Indexed OCR Text

Pages 161-180

((صحيح على شرط البخاري)).
وقال الذهبي :
((على شرط مسلم)).
قلت: وفي كل ذلك نظر؛ فإن إسحاق هذا؛ إن كان ابن عبدالله بن الحارث
- كما وقع لدی الحاکم ۔؛ فليس من رجال البخاري ولا مسلم، ولكنه ثقة، روى عنه
جماعة. وإن كان أبا إسحاق مولى الحارث؛ فلا يعرف؛ كما قال الذهبي، وإن كان
إسحاق غير منسوب؛ فلم أعرفه.
وفي ((المجمع)) (١٠ / ٨٠):
((رواه أحمد، وأبو إسحاق مولى عبدالله بن الحارث بن نوفل لم يوثقه أحد ولم
يجرحه أحد، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد رجال الصحيح)).
وفي الطريق التي قبل هذه ما يشهد له عند ابن حبان والأصبهاني .
وله شاهد من حديث ابن عمرو؛ بلفظ :
٨٠ - (ما مِنْ قَوْمٍ جَلَسوا مْلِساً لم يذْكُرُوا اللهَ فيهِ؛ إِلَّ رَأَوْهُ
حَسرةً يومَ القِيامَةِ).
أخرجه أحمد (٢ / ١٢٤) بإسناد حسن.
وقال الهيثمي :
((رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح)).
شاهد ثان: أخرجه الطيالسي (١٧٥٦)، ومن طريقه النسائي (٥٨) عن جابر
بسند على شرط مسلم، وفيه ذكر الصلاة على النبي م أيضاً، فهو شاهد قوي
لحديث أبي هريرة أيضاً المتقدم برقم (٧٤).
١٦١

ومثله حديث أبي أمامة عند الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨ / ٢١٣ /
٧٧٥١)، و ((الدعاء)) (١٩٢١)، وسنده حسن، قال السخاوي في ((القول البديع))
(ص ١١٣):
((رجاله ثقات)).
وله شاهد آخر عن عبدالله بن مغفل مثله .
أخرجه ابن الضُّريس في ((أحاديث مسلم بن إبراهيم الفراهيدي)) (٨ / ١ -٢)
بسند لا بأس به في المتابعات والشواهد، ورواه الطبراني في ((الكبير)) و((الأوسط))،
ورجالهما رجال الصحيح، والبيهقي؛ كما سيأتي في أول المجلد السادس برقم
(٢٥٥٧) بإذن الله تعالى.
فقه الحديث :
لقد دل هذا الحديث الشريف - وما في معناه - على وجوب ذكر الله سبحانه،
وكذا الصلاة على النبي وقال1 في كل مجلس، ودلالة الحديث على ذلك من وجوه:
أولاً: قوله: ((فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم))؛ فإن هذا لا يقال إلا فيما
کان فعله واجباً وتركه معصية.
ثانياً: قوله: ((وإن دخلوا الجنة للثواب))؛ فإنه ظاهر في كون تارك الذكر والصلاة
عليه وَّيه يستحق دخول النار، وإن كان مصيره إلى الجنة ثواباً على إيمانه.
ثالثاً: قوله: ((وإلا قاموا على مثل جيفة حمار))؛ فإن هذا التشبيه يقتضي تقبيح
عملهم كل التقبيح، وما يكون ذلك - إن شاء الله تعالى - إلا فيما هو حرام ظاهر
التحريم. والله أعلم.
فعلى كل مسلم أن يتنبّه لذلك، ولا يغفل عن ذكر الله عز وجل، والصلاة على
نبيه و18َّ، في كل مجلس يقعده، وإلا؛ كان عليه ترة وحسرة يوم القيامة.
قال المناوي في ((فيض القدير)):
١٦٢

((فيتأكد ذكر الله والصلاة على رسوله عند إرادة القيام من المجلس، وتحصل
السنة في الذكر والصلاة بأي لفظ كان، لكن الأكمل في الذكر: ((سبحانك اللهم
وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وفي الصلاة على النبي
وَ 09* ما في آخر التشهد)».
قلت: والذكر المشار إليه هو المعروف بكفارة المجلس، وقد جاء فيه عدة
أحاديث، أذكر واحداً منها هو أتمها، وهو:
كَفَّارَةُ المَجْلِسِ
٨١ - (مَن قالَ: سُبحانَ اللهِ وبحَمْدِهِ، سُيحانَكَ اللهُمَّ
وبحمْدَِ، أَشهدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّ أَنْتَ، أَستغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِليكَ، فقالَها في
مجلِسٍ ذِكرٍ؛ كانَتْ كالطَّابَعِ يُطْبَعُ عليهِ، ومَن قالَها في مَجْلسِ لغوٍ؛
كانتْ کفارةً لهُ).
أخرجه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (رقم ٤٢٤)، والطبراني في ((المعجم
الكبير)) (١ / ٧٩ / ٢)، وفي ((الدعاء)) (٣ / ١٦٦٠ / ١٩١٩)، والحاكم (١ / ٥٣٧)
من طريقين عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه مرفوعاً. وقال الحاكم:
((صحيح على شرط مسلم)).
ووافقه الذهبي، وهو كما قالا .
وعزاه المنذري (٢ / ٢٣٦) للنسائي والطبراني؛ قال:
((ورجالهما رجال الصحيح)).
وقال الهيثمي (١٠ / ١٤٢ و٤٢٣):
((رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح)).
١٦٣

