Indexed OCR Text
Pages 81-100
أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه عن عبدالرحمن بن جبير عن عبدالله
ابن عمرو بن العاص أن النبي ◌َّ تلا ... إلخ.
وعزاه في ((الدر المنثور)) (٢ / ٣٥٠) للنسائي أيضاً، وابن أبي الدنيا في ((حسن
الظن بالله))، وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)).
وقصَّر ابن كثير في ((تفسيره)) (٢ / ١٢١)، فلم يعزه إلا لابن أبي حاتم! وقلده
مختصرا ((تفسيره)) والمتشبعان بما لم يعطيا! وزاد الرفاعي أنه بيَّض له في فهرس
المجلد الثاني؛ فلم يصحّحه كما فعل بأكثر أحاديثه، وفيها الكثير مما لا يصح ؛ كما
هو مبَيَّن في مواضع من ((الضعيفة))، وما ذلك إلا لجهله بهذا العلم الشريف هو وابن
بلده! وإلا لصرَّحا بصحّته؛ فإن إسناد ابن أبي حاتم إسناد مسلم وإن جهلا رواية مسلم
إياه. فالله المستعان.
(تنبيه): كان هنا بهذا الرقم في الطبعات السابقة حديث آخر، فتبيَّن لي أن في
إسناده جهالة، فلم أستجز إبقاءه هنا؛ فنقلتُه إلى ((الضعيفة)) برقم (٥٨٤٨).
٣٦ - (الأُذُنانِ مِن الرَّأْسِ).
حديث صحيح. له طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة؛ منهم: أبو أمامة، وأبو
هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وأبو موسى، وأنس، وسمرة بن جندب،
وعبدالله بن زيد :
١ - أما حديث أبي أمامة؛ فله عنه ثلاثة طرق:
الأول: عن سنان بن ربيعة عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة مرفوعاً.
رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن جرير (٦ / ٧٦)، والدارقطني،
والبيهقي، وكذا أحمد (٥ / ٢٨٥ / ٢٦٨)، والطحاوي؛ كلهم عن حماد بن زيد عن
سنان به .
وهذا سند حسن لا بأس به في الشواهد، وفي سنان وشهر ضعف معروف،
٨١
لكنهما غير متهمين، والحديث عندهم عن جماعة عن حمَّاد به، وخالفهم سليمان بن
حرب، فرواه عنه به موقوفاً، ورواية الجماعة أولى؛ كما بينته في ((صحيح سنن أبي
داود)) (رقم ١٢٣)، وذكرتُ هناك مَن قوَّاه من الأئمة والعلماء كالترمذي؛ فإنه حسنه
في بعض نسخ كتابه، وكالمنذري وابن دقيق العيد وابن التركماني والزيلعي، وأشار
إلى تقويته الإِمام أحمد، فقال الأثرم في ((سننه)) (ق ٢١٣ / ١) بعد أن ساق الحديث:
((سمعتُ أبا عبدالله يُسأل: الأذنان من الرأس؟ قال: نعم)).
الثاني: عن جعفر بن الزبير عن القاسم بن أبي أمامة به .
أخرجه الدارقطني (ص ٣٨ - ٣٩)، وقال:
((جعفر بن الزبير متروك)).
قلت: قد تابعه أبو معاذ الألْهاني .
أخرجه تمام الرازي في ((الفوائد)) (٢٤٦ / ١) من طريق عثمان بن فائد: ثنا أبو
معاذ به .
والألهاني هذا لم أجد مَن ذكره، وعثمان بن فائد ضعيف.
الثالث: عن أبي بكر بن أبي مريم قال: سمعتُ راشد بن سعد عن أبي أمامة
به .
أخرجه الدارقطني وقال: ((أبو بكر بن أبي مريم ضعيف)).
٢ - وأما حديث أبي هريرة؛ فله أربعة طرق:
الأول: أخرجه الدارقطني (٣٧)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (٢٩٨ / ١) عن
إسماعيل بن مسلم عن عطاء عنه مرفوعاً، وقال:
((لا یصح)).
قلتُ: وعلّته إسماعيل هذا - وهو المكي - ضعيف، وقد اختُلِف عليه في إسناده
٨٢
کما سيأتي في حديث ابن عباس.
الثاني: عن عمرو بن الحصين: ثنا محمد بن عبدالله بن علائة عن عبدالكريم
الجزري عن سعيد بن المسيب عنه.
رواه ابن ماجه (رقم ٤٤٥)، والدارقطني (ص ٣٨)، وقال:
((عمرو بن الحصين وابن علاثة ضعيفان)).
قلت: والأول أشد ضعفاً.
٠٠٠٠
الثالث: عن البختري بن عبيد عن أبيه عنه .
رواه الدارقطني، وقال :
((البختري بن عبيد ضعيف، وأبوه مجهول)).
الرابع: عن علي بن عاصم عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن أبي
هريرة .
أخرجه الدارقطني (٣٧)، وعنه ابن الجوزي في ((التحقيق)) (١ / ٢٩ /١)،
وقال الدارقطني :
((وهم علي بن عاصم في قوله: عن أبي هريرة عن النبي ◌َّر. والذي قبله أصح
عن ابن جريج)).
قلت: يعني عن سليمان بن موسى مرسلاً، وسيأتي (ص ٨٨).
