Indexed OCR Text

Pages 261-280

٤ - وأن الأرضين سبع كالسماوات، وفيه أحاديث كثيرة في ((الصحيحين))
وغيرهما، ولعلنا نتفرغ لتتبعها وتخريجها، ويشهد لها قول الله تبارك وتعالى: ﴿خَلَقَ
سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾(١)؛ أي: في الخلق والعدد؛ فلا تلتفت إلى من
يفسرها بما يؤول إلى نفي المثلية في العدد أيضاً؛ اغتراراً بما وصل إليه علم
الأوروبيين من الرقي، وأنهم لا يعلمون سبع أرضين! مع أنهم لا يعلمون سبع
سماوات أيضاً! أفننكر كلام الله وكلام رسوله بجهل الأوروبيين وغيرهم؛ مع اعترافهم
أنهم كلما ازدادوا علماً بالكون؛ ازدادوا علماً بجهلهم به، وصدق الله العظيم إذ
يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّ قَلِيلًا﴾(٢).
٥ - أن التجمل باللباس الحسن ليس من الكبر في شيء؛ بل هو أمر مشروع؛
لأن الله جميل يحب الجمال؛ كما قال عليه السلام بمثل هذه المناسبة على ما رواه
مسلم في ((صحيحه)) .
٦ - أن الكبر الذي قُرن مع الشرك، والذي لا يدخل الجنة من كان في قلبه
مثقال ذرة منه؛ إنما هو الكبر على الحق، ورفضه بعد تبيُّنه، والطعن في الناس الأبرياء
بغير حق .
فليحذر المسلم أن يتّصف بشيء من مثل هذا الكبر؛ كما يحذر أن يتَّصف
بشيء من الشرك الذي يخلِّد صاحبه في النار.
حَديثُ البطاقةِ
١٣٥ - (إِنَّ اللهَ سَيُخَلِّصُ رجلًا مِن أُمَّتي على رُؤوسِ الخلائقِ
يومَ القيامةِ، فَيَنْشُرُ عليهِ تِسعةً وتسعينَ سِجِلًا، كلُّ سجِلٍّ مثلُ مَدَّ
(١) الطلاق: ١٢.
(٢) الإسراء: ٨٥.
٢٦١

البصرِ، ثمَّ يقولُ: أَتْنْكِرُ مِن هذا شيئاً؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظونَ؟
فيقولُ: لا يا رَبِّ! فيقولُ: أَفَلَكَ عُذرً؟ فيقولُ: لا يا رَبِّ! فيقولُ:
بلى؛ إِنَّ لكَ عندَنا حَسَنَّةً؛ فإِنَّهُ لا ظُلمَ عليكَ اليومَ. فَتَخْرُجُ بِطاقةٌ
فيها: ((أَشهدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّ اللهُ، وأَشهدُ أَنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُه))،
فيقولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فيقولُ: ما هذهِ البطاقةُ معَ هذهِ السجلَاتِ؟
فقالَ: إِنَّكَ لا تُظْلَمُ. قالَ: فتوضَعُ السِّجِلَّتُ فِي كِفَّةٍ، والبِطاقَةُ في
كِفَّةٍ، فطاشَتِ السِّجِلَاتُ وثَقُلَتِ البطاقةُ، فلا يَثْقُلُ معَ اسمِ اللهِ
شيءٌ).
أخرجه الترمذي (٢ / ١٠٦ - ١٠٧) وحسنه، وابن ماجه (٤٣٠٠)، والحاكم
(١ / ٦ و٥٢٩)، وأحمد (٢ / ٢١٣)؛ من طريق الليث بن سعد عن عامر بن يحيى
عن أبي عبدالرحمن الحبلي قال: سمعت عبدالله بن عمرو قال: سمعت رسول الله
مَل* قال: (فذكره). وقال الحاكم:
((صحيح الإِسناد على شرط مسلم)) .
ووافقه الذهبي .
قلت: وهو كما قالا، وأبو عبد الرحمن الحُبُلي - بضم المهملة والموحدة - اسمه
عبدالله بن یزید .
ثم رواه أحمد (٢ / ٢٢١ - ٢٢٢) من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن يحيى عن
أبي عبدالرحمن الحبلي به .
قلت: وابن لهيعة سىء الحفظ، فأخشى أن يكون قوله: ((عمرو بن يحيى))
وهماً منه؛ أراد أن يقول: ((عامر))، فقال: ((عمرو))، ويحتمل أن يكون الوهم من بعض
النساخ أو الطابع. والله أعلم.
٢٦٢