قلت: وفي رواية للطبراني زيادة: ((يقولها ثلاث مرات))، وقد سكت عليها
الهيثمي، ولیس بجید؛ فإن في سندها خالد بن يزيد العمري، وقد كذبه أبو حاتم
ویحیی، وقال ابن حبان :.
((يروي الموضوعات عن الأثبات)).
فهذه الزيادة واهية، لا يلتفت إليها.
وقد رويت من طريق أخرى، لكن فيها من كان اختلط، وبيانه في ((التعليق
الرغيب)) (٢ / ٢٣٧).
وفي الباب عن جمع من الصحابة، منهم عائشة، وسيأتي حديثها إن شاء الله
تعالى في المجلد السابع برقم (٣١٦٤).
مُعَاوَةٌ كاتِبُ الَِّّ
٨٢ - (لا أَشْبَعَ اللهُ بَطْنَه؛ يعني: مُعاويةَ).
رواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) (٢٧٤٦): حدثنا هشام وأبو عوانة عن أبي
حمزة القصاب عن ابن عباس :
((أن رسول الله وَ ل بعث إلى معاوية ليكتب له، فقال: إنه يأكل، ثم بعث إليه،
فقال: إنه يأكل، فقال رسول الله وَلير: (فذكره))).
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وفي أبي حمزة
القصَّاب - واسمه عمران بن أبي عطاء - كلام من بعضهم لا يضره؛ فقد وثقه جماعة
من الأئمة؛ منهم أحمد وابن معين وغيرهما، ومن ضعَّفه لم يبيِّن السبب؛ فهو جرح
مبهم غير مقبول، وكأنه لذلك احتجَّ به مسلم، وأخرج له هذا الحديث في ((صحيحه))
(٨ / ٢٧) من طريق شعبة عن أبي حمزة القصَّاب به.
وأخرجه أحمد (١ / ٢٤٠ و٢٩١ و٣٣٥ و٣٣٨) عن شعبة وأبي عوانة عنه به
١٦٤

دون قوله: ((لا أشبع الله بطنه))، وكأنه من اختصار أحمد أو بعض شيوخه، وزاد في
رواية: ((وكان كاتبه))، وسندها صحيح.
وقد يستغل بعض الفرق هذا الحديث؛ ليتخذوا منه مطعناً في معاوية رضي الله
عنه، وليس فيه ما يساعدهم على ذلك؛ كيف وفيه أنه كان كاتب النبي وَلَةِ؟! ولذلك
قال الحافظ ابن عساكر (١٦ / ٣٤٩ / ٢):
((إنه أصح ما ورد في فضل معاوية)).
فالظاهر أن هذا الدِّعاء منه وَلَّ غير مقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب
في وصل كلامها بلانية؛ كقوله وَلّ في بعض نسائه: ((عقرى حلقى))(١)، و ((تربت
يمينكِ))(٢)، وقوله في حديث أنس الآتي: ((لا كَبُرَ سنكِ)).
ويمكن أن يكون ذلك منه وَ ل ◌ّر بباعث البشرية التي أفصح عنها هو نفسه عليه
السلام في أحاديث كثيرة متواترة؛ منها حديث عائشة رضي الله عنها قالت:
((دخل على رسول اللـه مَ﴾ رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو، فأغضباه،
فلعنهما وسبهما، فلما خرجا؛ قلت: يا رسول الله! من أصاب من الخير شيئاً ما أصابه
هذان؟ قال: وما ذاك؟ قالت: قلت: لعنتَهما وسببتَهما. قال:
٨٣ - (أُوَمَا عَلِمْتِ ما شارَطْتُ عليهِ رَبِّي؟ قلتُ: اللهُمَّ! إِنَّمَا أَنا
بَشَرٌ، فَأَيُّ المسلمينَ لَعَنْتُهُ أُو سَبَيْتُهُ؛ فاجْعَلْهُ لهُ زكاةً وأَجْراً).
رواه مسلم مع الحديث الذي قبله في باب واحد؛ هو: ((باب من لعنه النبي وَل
أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلاً لذلك؛ كان له زكاة وأجراً ورحمةً)).
ثم ساق فيه من حديث أنس بن مالك؛ قال:
(١) متفق عليه من حديث عائشة، وهو مخرج في ((الإِرواء)) (٤ / ٢٦١).
(٢) متفق عليه من حديث أم سلمة، وهو مخرج في ((صحيح أبي داود)) (٢٣٦).
١٦٥

