Indexed OCR Text
Pages 421-440
سلمة، فسألته عن اسم أخت له عنده؟ قال: فقلت: اسمها برة. قالت: غيِّر اسمها؛ فإن النبي ◌َّ نكح زينب بنت جحش واسمها برة، فغير اسمها إلى زينب، فدخل على أم سلمة حين تزوجها واسمي برة، فسمعها تدعوني: برة، فقال: (فذكره). فقالت (أم سلمة): فهي زينب. فقلت لها: اسمي؟ فقالت: غير إلى ما غير إليه رسول الله وَالتى ، سمِّها زینب. قلت: وهذا سند حسن، وفي ابن إسحاق كلام لا يضر، وقد صرح بالتحديث، وقد تابعه الوليد بن كثير: حدثني محمد بن عمرو به مختصراً، ويزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو به، وفيه: ((لا تزكوا أنفسكم ... )). أخرجه مسلم (٦ / ١٧٣ - ١٧٤). وللحديث شاهد صحيح بلفظ: ٢١١ - (كَانَ اسمُ زَيْنَبَ بَرَّةً [فَقيلَ: تُزَكِّي نَفْسَها]، فسمّاها النبيُّ وَ ل ﴿ زينبَ). أخرجه البخاري (٤ / ١٧٥)، ومسلم (٦ / ١٧٣)، والدارمي (٢ / ٢٩٥)، وابن ماجه (٣٧٣٢)، وابن حبان (٧ / ٥٣١ / ٥٨٠٠)، وأحمد (٢ / ٤٣٠ - ٤٥٩) من طرق عن شعبة عن عطاء بن أبي ميمونة عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: (فذكره). واللفظ لأحمد، والزيادة له ولمسلم في رواية وابن ماجه. ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٣٢): حدثنا عمرو بن مرزوق قال: حدثنا شعبة به؛ بلفظ : ((كان اسم ميمونة برة، فسماها النبي ◌َّ ميمونة)). قلت: وهو بهذا اللفظ شاذ؛ لمخالفة ابن مرزوق لرواية الجماعة، لا سيما وهو ذو أوهام؛ كما في ((التقريب))، وقد تابعه أبو داود الطيالسي، لكن على الشك، فقال ٤٢١ (٢٤٤٥): حدثنا شعبة به بلفظ: ((ميمونة أو زينب))، وقد أشار الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٤٧٦) إلى شذوذ رواية ابن مرزوق هذه. وترجم البخاري للحديث بقوله: ((باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه)). وفي الباب عن ابن عباس قال: ٢١٢ - (كانَتْ جُوَيْرِيَةُ اسمُها بَرَّةُ، فحَوَّلَ رَسولُ اللهِ وَ اسْمَها جُوَيْرِيَةَ، وكانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقالَ: خَرَجَ مِن عندٍ بَرَّةَ). أخرجه مسلم (٦ / ١٧٣)، والبخاري في ((الأدب)) (٨٣١)، وابن حبان (٧ / ٥٣١ / ٥٧٩٩)، وأحمد (١ / ٢٥٨، ٣٢٦، ٣٥٣)، وابن سعد في ((الطبقات)) (٨ / ٨٤ / ٨٥). ٢١٣ - (أنتِ جَمیلةُ). رواه مسلم (٦ / ١٧٣)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٢٠)، وأبو داود (٤٩٥٢)، والترمذي (٢ / ١٣٧)، وابن حبان (٧ / ٥٢٨ / ٥٧٨٨)، وأحمد (٢ / ١٨) عن يحيى بن سعيد عن عبيدالله: أخبرني نافع عن ابن عمر أن رسول الله وص لته غيَّر اسم عاصية، وقال: (فذكره). وقال الترمذي : («هذا حديث حسن غريب، وإنما أسنده يحيى بن سعيد القطان)). قلت: بل هو صحيح؛ فإن القطان ثقة متقن حافظ إمام قدوة؛ كما في ((التقريب)) للحافظ، وقد تابعه حمَّاد بن سلمة عن عبيدالله به، وزاد أنها ابنة لعمر رضي الله عنه. رواه مسلم، وكذا الدارمي (٢ / ٢٩٥)، ولكنه لم يذكر هذه الزيادة، وكذا رواه البيهقي في ((الشعب)) (٤ / ٣١٣ / ٥٢٢٦). وأثبتها مسلم وابن ماجه (٣٧٣٣). ٤٢٢ ٢١٤ - (أَنتَ سَهْلٌ). رواه البخاري (١٠ / ٤٧٤ - فتح)، وفي ((الأدب المفرد)) (٨٤١)، وأبو داود (رقم ٤٩٥٦)، وابن حبان (٧ / ٥٢٩ / ٥٧٩٢) عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده: ((أن النبي ◌َّ قال له: ما اسمك؟ قال: حزن. قال: (فذكره). قال: لا؛ السهل يوطأ ويمتهن. قال سعيد: فظننت أنه سيصيبنا بعده حزونة)). لفظ أبي داود، ولفظ البخاري مثله؛ إلا أنه قال: ((قال: لا أغير اسماً سمانيه أبي. قال ابن المسيب: فما زالت الحزونة فينا بعد)). ورواه علي بن زيد عن سعيد بن المسيب به نحوه؛ إلا أنه جعله من مسند المسيب بن حزن، وليس من رواية حزن نفسه، وهو رواية أحمد عن الزهري، ورواية البخاري، والراجح الأول كما قرره الحافظ، وفي رواية علي: ((قال: يا رسول الله! اسم سمانيه أبواي عرفت به في الناس. قال: فسكت عنه النبي ێ)). قلت: ومن المعلوم أن سكوته وس# إقرار، لكن علي بن زيد - وهو ابن جدعان - ضعيف، لا سيما وقد زاد على الإِمام الزهري، فلا تُقبل زيادته. ٢١٥ - (بَلْ أَنتَ هِشامٌ). أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٢٥)، وابن حبان (٧ / ٥٢٩ / ٥٧٩٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤ / ٣١٣ / ٥٢٢٧) عن عمران القطان عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفى عن سعد بن هشام عن عائشة رضي الله عنها: ((ذكر عند رسول الله # رجل يقال له: شهاب، فقال رسول الله اليه: (فذكره)). وقال الحاكم (٤ / ٢٧٧): ((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي. ٤٢٣ قلت: بل هو حسن، رجاله ثقات رجال البخاري، غير عمران، وهو ابن داوَر، وهو صدوق يهم؛ كما في ((التقريب)). لكنه يصح بطريق علي بن زيد عن الحسن عن هشام بن عامر قال: ((أتيت النبي ◌َّر، فقال: ((ما اسمك؟)). قلت: شهاب. قال: (فذكره))). أخرجه الحاكم أيضاً، وابن سعد في ((الطبقات)) (٧ / ٢٦). وعلي هو ابن جدعان، ولا بأس في الشواهد. والحديث مما علقه أبو داود في هذا الباب. ٢١٦ - (بَلْ أَنْتِ حَسَّانَةُ المُزَنِيَّةُ). أخرجه ابن الأعرابي في ((معجمه)) (ق ٧٥ / ٢)، وعنه القضاعي في ((مسند الشهاب (ق ٨٢ / ١)، والحاكم في ((المستدرك)) (١ / ١٥ -١٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦ / ٥١٧ / ٩١٢٢) من طريق صالح بن رستم عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت : جاءت عجوز إلى النبي 18َّ وهو عندي، فقال لها رسول الله وَلـ: ((من أنت؟)). قالت: أنا جثامة المزنية. فقال: ((بل أنت حسانة المزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا؟)). قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فلما خرجت؛ قلت: يا رسول الله! تقبل على هذه العجوز هذا الإِقبال؟! فقال: ((إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حُسن العهد من الإِيمان)). وقال الحاكم : ((حديث صحيح على شرط الشيخين؛ فقد اتفقا على الاحتجاج برواته في أحاديث كثيرة، وليس له علة)). كذا قال! ووافقه الذهبي! وصالح بن رستم - وهو أبو عامر الخزاز البصري - لم ٤٢٤ يخرج له البخاري في ((صحيحه)) إلا تعليقاً، وأخرج له في ((الأدب المفرد)) أيضاً، ثم هو مختلف فيه، فقال الذهبي نفسه في ((الضعفاء)): ((وثقه أبو داود. وقال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال أحمد: صالح الحدیث)). وهذا هو الذي اعتمده في ((الميزان))، فقال: ((وأبو عامر الخزاز حديثه لعله يبلغ خمسين حديثاً، وهو كما قال أحمد: صالح الحديث)). قلت: فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى؛ فقد قال ابن عدي : ((وهو عندي لا بأس به، ولم أر له حديثاً منكراً جدّاً)). وأما الحافظ؛ فقال في ((التقريب)): ((صدوق، كثير الخطأ)). وهذا ميل منه إلى تضعيفه، والله أعلم. ١ وعلی کل حال؛ فالحديث صحيح؛ لأنه لم يتفرَّد به؛ کما يدل عليه كلام الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٣٦٥)؛ فإنه قال بعد أن ذكره من هذا الوجه من رواية الحاكم والبيهقي في ((الشعب)): ((وأخرجه البيهقي أيضاً من طريق سَلْم بن جنادة عن حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مثله؛ بمعنى القصة، وقال: ((غريب))، ومن طريق أبي سلمة عن عائشة نحوه، وإسناده ضعيف)). قلت: وطريق أبي سلمة؛ أخرجها أبو عبد الرحمن السلمي في ((آداب