وأجاب ابن الجوزي بما خلاصته: أن زيادة الثقة مقبولة؛ يعني : أن علي بن
عاصم زاد في السند أبا هريرة؛ فهي زيادة مقبولة .
لكن هذا لا يتمشَّى هنا؛ فإن ابن عاصم هذا صدوق يخطىء ويصر.
٣ - وأما ابن عمر؛ فله عنه طرق أيضاً:
الأول: قال المخلص في ((الفوائد المنتقاة)) في الثاني من السادس منها (ق
٨٣
١٩٠ / ١): حدثنا يحيى (يعني: ابن صاعد) قال: ثنا الجراح بن مخلد قال: ثنا
يحيى بن العريان الهروي قال: ثنا حاتم بن إسماعيل عن أسامة بن زيد عن نافع عنه.
وبهذا السند رواه الدارقطني (٣٦)، وعنه ابن الجوزي، ورواه الخطيب في
((الموضح)) (١ / ١١١) عن ابن صاعد، وفي ((التاريخ)) (١٤ / ١٦١) من طريقين
آخرین عن الجراح بن مخلد به .
وهذا سند حسن عندي؛ فإن رجاله كلهم ثقات معروفون؛ غير الهروي هذا؛
فقد ترجمه الخطيب ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، غير أنه وصفه بأنه كان محدّثً.
وأما الدارقطني؛ فقد أعله بقوله:
((كذا قال، وهو وهم، والصواب: عن أسامة بن زيد عن هلال بن أسامة الفهري
عن ابن عمر موقوفاً)).
ورده ابن الجوزي بقوله :
((قلنا: الذي يرفعه يذكر زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، والصحابي قد يروي
الشيء مرفوعاً، وقد يقوله على سبيل الفتوى)).
قلت: هذا كلام صحيح لو كان رجال السند كلهم ثقات، وقد علمتَ ما فيه،
على أن أسامة بن زيد فيه ضعف يسير، وقد اختُلِف عليه فيه، فرواه حاتم بن إسماعيل
عنه مرفوعاً؛ كما رأيت، وخالفه وكيع فقال عنه به موقوفاً على ابن عمر.
أخرجه الخطيب في ((الموضح))، وقال:
((وهو الصواب)).
وتابعه في رفعه عبيد الله عن نافع .
أخرجه الدارقطني، وتمام في ((الفوائد)) (١٠٤ / ١) من طريق محمد بن أبي
السري: ثنا عبد الرزاق عن عبيدالله به. وقال الدارقطنى :
«رفعه وهم)).
٨٤
قلت: وعلته ابن أبي السري، وهو كثير الغلط.
وتابعه یحیی بن سعید عن نافع به.
أخرجه الدارقطني، وابن عدي في ((الكامل)) (١١ / ١) عن إسماعيل بن عياش
عن یحیی به. وقال ابن عدي :
((لا یحدث به عن یحیی غیر ابن عياش)).
قلت: وابن عياش ضعيف في الحجازيين، وهذا منها.
الطريق الثاني: عن محمد بن الفضل عن زيد عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعاً.
رواه الدارقطني، وقال :
((محمد بن الفضل - وهو ابن عطية - متروك الحديث)).
ثم رواه هو والدولابي في ((الكنى)) (٢ / ١٣٧) من طرق عن ابن عمر موقوفاً.
٤ - وأما حديث ابن عباس؛ فله عنه طرق أيضاً:
الأول: عن أبي كامل الجحدري: نا غندر محمد بن جعفر عن ابن جريج عن
عطاء عنه مرفوعاً .
أخرجه ابن عدي (٢١٨ / ١ - ٢)، وأبو عبد الله الفلاكي في ((الفوائد)) (٩١ /
١)، والدارقطني (٣٦)، وقال:
((تفرَّد به أبو كامل عن غندر، وهو وهم، تابعه الربيع بن بدر - وهو متروك - عن
ابن جريج، والصواب: عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النبي (وَ لّ مرسلاً)».
وتعقَّبه ابن الجوزي في ((التحقيق)) (١ / ٢٩ / ١) بقوله:
((قلنا: أبو كامل لا نعلم أحداً طعن فيه، والرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة،
كيف ووافقه غيره؟! فإن لم يعتدَّ برواية الموافق اعتُبر بها، ومن عادة المحدثين أنهم
إذا رأوا من أوقف الحديث ومَن رفعه؛ وقفوا مع الواقف احتياطاً، وليس هذا مذهب
٨٥
الفقهاء، ومن الممكن أن يكون ابن جريج سمعه من عطاء مرفوعاً، رواه له سليمان
عن رسول الله {﴾ ﴾ غير مسند)).
قلت: والحق أن هذا الإِسناد صحيح؛ لأن أبا كامل ثقة حافظ، احتج بحديته
مسلم، فزيادته مقبولة؛ إلا أن ابن جريج مدلس، وقد عنعنه، فإن كان سمعه من
سليمان؛ فلا محيد من القول بصحته، وقد صرح بالتحديث في رواية له من الوجه
المرسل عند الدارقطني؛ لكن في الطريق إليه العباس بن يزيد، وهو البحراني، وهو
ثقة، ولكن ضعَّفه بعضهم، ووصف بأنه يخطىء، فلا تطمئن النفس لزيادته، ولا
سيما والطرق كلها عن ابن جريج معنعنة .