((كانت عند أم سُلَيْم يتيمة، وهي أم أنس، فرأى رسول الله وسل﴿ اليتيمة، فقال:
آنت هيه؟ لقد كبرتِ لا كَبُرَ سنك. فرجعتِ اليتيمة إلى أم سُليم تبكي، فقالت أم
سليم: ما لك يا بنية؟ قالت الجارية: دعا عليَّ نبي الله وَ ﴿ أن لا يكبر سنِّي أبداً، أو
قالت: قرني، فخرجت أم سليم مستعجلة تَلوث خمارها(١) حتى لَقِيَت رسولَ الله وَّت،
فقال لها رسول الله وَلقر: ما لك يا أم سليم؟ فقالت: يا نبي الله! أَدَعَوْتَ على يتيمتي؟
قال: وما ذاك يا أم سليم؟ قالت: زعمتْ أَنكَ دعوتَ أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها.
قال: فضحك رسول الله پير، ثم قال:
٨٤ - (يا أُمَّ سُلَيمٍ ! أَما تعلَمينَ أَنَّ شَرْطي على رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ
على رَبِّي فقلتُ: إِنَّما أَنَا بَشرٌ أَرْضى كما يَرْضى البَشَرُ، وأَغْضَبُ كما
يَغْضَبُ البشرُ؛ فَأَيُّما أَحدٍ دَعَوْتُ عليهِ مِن أُمَّتِي بدعوةٍ ليس لها بأَهْلٍ ؛
أَنْ يجْعَلَها لهُ طَهوراً وزكاةً وقُربةً يُقَرِّبُهُ بها منهُ يومَ القيامةِ؟).
ثم أتبع الإِمام مسلم هذا الحديث بحديث معاوية، وبه ختم الباب؛ إشارة منه
رحمه الله إلى أنها من باب واحد، وفي معنى واحد، فكما لا يضرُّ اليتيمة دعاؤه وال
عليها - بل هو لها زكاة وقربة -؛ فكذلك دعاؤه ويسير على معاوية.
وقد قال الإمام النووي في ((شرحه على مسلم)) (٢ / ٣٢٥ - طبع الهند):
((وأما دعاؤه على معاوية ؛ ففيه جوابان :
أحدهما : أنه جرى على اللسان بلا قصد .
والثاني: أنه عقوبة له لتأخره، وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن
معاوية لم يكن مستحقّاً للدعاء عليه؛ فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيره من
(١) أي: تديره على رأسها.
١٦٦

مناقب معاوية؛ لأنه في الحقيقة يصير دعاءً له)) .
وقد أشار الذهبي إلى هذا المعنى الثاني، فقال في ((سير أعلام النبلاء)) (٩ /
١٧١ / ٢) :
((قلت: لعل أن يقال: هذه منقبة لمعاوية؛ لقوله رَّ: اللهم! من لعنتُه أو
سببتُه؛ فاجعل ذلك له زكاة ورحمة)).
واعلم أن قوله ◌َ#له في هذه الأحاديث: ((إنما أنا بشر أرضى كما يرضى
البشر ... ))؛ إنما هو تفصيل لقول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى
إِليَّ ... ) الآية(١).
وقد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء إلى إنكار مثل هذا الحديث؛
بزعم تعظيم النبي عليه الصلاة والسلام، وتنزيهه عن النطق به! ولا مجال إلى مثل
هذا الإِنكار؛ فإن الحديث صحيح، بل هو عندنا متواتر؛ فقد رواه مسلم من حديث
عائشة وأم سلمة كما ذكرنا، ومن حديث أبي هريرة وجابر رضي الله عنهما، وورد من
حديث سلمان وأنس وسمرة وأبي الطفيل وأبي سعيد وغيرهم. انظر: ((كنز العمال)) (٢
/ ١٢٤) .
وتعظيم النبي رَله تعظيماً مشروعاً؛ إنما يكون بالإِيمان بكل ما جاء عنه والذه
صحيحاً ثابتاً، وبذلك يجتمع الإِيمان به وهيول عبداً ورسولاً؛ دون إفراط ولا تفريط؛
فهو ◌َّ بشرٌ بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقاً بنص الأحاديث
الصحيحة، وكما يدل عليه تاريخ حياته ريمية وسيرته، وما حباه الله تعالى به من
الأخلاق الكريمة والخصال الحميدة التي لم تكتمل في بشر اكتمالها فيه رَالله، وصدق
الله العظيم إذ خاطبه بقوله الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(٢).
(١) الكهف: ١١٠.
(٢) القلم : ٤.
١٦٧

فَضْلُ المُّفْطِرِ على الصَّائِ فِي السَّفَرِ
٨٥ - (ارْحَلُوا لِصاحِبَيْكُمْ(١)! واعملوا لصاحِبَيْكُم! ادْنُوَا فَكُلا).
رواه أبو بكر بن أبي شيبة في ((المصنف)) (ج٢ / ١٤٩ / ٢)، والفريابي في
((الصيام)) (٤ / ٦٤ / ١) عنه وعن أخيه عثمان بن أبي شيبة؛ قالا: ثنا عمر بن سعد
أبو داود عن سفيان عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة؛
قال :
((أتي النبي ◌ََّ بطعام وهو بـ (مَرِّ الظهران)(٢)، فقال لأبي بكر وعمر: ادنوا
فكلا. فقالا: إنا صائمان. فقال: ارحلوا لصاحبيكم)) الحديث.
وكذا أخرجه النسائي (١ / ٣١٥)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢٠٣١)، وابن
حبان (٩١١ - موارد)، وابن دُخَيم في ((الأمالي)) (٢ / ١) من طرق أخرى عن عمر بن
سعد به .
ثم أخرجه النسائي من طريق محمد بن شعيب: أخبرني الأوزاعي به مرسلاً لم
يذكر أبا هريرة .
وكذلك أخرجه من طريق علي - وهو ابن المبارك - عن يحيى به، ولعل
الموصول أرجح؛ لأن الذي وصله - وهو سفيان - عن الأوزاعي ثقة، وزيادة الثقة
مقبولة ما لم تكن منافية لمن هو أوثق منه.
قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم .
وقال ابن خزيمة :
((فيه دليل على أن للصائم في السفر الفطر بعد مضي بعض النهار)).
(١) أي: شدوا الرحل لهما على البعير.
(٢) بفتح الميم وتشديد الراء: موضع بقرب مكة. ((النهاية)).
١٦٨