وفي الحديث دليل على أن ميزان الأعمال له كفتان مشاهدتان، وأن الأعمال
وإن كانت أعراضاً فإنها توزن، والله على كل شيء قدير، وذلك من عقائد أهل
السنة، والأحاديث في ذلك متضافرة إن لم تكن متواترة.
انظر: ((شرح العقيدة الطحاوية)) (٣٥١ - ٣٥٢ - طبع المكتب الإسلامي).
من الآداب الواجبة مع الله
١٣٦ - (قُولُوا: ما شاءَ اللهُ ثُمَّ شِئْتَ، وقولوا: ورَبِّ الكَعْبَةِ).
أخرجه الطحاوي في ((المشكل)) (١ / ٣٥٧)، والحاكم (٤ / ٢٩٧)،
والبيهقي (٣ / ٢١٦)، وأحمد (٦ / ٣٧١ - ٣٧٢) من طريق المسعودي عن سعيد
ابن خالد عن عبدالله بن يسار عن قتيلة بنت صيفي امرأة من جهينة قالت:
((إن حبراً جاء إلى النبي وَّر، فقال: إنكم تشركون! تقولون: ما شاء الله
وشئت، وتقولون: والكعبة، فقال رسول الله ويل: (فذكره))).
وقال الحاكم :
((صحيح الإِسناد)). ووافقه الذهبي.
قلت: المسعودي كان اختلط، لكن تابعه مسعر عن معبد بن خالد به.
أخرجه النسائي (٢ / ١٤٠) بإسناد صحيح .
ولعبدالله بن يسار حديث آخر نحو هذا، وهو:
١٣٧ - (لَا تَقولوا: ما شاءَ اللهُ وشاءَ فُلانٌ، ولكنْ قولوا: ما شاءَ
اللهُ ثُمَّ شاءَ فُلانٌ).
رواه أبو داود (٤٩٨٠)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١ / ٩٠)، والبيهقي
(٣ / ٢١٦)، وأحمد (٥ / ٣٨٤ و٣٩٤ و٣٩٨) من طرق عن شعبة عن منصور بن
٢٦٣

المعتمر سمعت عبدالله بن يسار عن حذيفة به.
قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير عبدالله بن
يسار وهو الجهني الكوفي، وهو ثقة، وثقه النسائي وابن حبان، وقال الذهبي في
((مختصر البيهقي)) (١ / ١٤٠ / ٢):
((وإسناده صالح)).
وقد تابعه ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان قال:
((أتى رجل النبي و له فقال: إني رأيت في المنام أني لقيت بعض أهل الكتاب،
فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فقال النبي صَلّ: قد
كنت أكرهها منکم، فقولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد)).
رواه ابن ماجه (٢١١٨)، وأحمد (٥ / ٣٩٣) والسياق له من طريق سفيان بن
عيينة عن عبدالملك بن عمیر عنه .
وهذا سند صحيح في الظاهر؛ فإن رجاله كلهم ثقات؛ غير أنه قد اختلف فيه
على ابن عمير، فرواه سفيان عنه هكذا.
وقال معمر عنه عن جابر بن سمرة؛ قال :
((رأى رجل من أصحاب النبي وَ ل18 في النوم ... )) الحديث نحوه.
أخرجه الطحاوي .
وقال شعبة عنه عن ربعي عن الطفيل أخي عائشة؛ قال:
((قال رجل من المشركين لرجل من المسلمين: نعم القوم ... )) الحديث.
أخرجه الدارمي (٢ / ٢٩٥).
وتابعه أبو عوانة عن عبدالملك به .
أخرجه ابن ماجه (٢١١٨ / ٢).
٢٦٤

وتابعه حماد بن سلمة عنه به عن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها:
(«أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مرَّ برهط من اليهود، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن
اليهود. قال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تزعمون أن عُزيراً ابن الله. فقالت اليهود:
وأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد! ثم مر برهط من النصارى،
فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. فقال: إنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون:
المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم أنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وما شاء
محمد! فلما أصبح أخبر بها من أخبر، ثم أتى النبي ◌ّ فأخبره فقال: هل أخبرت بها
أحداً؟ قال: نعم. فلما صلوا خطبهم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: (فذكر
الحديث بلفظ) :
١٣٨ - (إِنَّ طُفَيَلَا رَأَى رُؤْيا، فَأَخْبَرَ بِها مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وإِنَّكُم
كُنْتُمْ تَقولونَ كَلِمَةً كَانَ يَمْنَعُني الحَياءُ مِنكُمْ أَنْ أَنْهَاكُمْ عنها؛ قالَ: لا
تَقولوا: ما شاءَ اللهُ وما شاءَ محمَّدٌ).
أخرجه أحمد (٥ / ٧٢).
وهذا هو الصواب عن ربعي عن الطفيل؛ ليس عن حذيفة؛ لاتفاق هؤلاء
الثلاثة - حماد بن سلمة، وأبو عوانة، وشعبة - عليه .
فهو شاهد صحیح لحديث حذيفة .
وروى البخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٨٢) عن ابن عمر أنه سمع مولى له
يقول: الله وفلان. فقال: لا تقل كذلك، لا تجعل مع الله أحداً، ولكن قل: فلان
بعد الله)).
ورجاله ثقات؛ غير مغيث مولى ابن عمرو، وهو مجهول، وقال الحافظ :
٠
((لا أستبعد أن يكون ابن سمي)).
٢٦٥

