ابن مسعود المتَّفق عليه؛ قال: ((كنّا إذا صلَّينا مع النبي وَ ◌ّر؛ قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على (١) انظر الحديث: ((كان يركع قبل الجمعة أربعاً)) (١٠٠١). ٤٧٦ جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان، فلما انصرف النبي وصلات؛ أقبل علينا بوجهه فقال: إنَّ الله هو السلام، فإذا جلس أحدُكم في الصَّلاة؛ فليَقُلْ: التحيَّات لله ... السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإنَّه إذا قال ذلك؛ أصاب كلَّ عبد صالح في السماء والأرض ... )). قلت: وهذه الزيادة التي في آخر الحديث تقطع بذلك؛ فلا مجال للاختلاف بعدها؛ فهي صريحة في الدلالة على ما ذكرنا من أن الرباعية النهارية من السُّنن، لا يسلّم في التشهُّد الأول منها، وعلى هذا؛ فالحديث مخالف لظاهر قوله رَّة: ((صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)). وهو حديث صحيح؛ كما بيَّنتُه في ((صحيح أبي داود)) (١١٧٢) و((الحوض المورود في زوائد منتقى ابن الجارود)) (رقم ١٢٣) يسر الله لنا إتمامهما. ولعلَّ التوفيق بين الحديثين بأن يحمل حديث الباب على الجواز، وحديث ابن عمر على الأفضليَّة؛ كما هو الشأن في الرباعية الليلية أيضاً، والله أعلم. ٢٣٨ - (قَضَى أَنَّ عَلى أَهْلِ الحَوائِطِ حِفْظَها في النّهار، وأنّ ما أَفْسَدَتِ المَواشِي باللَّيلِ ضامنٌ على أَهْلِها). أخرجه مالك في ((الموطأ)) (٣ / ٢٢٠) عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله مَ ... (فذكره). قلت: وهذا سند مرسل صحيح، وقد أخرجه الطحاوي (٢ / ١١٦)، والبيهقي (٨ / ٣٤١)، وأحمد (٥ / ٤٣٥) من طريق مالك به. وتابعه الليث بن سعد عن ابن شهاب به مرسلاً. أخرجه ابن ماجه (٢ / ٥٤ - ٥٥). ٤٧٧ وتابعهما سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب وحرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء ... أخرجه أحمد (٥ / ٤٣٦)، والبيهقي (٨ / ٣٤٢). وتابعهم الأوزاعي، لكن اختلفوا عليه في سنده، فقال أبو المغيرة: ثنا الأوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة الأنصاري به مرسلاً. أخرجه البيهقي (٨ / ٣٤١). وقال الفريابي عن الأوزاعي به؛ إلاّ أنه قال: عن البراء بن عازب، فوصله. أخرجه أبو داود (٢ / ٣٦٧)، وعنه البيهقي والحاكم (٢ / ٤٨). وكذا قال محمد بن مصعب: ثنا الأوزاعي به موصولاً . أخرجه أحمد (٤ / ٢٩٥) والبيهقي . وكذا قال أيوب بن سويد: ثنا الأوزاعي به . أخرجه الطحاوي (٢ / ١١٦)، والبيهقي . فقد اتَّفق هؤلاء الثلاثة - الفريابي ومحمد بن مصعب وأيوب بن سويد - على وصله عن الأوزاعي؛ فهو أولى من رواية أبي المغيرة عنه مرسلاً؛ لأنهم جماعة، وهو فرد. وتابعهم معمر، واختلفوا عليه أيضاً، فقال عبد الرزاق: ثنا معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء ... الحديث، فزاد في السند: ((عن أبيه)). أخرجه أبو داود، وابن حبان (١١٦٨)، وأحمد (٥ / ٤٣٦)، والبيهقي، وقال: ((وخالفه وهيب وأبو مسعود الزجَّاج عن معمر، فلم يقولا: عن أبيه)). قال ابن التركماني : ((وذكر ابن عبدالبر بسنده عن أبي داود قال: لم يتابع أحدٌ عبد الرزاق على قوله: ٤٧٨ عن أبيه. وقال