وأقره الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٤ / ١٥٨).
وأخرجه الحاكم (١ / ٤٣٣)، وقال:
((صحيح على شرط الشيخين)).
ووافقه الذهبي! وإنما هو على شرط مسلم وحده؛ فإن عمر بن سعد لم يخرج
له البخاري شيئاً.
والغرض من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ارحلوا لصاحبيكم ... )):
الإِنكار، وبيان أن الأفضل أن يفطرا، ولا يحوجا الناس إلى خدمتهما.
ويبين ذلك ما روى الفريابي (٦٧ / ١) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
((لا تصم في السفر؛ فإنهم إذا أكلوا طعاماً؛ قالوا: ارفعوا للصائم! وإذا عملوا
عملاً؛ قالوا: اكفلوا للصائم! فيذهبوا بأجرك)).
ورجاله ثقات .
قلت: ففي الحديث توجيه كريم إلى خلق قويم، وهو الاعتماد على النفس،
وترك التواكل على الغير أو حملهم على خدمته، ولو لسبب مشروع كالصيام.
أفليس في الحديث إذن ردٌّ واضح على أولئك الذين يستغلون علمهم،
فيحملون الناس على التسارع في خدمتهم، حتى في حمل نعالهم؟!
ولئن قال بعضهم: لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يخدمون رسول الله وَثّ
أحسن خدمة، حتى كان فيهم من يحمل نعليه وَّر، وهو عبدالله بن مسعود.
فجوابنا: نعم؛ ولكن هل احتجاجهم بهذا لأنفسهم إلا تزكية منهم لها،
واعتراف بأنهم ينظرون إليها على أنهم ورثته بَّر في العلم حتى يصح لهم هذا
القیاس؟!
وآيم الله؛ لو كان لديهم نصٌّ على أنهم الورثة؛ لم يجز لهم هذا القياس؛
١٦٩

فهؤلاء أصحابه وَلّ المشهود لهم بالخيرية - وخاصة منهم العشرة المبشرين بالجنة -
فقد كانوا خدام أنفسهم، ولم يكن واحد منهم يُخْدَم من غيره عشر معشار ما يُخْدَم
أولئك المعنيون من تلامذتهم ومريديهم! فكيف وهم لا نص عندهم بذلك؟!
ولذلك فإني أقول: إن هذا القياس فاسد الاعتبار من أصله. هدانا الله تعالى
جميعاً سبيل التواضع والرشاد.
فَضْلُ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ
٨٦ - (مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً؛ فلهُ بِكُلُّ يومٍ صدَقةٌ قبلَ أنْ يَحِلّ الدَّينُ،
فإِذا حلَّ الدَّينُ فَأَنْظَرَهُ؛ فلهُ بِكُلُّ يومٍ مِثلَيْهِ صَدَقةٌ).
رواه أحمد (٥ / ٣٦٠)، والروياني في («مسنده)) (١٦ /٢ /٢)، والبيهقي في
((شعب الإِيمان))، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) (٢ / ٢٨٦)، وابن عساكر في ((تاريخ
دمشق)) (١٤ / ٣٩٠ / ١) من طريق عبد الوارث: ثنا محمد بن جحادة عن سليمان
ابن بريدة عن أبيه قال: سمعت رسول الله وسلم يقول:
((من أنظر معسراً؛ فله بكل يوم مثله صدقة. قال: تم سمعته يقول: من أنظر
معسراً؛ فله بكل يوم مثليه صدقة. قلت: سمعتك يا رسول الله! تقول: من أنظر
معسراً؛ فله بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعتك تقول: من أنظر معسراً؛ فله بكل يوم
مثليه صدقة؟ قال: له بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره؛ فله
بکل یوم مثليه صدقة)) .
قلت: وإسناده صحيح، رجاله ثقات محتجُّ بهم في ((صحيح مسلم)).
ثم رأيته في ((المستدرك)) (٢ / ٢٩)، وقال:
((صحيح على شرط الشيخين)).
ووافقه الذهبي، فأخطأ؛ لأن سليمان هذا لم يخرج له البخاري، وإنما الذي
١٧٠
!