قلت: فإن كان هو فهو ثقة .
وللحديث شاهد آخر من حديث ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي وَلَّ،
فراجعه في بعض الكلام، فقال: ما شاء الله وشئت! فقال رسول الله الآلية:
١٣٩ - (أَجْعَلْتَنِي مَعَ اللهِ عَدْلاً (وفي لفظٍ: نِدّاً)؟! لا؛ بَلْ ما شاءَ
اللهُ وحْدَه).
أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٧٨٣)، وابن ماجه (٢١١٧)،
والطحاوي في ((المشكل)) (١ / ٩٠)، والبيهقي (٣ / ٢١٧)، وأحمد (١ / ٢١٤
و٢٢٤ و٢٨٣ و٣٤٧)، والطبراني في ((الكبير)) (٣ / ١٨٦ /١)، وأبو نعيم في
((الحلية)) (٤ / ٩٩)، والخطيب في ((التاريخ)) (٨ / ١٠٥)، وابن عساكر (١٢ / ٧
/ ٢) من طرق عن الأجلح عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس؛ إلا أن ابن عساكر
قال: ((الأعمش))؛ بدل: ((الأجلح)).
قلت: والأجلح هذا هو ابن عبدالله، أبو حجية الكندي، وهو صدوق شيعي ؛
كما في ((التقريب))، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين؛ فالإِسناد حسن.
فقه الحديث :
قلت: وفي هذه الأحاديث أن قول الرجل لغيره: ((ما شاء الله وشئت)): يُعدُّ
شركاً في الشريعة، وهو من شرك الألفاظ؛ لأنه يوهم أن مشيئة العبد في درجة
مشيئة الرب سبحانه وتعالى، وسببه القرن بين المشيئتين، ومثل ذلك قول بعض العامة
وأشباههم ممَّن يدَّعي العلم: ((ما لي غير الله وأنت))، و((توكلنا على الله وعليك))،
ومثله قول بعض المحاضرين: ((باسم الله والوطن))، أو ((باسم الله والشعب»، ونحو
ذلك من الألفاظ الشركية التي يجب الانتهاء عنها والتوبة منها؛ أدباً مع الله تبارك
وتعالى .
٢٦٦

ولقد غفل عن هذا الأدب الكريم كثير من العامة، وغير قليل من الخاصة الذين
يسوّغون النطق بمثل هذه الشركيات؛ كمناداتهم غير الله في الشدائد، والاستنجاد
بالأموات من الصالحين، والحلف بهم من دون الله تعالى، والإِقسام بهم على الله
عز وجل، فإذا ما أنكر ذلك عليهم عالم بالكتاب والسنة؛ فإنهم بدل أن يكونوا معه
عوناً على إنكار المنكر؛ عادوا بالإِنكار عليه، وقالوا: إن نية أولئك المنادين غيرَ الله
طيبة! وإنما الأعمال بالنيات كما جاء في الحديث!
فيجهلون أو يتجاهلون - إرضاء للعامة - أن النية الطيبة وإن وجدت عند
المذكورين؛ فهي لا تجعل العمل السيىء صالحاً، وأن معنى الحديث المذكور إنما
الأعمال الصالحة بالنيات الخالصة، لا أن الأعمال المخالفة للشريعة تنقلب إلى
أعمال صالحة مشروعة بسبب اقتران النية الصالحة بها، ذلك ما لا يقوله إلا جاهل أو
مغرض! ألا ترى أن رجلاً لو صلى تجاه القبر؛ لكان ذلك منكراً من العمل؛ لمخالفته
الأحاديث والآثار الواردة في النهي عن استقبال القبر بالصلاة، فهل يقول عاقل: إن
الذي يعود إلى الاستقبال - بعد علمه بنهي الشرع عنه - إن نيته طيبة وعمله مشروع؟
كلا ثم كلا؛ فكذلك هؤلاء الذي يستغيثون بغير الله تعالى، وينسونه تعالى في حالة
هم أحوج ما يكونون فيها إلى عونه ومدده، لا يعقل أن تكون نياتهم طيبة، فضلاً عن
أن يكون عملهم صالحاً، وهم يصرون على هذا المنكر وهم يعلمون.
دُعاُ ◌ِ لأَنَسِ.
١٤٠ - (اللهُمَّ! أَكْثِرْ مالَه وولَدَهُ، وبارِْ لهُ فيما رَزَقْتَهُ).
أخرجه الطيالسي في («مسنده)) (١٩٨٧): حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت
أنساً يقول: قالت أم سليم: يا رسول الله! ادع الله له - تعني: أنساً -، فقال:
(فذكره).
قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه البخاري (٤ /
٢٦٧

١٩٥ و٢٠٢)، والترمذي (٢ / ٣١٤) من طرق عن شعبة به.
وقال الترمذي :
«حديث حسن صحيح)).
ولم يقع عنده - وكذا البخاري - تصريح قتادة بسماعه من أنس، ولذلك
خرجته .
وله طرق أخرى، في بعضها الدعاء لأنس بطول العمر، وسيأتي تخريجه في
المجلد السادس برقم (٢٥٤١).
طریق أخری: قال أحمد (٣ / ٢٤٨): ثنا عفان: ثنا حماد: أنا ثابت عن أنس
ابن مالك: أن رسول الله ◌َ لل أتى أم حرام، فأتيناه بتمر وسمن، فقال:
١٤١ - (رُدُّوا هذا في وِعائِهِ، وهذا في سِقائِهِ؛ فإِنِّي صائِمٌ).
قال: ثم قام فصلى بنا ركعتين تطوُّعاً، فأقام أم حرام وأم سليم خلفنا، وأقامني
عن يمينه - فيما يحسب ثابت -. قال: فصلى بنا تطوعاً على بساط، فلما قضى
صلاته؛ قالت أم سلیم: إن لي خويصة : خویدمك أنس، ادع الله له، فما ترك يومئذ
خيراً من خير الدنيا والآخرة إلا دعا لي به، ثم قال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له
فيه. قال أنس: فأخبرتني ابنتي أني قد رزقت من صلبي بضعاً وتسعين، وما أصبح في
الأنصار رجل أكثر مني مالاً، ثم قال أنس: يا ثابت! ما أملك صفراء ولا بيضاء إلا
خاتمي !)).
:
قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
وقد أخرجه أبو داود (٦٠٨): حدثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد به؛ دون
قوله: ((فلما قضى صلاته ... )).
ثم أخرجه أحمد (٣ / ١٩٣ - ١٩٤)، ومسلم (٢ / ١٢٨)، وأبو عوانة (٢ /
٢٦٨