ثم رأيت الزيلعي نقل في ((نصب الراية)) (١ / ١٩) عن ابن القطان أنه قال:
((إسناده صحيح لاتصاله وثقة رواته)).
ثم رد على الدارقطني بنحو ما فعل ابن الجوزي؛ كما في ((تنقيح التحقيق))
لابن عبدالهادي (٢٤١ / ١).
ثم رأيت في ترجمة ابن جريج من ((التهذيب)) أنه قال:
((إذا قلت: قال عطاء: فأنا سمعته منه، وإن لم أقل: سمعت)).
فهذه فائدة هامة، ولكن ابن جريج لم يَقُلْ هنا: ((قال عطاء))، وإنما قال: ((عن
عطاء))؛ فهل حكمهما واحد أم يختلف؟ الظاهر عندي الأول، والله أعلم.
وله طريق آخر عن عطاء. رواه القاسم بن غصن عن إسماعيل بن مسلم عنه.
رواه الخطيب في ((التاريخ)) (٣ / ٢٣٤ و٦ / ٣٨٤)، والدارقطني، وعنه
الديلمي (٤ / ٨٥)، وقال:
((إسماعيل بن مسلم ضعيف، والقاسم بن غصن مثله، خالفه علي بن هاشم،
فرواه عن إسماعيل بن مسلم المكي عن عطاء عن أبي هريرة، ولا يصح أيضاً)).
وتابعه جابر الجعفي عن عطاء عن ابن عباس.
٨٦
أخرجه المخلّص في الثاني من السادس من ((الفوائد المنتقاة)) (١٩٠ / ١)،
والدارقطني، وقال:
((جابر ضعيف، وقد اختلف عنه، فأرسله الحكم بن عبدالله أبو مطيع عن
إبراهيم بن طهمان عن جابر عن عطاء، وهو أشبه بالصواب)).
الثاني: عن محمد بن زياد اليشكري: ثنا ميمون بن مهران عنه.
رواه العقيلي في ((الضعفاء)) (ص ٣٧٩)، والدارقطني، وقال:
((محمد بن زياد متروك الحديث، ورواه يوسف بن مهران عن ابن عباس
موقوفاً)) .
ثم ساقه من طريق علي بن زيد عنه، وابن زيد فيه ضعف.
الثالث: عن قارظ بن شيبة عن أبي غطفان عنه.
رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٠٨٤/٣٩١/١٠): حدثنا عبدالله بن
أحمد بن حنبل: حدثني أبي : نا وكيع عن ابن أبي ذئب عن قارظ بن شيبة به .
وزاد في أوله: ((استنشقوا مرتين)). وزاد غيره: ((بالغتين أو ثلاثاً)). وهي عند
النسائي في ((الكبرى)) وغيره، ومخرجة في ((صحيح أبي داود)) (١٢٩).
قلت: وهذا سند صحيح، ورجاله كلهم ثقات، ولا أعلم له علة.
وقارظ هذا قال النسائي :
((ليس به بأس)).
وأقره الذهبي، ووافقه العسقلاني، وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٥ / ٣٢٧
و٧ / ٣٤٤)، وقال :
((روى عنه أهل المدينة)).
ولذلك صحَّح إسناده ابن القطان، وحسَّنه الحافظ؛ كما كنت نقلته عنه في
٨٧
((صحيح أبي داود)).
ومن الغرائب أن هذه الطريق مع صحتها أغفلها كل من خرَّج الحديث من
المتأخرين؛ كالزيلعي، وابن حجر، وغيرهما ممَّن ليس مختصّاً في التخريج، بل
أغفله أيضاً الحافظ الهيثمي، فلم يورده في «مجمع الزوائد»، مع أنه على شرطه!
وهذا كله مصداق قول القائل: ((كم ترك الأول للآخر))، وهو دليلٌ واضح على أهمية
الرجوع إلى الأمهات عند إرادة التحقيق في حديث ما؛ فإنه سيجد فيها ما يجعل بحثه
أقرب ما يكون نضجاً وصواباً، والله تعالى هو الموفق.
وإذا عرفتَ هذا؛ فلا تغترَّ بقول الحافظ ابن حجر في ((الدراية)) (ص ٧) في
حديث ابن عباس هذا :
((أخرجه الدارقطني واختلف في وصله إرساله، والراجح إرساله)).
فإنه يعني الطريق الأولى، وقد عرفت أن الصواب وصله، وأنه صحيح؛ لولا
عنعنة ابن جريج، على أنك قد عرفت الجواب عنها .
٥ - وأما حديث عائشة؛ فأخرجه الدارقطني (ص ٣٧) عن محمد بن الأزهر
الجوزجاني: نا الفضل بن موسى السيناني عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن
الزهري عن عروة عنها، وقال:
((كذا قال، والمرسل أصح))
يعني: ابن جريج عن سليمان مرسلاً، وهذا مما لا شك فيه هنا، وذلك
لأمرین :
الأول: أن محمد بن الأزهر قال الحافظ في ((التلخيص)) (٣٣):
((كذَّبه أحمد)).
والآخر: أنه صحَّ عن ابن جريج مرسلاً من طرق عنه.
أخرجه عبدالرزاق (١ / ١١ / ٢٣)، ومن طريقه الدارقطني عنه قال: حدثني
٨٨
سليمان بن موسى مرفوعاً.