أبو عمر: أنكروا عليه قوله فيه: عن أبيه. وقال ابن حزم: هو مرسل)). قلت: لكن قد وصله الأوزاعي بذكر البراء فيه في أرجح الروايتين عنه. وقد تابعه عبدالله بن عيسى عن الزهري عن حرام بن محيصة عن البراء به . أخرجه ابن ماجه والبيهقي (٨ / ٣٤١ - ٣٤٢). وعبدالله بن عيسى هو ابن عبدالرحمن بن أبي ليلى، وهو ثقة، محتج به في ((الصحيحين))؛ فهي متابعة قويّة للأوزاعي على وصله، فصحَّ بذلك الحديث، ولا يضرُّه إرسال من أرسله؛ لأن زيادة الثقة مقبولة، فكيف إذا كانا ثقتين؟! وقد قال الحاكم عقب رواية الأوزاعي : ((صحيح الإِسناد على خلاف فيه بين معمر والزُّهري)). ووافقه الذهبي . كذا قالا، وخلاف معمر ممَّا لا يلتفت إليه؛ لمخالفته لروايات جميع الثقات في قوله: ((عن أبيه))، على أنهم لم يتَّفقوا عليه في ذلك كما سبق، فلو أنَّهما أشارا إلى خلاف مالك والليث وابن عُيينة في وصله؛ لكان أقرب إلى الصواب، ولو أن هذا لا يعلُّ به الحديث لثبوته موصولاً من طريق الثقتين كما تقدَّم. مِنْ مَنَاسِكِ الحَجِّ ٢٣٩ - (إِذا رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ؛ فقدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّ النِّساءَ). أخرجه أحمد (١ / ٢٣٤): ثنا وكيع: ثنا سفيان عن سلمة عن الحسن العرني عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَطيار: (فذكره). ثم قال (١ / ٣٤٤): ثنا وكيع وعبدالرحمن قالا: ثنا سفيان به؛ إلَّ أنه لم يقل: قال رسول الله وَّل، وزاد في آخره في الموضعين: ٤٧٩ ((فقال رجل: والطيب [يا أبا العباس]؟! فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله وَّ﴾ يضمِّخ رأسه بالمسك؛ أفطيبٌ ذاك أم لا؟!)). ثم أخرجه (١ / ٣٦٩): ثنا يزيد: أنا سفيان به موقوفاً أيضاً قال: ((سُئل ابن عباس عن الرجل إذا رمى الجمرة؛ أيتطيّب؟ فقال: أما أنا ... )) الحدیث. وأخرجه النسائي (٢ / ٥٢)، وابن ماجه (٢ / ٢٤٥) من طريق يحيى بن سعيد، وابن ماجه أيضاً عن وكيع، وهو وأبو يعلى في («مسنده)) (ق ١٤٣ / ١) عن عبدالرحمن، والبيهقي (٥ / ١٣٣) عن ابن وهب، و(٥ / ٢٠٤) عن أبي داود الحفري؛ كلهم عن سفيان به مثل رواية عبدالرحمن عند أحمد الموقوفة مع الزيادة، وقد رواه الطحاوي (١ / ٤١٩) من طريق أبي عاصم عن سفيان به . قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، لكنه منقطع بين الحسن العرني - وهو ابن عبدالله - وبين ابن عباس؛ فإنَّه لم يسمع منه كما قال أحمد، بل قال أبو حاتم: لم يدركه. ثم إن أكثر الرواة عن سفيان أوقفوه على ابن عباس، ولم يرفعه إلاّ وكيع في الرواية الأولى، وأما في روايته المقرونة مع عبدالرحمن؛ فهي موقوفة أيضاً، وكذلك هي عند ابن ماجه؛ فالصَّواب أن الحديث مع انقطاعه موقوف. لكن له شاهد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((طَيِّيت رسول الله وَّل بيدي بذريرة لحجَّة الوداع للحلِّ والإِحرام، حين أحرم، وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت)). أخرجه أحمد (٦ / ٢٤٤) عن عمر بن عبدالله بن عروة أنه سمع عروة والقاسم یخبران عن عائشة به . قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، وأصله عندهما. ٤٨٠