٧٧)، والطيالسي (٢٠٢٧) من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت به؛ دون قوله:
((فأخبرتني ابنتي ... ))، وزاد: ((قال: فقال: قوموا فلأصل بكم في غير وقت صلاة)).
طريق ثالثة: قال أحمد (٣ / ١٠٨): ثنا ابن أبي عدي عن حميد عن أنس به
بتمامه؛ إلا أنه لم يذكر الإقامة عن يمينه، وزاد: ((ثم دعا لأم سليم ولأهلها))، وقال:
((قال: وذكر أن ابنته الكبرى أمينة أخبرته أنه دفن من صلبه إلى مقدم الحجاج
نيفاً على عشرين ومائة)).
قلت: وهذا إسناد ثلاثي صحيح على شرط الشيخين، وشرحه السفاريني في
((نفثات صدر المكمد)) (٢ / ٣٤ - طبع المكتب الإِسلامي).
وقد أخرجه البخاري (١ / ٤٩٤) من طريقين آخرين عن حميد به؛ صرح في
أحدهما بسماع حميد من أنس .
من فوائد الحدیث وفقهه :
في هذا الحديث فوائد جمة؛ أذكر بعضها باختصار؛ إلا ما لا بد فيه من الإِطالة
للبيان :
١ - أن الدعاء بكثرة المال والولد مشروع، وقد ترجم البخاري للحديث: «باب
الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة)).
٢ - وأن المال والولد نعمة وخير إذا أطيع الله تبارك وتعالى فيهما، فما أضل من
يسعى لتقليل ولده بشتى السبل؛ كتحديد النسل أو تنظيمه؛ فضلاً عن إجهاض
الجنين وإسقاطه لأتفه الأسباب، واستصدار الفتاوى لتجويزه !!
٣ - تحقق استجابة الله لدعاء نبيه وَ الر في أنس؛ حتى صار أكثر الأنصار مالاً
وولداً.
٤ - أن للصائم المتطوع إذا زار قوماً وقدَّموا له طعاماً أن لا يفطر، ولكن يدعو
لهم بخير، ومن أبواب البخاري في الحديث: ((باب من زار قوماً ولم يفطر عندهم)).
٢٦٩

٥ - أن الرجل إذا ائتم بالرجل؛ وقف عن يمين الإِمام، والظاهر أنه يقف محاذياً
له؛ لا يتقدم عليه ولا يتأخر؛ لأنه لو كان وقع شيء من ذلك؛ لنقله الراوي، لا سيما
وأن الاقتداء به وَلّ من أفراد الصحابة قد تكرر؛ فإن في الباب عن ابن عباس في
((الصحيحين))، وعن جابر في ((مسلم))، وقد خرجت حديثيهما في ((إرواء الغليل))
(٥٣٣)، وقد ترجم البخاري لحديث ابن عباس بقوله:
((باب يقوم عن يمين الإِمام بحذائه سواء؛ إذا كانا اثنين)).
قال الحافظ في ((الفتح)) (٢ / ١٦٠):
((قوله: ((سواء))؛ أي: لا يتقدم ولا يتأخر ... وكأن المصنف أشار بذلك إلى ما
وقع في بعض طرقه ... عن ابن عباس؛ بلفظ: ((فقمت إلى جنبه))، وظاهره
المساواة، وروى عبدالرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل
أين يكون منه؟ قال: إلى شقه الأيمن. قلت: أيحاذي به حتى يصف معه لا يفوت
أحدهما الآخر؟ قال: نعم. قلت: أتحب أن يساويه حتى لا تكون بينهما فرجة؟ قال:
نعم. وفي ((الموطأ)) عن عبدالله بن عتبة بن مسعود قال: دخلت على عمر بن الخطاب
بالهاجرة، فوجدته يسبِّح، فقمت وراءه، فقرَّبني حتى جعلني حذاءه عن يمينه)).
قلت: وهذا الأثر في ((الموطأ)) (١ / ١٥٤ / ٣٢) بإسناد صحيح عن عمر رضي
الله عنه؛ فهو مع الأحاديث المذكورة حجة قوية على المساواة المذكورة.
فالقول باستحباب أن يقف المأموم دون الإِمام قليلاً؛ كما جاء في بعض
المذاهب، على تفصيل في ذلك لبعضها، مين أنه مما لا دليل عليه في السنة؛ فهو
مخالف لظواهر هذه الأحاديث، وأثر عمر هذا، وقول عطاء المذكور، وهو الإِمام
التابعي الجليل ابن أبي رباح، وما كان من الأقوال كذلك؛ فالأحرى بالمؤمن أن يدعها
لأصحابها؛ معتقداً أنهم مأجورون عليها؛ لأنهم اجتهدوا قاصدين إلى الحق، وعليه
هو أن يتّبع ما ثبت في السنة؛ فإن خير الهدي هدي محمد آل﴾ .
٢٧٠