أخرج له الشيخان هو أخوه عبدالله بن بريدة، وقد سمع من أبيه كأخيه سليمان؛ خلافاً
لَمَن تعالم في ((ضعيفته)) العابث بـ ((رياض النووي)). (انظر الرد في المقدمة،
والحديث ٩٤).
ورواه علي بن يزيد الصدائي عن مالك بن مغول عن الأعمش عن سليمان به.
أخرجه ابن عدي (٥ / ٢١٢)، وقال في الصدائي :
((عامة ما يرويه لا يتابع عليه)).
قلت: ورواه بعض الضعفاء عن محمد بن جحادة عن الأعمش عن أبي داود
عن بريدة به .
أخرجه ابن عدي (٤ / ٢١٥)، لكن رواه ابن ماجه (٢٤١٨) بسند صحيح عن
الأعمش به .
وأبو داود هو نفيع الأعمى ؛ متروك؛ فالاعتماد على الطريق الأولى .
تدارسوا القُرآنَ قَبْلَ رَفْعِهِ
٨٧ - (يَدْرُسُ الإِسلامُ كما يَدْرُسُ وَشْيُ الثوبِ، حتَّى لا يُدْرَى ما
صيامٌ ولا صلاةٌ ولا نُسُكُ ولا صدقةٌ، ولَيُسْرى على كتاب اللهِ عزَّ وجلّ
في ليلةٍ؛ فلا يَبْقى في الأرضِ منهُ آيَةٌ، وتَبْقَى طوائفُ مِن النَّاسِ :
الشيخ الكبيرُ والعجوزُ؛ يقولونَ: أَدْرَكْنا آباءَنا على هذهِ الكلمةِ (لا إِلَهَ
إِلا اللهُ)؛ فنحنُ نقولُها).
أخرجه ابن ماجه (٤٠٤٩)، والحاكم (٤ / ٤٧٣ و٥٤٥)، ونعيم بن حماد في
((الفتن)) (ق ١٧٣ / ١) من طريق أبي معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن
حراش عن حذيفة بن اليمان مرفوعاً به، وزاد:
((قال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم (لا إله إلا الله) وهم لا يدرون ما
١٧١

صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثاً، كل
ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة! تنجيهم من النار.
ثلاثاً)). وقال الحاكم :
((صحيح على شرط مسلم)). ووافقه الذهبي .
قلت: وهو كما قالا، وأقره الحافظ في ((الفتح)) (١٣ / ٢٨٧)، والسيوطي في
((الدر المنثور)) (٤ / ٢٠١)، وقال الحافظ في ((الفتح)) (١٣ / ١٦):
((سنده قوي)). وقال البوصيري في ((الزوائد)) (ق ٢٤٧ / ١):
((إسناده صحيح، ورجاله ثقات)).
وذكر البوصيري أنه رواه مسدَّد في ((مسنده)) من طريق أبي عوانة عن أبي مالك
بإسناده ومتنه .
قلت: وهذه متابعة قوية من أبي عوانة، واسمه الوضاح بن عبدالله اليشكري،
وهو ثقة ثبت كما قال الحافظ في ((التقريب))؛ ففيها ردٌّ قويٌّ على بعض الفضلاء الذين
أعلُّوا الحديث بأبي معاوية، مع كونه ثقة حجة، واسمه محمد بن خازم، وقد احتج به
الشيخان، ولا عيب فيه سوى ما أشار إليه الحافظ في ((التقريب)):
(ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره)).
فالأصل في مثله تسلیك حديثه ما لم یتبین خطؤه فيه، فکیف وقد تبيّن أنه قد
حفظ بهذه المتابعة القوية وبتصحيح أولئك الحفاظ؟!
وتابعهما خلف بن خليفة عن أبي مالك به، لكنه أوقفه.
أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١ / ٤٠٠).
وخلف هذا؛ قال في ((التقريب)):
((صدوق، اختلط في الآخر)).
١٧٢

لكن تابعه عند الحاكم (٤ / ٥٠٥) محمد بن فضيل: ثنا أبو مالك الأشجعي
به. وهو في حكم المرفوع. وقال الحاكم: ((صحيح على شرط مسلم)). وهو كما
قال.
(يدرس): من درس الرسم دروساً: إذا عفا وهلك. (وشي الثوب): نقشه.
من فوائد الحدیث :
وفي هذا الحديث نبأ خطير، وهو أنه سوف يأتي يوم على الإِسلام يمحى أثره،
وعلى القرآن فيرفع، فلا يبقى منه ولا آية واحدة، وذلك لا يكون قطعاً إلا بعد أن يسيطر
الإِسلام على الكرة الأرضية جميعها، وتكون كلمته فيها هي العُليا؛ كما هو نص قول
الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسولَهُ بالهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ
كُلُّهِ﴾(١)، وكما شرح رسول الله ◌َّ ذلك في أحاديث كثيرة سبق ذكر بعضها.
وما رفع القرآن الكريم في آخر الزمان؛ إلا تمهيداً لإِقامة الساعة على شرار
الخلق؛ الذين لا يعرفون شيئاً من الإِسلام البتة، حتى ولا توحيده!
وفي الحديث إشارة إلى عظمة القرآن، وأن وجوده بين المسلمين هو السبب
لبقاء دينهم ورسوخ بنيانه، وما ذلك إلا بتدارسه وتدبره وتفهمه، ولذلك تعهَّد الله تبارك
وتعالى بحفظه إلى أن يأذن الله برفعه .
فما أبعد ضلال بعض المقلدة الذين يذهبون إلى أن الدين محفوظ بالمذاهب
الأربعة، وأنه لا ضير على المسلمين من ضياع قرآنهم لو فرض وقوع ذلك !! هذا ما
كان صرح لي به أحد كبار المفتين من الأعاجم، وهو يتكلم العربية الفصحى بطلاقة،
وذلك لما جرى الحديث بيني وبينه حول الاجتهاد والتقليد؛ قال - ما يردِّده كثير من
الناس -: إن الاجتهاد أغلق بابه منذ القرن الرابع! فقلت له: وماذا نفعل بهذه
الحوادث الكثيرة التي تتطلب معرفة حكم الله فيها اليوم؟ قال: إن هذه الحوادث مهما
(١) التوبة: ٣٣.
١٧٣