وقال ابن أبي شيبة (١ / ١٧): حدثنا وكيع بن الجراح عن ابن جريج به.
وأخرجه الدارقطني والخطيب في ((التاريخ)) (٧ / ٤٠٦) من طرق أخرى عن
ابن جريج .
٦ - وأما حديث أبي موسى؛ فأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١ / ٤ / ١ - من
زوائده)، وابن عدي (٢٣ / ١)، والدارقطني (٣٨) من طرق عن أشعث عن الحسن
عنه. وقال الطبراني :
((لا يروى عن أبي موسى إلا بهذا الإِسناد)).
وكذا رواه العقيلي في ((الضعفاء)) (ص ٩) عن أشعث به، وقال:
((لا يتابع عليه، والأسانيد في هذا الباب لينة)).
وقال الدارقطني :
((الصواب موقوف، والحسن لم يسمع من أبي موسى)).
٧ - وأما حديث أنس؛ فأخرجه ابن عدي (٢٤ / ١)، وأبو الحسن الحمامي
في ((الفوائد المنتقاة)) (٩ / ١ / ٢)، والدارقطني (٣٩) من طرق عن عبدالحكم عنه .
وقال الدارقطني :
(عبد الحكم لا يحتج به)).
٨ - وأما حديث سمرة بن جندب؛ فرواه تمام الرازي في ((مسند المقلين من
الأمراء والسلاطين)) (رقم ٣ - نسختي)، وعنه ابن عساكر في ((تاريخه)) (١٤ / ٣٨٧
. / ١): حدثني أبو علي محمد بن هارون بن شعيب: ثنا محمد بن عثمان بن أبي
سويد البصري : حدثنا هدبة بن خالد: ثنا همام عن سعيد بن أبي عروبة قال: كنت
عند منبر الحجاج بن يوسف، فسمعتُه يقول: حدثني سمرة بن جندب أن رسول الله
وَلي قال: (فذكره).
٨٩
وأبو علي هذا هو الأنصاري، وهو ضعيف جدّاً، لكنه لم يتفرَّد به؛ فقد أخرجه
تمام (رقم ٤) من طريق أخرى عن أحمد بن سعيد الطبري : ثنا هدبة بن خالد به.
وهدبة ومَن فوقه ثقات؛ غير الحجّاج؛ وهو الأمير المشهور بالظلم .
٩ - وأما حديث عبد الله بن زيد؛ فأخرجه ابن ماجه (رقم ٤٤٣): حدثنا سويد
ابن سعيد: ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن شعبة عن حبيب بن زيد عن عباد بن
تميم عن عبدالله بن زيد مرفوعاً. قال الزيلعي (١ / ١٩):
((وهذا أمثل إسناد في الباب؛ لاتصاله وثقة رجاله؛ فابن أبي زائدة وشعبة وعباد
احتج بهم الشيخان، وحبيب ذكره ابن حبان في ((الثقات)) في أتباع التابعين، وسويد
ابن سعید احتجّ به مسلم)».
وتعقبه الحافظ في ((الدراية)) (ص ٧) بأن سويداً هذا قد اختلط، وقال في
((التقريب)):
((صدوق في نفسه؛ إلا أنه عمي، فصار يتلقَّن ما ليس من حديثه، وأفحش فيه
ابن معين القول)».
ولهذا قال البوصيري في ((الزوائد)) (ق ٣٣ / ٢):
«هذا إسناد حسن إذا كان سويد بن سعيد حفظه)).
أقول: ولكن ذلك لا يمنع أن يكون حسناً لغيره؛ ما دام أن الرجال كلهم ثقات،
لیس فیھم متهم .
وإذا ضم إليه طريق ابن عباس الصحيح، وطريقه الآخر الذي صحَّحه ابن
القطان، وابن الجوزي، والزيلعي، وغيرهم؛ فلا شك حينئذ في ثبوت الحديث
وصحته .
وإذا ضم إلى ذلك الطرق الأخرى عن الصحابة الآخرين؛ ازداد قوة، بل إنه
ليرتقي إلى درجة المتواتر عند بعض العلماء.
٩٠
فقه الحديث :
وإذ قد صحَّ الحديث؛ فهو يدلُّ على مسألتين من مسائل الفقه، اختلفت أنظار
العلماء فيهما :
أما المسألة الأولى؛ فهي أن مسح الأذنين هل هو فرض أم سنة؟
ذهب إلى الأول الحنابلة، وحجتهم هذا الحديث؛ فإنه صريح في إلحاقهما
بالرأس، وما ذلك إلا لبيان أن حكمهما في المسح كحكم الرأس فيه .
وذهب الجمهور إلى أن مسحهما سنة فقط؛ كما في ((الفقه على المذاهب
الأربعة)) (١ / ٥٦)، ولم نجد لهم حجة يجوز التمسك بها في مخالفة هذا الحديث؛
إلا قول النووي في ((المجموع)) (١ / ٤١٥):
((إنه ضعيف من جميع طرقه))!
وإذا علمتَ أن الأمر ليس كذلك، وأن بعض طرقه صحيح، لم يطلع عليه
النووي، وبعضها الآخر صحيح لغيره؛ استطعت أن تعرف ضعف هذه الحجة،
ووجوب التمسك بما دلّ عليه الحديث من وجوب مسح الأذنين، وأنهما في ذلك
كالرأس، وحسبك قدوة في هذا المذهب إمام السنة أبو عبدالله أحمد بن حنبل،
وسلفه في ذلك جماعة من الصحابة؛ تقدَّم تسمية بعضهم أثناء تخريج الحديث، وقد
عزاه النووي (١ / ٤١٣) إلى الأكثرين من السلف.