لا زكاة عَلَى غَيْرِ الْمُؤْمِنِ
١٤٢ - (عَلى المؤمِنِينَ فِي صَدَقَةِ الثَّمارِ - أَو مالِ العِقارِ - عُشْرُ
ما سَقَتِ العَيْنُ وما سَقَتِ السَّماءُ، وعَلى مَا يُسْقى بالغَرْبِ نصفُ
العُشْرِ).
أخرجه ابن أبي شيبة (٤ / ٢٢)، والدارقطني (٢١٥)، والبيهقي (٤ / ١٣٠)
من طريق ابن جريج: أخبرني نافع عن ابن عمر قال: كتب النبي ◌َّه إلى أهل اليمن
إلى الحارث بن عبد كلال ومن معه من معافر وهمدان ... (فذكره).
قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه البخاري وأصحاب
((السنن)) الأربعة وغيرهم من طريق سالم عن ابن عمر مرفوعاً نحوه.
وورد من حديث جماعة آخرين من الصحابة: كجابر، وأبي هريرة، ومعاذ بن
جبل، وعبدالله بن عمرو، وعمرو بن حزم، وقد أخرجت أحاديثهم في ((إرواء الغليل))
(٧٩٠).
(الغرب)؛ بسكون الراء: الدلو العظيمة التي تُتَّخذ من جلد ثور.
فقه الحديث :
وإنما أوردت هذه الرواية بصورة خاصة؛ لقوله في صدرها: ((على المؤمنين))؛
ففيه فائدة هامة لا توجد في سائر الروايات. قال البيهقي :
((وفيه كالدلالة على أنها لا تؤخذ من أهل الذمة)).
قلت: وكيف تؤخذ منهم وهم على شركهم وضلالهم؟! فالزكاة لا تزكيهم وإنما
تزكي المؤمن المزكَّى مِن دَرَن الشرك كما قال تعالى: ﴿خُذْمِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾(١)؛ فهذه الآية تدل دلالة ظاهرة على
(١) التوبة: ١٠٣.
٢٧١

أن الزكاة إنما تؤخذ من المؤمنين، لكن الحديث أصرح منها دلالة على ذلك.
وإن من يدرس السيرة النبوية، وتاريخ الخلفاء الراشدين، وغيرهم من خلفاء
المسلمين وملوكهم؛ يعلم يقيناً أنهم لم يكونوا يأخذون الزكاة من غير المسلمين
المواطنين، وإنما كانوا يأخذون منهم الجزية كما ينص عليها الكتاب والسنة.
فمن المؤسف أن ينحرف بعض المتفقِّهة عن سبيل المؤمنين باسم الإصلاح
تارة، والعدالة الاجتماعية تارة، فينكروا ما ثبت في الكتاب والسنة، وجرى عليه عمل
المسلمين، بطرق من التأويل أشبه ما تكون بتأويلات الباطنيين من جهة، ومن جهة
أخرى يثبتون ما لم يكونوا يعرفون، بل ما جاء النصُّ بنفيه، والأمثلة على ذلك كثيرة،
وحسبنا الآن هذه المسألة التي دل عليها هذا الحديث وكذا الآية الكريمة.
فقد قرأنا وسمعنا أن بعض الشيوخ اليوم يقولون بجواز أن تأخذ الدولة الزكاة من
أغنياء جميع المواطنين؛ على اختلاف أديانهم؛ مؤمنهم وكافرهم، ثم توزع على
فقرائهم؛ دون أي تفریق .
ولقد سمعت منذ أسابيع معنى هذا من أحد كبار مشايخ الأزهر في ندوة
تلفزيونية، كان يتكلم فيها عن الضمان الاجتماعي في الإِسلام، ومما ذكره أن الاتحاد
القومي في القاهرة سيقوم بجمع الزكاة من جميع أغنياء المواطنين، وتوزيعها على
فقرائهم! فقام أحد الحاضرين أمامه في الندوة، وسأله عن المستند في جواز ذلك،
فقال: لما عقدنا جلسات الحلقات الاجتماعية؛ اتَّخذنا في بعض جلساتها قراراً
بجواز ذلك اعتماداً على مذهب من المذاهب الإسلامية، وهو المذهب الشيعي! وأنا
أظن أنه يعني المذهب الزيدي .
وهنا موضع العبرة، لقد أعرض هذا الشيخ ومَن رافقه في تلك الجلسة عن دلالة
الكتاب والسنة واتفاق السلف على أن الزكاة خاصة بالمؤمنين، واعتمدوا في خلافهم
على المذهب الزيدي! وهل يدري القارىء الكريم ما هو السبب في ذلك؟! ليس هو
إلا موافقة بعض الحكام على سياستهم الاجتماعية والاقتصادية، وليتها كانت على
٢٧٢