كثرت فستجد الجواب عنها في كتب علمائنا إما عن عينها أو مثلها. قلت: فقد
اعترفت ببقاء باب الاجتهاد مفتوحاً ولا بد! قال: وكيف ذلك؟ قلت: لأنك اعترفت أن
الجواب قد يكون عن مثلها لا عن عينها، وإذ الأمر كذلك؛ فلا بد من النظر في كون
الحادثة في هذا العصر هي مثل التي أجابوا عنها، وحين ذلك فلا مناص من استعمال
النظر والقياس، وهو الدليل الرابع من أدلة الشرع، وهذا معناه الاجتهاد بعينه لمن هو:
له أهل! فكيف تقولون بسد بابه؟!
ويذكرني هذا بحديث آخر جرى بيني وبين أحد المفتين شمال سورية، سألته:
هل تصح الصلاة في الطائرة؟ قال: نعم. قلت: هل تقول ذلك تقليداً أم اجتهاداً؟
قال: ماذا تعني؟ قلت: لا يخفى أن من أصولكم في الإِفتاء؛ أنه لا يجوز الإِفتاء
باجتهاد؛ بل اعتماداً على نص من إمام؛ فهل هناك نصِّ بصحة الصلاة في الطائرة؟
قال: لا. قلت: فكيف إذن خالفتم أصلكم هذا فأفتيتم دون نصٍّ؟ قال: قياساً.
قلت: ما هو المَقيس عليه؟ قال: الصلاة في السفينة. قلت: هذا حسن، ولكنك
خالفت بذلك أصلاً وفرعاً: أما الأصل؛ فما سبق ذكره، وأما الفرع؛ فقد ذكر الرافعي
في ((شرحه)) أن المصلي لو صلى في أرجوحة غير معلقة بالسقف ولا مدعمة بالأرض؛
فصلاته باطلة. قال: لا علم لي بهذا. قلت: فراجع الرافعي إذن لتعلم أن ﴿فَوْقَ كُلُّ
ذِي عِلْمٍ عَليمٌ﴾(١)، فلو أنك تعترف أنك من أهل القياس والاجتهاد، وأنه يجوز لك
ذلك - ولو في حدود المذهب فقط -؛ لكانت النتيجة أن الصلاة في الطائرة باطلة؛
لأنها هي التي يتحقق فيها ما ذكره الرافعي من الفرضية الخيالية يومئذ، أما نحن؛ فنرى
أن الصلاة في الطائرة صحيحة لا شك في ذلك، ولئن كان السبب في صحة الصلاة
في السفينة أنها مدعمة بالماء بينها وبين الأرض، فالطائرة أيضاً مدعمة بالهواء بينها
وبين الأرض، وهذا هو الذي بدا لكم في أول الأمر حين بحثتم استقلالاً، ولكنكم
لما علمتم بذلك الفرع المذهبي؛ صدَّكم عن القول بما أداكم إليه بحثكم؟!
(١) يوسف : ١٦ .
١٧٤

أعود إلى إتمام الحديث مع المفتي الأعجمي: قلت له: وإذا كان الأمر كما
تقولون: إن المسلمين ليسوا بحاجة إلى مجتهدين؛ لأن المفتي يجد الجواب عن عين
المسألة أو مثلها؛ فهل يترتَّب ضرر ما لو فرض ذهاب القرآن؟ قال: هذا لا يقع.
قلت: إنما أقول: لو فرض. قال: لا يترتَّب أي ضرر لو فرض وقوع ذلك! قلت: فما
قيمة امتنان الله عز وجل إذن على عباده بحفظ القرآن حين قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ
وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(١)، إذا كان هذا الحفظ غير ضروري بعد الأئمة؟!
والحقيقة أن هذا الجواب الذي حصلنا عليه من المفتي بطريق المحاورة هو
جواب كل مقلد على وجه الأرض، وإنما الفرق أن بعضهم لا يجرؤ على التصريح
به، وإن كان قلبه قد انطوى عليه. نعوذ بالله من الخذلان.
فتأمل أيها القارىء اللبيب! مبلغ ضرر ما نشكو منه؛ لقد جعلوا القرآن في حكم
المرفوع وهو لا يزال بين ظهرانينا والحمد لله؛ فكيف يكون حالهم حين يُسرى عليه
في ليلة؛ فلا يبقى في الأرض منه آية؟! فاللهم! هداك.
حكم تارك الصلاة
هذا وفي الحديث فائدة فقهية هامة، وهي أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي
قائلها من الخلود في النار يوم القيامة، ولو كان لا يقوم بشيء من أركان الإِسلام
الخمسة الأخرى؛ كالصلاة وغيرها، ومن المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك
الصلاة، خاصة مع إيمانه بمشروعيتها؛ فالجمهور على أنه لا يكفر بذلك، بل يفسق،
وذهب أحمد - في رواية - إلى أنه يكفر، وأنه يقتل ردة لا حدّاً، وقد صح عن الصحابة
أنهم كانوا لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي والحاكم.
وأنا أرى أن الصواب رأي الجمهور، وأن ما ورد عن الصحابة ليس نصّاً على
أنهم كانوا يريدون بـ (الكفر) هنا الكفر الذي يخلد صاحبه في النار، ولا يحتمل أن
يغفره الله له، كيف ذلك وهذا حذيفة بن اليمان - وهو من كبار أولئك الصحابة - يرد
(١) الحجر: ٩.
١٧٥