وأما المسألة الأخرى؛ فهي: هل يكفي في مسح الأذنين ماء الرأس أم لا بدَّ
لذلك من جديد؟ ذهب إلى الأول الأئمة الثلاثة؛ كما نصَّ في ((فيض القدير))
للمناوي؛ فقال في شرح الحديث:
(((الأذنان من الرأس): لا من الوجه، ولا مستقلتان؛ يعني: فلا حاجة إلى أخذ
ماء جديد منفرد لهما غير ماء الرأس في الوضوء، بل يجزىء مسحهما ببلل ماء الرأس،
وإلا لكان بياناً للخلقة فقط، والمصطفى وَّ لم يُبْعَثْ لذلك، وبه قال الأئمة الثلاثة)).
٩١
وخالف في ذلك الشافعية، فذهبوا إلى أنه يسن تجديد الماء للأذنين ومسحهما
على الانفراد، ولا يجب، واحتجَّ النووي لهم بحديث عبدالله بن زيد أن رسول الله
وَ ل أخذ لأذنيه ماءً خلاف الذي أخذ لرأسه(١).
قال النووي في ((المجموع)) (١ / ٤١٢):
((حديث حسن، رواه البيهقي، وقال: إسناده صحيح)).
وقال في مكان آخر (١ / ٤١٤):
((وهو حديث صحيح كما سبق بيانه قريباً؛ فهذا صريح في أنهما ليستا من
الرأس؛ إذ لو كانتا منه؛ لما أخذ لهما ماء جديداً كسائر أجزاء الجسد، وهو صريح في
أخذ ماء جدید)) .
قلت: ولا حجة فيه على ما قالوا؛ إذ غاية ما فيه مشروعية أخذ الماء لهما، وهذا
لا ينافي جواز الاكتفاء بماء الرأس؛ كما دلَّ عليه هذا الحديث، فاتَّفقا ولم يتعارضا،
ويؤيِّد ما ذكرت أنه صحَّ عنه ◌ِّ :
(أنه مسح برأسه من فضل ماءٍ كان في يده)).
رواه أبو داود في ((سننه)) بسند حسن؛ كما بينتُه في ((صحيح سننه)) (رقم ١٢١)،
وله شاهد من حديث ابن عباس في ((المستدرك)) (١ / ١٤٧) بسند حسن أيضاً، ورواه
غيره؛ فانظر: ((التلخيص الحبير)) (ص ٣٣).
وهذا كله يُقال على فرض التسليم بصحة حديث عبدالله بن زيد، ولكنه غير
ثابت، بل هو شاذَّ كما ذكرت في ((صحيح سنن أبي داود)) (رقم ١١١)، وبيَّنْتَه في
(١) كان هنا في الطبعة السابقة جملة نصها: ((وهو حديث صحيح؛ كما بينته في ((صحيح
أبي داود)) (رقم ١١١))، ولما كان الذي بينته هناك هو متن آخر من حديث عبدالله بن زيد؛ حذفت
هذه الجملة، والفضل في لفت النظر إلى هذا يعود إلى أحد طلابنا الأذكياء في الجامعة الإِسلامية؛
حين كنت مدرساً لمادة الحديث فيه، جزاه الله خيراً.
٩٢
((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) تحت رقم (٩٩٧).
وجملة القول: فإن أسعد الناس بهذا الحديث من بين الأئمة الأربعة أحمد بن
حنبل رضي الله عنهم أجمعين؛ فقد أخذ بما دلَّ عليه الحديث في المسألتين، ولم
يأخذ به في الواحدة دون الأخرى كما صنع غيره. ( انظر الاستدراك رقم: ٢ ) .
ما لَمْ يَعْرفُ الطُّّ الحَدِيثُ
٣٧ - (غَطُّوا الإِناءَ، وأَوْكُوا السِّقَاءَ؛ فإِنَّ فِي السَّنَةِ ليلةً يَنْزِلُ فيها
وَبَاءٌ، لا يَمُرُّ بإِناءٍ ليسَ عليهِ غِطاءٌ، أَو سِقَاءٍ ليسَ عليهِ وِكاءٌ؛ إِلَّ نَزَلَ
فیهِ مِن ذُلكَ الوباءِ).
رواه مسلم (٦ / ١٠٥)، وأحمد (٣ / ٣٥٥) من طريق القعقاع بن حكيم عن
جابر بن عبدالله مرفوعاً. وفي رواية مسلم: ((يوماً)) مكان ((ليلة))، وهي شاذة كما سيأتي
تحقيقه إن شاء الله في المجلد السابع من هذه السلسلة (٣٠٧٦).
(أوكوا)؛ أي: شدُّوا رؤوسها بالوكاء، وهو الخيط الذي تشدُّ به القربة ونحوها.
وفي رواية لمسلم وغيره:
((غطوا الإِناء، وأوكوا السِّقاء، وأغلقوا الباب، وأطفئوا السراجَ؛ فإن الشيطانَ لا
يَحُلُّ سقاءً، ولا يفتح باباً، ولا يكشف إناءً، فإن لم يجدْ أحدُكُم إلا أنْ يعرُضَ على
إنائِهِ عوداً، ويذكُرَ اسَمَ اللهِ؛ فليفْعَل؛ فإنَّ الفُوْسِقَةَ (يعني الفأرة) تُضِرِمُ على أهل
البيت بيتھُم)).