منهج إسلامي! إذن لهان الأمر بعض الشيء في هذا الخطأ الجزئي، ولكنه منهج غير
إسلامي، بل هو قائم على تقليد بعض الأوروبيين الذين لا دين لهم! والإِعراض عن
الاستفادة من شريعة الله تعالى التي أنزلها على قلب محمد ويليه لتكون نوراً وهداية
للناس في كل زمان ومكان .
فإلى الله المشتكى من علماء السوء والرسوم، الذين يؤيدون الحكام الجائرين
بفتاويهم المنحرفة عن جادة الإِسلام وسبيل المسلمين، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ
يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُ الهُدَى وَتَبْ غَيْرَ سَبيلِ المُؤمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ
جَهَنَّمَ وسَاءَتْ مَصيراً﴾(١).
هذا؛ وفي الحديث قاعدة فقهية معروفة، وهي أن زكاة الزرع تختلف باختلاف
المؤنة والكلفة عليه، فإن كان يسقى بماء السماء والعيون والأنهار؛ فزكاته العشر، وإن
كان يسقى بالدلاء والنواضح الارتوازية ونحوها؛ فزكاته نصف العشر.
ولا تجب هذه الزكاة في كل ما تنتجه الأرض، ولو كان قليلاً، بل ذلك مقيّد
بنصاب معروف في السنة، وفي ذلك أحاديث معروفة .
مَنْ أَشُْ النَّاسِ بَلاءً؟
١٤٣ - (أَشَدُّ النَّاس بلاءً الأنبياءُ، ثمَّ الأمثَلُ فالأمْثَلُ، يُبْتَلَى
الرَّجُلُ على حَسَبٍ (وفي روايةٍ: قَدْرٍ) دينِه، فإِنْ كانَ دينُهُ صُلْباً؛ اشتدَّ
بلاؤهُ، وإِنْ كانَ في دينِهِ رِقَّةٌ؛ ابْتُلِيَ على حَسَبِ دِينِهِ، فما يَبْرَحُ البلاءُ
بالعَبْدِ؛ حتّى يتْرُكَهُ يَمشي على الأرضِ ما عليهِ خَطيئةٌ).
رواه الترمذي (٢ / ٦٤)، وابن ماجه (٤٠٢٣)، والدارمي (٢ / ٣٢٠)،
والطحاوي (٣ / ٦١)، وابن حبان (٦٩٩)، والحاكم (١ / ٤٠ و٤١)، وأحمد (١ /
(١) النساء: ١١٥.
٢٧٣

١٧٢ و١٧٤ و١٨٠ و١٨٥)، والضياء في ((المختارة)) (١ / ٣٤٩) من طريق عاصم
ابن بهدلة: حدثني مصعب بن سعد عن أبيه قال:
((قلت لرسول الله : أي الناس أشد بلاء؟ قال: فقال: الأنبياء، ثم ... ))
الحدیث .
وقال الترمذي :
«حديث حسن صحيح)).
قلت: وهذا سند جيد، رجاله كلهم رجال الشيخين؛ غير أن عاصماً إنما أخرجا
له مقروناً بغيره، ولم يتفرَّد به؛ فقد أخرجه ابن حبان (٦٩٨)، والمحاملي (٣ / ٩٢ /
٢)، والحاكم أيضاً من طريق العلاء بن المسيب عن أبيه عن سعد به بالرواية الثانية.
والعلاء بن المسيب وأبوه ثقتان من رجال البخاري؛ فالحديث صحيح والحمد
لله.
وله شاهد بلفظ :
١٤٤ - (أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأنبياءُ، ثمَّ الصَّالحونَ؛ إِنْ كانَ
أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالفَقْرِ حَتَّى ما يَجِدَ أَحدُهُمْ إِلَّ العَباءَةَ التي يُحَوِّبها، وإِنْ
كانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بالبلاءِ كما يفرَحُ أَحدُكُمْ بِالرَّخاءِ).
أخرجه ابن ماجه (٤٠٢٤)، وابن سعد (٢ / ٢٠٨)، والحاكم (٤ / ٣٠٧) من
طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال:
«دخلت على النبي ټګ وهو يوعك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حره بين يدي
فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله! ما أشدها عليك! قال: إنا كذلك يضعف لنا
البلاء، ويضعف لنا الأجر. قلت: يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء.
٢٧٤

قلت: يا رسول الله! ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان ... )) الحديث.
وقال الحاكم :
(صحيح على شرط مسلم)) .
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا .
وله شاهد آخر مختصر وهو:
١٤٥ - (إِنَّ مِنْ أَشدِّ النَّاسِ بَلاءً الأنبياءَ، ثمَّ الَّذِينَ يَلونَهُم، ثمّ
الَّذِينَ يَلونَهُم، ثمَّ الَّذِينَ يَلونَهُم).
رواه أحمد (٦ / ٣٦٩)، والمحاملي في ((الأمالي)) (٣ / ٤٤ / ٢) عن أبي
عبيدة بن حذيفة عن عمته فاطمة أنها قالت:
((أتينا رسول الله ◌َ ي# نعوده في نسائه، فإذا سقاء معلق نحوه، يقطر ماؤه عليه من
شدة ما يجد من حر الحمى، قلنا: يا رسول الله! لو دعوت الله فشفاك. فقال رسول
الله ◌ُ له :... (فذكره))) .
وإسناده حسن، رجاله كلهم ثقات؛ غير أبي عبيدة هذا، فلم يوثقه غير ابن
حبان (١ / ٢٧٥)، لكن روى عنه جماعة من الثقات .
وفي هذه الأحاديث دلالة صريحة على أن المؤمن كلما كان أقوى إيماناً؛ ازداد
ابتلاءً وامتحاناً، والعكس بالعكس؛ ففيها رد على ضعفاء العقول والأحلام الذين
يظنُّون أن المؤمن إذا أصيب ببلاء؛ كالحبس أو الطرد أو الإِقالة من الوظيفة ونحوها؛
أن ذلك دليل على أن المؤمن غير مرضي عند الله تعالى! وهو ظنّ باطل؛ فهذا رسول
الله ﴿ وهو أفضل البشر، كان أشد الناس - حتى الأنبياء - بلاءً، فالبلاء غالباً دليل
خير، وليس نذير شر؛ كما يدل على ذلك أيضاً الحديث الآتي :
٢٧٥