الصحبة)) (٢٤) عن محمد بن ثمال الصنعاني : ثنا عبد المؤمن بن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة به. ومحمد بن ثمال وشيخه عبد المؤمن؛ لم أجد لهما ترجمة . ٤٢٥ ثم طبع كتاب ((الثقات)) لابن حبان، فوجدنا فيه (٨ / ٤١٧): «عبدالمؤمن بن يحيى بن أبي كثير، يروي عن أبيه عن أبي سلمة، روى عنه لوین» . ومنه يبدو أن بينه وبين أبي سلمة أباه يحيى؛ فلا أدري أهكذا الرواية أم سقط ذكر الأب من الناسخ أو الطابع؟! ويؤيد هذا أنه عند البيهقي (رقم ٩١٢١) من هذا الوجه بزيادة: ((عن أبيه)). وقد وجدت له طريقاً أخرى مختصرة، أخرجها القاسم السرقسطي في ((غريب الحديث)) (٢ / ٢٠ / ١) عن الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عبد الواحد ابن أيمن وغيره عن ابن أبي نجيح عن عائشة : ((أن امرأة أتت النبي ◌َّه، فقرِّب إليه لحم، فجعل يناولها؛ قالت عائشة: فقلتُ: يا رسول الله! لا تغمر يدك! فقال وَ ﴿ه: ((يا عائشة! إنَّ هذه كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حُسن العهد من الإِيمان))، فلما ذكر خديجة؛ قلت: قد أبدلك الله من كبيرة السن حديثة السن، فشدقني، وقال: ((ما عليَّ (أو نحو هذا) إن كان الله رزقها مني الولد ولم يرزقكيه)). فقلت: والذي بعثك بالحق؛ لا أذكرها إلَّ بخير أبداً. قال الحميدي : ثم قال سفيان: عبد الواحد وغيره يزيد أحدهما على الآخر في الحديث)). قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشیخین، لكنه منقطع بین ابن أبي نجيح - واسمه عبدالله - وعائشة؛ فإنه لم يسمع منها . وقصة غيرة عائشة من خديجة رضي الله عنهما ثابتة في ((صحيح البخاري))، و ((مسلم))، والترمذي (٢ / ٣٦٣)، وأحمد (٦ / ١١٨ و١٥٠ و١٥٤) من طرق عنها. هذا؛ ولقد كان الباعث على تحرير القول في هذا الحديث خاصَّة: أنَّ الله تبارك وتعالى رزقني بعد ظهر الثلاثاء في عشرين ربيع الآخر سنة ١٣٨٥ هـ طفلة جميلة، فلما عزمتُ على أن أختار لها اسماً من أسماء الصحابيات الكريمات؛ وقع بصري على هذا الاسم (حسَّانة)، فمال إليه قلبي؛ لتحقيق الاقتداء به مَّ في تسميته ,٤٢٦ (جثّامة) به، ولكن لم أبادر إلى ذلك حتى درستُ إسناد الحديث على نحو ما سبق، وتحقّقتُ من صحته، والحمد لله على توفيقه، وأسأله تعالى أن يجعلها من المؤمنات الصالحات، والعابدات العالمات، السعيدات في الدنيا والآخرة. فقه الأحاديث : قال الطبري : ((لا ينبغي التسمية باسم قبيح المعنى، ولا باسم يقتضي التزكية له، ولا باسم معناه السبّ، ولو كانت الأسماء إنما هي أعلام للأشخاص، لا يقصد بها حقيقة الصفة، لكن وجه الكراهة أن يسمع سامع بالاسم، فيظن أنه صفة للمسمَّى؛ فلذلك كان ﴿ يحوِّل الاسم إلى ما إذا دُعي به صاحبه؛ كان صدقاً)). قال: ((وقد غيَّر رسول اللـه و لل عدة أسماء)). ذكره في ((الفتح)) (١٠ / ٤٧٦). قلت: وعلى ذلك؛ فلا يجوز التسمية بـ (عز الدين) و(محيي الدين) و(ناصر الدين) ... ونحو ذلك، ومن أقبح الأسماء التي راجت في العصر، ويجب المبادرة إلى تغييرها لقبح معانيها، هذه الأسماء التي أخذ الآباء يطلقونها على بناتهم؛ مثل : (وصال) و(سهام) و(نهاد)(١) و(غادة)(٢) و(فتنة) ... ونحو ذلك. والله المستعان. ٢١٧ - (إِنَّمَا المَدِينَةُ كَالِكِيرِ؛ تَنْفِي خَبَثَها، ويَنْصَعُ طِيْبُها). أخرجه البخاري (٤ / ٧٧، ١٣ / ١٧٤ و٢٥٨)، ومسلم (٩ / ١٥٥)، ومالك (٣ / ٨٤)، والنسائي (٢ / ١٨٤)، والترمذي (٤ / ٣٧٣)، والطيالسي في ((مسنده)) (١) هي المرأة إذا كعب ثديها، وارتفع عن الصدر، صار له حجم. (٢) هي المرأة الناعمة اللينة البيِّنة الغَيّد. ٤٢٧ (٢ / ٢٠٤)، وأحمد (٣ / ٢٩٢ و٣٠٦ و٣٠٧ و٣٦٥ و٣٨٥ و٣٩٢ و ٣٩٣) عن جابر ابن عبد الله : ((أنَّ أعرابياً بايع رسول الله ◌َّه على الإِسلام، فأصاب الأعرابيّ وعكٌ بالمدينة، فأتى رسول الله وَ له فقال: يا رسول الله! أقِلْني بيعتي. فأبى رسول الله وَالر، ثم جاءه فقال: أقلْني بيعتي. فأبى، ثم جاءه فقال: أقلْني بيعتي. فأبى، فخرج الأعرابي، فقال رسول الله وَطاهر: (فذكره)). وقال الترمذي: «حدیث حسن)) . وله شاهد من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: ﴿فَما لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾؛ قال: رجع ناس من أصحاب النبي (ێ يوم أحد (وفي رواية: من أحد)، فكان الناس فيهم فريقين: فريق منهم يقول: اقتلهم. وفريق يقول: لا. فنزلت هذه الآية: ﴿فَما لَكُمْ فِي المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، فقال: ٢١٨ - (إِنَّها طَيْبَةُ، وإِنَّها تَنْفي الخَبَثَ كَما تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الحدیدِ). أخرجه البخاري (٤ / ٧٧ - ٧٨، ٨ / ٢٠٦)، ومسلم (٩ / ١٥٥ - ١٥٦)، والترمذي (٤ / ٨٩ - ٩٠)، وأحمد (٦ / ١٨٤ و١٨٧ و١٨٨) من طريق عبدالله بن يزيد - وهو الخطمي - عن زيد بن ثابت. وقال الترمذي : «حديث حسن صحيح)). قال العلماء: (خبث الحديد): وسخه وقذره الذي تخرجه النار منها. قال القاضي : ((الأظهر أن هذا مختصِّ بزمن النبي وَّه؛ لأنه لم يكن يصبر على الهجرة ٤٢٨ والمقام معه إلَّ مَن ثبت إيمانه، وأما المنافقون وجهلة الأعراب؛ فلا يصبرون على شدَّة المدينة، ولا يحتسبون الأجر في ذلك؛ كما قال ذلك الأعرابي الذي أصابه الوعك: أقلني بيعتي)). هذا كلام القاضي. وهذا الذي ادَّعى أنه الأظهر ليس بالأظهر؛ لحديث أبي هريرة الآتي في آخر الحدیث تحت رقم (٢٧٤). ((لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها ... )). فهذا والله أعلم في زمن الدجّال؛ كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في أواخر الكتاب في (أحاديث الدجال): أنَّه يقصد المدينة، فترجف المدينة ثلاث رجفات يُخْرِجُ الله بها منها كل كافر منافق، وهو من حديث أنس، وقد أخرجه البخاري أيضاً (٤ / ٧٦)، فيحتمل أنه مختصٍّ بزمن الدجّال، ويحتمل أنه في أزمان متفرِّقة. كذا في ((شرح مسلم)) للنووي (٩ / ١٥٤). وأقول: بل الأظهر أن ذلك كان خاصّاً بزمنه وَّله؛ لحديث الأعرابي المتقدم، وفي بعض الأوقات لا دائماً؛ لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النَّفاقِ﴾(١). والمنافق خبیث بلا شكّ كما قال الحافظ، بل هو المراد صراحة في حديث زيد ابن ثابت؛ فعلى هذا؛ فقوله في هذه الأحاديث: ((تنفي))؛ ليست للاستمرار، بل للتكرار؛ فقد وقع ذلك في زمنه و ◌ّر ما شاء الله، وسيقع أيضاً مرة أخرى زمن الدجّال؛ كما في حديث أنس المشار إليه، وإلى هذا مال الحافظ في ((الفتح)) (٤ / ٧٠)، وختم كلامه بقوله : ((وأما ما بين ذلك؛ فلا)). فهذا هو الراجح، بل الصواب، والواقع يشهد بذلك، والله أعلم. (١) التوبة: ١٠١ . ٤٢٩ ٢١٩ - (كانَ يُقَبِّلُني وهو صائمٌ وأنا صائمةٌ. يعني: عائشةَ). أخرجه أبو داود (١ / ٣٧٤)، وأحمد (٦ / ١٧٩) من طريقين عن سفيان عن سعد بن إبراهيم عن طلحة بن عبدالله - يعني : ابن عثمان القرشي - عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً. قلت: وهذا سند صحيح على شرط البخاري . ثم أخرجه أحمد (٦ / ١٣٤ و١٧٥ - ١٧٦ و٢٦٩ - ٢٧٠ و٢٧٠)، وكذا النسائي في ((الكبرى)) (ق ٨٣ / ٢)، والطيالسي (١ / ١٨٧)، والشافعي في («سننه» (١ / ٢٦٠)، والطحاوي في ((شرح المعاني)) (١ / ٣٤٦)، والبيهقي (٤ / ٢٢٣)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٢١٥ / ٢) من طرق أخرى عن سعد بن إبراهيم به بلفظ: ((أراد رسول الله وَّله أن يقبّلَني، فقلتُ: إني صائمة! فقال: وأنا صائم! ثم قبلني)). وفي