وللحديث طرق وألفاظ أخرى، وقد سقتُها في ((إرواء الغليل في تخريج أحاديث
منار السبيل)) (رقم ٣٨)، وقد يسر الله طبعه في ثمانية مجلَّدات.
٩٣
٣٨ - (إذا وَقَعَ الذُّبابُ في شرابِ أحدِكُم؛ فَلْيَغْمِسْهُ [كُلُّه]، ثمَّ
لَْتَزِعْهُ؛ فإِنَّ في إِحدى جَناحيهِ داءً، وفي الأخْرى شِفاءً).
ورد من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك.
١ - أما حديث أبي هريرة؛ فله عنه طرق:
الأول: عن عبيد بن حنين قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: (فذكره).
أخرجه البخاري (٢ / ٣٢٩ و٤ / ٧١ -٧٢)، والدارمي (٢ / ٩٩)، وابن ماجه
(٣٥٠٥)، وأحمد (٢ / ٣٩٨)، وما بين المعكوفتين زيادة له، وهي للبخاري في
رواية له .
الثاني: عن سعید بن أبي سعيد عنه.
رواه أبو داود (٣٨٤٤) من طريق أحمد، وهذا في ((المسند)) (٣ / ٢٢٩
و٢٤٦)، والحسن بن عرفة في ((جزئه)) (ق ٩١ / ١)، وابن حبان (١٢٤٣ و٥٢٢٦ -
الإِحسان) من طریق محمد بن عجلان عنه به، وزاد :
((وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كله)).
وإسناده حسن، وكذا قال الذهبي في ((السير)) (٦ / ٣٢٢)، وأقر الحافظ في
((الفتح)) (١٠ / ٢٥١) تصحیح ابن حبان إياه.
وقد تابعه إبراهيم بن الفضل عن سعيد به.
أخرجه أحمد (٢ / ٤٤٣)، وإبراهيم هذا هو المخزومي المدني، وهو متروك.
الثالث: عن حماد بن سلمة عن ثمامة بن عبدالله بن أنس عنه به .
أخرجه الدارمي، وأحمد (٢ / ٢٦٣ و٣٥٥ و٣٨٨)، وسنده صحيح على شرط
مسلم، لولا أنه منقطع بين ثمامة وأبي هريرة؛ فإنه لم يدركه، وقال الدارمي عقبه:
((قال غير حماد: ثمامة عن أنس؛ مكان أبي هريرة)).
٩٤
قلت: وهو أصح؛ كما يأتي قريباً.
الرابع: عن محمد بن سیرین عنه به .
رواه أحمد (٢ / ٣٥٥ و٣٨٨)، وسنده صحيح أيضاً.
الخامس: عن أبي صالح عنه.
رواه أحمد (٢ / ٣٤٠)، والفاكهي في ((حديثه)» (٢ / ٥٠ / ٢) بسند حسن.
٢ - وأما حديث أبي سعيد الخدري؛ فلفظه :
٣٩ - (إِنَّ أَحَدَ جَناحَيِ الذُّبابِ سُمِّ، والآخَرَ شِفاءٌ، فإِذا وَقَعَ في
الطَّعامِ ؛ فامْقُلوهُ؛ فإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ ويُؤَخِّرُ الشَّفاءَ).
رواه أحمد (٣ / ٦٧): ثنا يزيد قال: ثنا ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد قال:
دخلتُ على أبي سلمة، فأتانا بزبد وكُتلة(١)، فأسقط ذباب في الطعام، فجعل
أبو سلمة يمقله بأصبعه فيه، فقلت: يا خال! ما تصنع؟! فقال: إن أبا سعيد الخدري
حدثني عن رسول الله وَ الر قال: (فذكره).
ورواه ابن ماجه (٣٥٠٤): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: ثنا يزيد بن هارون به
مرفوعاً دون القصة .
ورواه الطيالسي في («مسنده)) (٢١٨٨): حدثنا ابن أبي ذئب به، وعنه رواه
النسائي (٢ / ١٩٣)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (ق ٦٥ / ٢)، وابن حبان في ((الثقات))
(٢ / ١٠٢)، وفي ((الصحيح)) (١٢٤٤ - الإِحسان).
قلت: وهذا سند صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين؛ غير سعيد بن خالد
- وهو القارظي - وهو صدوق؛ كما قال الذهبي والعسقلاني .
(١) هو من التمر والطحين وغيره ما جمع؛ كما في ((القاموس)).
٩٥
٣ - وأما حديث أنس؛ فرواه البزار (٣ / ٣٢٩ / ٢٨٦٦ - الكشف) من طريق
أبي عتَّاب سهل بن حماد عن عبدالله بن المثنى عن ثمامة عنه.
قلت: وسنده صحيح؛ رجاله رجال الصحيح .
ورواه الطبراني في ((الأوسط)) (١ / ١٥٤ / ١ / ٥٨٩١ - بترقيمي) عن عبَّاد بن
منصور عن عبدالله بن المثنَّى عن أنس.
کذا؛ ليس فيه ثمامة .
ورواه ابن أبي خيثمة في ((تاريخه الكبير)).