١٤٦ - (إِنَّ عِظَمَ الجَزاءِ معَ عِظَمِ البلاءِ، وإِنَّ اللهَ إِذا أَحبَّ قوماً
ابتلاهُم، فَمَن رَضِيَ فلهُ الرِّضى، ومَن سَخِطَ فلهُ السُّخْطُ).
أخرجه الترمذي (٢ / ٦٤)، وابن ماجه (٤٠٣١)، وأبو بكر البزاز بن نجيح في
((الثاني من حديثه)) (٢٢٧ /٢) عن سعد بن سنان عن أنس عن النبي وَله.
وقال الترمذي :
((حديث حسن غريب)).
قلت: وسنده حسن، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير ابن سنان هذا،
وهو صدوق له أفراد؛ كما في ((التقريب)).
وهذا الحديث يدل على أمر زائد على ما سبق، وهو أن البلاء إنما يكون خيراً،
وأن صاحبه يكون محبوباً عند الله تعالى إذا صبر على بلاء الله تعالى، ورضي بقضاء
الله عز وجل.
ويشهد لذلك الحديث الآتي :
١٤٧ - (عَجِبْتُ لأمر المؤمن؛ إِنَّ أُمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصابَهُ ما
يُحِبُّ؛ حَمِدَ اللهَ وَكَانَ لهُ خيرٌ، وإِنْ أصابَهُ ما يَكْرَهُ فِصَبَرَ؛ كانَ لهُ
خيرٌ، وليس كُلُّ أَحدٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ خيرٌ إِلَّ المؤمِنُ).
أخرجه الدارمي (٢ / ٣١٨)، وأحمد (٦ / ١٦) عن حماد بن سلمة: ثنا ثابت
عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال:
((بينا رسول الله وَ ليل قاعد مع أصحابه، إذ ضحك، فقال: ألا تسألوني مم
أضحك؟ قالوا: يا رسول الله! وممَّ تضحك؟ قال: (فذكره)).
قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وقد أخرج في «صحيحه» (٨ ٪
٢٧٦

٢٢٧)، وابن حبان في «صحيحه)) (٤ / ٢٤٣ / ٢٨٨٥) من طريق المغيرة: حدثنا
ثابت به المرفوع فقط نحوه، وهو رواية لأحمد (٤ / ٣٣٢ ٣٣٣، ٦ / ١٥)،
والأصبهاني في ((الترغيب)) (٦٠ / ١).
وعزاه الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) (٢ / ٢٣٣ - الأعراف) لـ ((الصحيحين))،
وهو وهم، قلده فيه نسيب الرفاعي في ((مختصره)) (٢ / ٢٢٤)، وتلاه بلديه الصابوني
في ((مختصره)) أيضاً (٢ / ٣٧)، ولولا أنهما ذكرا في مقدمتيهما ما يُشْعِر القراء بأنهما
من أهل المعرفة بهذا العلم الشريف تصحيحاً وتضعيفاً، وهم من أجهل الناس به،
كما يدل عليه كتاباهما، ونبهت في ((الضعيفة)) على كثير من الأحاديث الضعيفة التي
صحَّحاها؛ لولا ذلك لما تعرَّضت لهما بذكر! ولو كانا من أهل المعرفة؛ لما قلَّداه في
هذا الوهم! على أنني لا أستبعد أن يكون الوهم من غيره - أعني: ابن كثير - وإنما من
الناسخ لكتابه أو من طابعه؛ فقد رأيته قد عزاه في (٢ / ٥٢٣ - سورة إبراهيم)
لـ ((الصحيح))، وهذا لا وهم فيه كما لا يخفى على أهل العلم، فربما كان الأصل
هناك هكذا: ((الصحيح))، فتحرف على من أشرنا إليه إلى: ((الصحيحين)). والله
أعلم .
وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً نحوه.
أخرجه الطيالسي (٢١١)، وعنه الأصبهاني بإسناد صحيح .
وله شاهد آخر مختصر بلفظ :
١٤٨ - (عَجَباً للمؤمِنِ، لا يَقْضي اللهُ لَهُ شيئاً؛ إِلَّ كَانَ خيراً لهُ).
رواه عبدالله بن أحمد في مسند أبيه (٥ / ٢٤)، وأبو الفضل التميمي في
((نسخة أبي مسهر ... )) (٦١ / ١)، وأبو يعلى (٢٠٠ / ٢)، وابن حبان (١٨١٤ -
الموارد) عن ثعلبة بن عاصم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَالر: (فذكره).
قلت: سنده صحيح، رجاله كلهم ثقات؛ غير ثعلبة هذا، وقد ذكره ابن حبان
٢٧٧