هذا الحديث ردٌّ للحديث الذي رواه محمد بن الأشعث عن عائشة قالت: ((كان لا يمسُ من وجهي شيئاً وأنا صائمة)). وإسناده ضعيف؛ كما بيَّنته في ((الأحاديث الضعيفة)) (رقم ٩٦٢). والحديث عزاه الحافظ في ((الفتح)) (٤ / ١٢٣) باللفظ الثاني للنسائي. وللشطر الثاني منه طريق آخر عن عائشة رضي الله عنها، يرويه إسرائيل عن زياد عن عمرو بن ميمون عنها قالت: ((كان رسول الله وهل يقبِّلني وأنا صائمة)). أخرجه الطحاوي بسند صحيح، وإسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وأما زياد؛ فهو ابن عِلاقة. وقد أخرجه أحمد (٦ / ٢٥٨) من طريق شيبان عن زياد بن علاقة عن عمرو ٤٣٠ ابن ميمون قال: سألت عائشة عن الرجل يقبِّل وهو صائم؟ قالت: (وقد كان رسول الله وَلا يقبِّل وهو صائم)). قلت: وسنده صحيح، وشيبان هو ابن عبدالرحمن التميمي البصري، وهو على شرط مسلم . وقد أخرجه في ((صحيحه)) (٣ / ١٣٦) من طرق أخرى عن زياد دون السؤال، وزاد: ((في رمضان))، وهو رواية لأحمد (٦ / ١٣٠). وفي أخرى له (٦ / ٢٩٢) من طريق عكرمة عنها: ((أنَّ النبيَّ وََّ كان يقبّل وهو صائم، ولكم في رسول الله أسوة حسنة)). وسنده صحيح، وعكرمة هو البربري مولى ابن عباس، وقد سمع من عائشة. وقد روى أحمد (٦ / ٢٩١) عن أم سلمة مثل حديث عائشة الأول، وسنده حسن في الشواهد. والحديث دليل على جواز تقبيل الصائم لزوجته في رمضان، وقد اختلف العلماء في ذلك على أكثر من أربعة أقوال، أرجحها الجواز، على أن يُراعى حال المقبِّل؛ بحيث إنه إذا كان شاباً يخشى على نفسه أن يقعَ في الجماع الذي يفسد عليه صومه؛ امتنع من ذلك، وإلى هذا أشارت السيدة عائشة رضي الله عنها في الرواية الآتية عنها: (( ... وأيُّكم يملك إربه))، بل قد روي ذلك عنها صريحاً؛ فقد أخرج الطحاوي (١ / ٣٤٦) من طريق حريث بن عمرو عن الشعبي عن مسروق عنها قالت : ((ربَّما قبَّلني رسول الله وَّر وباشرني وهو صائم، أما أنتم؛ فلا بأس به للشيخ الكبير الضعيف ». وحريث هذا أورده ابن أبي حاتم (٢ / ٢ / ٢٦٣) ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، بل جاء هذا مرفوعاً من طرق عن النبي ﴿ يقوِّي بعضها بعضاً، أحدها عن ٤٣١ عائشة نفسها، وسيأتي ذكر بعضها برقم (١٦٠٦). ويؤيِّده قوله وَالآتى : (دَعْ ما يَريبك إلى ما لا يَرِيبك))(١). ولكن ينبغي أن يُعلم أنَّ ذكر الشيخ ليس على سبيل التحديد، بل المراد التَّمثيل بما هو الغالب على الشيوخ من ضعف الشهوة، وإلاّ؛ فالضَّابط في ذلك قوة الشهوة وضعفها، أو ضعف الإِرادة وقوَّتها. وعلى هذا التفصيل تحمل الروايات المختلفة عن عائشة رضي الله عنها؛ فإنَّ بعضها صريح عنها في الجواز مطلقاً؛ كحديثها هذا، لا سيما وقد خرج جواباً على سؤال عمرو بن ميمون لها في بعض هذه الروايات، وقالت: و﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾(٢)، وبعضها يدلُّ على الجواز حتى للشاب؛ لقولها: ((وأنا صائمة))؛ فقد توفِّي عنها رسول الله مَّر وعمرها (١٨) سنة. ومثله ما حدَّثت به عائشة بنت طلحة أنها كانت عند عائشة زوج النبي ◌َّةِ، فدخل عليها زوجها عبدالله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق وهو صائم، فقالت له عائشة: ما منعك أن تدنوَ من أهلك فتقبِّلها وتلاعِبَها؟ فقال: أقبِّلُها وأنا صائم؟! قالت: نعم. أخرجه مالك (١ / ٢٧٤)، وعنه الطحاوي (١ / ٣٢٧)، بسند صحيح. قال ابن حزم (٦ / ٢١١): ((عائشة بنت طلحة كانت أجمل نساء أهل زمانها، وكانت أيام عائشة هي وزوجها فتيين في عنفوان الحداثة)». وهذا ومثله محمول على أنها كانت تأمن عليهما، ولهذا قال الحافظ في (١) وهو مخرج في ((الإِرواء)) (٢٠٧٤)، و((غاية المرام)) (١٧٩). (٢) الأحزاب: ٢١ . ٤٣٢ ((الفتح)) (٤ / ١٢٣) بعد أن ذكر هذا الحديث من طريق النسائي: (( ... فقال: وأنا صائم؟! فقبّلني»: ((وهذا يؤيِّد ما قدَّمناه أنَّ النظر في ذلك لمَن لا يتأثر بالمباشرة والتقبيل، لا للتفرقة بين الشابِّ والشيخ؛ لأنَّ عائشة كانت شابَّة؛ نعم لما كان الشابُّ مظِنّة لهيجان الشهوة ؛ فرَّق مَن فرَّق)). ٢٢٠ - (كان يُقَبِّلُ وهو صائمٌ، ويُباشِرُ وهُوَ صائِمٌ، وكانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبهِ). أخرجه البخاري (٤ / ١٢٠ - ١٢١ - فتح)، ومسلم (٣ / ١٣٥)، والشافعي في ((سننه)) (١ / ٢٦١)، وأبو داود (٢ / ٢٨٤ - عون)، والترمذي (٢ / ٤٨ - تحفة)، وابن ماجه (١ / ٥١٦ و٥١٧)، والطحاوي (١ / ٣٤٥)، والبيهقي (٤ / ٢٣٠)، وأحمد (٦ / ٤٢ و١٢٦) من طرق عن عائشة به. وقال الترمذي : «حدیث حسن صحیح)). ومرادها رضي الله عنها أنَّ النبي ◌َّهِوَ كان غالباً لهواه. و (الأزْب): هو بفتح الهمزة أو كسرها، قال ابن الأثير: ((وله تأويلان: أحدهما: أنه الحاجة. والثاني : أنه أراد به العضو، وعنت به من الأعضاء الذَّكَر خاصة. وهو كناية عن المجامعة)). قال في ((المرقاة)»: ((وأما ذِكْر الذَّكَر؛ فغير ملائم للأنثى، لا سيما في حضور الرجال)). وراجع تمام البحث فيه. وفي الحديث فائدة أخرى على الحديث الذي قبلَه، وهي جواز المباشرة من ٤٣٣ الصائم، وهي شيء زائد على القبلة، وقد اختلفوا في المراد منها هنا، فقال القاري : ((قيل: هي مسُّ الزوج المرأة فيما دون الفرج، وقيل: هي القبلة واللمس بالید» . قلت: ولا شكَّ أن القبلة ليست مرادة بالمباشرة هنا؛ لأن الواو تفيد المغايرة، فلم يبق إلَّ أن يكون المراد بها إما القول الأول أو اللمس باليد، والأول هو الأرجح؛ لأمرین : الأول: حديث عائشة الآخر قالت: ((كانت إحدانا إذا كانت حائضاً، فأراد رسول الله وَّر أن يباشِرَها؛ أمرها أن تتّزر في فور حيضتها، ثم يباشرها. قالت: وأيكم يملك إربه؟!)). رواه البخاري (١ / ٣٢٠)، ومسلم (١ / ١٦٦ و١٦٧) وغيرهما. فإن المباشرة هنا هي المباشرة في حديث الصيام؛ فإن اللفظ واحد، والدلالة واحدة، والراوية واحدة أيضاً. بل إن هناك ما يؤيِّد المعنى المذكور، وهو الأمر الآخر، وهو أن السيدة عائشة رضي الله عنها قد فسَّرت المباشرة بما يدلُّ على هذا المعنى، وهو قولها في رواية عنها : ٢٢١ - (كانَ يُبَاشِرُ وهُو صائمٌ، ثمَّ يجعَلُ بينَهُ وبَيْنَها ثوباً. يعني: الفَرْجَ). أخرجه الإمام أحمد (٦ / ٥٩): ثنا ابن نمير عن طلحة بن يحيى قال: حدثتني عائشة بنت طلحة عن عائشة أن رسول الله و لقد كان ... وأخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١ / ٢٠١ / ٢). قلت: وهذا سند جيِّد، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، ولولا أنَّ طلحة هذا فيه ٤٣٤ كلام يسير من قِبل حفظه؛ لقلتُ: إنَّه صحيح الإِسناد، ولكنْ تكلّم فيه بعضهم، وقال الحافظ في ((التقريب»: (صدوق یخطىء)). قلت: وفي هذا الحديث فائدة هامَّة، وهو تفسير المباشرة بأنه مسُّ المرأة فيما دون الفرج؛ فهو يؤيِّد التفسير الذي سبق نقله عن القاري، وإن كان حكاه بصيغة التمريض: (قيل)؛ فهذا الحديث يدل على أنه قول معتمد، وليس في أدلَّة الشريعة ما ينافيه، بل قد وجدنا في أقوال السلف ما يزيده قوَّة؛ فمنهم راوية الحديث عائشة نفسها رضي الله عنها؛ فروى الطحاوي (١ / ٣٤٧) بسند صحيح عن حكيم بن عقال، أنه قال : ((سألت عائشة: ما يحرم عليَّ من امرأتي وأنا صائم؟ قالت: فرجها)). وحكيمٌ هذا وثَّقه ابن حبان، وقال العجلي : ((بصري، تابعي، ثقة)). وقد علَّقه البخاري (٤ / ١٢٠) بصيغة الجزم: ((باب المباشرة للصائم، وقالت عائشة رضي الله عنها: يحرم عليه فرجها)). وقال الحافظ : ((وصله الطحاوي من طريق أبي مرَّة مولى عقيل عن حكيم بن عقال ... وإسناده إلى حكيم صحيح، ويؤدِّي معناه أيضاً ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح عن مسروق: سألت عائشة: ما يحلُّ للرجل من امرأته صائماً؟ قالت: كل شيء؛ إلاّ الجماع)). قلت: وذكره ابن حزم (٦ / ٢١١) محتجّاً به على مَن كره المباشرة للصَّائم. ثم تيسَّر لي الرجوع إلى نسخة ((الثقات)) في المكتبة الظاهرية، فرأيته يقول فيه (١ / ٢٥) : ٤٣٥ «یروي عن ابن عمر، روى عنه قتادة، سمع حكيم من عثمان بن عفان». ووجدت بعض المحدثين قد كتب على هامشه : ((العجلي: هو بصري، تابعي، ثقة)). قلت: وقد روى عنه جماعة من الثقات غير قتادة؛ كما بيَّنته في كتابي الجديد، والذي لا يزال تحت التأليف، يسَّر الله إتمامه: ((تيسير انتفاع الخلان بكتاب ثقات ابن حبان». ثم ذكر ابن حزم عن سعيد بن جُبير: ((أنَّ رجلاً قال لابن عبَّاس: إِنِّي تزوَّجت ابنة عمّ لي جميلة، فُبُني بي في رمضان، فهل لي - بأبي أنت وأمي - إلى قُبْلتِها من سبيل؟ فقال له ابن عباس: هل تملك نفسك؟ قال: نعم. قال: قَبِّلْ. قال: فبأبي أنت وأمي؛ هل إلى مباشرتها من سبيل؟ قال: هل تملك نفسك؟ قال: نعم. قال: فباشرها. قال: فهل لي أن أضرب بيدي على فرجها من سبيل؟ قال: وهل تملك نفسك؟ قال: نعم. قال: اضرب)). قال ابن حزم : ((وهذه أصح طريق عن ابن عباس)). قال : ((ومن طريق صحاح عن سعد بن أبي وقَّاص أنه سُئل: أتقبِّل وأنت صائم؟ قال: نعم، وأقبض على متاعها. وعن عمرو بن شرحبيل أن ابن مسعود كان يباشر امرأته نصف النهار وهو صائم. وهذه أصح طريق عن ابن مسعود)). قلت: أثر ابن مسعود هذا أخرجه ابن أبي شيبة (٢ / ١٦٧ / ٢) بسند صحيح على شرطهما، وأثر سعد هو عنده بلفظ : ((قال: نعم؛ وآخذ بجهازها)). ٤٣٦ وسنده صحيح على شرط مسلم. وأثر ابن عباس عنده أيضاً، ولكنَّه مختصر بلفظ: ((فرخَّص له في القبلة والمباشرة ووضع اليد؛ ما لم يعده إلى غيره)). وسنده صحيح على شرط البخاري . وروى ابن أبي شيبة (٢ / ١٧٠ / ١) عن عمرو بن هَرِم قال: ((سُئِل جابر بن زيد عن رجل نظر إلى امرأته في رمضان فأمنى من شهوتها؛ هل يفطر؟ قال: لا؛ ویتم صومه)). وإسناده جيِّد، وعلَّقه البخاري على عمرو بصيغة الجزم، وسكت عنه الحافظ (٤ / ١٥١). وترجم ابن خزيمة للحديث بقوله : ((باب الرخصة في المباشرة التي هي دون الجماع للصائم، والدَّليل على أن اسم الواحد قد يقع على فعلين أحدهما مباح والآخر محظور)). ٢٢٢ - (مَن تَفَلَ تجاهَ القِبْلَةِ؛ جاءَ يومَ القيامَةِ وَتَفْلَتُهُ بِينَ عِينَيْهِ). أخرجه أبو داود (٣ / ٤٢٥ - عون)، وابن حبان في «صحيحه)) (٣٣٢) من طريق ابن خزيمة، وهذا في ((صحيحه)) (١٣١٤) عن جرير عن أبي إسحاق الشيباني عن غدي بن ثابت عن زر بن حبيش عن حذيفة بن اليمان مرفوعاً . قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير زرّ؛ فمِن رجال مسلم وحده، وجرير هو ابن عبدالحميد الضبِّ الكوفي، وأبو إسحاق هو سليمان بن أبي سليمان الكوفي . وللحديث شاهد بلفظ : ٤٣٧ ٢٢٣ - (يَجِيءُ صاحِبُ النُّخَامَةِ في القِيْلَةِ يَوْمَ القِيامَةِ وهِيَ في وَجْهِهِ). أخرجه ابن حبان في «صحيحه)) (٣٣٣): أخبرنا عبدالرحمن بن زياد الكناني بالأبلة: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح: حدثنا شَبَابة: حدثنا عاصم بن محمد عن محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً. قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال البخاري؛ غير الكناني هذا؛ فلم أجد له الآن ترجمة. لكنه لم يتفرَّد به؛ فقد عزاه المنذري في ((الترغيب)) (١ / ١٢٢) للبزَّار وابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما))، وابن خزيمة من طبقة الكناني