قال الحافظ :
((وإسناده صحيح)). كما في ((نيل الأوطار)) (١ / ٥٥).
أما بعد؛ فقد ثبت الحديث بهذه الأسانيد الصحيحة عن هؤلاء الصحابة
الثلاثة: أبي هريرة، وأبي سعيد، وأنس؛ ثبوتاً لا مجال لردِّه ولا للتشكيك فيه؛ كما
ثبت صدق أبي هريرة رضي الله عنه في روايته إياه عن رسول الله وَّر؛ خلافاً لبعض
غلاة الشيعة من المعاصرين، ومن تبعهم من الزائغين؛ حيث طعنوا فيه رضي الله عنه
لروايته إياه، واتَّهموه بأنه يكذب فيه على رسول الله ◌َّلتر، وحاشاه من ذلك؛ فهذا هو
التحقيق العلمي يثبت أنه بريء من كل ذلك، وأن الطاعن فيه هو الحقیق بالطعن فيه؛
لأنهم رَمَوا صحابيّاً بالبهت، وردُّوا حديث رسول الله ◌َّر لمجرد عدم انطباقه على
عقولهم المريضة! وقد رواه عنه جماعة من الصحابة كما علمت.
وليت شعري! هل علم هؤلاء بعدم تفرُّد أبي هريرة بالحديث - وهو حجة ولو
تفرَّد - أم جهلوا ذلك؟!
فإن كان الأول؛ فلماذا يتعلَّلون برواية أبي هريرة إياه، ويوهمون الناس أنه لم
يتابعه أحدٌ من الأصحاب الكرام؟!
وإن كان الآخر؛ فهلا سألوا أهل الاختصاص والعلم بالحديث الشريف؟!
٩٦
وما أحسن ما قيل :
وإِنْ كُنْتَ تَدْرِي فالمُصيبَةُ أَعْظَمُ
فإِنْ كُنْتَ لا تَدْرِي فَتِلْكَ مُصيبٌَ
ثم إن كثيراً من الناس يتوهَّمون أن هذا الحديث يخالف ما يقرِّره الأطباء، وهو
أن الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم، فإذا وقع في الطعام أو في الشراب؛ علقت به
تلك الجراثيم .
والحقيقة أن الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك، بل هو يؤيِّدهم، إذ يخبر أن
في أحد جناحيه داء، ولكنه يزيد عليهم فيقول: ((وفي الآخر شفاء))؛ فهذا مما لم
يحيطوا بعلمه، فوجب عليهم الإِيمان به إن كانوا مسلمين، وإلا؛ فالتوقُّف إذا كان من
غيرهم إن كانوا عقلاء علماء! ذلك لأن العلم الصحيح يشهد أن عدم العلم بالشيء
لا يستلزم العلم بعدمه .
نقول ذلك على افتراض أن الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة،
وقد اختلفت آراء الأطباء حوله، وقرأتُ مقالات كثيرة في مجلات مختلفة؛ كل يؤيد
ما ذهب إليه تأييداً أو ردّاً.
ونحن؛ بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث، وأن النبي ◌َُّ ﴿ومَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى.
إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾(١)؛ لا يهمنا كثيراً ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب؛ لأن
الحديث برهان قائم في نفسه، لا يحتاج إلى دعم خارجي .
ومع ذلك؛ فإن النفس تزداد إيماناً حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم
الصحيح، ولذلك فلا يخلو من فائدة أن أنقل إلى القراء خلاصة محاضرة ألقاها أحد
الأطباء في جمعية الهداية الإِسلامية في مصر حول هذا الحديث؛ قال:
(يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض
المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضاً، فيتكون في جسمه من ذلك مادة سامة
(١) النجم: ٣.
٩٧
يسميها علماء الطب بـ (مبعد البكتيريا)، وهي تقتل كثيراً من جراثيم الأمراض، ولا
يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية، أو يكون لها تأثير في جسم الإِنسان في حال وجود
(مبعد البكتيريا).
وإن هناك خاصية في أحد جناحي الذباب؛ هي أنه يحوِّل البكتيريا إلى ناحيته،
وعلى هذا؛ فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام، وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه في
ذلك الشراب؛ فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم، وأول واقٍ منها هو (مبعد البكتيريا)
الذي يحمله الذباب في جوفه قریباً من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داءٌ؛ فدواؤهُ قریبُ
منه، وغمس الذباب كله وطرحه كافٍ لقتل الجراثيم التي كانت عالقة، وكافٍ في
إبطال عملها)).
وقد قرأت قديماً في هذه المجلة بحثاً ضافياً في هذا المعنى للطبيب الأستاذ
سعيد السيوطي (مجلد العام الأول)، وقرأت في مجلد العام الفائت (ص ٥٠٣) كلمة
للطبيبين محمود كمال ومحمد عبدالمنعم حسين؛ نقلاً عن ((مجلة الأزهر)).