في ((الثقات)) (١ / ٨)، وكناه أبا بحر مولى أنس بن مالك، وقال ابن أبي حاتم (١ /
١ / ٤٦٤) عن أبيه :
((صالح الحديث)).
وله طريق أخرى عند أبي يعلى (٢٠٥ / ٢)، والضياء في ((المختارة)) (١ /
٥١٨).
ثم رأيت الإِمام أحمد أيضاً قد أخرج الحديث في ((مسنده)) (٣ / ١١٧ و١٨٤)
من طريق ثعلبة المذكور، دلني عليه الأخ الفاضل الشيخ حمدي السلفي في كتاب
أرسله إلي فيه فوائد وتنبيهات أخرى؛ أصاب في بعضها وأخطأ في بعض، وهو مشكور
ومأجور على كل حال، وكان من ذلك أنه جزم أن عبدالله بن أحمد لم يروه في المجلد
والصفحة المذكورين، وإنما هو من رواية أحمد أيضاً! وهو في هذا معذور؛ لأنه وجد
فيه قول عبدالله: ((حدثني أبي: حدثنا نوح بن حبيب ... ))، ولم يتنبه أن كلمة
((حدثني أبي)) مقحمة من الطابع أو الناسخ؛ لأن نوحاً هذا لم يُذْكَر في شيوخ أحمد،
وإنما في شيوخ ابنه عبدالله؛ كما في ((تهذيب)) المزي والعسقلاني .
مِنْ حُقوقِ الجَارِ
١٤٩ - (لَيسَ المُؤمِنُ الذي يَشَبَعُ وجارُهُ جائعٌ إِلى جَنْبهِ).
رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٢)، والطبراني في «الكبير)) (٣ / ١٧٥
/ ١)، والحاكم (٤ / ١٦٧)، وكذا ابن أبي شيبة في ((كتاب الإِيمان)) (١٨٩ / ٢)،
والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٠ / ٣٩٢)، وابن عساكر (٩ / ١٣٦ / ٢)، والضياء
في ((المختارة)) (٦٢ / ٢٩٢ / ١) عن عبدالله بن أبي بشير عن عبدالله بن مساور
قال: سمعت ابن عباس ذكر ابن الزبير فبخّله، ثم قال: سمعت رسول الله ◌َّ:
(فذكره).
٢٧٨

قلت: ورجاله ثقات؛ غير ابن المساور؛ فهو مجهول؛ كما قال الذهبي في
((الميزان))، ولم يرو عنه غير عبدالملك هذا كما قال ابن المديني، وأما ابن حبان؛
فذكره في ((الثقات)) (١ / ١١٠)، وكأنه هو عمدة المنذري في ((الترغيب)) (٣ /
٢٣٧)، ثم الهيثمي في ((المجمع)) (٨ / ١٦٧) في قولهما:
((رواه الطبراني وأبو يعلى ورجاله ثقات)).
وقال الحاكم :
((صحيح الإِسناد)).
ووافقه الذهبي .
کذا قالا! نعم؛ هو صحیح بما له من الشواهد؛ فقد روي من حدیث أنس وابن
عباس وعائشة .
١
١ - أما حديث أنس؛ فيرويه محمد بن سعيد الأثرم: حدثنا همام: حدثنا ثابت
عنه مرفوعاً بلفظ :
((ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع بجنبه وهو يعلم به)).
أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١ / ٦٦ / ١)، وقال الذهبي في كتابه
! ((حقوق الجار)) (ق ١٧ / ١):
((الأثرم ضعفه أبو زرعة، وهذا حديث منكر)).
قلت: وضعفه أبو حاتم أيضاً، لكن قال الهيثمي :
(رواه الطبراني والبزار، وإسناد البزار حسن)).
وكذا في ((الترغيب)) (٣ / ٢٣٦)؛ إلا أنه قال:
«وإسناده حسن)).
فهذا يحتمل أن الضمير يعود إلى الحديث، ويحتمل أنه يعود إلى البزار، ولعله
٢٧٩

مراد المنذري؛ بدليل عبارة الهيثمي ؛ فإنها صريحة في ذلك .
قلت: فهذا يشعر أنه لم يتفرد به الأثرم هذا، والله أعلم .
ثم وقفنا على إسناد البزار بواسطة ((الكشف)) (١١٩)، فإذا هو من طريق علي
ابنزید عن أنس به نحوه .
وعلي هذا هو ابن جدعان، وفيه ضعف.
٢ - وأما حديث ابن عباس؛ فيرويه حكيم بن جبير عنه مرفوعاً به .
أخرجه ابن عدي (ق ٨٩ / ١).
وحكيم بن جبير ضعيف؛ كما في ((التقريب)).
٣ - وأما حديث عائشة؛ فعزاه المنذري (٣ / ٢٣٧) للحاكم نحو حديث ابن
عباس، ولم أره في ((مستدرك الحاكم)) الآن بعد مراجعته في مظانِّه.
ثم وجدته فيه بواسطة فهرسي الذي كنت وضعته له، أخرجه (٢ / ١٢) بسنده
عن عائشة، وسكت عنه، وتعقبه الذهبي بأن فيه عبد العزيز بن يحيى، وليس بثقة .
وله شاهد يرويه ابن المبارك في ((الزهد)) (٥١٣ - ٥١٥)، وأحمد في ((المسند))
(٣٩٠)، ومن طريقه الحاكم (٤ / ١٦٧).
وقال الذهبي :
(سنده جید)) .
مع أنه منقطع .
ورواه ابن المبارك من طرق أخرى موقوفاً.
قلت: وفي الحديث دليل واضح على أنه يحرم على الجار الغني أن يدع جيرانه
جائعین، فيجب عليه أن يقدم إليهم ما يدفعون به الجوع، وكذلك ما یکتسون به إن
كانوا عُراة، ونحو ذلك من الضروريات.
٢٨٠