على صلة بن زفر - وهو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم أحمد له - فيقول: ((ما تغني
عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة ... )) فيجيبه حذيفة بعد إعراضه عنه:
((يا صلة! تنجيهم من النار. ثلاثاً)).
فهذا نص من حذيفة رضي الله عنه على أن تارك الصلاة - ومثلها بقية الأركان -
ليس بكافر، بل مسلم ناج من الخلود في النار يوم القيامة؛ فاحفظ هذا؛ فإنه قد لا
تجده في غير هذا المكان .
وفي الحديث المرفوع ما يشهد له، ولعلنا نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى ..
ثم وقفت على ((الفتاوى الحديثية)) (٨٤ / ٢) للحافظ السخاوي، فرأيته يقول
بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة - وهي مشهورة معروفة -:
((ولكن؛ كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها جاحداً لوجودها مع كونه
مَّمَّن نشأ بين المسلمين؛ لأنه يكون حينئذ كافراً مرتدّاً بإجماع المسلمين، فإن رجع
إلى الإِسلام؛ قُبل منه، وإلا قتل. وأما من تركها بلا عذر - بل تكاسلاً مع اعتقاد
وجوبها -؛ فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر، وأنه - على
الصحيح أيضاً - بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري - كأن يترك الظهر مثلاً
حتى تغرب الشمس، أو المغرب حتى يطلع الفجر - يستتاب كما يستتاب المرتد، ثم
يقتل إن لم يتب، ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، مع إجراء سائر
أحكام المسلمين عليه، ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض
أحكامه، وهو وجوب العمل؛ جمعاً بين هذه النصوص وبين ما صح أيضاً عنه وَلّ أنه
قال: ((خمس صلوات كتبهن الله ... (فذكر الحديث، وفيه:) إن شاء عذبه، وإن
شاء غفر له))، وقال أيضاً: ((من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله؛ دخل الجنة)) ...
إلى غير ذلك، ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه، ولو كان كافراً؛
لم يُغفر له؛ لم يَرِث ولم يُورَث)).
وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان بن الشيخ عبدالله في ((حاشيته على المقنع))
١٧٦

(١ / ٩٥ - ٩٦)، وختم البحث بقوله :
((ولأن ذلك إجماع المسلمين؛ فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحداً من
تاركي الصلاة تُرك تغسيله والصلاة عليه، ولا منع ميراث موروثه، مع كثرة تاركي
الصلاة، ولو كفر؛ لثبتت هذه الأحكام، وأما الأحاديث المتقدمة؛ فهي على وجه
التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: ((سباب
المسلم فسوق، وقتاله كفر))، وقوله: ((من حلف بغير الله؛ فقد أشرك))، وغير ذلك.
قال الموفق: وهذا أصوب القولين)).
أقول: نقلت هذا النص من ((الحاشية)) المذكورة؛ ليعلم بعض متعصبة
الحنابلة أن الذي ذهبنا إليه ليس رأياً لنا تفرَّدنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب
جمهورهم، والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم؛ كالموفق هذا - وهو ابن قدامة
المقدسي - وغيره؛ ففي ذلك حجة كافية على أولئك المتعصبة، تحملهم إن شاء الله
تعالى على ترك غلوائهم، والاعتدال في حكمهم.
بيد أن هنا دقيقة قَلَّ من رأيته تنبَّه لها، أو نبَّه عليها، فوجب الكشف عنها
وبيانها، فأقول:
إن التارك للصلاة كسلاً إنما يصح الحكم بإسلامه، ما دام لا يوجد هناك ما
يكشف عن مكنون قلبه، أو يدل عليه، ومات على ذلك قبل أن يُستتاب؛ كما هو
الواقع في هذا الزمان، أما لو خُيِّر بين القتل والتوبة بالرجوع إلى المحافظة على
الصلاة، فاختار القتل عليها، فقتل؛ فهو في هذه الحالة يموت كافراً، ولا يُدفن في
مقابر المسلمين، ولا تجري عليه أحكامهم؛ خلافاً لما سبق عن السخاوي؛ لأنه لا
يُعقل - لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها، هذا أمر مستحيل
معروف بالضرورة من طبيعة الإِنسان، لا يحتاج إثباته إلى برهان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في ((مجموعة الفتاوى)) (٢ /
٤٨) :
١٧٧

((ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل؛ لم يكن في الباطن مقرّاً بوجوبها،
ولا ملتزماً بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين؛ كما استفاضت الآثار عن الصحابة
بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة ... فمن كان مصرّاً على تركها حتى
يموت؛ لا يسجد لله سجدة قط؛ فهذا لا يكون قط مسلماً مقرّاً بوجوبها؛ فإن اعتقاد
الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داعٍ تام إلى فعلها، والداعي مع
القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادراً ولم يفعل قط؛ علم أن الداعي في حقه
لم یوجد)).
قلت: هذا منتهى التحقيق في هذه المسألة، والله ولي التوفيق.
خِصَالُ نُوجِبُ الجَنُّ
٨٨ - (ما اجْتمعَ هُذِهِ الخِصالُ في رَجُلٍ في يومٍ؛ إِلَّ دَخَلَ
الجَنَّةَ).
رواه مسلم في ((صحيحه)) (٧ / ١١٠)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (رقم
٥١٥)، وابن خزيمة في ((صحيحته)) (٣ / ٣٠٤ / ٢١٣١)، والبيهقي في ((السنن))
(٤ / ١٨٩)، و((الشعب)) (٧ / ٥٣٧ / ٩١٩٩)، وابن عساكر في ((تاريخه)) (ج٩ /
٢٨٨ / ١) من طريق مروان بن معاوية قال: حدثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله له :
((من أصبح منكم اليوم صائماً؟)). قال أبو بكر: أنا. قال: ((من عاد منكم اليوم
مريضاً؟)). قال أبو بكر: أنا. قال: ((مَن شهد منكم اليوم جنازة؟)). قال أبو بكر: أنا.
قال: ((من أطعم اليوم مسكيناً؟)). قال أبو بكر: أنا. قال مروان: بلغني أن النبي ◌َّ
قال: (فذكره).
والسياق للبخاري، وليس عند مسلم وابن عساكر: ((قال مروان: بلغني))، بل
١٧٨

هذا البلاغ عندهما متصل بأصل الحديث من طريقين عن مروان، وهو الأصح إن شاء
الله تعالى .
والحديث عزاه المنذري في ((الترغيب)) (٤ / ١٦٢) لابن خزيمة فقط في
(صحيحه)) !
وله طريق أخرى عند ابن عساكر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة نحوه، وشاهد
من حديث أنس، وفيهما حديث الترجمة .
ولبعضه شاهد من حديث عبدالرحمن بن أبي بكر بلفظ :
((هل منكم أحد أطعم اليوم مسكيناً؟)). فقال أبو بكر رضي الله عنه: دخلت
المسجد، فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن، فأخذتها منه،
فدفعتها إليه .
أخرجه أبو داود وغيره، وإسناده ضعيف؛ كما بينته في ((الأحاديث الضعيفة))
(١٤٠٠).
وفيه فضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والبشارة له بالجنة، والأحاديث
في ذلك كثيرة طيبة .
وفيه فضيلة الجمع بين هذه الخصال في يوم واحد، وأن اجتماعها في شخص
بشير له بالجنة، جعلنا الله من أهلها .
٨٩ - (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُكْفَأُ - يعني: الإِسلامَ - كما يُكْفَأَ الإِناءُ - يعني:
الخَمْرَ -. فقيل: كيفَ يا رسولَ اللهِ! وقد بَيَّنَ اللهُ فيها ما بَيَّنَ؟! قالَ
رسولُ اللهِ وَلَّهِ: يُسمُّونَها بغيرِ اسمِها).
رواه الدارمي (٢ / ١١٤): حدثنا زيد بن يحيى: ثنا محمد بن راشد عن أبي
وهب الكلاعي عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: سمعت رسول الله وَالله يقول:
١٧٩

(فذكره).
قلت: وهذا سند حسن؛ القاسم بن محمد - هو ابن أبي بكر الصديق - ثقة،
أحد الفقهاء في المدينة، احتج به الجماعة.
وأبو وهب الكلاعي - اسمه عبيدالله بن عبيد - وثّقه دحيم، وقال ابن معين: ((لا
بأس به».
ومحمد بن راشد - هو المكحولي الخزاعي الدمشقي - وثقه جماعة من كبار
الأئمة؛ كأحمد وابن معين وغيرهما، وضعفه آخرون، وتوسط فيه أبو حاتم، فقال:
((كان صدوقاً حسن الحديث)).
قلت: وهذا هو الراجح لدينا.
وقال الحافظ في ((التقريب)):
«صدوق یھم)).
وزید بن یحیی هو إما زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي أبو عبدالله الدمشقي،
وإما زيد بن أبي الزرقاء يزيد الموصلي أبو محمد نزيل الرملة، ولم يترجَّح لدي الآن
أيهما المراد هنا؛ فكلاهما روى عن محمد بن راشد، ولكن أيهما كان فهو ثقة.
ثم ترجح عندي أنه الخزاعي؛ فقد ذكره ابن عساكر (٦ / ٦٨٣ - ٦٨٤) والمزي
في شيوخ الدارمي .
ولأبي وهب الكلاعي متابعٌ، أخرجه ابن أبي عاصم في ((الأوائل)) (رقم ٦٤)
من طريق عتبة بن أبي حكيم عن سليمان بن موسی به.
وقد وجدت للحديث طريقاً أخرى، أخرجه أبو يعلى في ((مسنده)) (٢٢٥ / ١)،
وابن عدي (ق ٢٦٤ / ٢) عن الفرات بن سلمان عن القاسم به، ولفظه:
((أول ما يكفأ الإِسلام كما يكفأ الإِناء في شراب يقال له: الطلاء)).
١٨٠