المذكور، فالغالب أنه رواه من غير طريقه، إما عن ابن الصباح مباشرة أو عن غيره، وأما البزار؛ فطريقه غير طريق الكناني قطعاً؛ فإنَّ في إسناده عاصم بن عمر؛ كما ذكر الهيثمي (٢ / ١٩)، وقال: ((ضعفه البخاري وجماعة، وذكره ابن حبان في (الثقات)). قلت: وفي ((التقريب)): ((ضعيف)). قلت: ولكنه إن لم يفد في تقوية الحديث كشاهد أو متابع؛ فهو على الأقل لا يضرُّ، والحديث صحيح على كل حال. ثم تكشّفت لي بعض الحقائق بعد طبع ((صحيح ابن خزيمة)) و ((كشف الأستار عن زوائد البزار))، وإليك البيان : أولاً: لقد صدق ظنِّي فيما يتعلَّق بابن خزيمة؛ فقد أخرجه في ((صحيحه) من طريق ابن الصباح مباشرة، وهو الزعفراني، فقال (١ / ٢٧٨ / ١٣١٣): حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني : ثنا شَبابة بن سوَّار به . ٤٣٨ فصحَّ الإِسناد والحمد لله. ثانياً: أن البزَّار رواه مباشرة أيضاً عن الزعفراني (١ / ٢٠٨ / ٤١٣)، لكنه خالف ابن خزيمة وابن حبان في (عاصم بن محمد)، فقال مكانه: (عاصم بن عمر)، ولعله من أوهام البزار، دخل عليه رواية في أخرى، وهي التالية. ثالثاً: رواه ابن خزيمة (١٣١٢) من طريق حسين بن محمد أبي أحمد عن عاصم بن عمر به . والحسين هذا ثقة من رجال الشيخين، وهو يدل على ثبوت متابعة عاصم بن عمر لعاصم بن محمد، ولكنها لا تجدي شيئاً؛ لأن عاصم بن عمر - وهو ابن حفص العمري - منكر الحديث كما قال البخاري وغيره، وشذّ ابن حبان فذكره في ((الثقات)) (٧ / ٢٥٩)، ثم ذكره في ((الضعفاء)) (٢ / ١٢٧) فأصاب. رابعاً: رواه ابن خزيمة من طريق ثلاثة من الثقات عن ابن سوقة به عن ابن عمر موقوفاً علیه؛ لم يرفعوه . ولا يعل ذلك رواية عاصم بن محمد المرفوعة، بل يزيدها قوّة؛ لأنَّه في حكم المرفوع؛ كما هو ظاهر، والله أعلم. وفي الحديث دلالة على تحريم البصاق إلى القبلة مطلقاً، سواء ذلك في المسجد أو في غيره، وعلى المصلي وغيره؛ كما قال الصنعاني في ((سبل السلام)) (١ / ٢٣٠)؛ قال : ((وقد جزم النووي بالمنع في كل حالة داخل الصلاة وخارجها، وفي المسجد أو غيره)). قلت: وهو الصواب . والأحاديث الواردة في النهي عن البصق في الصلاة تجاه القبلة كثيرة مشهورة في ((الصحيحين)) وغيرهما، وإنما آثرت هذا دون غيره؛ لعزَّته، وقلَّة مَن أحاط علمه : ٤٣٩ به، ولأن فيه أدباً رفيعاً مع الكعبة المشرّفة، طالما غفل عنه كثير من الخاصَّة، فضلاً عن العامة؛ فكم رأيت في أئمة المساجد مَن يبصق إلى القبلة من نافذة المسجد! وفي الحديث أيضاً فائدة هامَّة، وهي الإِشارة إلى أن النهي عن استقبال القبلة ببول أو غائط إنَّما هو مطلق، يشمل الصحراء والبنيان؛ لأنَّه إذا أفاد الحديث أن البصق تجاه القبلة لا يجوز مطلقاً؛ فالبول والغائط مستقبلاً لها لا يجوز بالأولى؛ فمِن العجائب إطلاق النووي النهي في البصق، وتخصيصه في البول والغائط! ﴿إِنَّ في ذلك لَذِكْرَى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾(١). ٢٢٤ - (الصَّوْمُ يَوْمَ تَصومونَ، والفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرونَ، والأضْحَى يَوْمَ تُضَخُّونَ). أخرجه الترمذي (٢ / ٣٧ - تحفة) عن إسحاق بن جعفر بن محمد قال: حدثني عبدالله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن أبي هريرة أن النبي وَلي قال: (فذكره). وقال الترمذي : «هذا حدیث غریب حسن)). قلت: وإسناده جيد، رجاله كلهم ثقات، وفي عثمان بن محمد - وهو ابن المغيرة بن الأخنس - كلام يسير، وقال الحافظ في ((التقريب)): «صدوق، له أوهام)). وعبدالله بن جعفر هو ابن عبدالرحمن بن المسور المخرمي المدني، وهو ثقة، روی له مسلم. وإسحاق بن جعفر بن محمد هو الهاشمي الجعفري، وهو صدوق؛ كما في ((التقريب)). (١) قَ: ٣٧. ٤٤٠