ثم وقفت على العدد (٨٢) من ((مجلة العربي)) الكويتية (ص ١٤٤) تحت
عنوان: ((أنت تسأل ونحن نجيب)) بقلم المدعو عبدالوارث الكبير؛ جواباً له على سؤال
عما لهذا الحديث من الصحة والضعف؟ فقال:
((أما حديث الذباب، وما في جناحيه من داءٍ وشفاءٍ؛ فحديث ضعيف، بل هو
عقلًا حديث مفترى، فمن المسلَّم به أن الذباب يحمل من الجراثيم والأقذار ... ولم
يقل أحدٌ قط: إن في جناحي الذبابة داءً وفي الآخر شفاءً؛ إلا مَن وضع هذا الحديث
أو افتراه، ولو صحَّ ذلك؛ لكشف عنه العلم الحديث الذي يقطع بمضار الذباب
ويحض على مكافحته)) .
وفي الكلام - على اختصاره ـ من الدسِّ والجهل ما لا بد من الكشف عنه؛
دفاعاً عن حديث رسول الله وَّ﴾، وصيانة له من أن يَكْفُرَ به مَن قد يغتَرُّ بزُخْرُف القول!
٩٨
فأقول :
أولاً: لقد زعم أن الحديث ضعيف؛ يعني: من الناحية العلمية الحديثية؛
بدلیل قوله: «بل هو عقلًا حدیث مفتری)).
وهذا الزعم واضح البطلان، تعرف ذلك مما سبق من تخريج الحديث من
طرق ثلاث عن رسول الله وس18، وكلها صحيحة، وحسبك دليلاً على ذلك أن أحداً
من أهل العلم لم يقل بضعف الحديث؛ كما فعل هذا الكاتب الجريء!
ثانياً: لقد زعم أنه حدیث مفترى عقلاً!
وهذا الزعم ليس وضوح بطلانه بأقل من سابقه؛ لأنه مجرد دعوى، لم يسق
دليلًا يؤيِّده به سوى الجهل بالعلم الذي لا يمكن الإحاطة به، ألست تراه يقول: ((ولم
يقل أحد ... ولو صحَّ؛ لكشف عنه العلم الحديث ... ))؟!
فهل العلم الحديث - أيها المسكين ! - قد أحاط بكل شيء علماً، أم أن أهله
الذين لم يصابوا بالغرور - كما أصيب من يقلِّدهم منا - يقولون: إننا كلما ازددنا علماً
بما في الكون وأسراره؛ ازددنا معرفة بجهلنا، وأن الأمر بحقِّ كما قال الله تبارك
وتعالى: ﴿وَمَا أُوتِيْتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّ قَليلًا﴾(١)؟!
وأما قوله: ((إن العلم يقطع بمضار الذباب ويحض على مكافحته))؛ فمغالطة
مكشوفة؛ لأننا نقول: إن الحديث لم يقل نقيض هذا، وإنما تحدَّث عن قضية أخرى
لم يكن العلم يعرف معالجتها، فإذا قال الحديث: ((إذا وقع الذباب ... ))؛ فلا أحد
يفهم - لا من العرب ولا من العجم؛ اللهم إلا العجم في عقولهم وأفهامهم - أن
الشرع يبارك في الذباب ولا يكافحه!
ثالثاً: قد نقلنا لك فيما سبق ما أثبته الطب اليوم؛ من أن الذباب يحمل في جوفه
ما سموه بـ (مبعد البكتيريا) القاتل للجراثيم، وهذا وإن لم يكن موافقاً لما في
(١) الإسراء: ٨٥.
٩٩
الحديث على وجه التفصيل؛ فهو في الجملة موافق لما استنكره الكاتب المشار إليه
وأمثاله من اجتماع الداء والدواء في الذباب، ولا يبعد أن يأتي يوم تنجلي فيه معجزة
الرسول : ﴿ في ثبوت التفاصيل المشار إليها علمياً، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَّبَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾(١).
وإن من عجيب أمر هذا الكاتب وتناقضه؛ أنه في الوقت الذي ذهب فيه إلى
تضعيف هذا الحديث؛ ذهب إلى تصحيح الحديث: ((طهور الإِناء الذي يلغ فيه
الكلب أن يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب))، فقال:
((حديث صحيح متَّفق عليه)).
فإنه إذا كانت صحته جاءت من اتفاق العلماء أو الشيخين على صحته؛
فالحديث الأول أيضاً صحيح عند العلماء بدون خلاف بينهم؛ فكيف جاز له تضعيف
هذا وتصحيح ذاك؟!
ثم تأوَّله تأويلاً باطلا يؤدي إلى أن الحديث غير صحيح عنده في معناه؛ لأنه
ذكر أن المقصود من العدد مجرَّد الكثرة، وأن المقصود من التراب هو استعمال مادة
مع الماء من شأنها إزالة ذلك الأثر!
وهذا تأويل باطل، بيِّنُ البطلان، وإن كان عزاه للشيخ محمود شلتوت عفا الله
عنه .
فلا أدري أي خطأيه أعظم؟! أهو تضعيفه للحديث الأول وهو صحيح؟! أم
تأويله للحديث الآخر وهو تأويل باطل؟!
وبهذه المناسبة؛ فإني أنصح القراء الكرام بأن لا يثقوا بكل ما يكتب اليوم في
بعض المجلَّات السائرة، أو الكتب الذائعة، من البحوث الإِسلامية - وخصوصاً ما
كان منها في علم الحديث - إلا إذا كانت بقلم مَن يوثق بدينه أولاً، ثم بعلمه
واختصاصه فيه ثانياً؛ فقد غلب الغرور على كثير من كتاب العصر الحاضر، وخصوصاً
(١) ص: ٨٨.
١٠٠